النص المفهرس
صفحات 781-800
783 الطَّبقة التَّاسعة إشكالات على الوسيط، ومؤاخذات حسنة، وفوائد جمَّة، وتعاليق حسنة، وعلوم الحديث الذي افتضه من علوم الحديث للحاكم وزاد عليه، وله(18) كتاب في طبقات الشَّافعيَّة، اختصره الشَّيخ محيي الدِّين النَّووي رحمهما الله تعالى، واستدرك عليه جماعةٌ. وليس ما جمعاه وافيًا بالمقصود، لأنَّه فاتهما جماعة لم يذكرهم، فذلك الذي حداني إلى جمع هذه التَّعليقة في ذلك، وباللَّه الثّقة وعليه التّكلان. فمن مشاهير شيوخه ابن طبرزد، والمؤيَّد الطُّوسي، وابن سكينة، وزينب الشَّعريّة، ومنصور الفراوي، والشَّيخ الموفَّق وزين الأمناء والفخر ابن عساكر. وممَّن تفقَّه عليه وروى عنه شهاب الدِّين أبو شامة، والإمام تقيَّ الدِّين ابن زُرَيق قاضي الدِّيار المصريَّة، والعلاَّمة شمس الدِّين ابن خلِّكان قاضي البلاد الشَّاميَّة، والكمال سلار والكمال إسحاق، شيخًا النَّووي، وروى عنه من النُّبلاء ابنه محمَّد، وصهره فخر الدِّين عمر بن يحيى الكرخي، والشَّيخ الإمام تاج الدِّين العزَّازي، وأخوه الخطيب شرف الدِّين ، والشَّيخ زين الدِّين الفارقي، وآخر من حدَّث عنه القاضي أحمد بن علي الجيلي، وشيخنا الشّهاب أحمد بن العفيف، رحمهم الله تعالى. وانتقل إلى رحمة الله تعالى في سحر يوم الإربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثٍ وأربعين وستِّمائة، والبلد محاصر بالخوارزميَّة، فشهد جنازته جمٍّ غفيرٌ وعددٌ كبيرٌ في الجامع، وحمل على الرُّؤوس، وصلّي عليه ثانيًا داخل باب الفرج، ثمَّ خرج به نفرٌ يسيرٌ نحو العشرة، ورجع النَّاس بسبب الحصار، ودفن غربي مقبرة الصُّوفيَّة، وقبره مشهورٌ هناك يزار، رحمه الله تعالى، وعاش ستًّا وستين سنة. 867) علي(19) بن محمَّد بن عبد الصَّمد، الشَّيخ علم الدَّين أبو الحسن الهمذاني السَّخاوي المصري. شيخ العربيَّة والقرَّاء والفقهاء في زمانه بدمشق. (18) هديّة 654/1. السُّبكي 297/8، والإسنوي 68/2، وغاية النّهاية 568/1، وإنباه الرُّواة 311/2، ومعجم الأدباء 10/ 65، والبداية 170/13. (19) 784 طبقات الشافعية سمع بالثّغر من السِّلفي وجماعة، وبدمشق من ابن طبرزد، وحنبل، والكندي، وأخذ عنه علم العربيَّة، وأكثر عن الإمام أبي القاسم الشَّاطبي، وقرأ عليه، وانتفع به حتَّى فاق أهل زمانه في القراءات والعربيَّة والتَّفسير، وكان يفتي على مذهب الإمام الشَّافعي، وله حلقة للإقراء بجامع دمشق عند قبر زكريّاء، وهو يفتتح القراءة بتربة أمّ الصَّالح، وله(20) تفسير في أربع مجلَّدات، (وصل فيه إلى الكهف، وشرح الشَّاطبيَّة والرَّائيَّة في ثلاث مجلَّدات)(21)، وله غير ذلك في فنون القراءة، وانتفع به جماعةٌ كثيرون من الطَّلبة، وغيرهم. وأثنى عليه أئمَّة كالعماد الكاتب في السَّيل على الذَّيل، وذكر له قصيدةً امتدح بها الملك النَّاصر فاتح بيت المقدس وأجاد فيها، والقاضي شمس الدِّين ابن خلِّكان(22)، والشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(23) فإنَّه قال: وفي الثَّاني عشر جمادى الآخرة(24) توفّي شيخنا علم الدِّين علاَّمة زمانه وشيخ أوانه بمنزله بالتُّربة الصَّالحيَّة، ودفن بقاسيون، وكانت على جنازته هيبة وجلالة وإخباتٌ، ومنه استفدت علومًا جمَّةً كالقراءات والتَّفسير وفنون العربيَّةِ، وصحبته من شعبان سنة أربع عشرة وستمائة إلى أن مات وهو عنّي راضٍ. ومن شعره : وينزلُ الرَّكبُ بمغناهم قالوا: غدًا نَأْتِي دِيَارَ الحمى أصبح مسرورًا بلقياهم وكلُّ من كان مطيعًا لهم بِأيّ وجهِ أتلقَّاهم؟ قلت: فلي ذنب فما حيلتِي؟ لا سيَّما عمَّن ترجَّاهم قيل: أليس العفو من شأنهم؟ (20) هديَّة 708/1. ما بين القوسين ساقط من - ب - . (21) (22) وفيات 340/3 . ذيل الرَّوضتين 177. (23) أي سنة 643 هـ. (24) 785 الطّبقة التَّاسعة 868) علي (25) بن هبة الله بن سلامة بن المسلِّم أحمد بن علي، الإمام العلاَّمة بهاء الدِّين أبو الحسن اللَّخمي المصري الشَّافعي الخطيب ابن بنت أبي الفوارس الجمّيزي. ولد يوم عيد الإضحى سنة تسع وخمسين وخمسمائة بمصر. حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، ورحل به أبوه إلى دمشق، فسمَّعه من الحافظ ابن عساكر صحيح البخاري بفوتٍ يسيرٍ، ورحل معه إلى بغداد، فقرأ بها القراءات العشر، واشتغل بمذهب الشَّافعي على قاضي القضاة أبي سعد ابن أبي عصرون، وقرأ عليه القراءات العشر أيضًا، وسمع عليه المهذَّب، وقد سمعه ابن أبي عصرون من الشَّيخ أبي علي الفارقي عن المصنّف، وسمع عليه الوسيط للواحدي رحمه الله تعالى، والوجيز أيضًا، والوقف والابتداء لابن الأنباري، ومعالم السُّنن للخطّابي، وغير ذلك، وقد عظّمه ابن أبي عصرون، وألْبَسَهُ طيلسانًا ليميِّزه بذلك وكتب له: لمَّا ثبت عندي علم الولد الفقيه الإمام بهاء الدِّين أبي الحسن علي ابن أبي الفضائل وفَّقه اللَّه ودينه وعدالته رأيت تمييزه من بين أبناء جنسه وتشريفه بالطَّيلسان، والله يرزقه القيام بحقِّه، وكتب عبد الله بن محمَّد ابن أبي عصرون. وقد تفقَّه أيضًا بمصر على أبي إسحاق إبراهيم بن منصور العراقي، والشّهاب محمَّد بن محمود الطُّوسي، وقرأ بالقراءات أيضًا على أبي القاسم الشَّاطبي، وسمع منه الموطأ، وسمع أيضًا على السِّلفي، وشهدة، وجماعة. وروى عنه الزكيَّان البرزالي، والمنذري، وابن النجَّار، وشرف الدِّين الدُّمياطي، وابن دقيق العيد، والقاضي تقيُّ الدِّين سليمان المقدسي، وأجاز لغير واحدٍ من مشائخي، ولله الحمد. توفّي عن تسعين سنة في الرَّابع والعشرين من ذي الحجّة سنة تسع وأربعين وستمائة، رحمه الله تعالى. (25) السُّبكي 301/8، والإسنوي 377/1، وذيل الرَّوضتين 187، وغاية النّهاية 583/1 والبداية . 181 /13 786 طبقات الشافعية 869) عمر (26) (26) بن عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمان بن الحسن بن عبد الرَّحمان، الفقيه الإمام كمال الدِّين أبو هاشم ابن العجمي الحلبي. من بيت حشمةٍ ورئاسةٍ. تفقَّه على طاهر بن جهبل، وسمع الحديث من يحيى الثَّقفي، ودرَّس وأفتى، ويقال: إنَّه درَّس المهذَّب من حفظه خمسًا وعشرين مرَّةً . وكان شديد الوسواس في الطَّهارة، ولم يزل كذلك حتَّى كان سبب هلاكه، وهو أنَّه دخل الحمَّام فدخل الخزانة ليستحمَّ منها فضاق نفسه وضعفت قواه. ومات رحمه اللَّه في حادي عشر رجب سنة اثنتين وأربعين وستِمائة، وقد جاوز الثمانين. 870) محمَّد(27) بن الحسين بن محمَّد بن الحسين بن ظفر، القاضي شمس الدِّين أبو عبد اللَّه العلوي الحسيني الأرموي. ثُمَّ المصري، نقيب الأشراف بها، وأوحد أئمَّة الشَّافعيَّة، ويعرف بقاضي العسكر . تفقَّه على شيخ الشُّيوخ صدر الدِّين أبي الحسن بن حمُّويه وصحبه مدَّةً، وبرع في المذهب وساد، وتقدَّم بعلمه وشرفه، ودرَّس بمدرسة ابن زين التجَّار(28) بمصر، وولي نقابة الأشراف، وكان ذا يدٍ طولى في الأصول والنَّظر، وسمع الحديث من فاطمة بنت سعد الخير. وحدَّث عنه الدُّمياطي، وغيره. وتوفّي في ثالث شؤَّال سنة خمسين وستِّمائة، وقد جاوز السَّبعين رحمه الله. (26) سیر 115/23 . (27) الإسنوي 222/2، والوافي 17/3، والمقفَّى 597/5 وفيه: دفن بالقرافة. الخطط 4/ 193، وفيها: وبالمدرسة النَّاصريَّة بجوار جامع عمرو بن العاص بمدينة مصر، (28) وكانت تعرف بابن زين التُّجار، فعرفت به، ويقال لها إلى اليوم المدرسة الشَّريفيَّة. 787 الطَّبقة التَّاسعة 871) محمَّد(29) بن عبد الكافي بن علي بن موسى، القاضي شمس الدِّين أبو عبد الله وأبو بكر الرَّبعي الصقلِّي ثمَّ الدِّمشقي. أحد أعيان أصحاب الشّافعي في زمانه، أخو النَّجم علي، والرَّضي عبد الملك، واشتغل وحصَّل، وسمع الحديث، ودرَّس بالأمينيَّة، وقد ولي في وقت قضاء حمص، وناب القضاء بدمشق. وتوفِّي رحمه اللَّه في تاسع عشر ذي الحجّة سنة تسع وأربعين وستِّمائة، عن تسع وستين سنة. سمع الأمير أسامة بن منقذ وغيره. روى عنه ابن الحلوانيَّة، والمجد ابن العديم، والحافظ شرف الدِّين الدُّمياطي، وغيرهم. 872) محمَّد(30) بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن، الحافظ الكبير، محبَّ الدِّين أبو عبد الله ابن النجَّار. صاحب التّاريخ الكبير الذي ذيَّل به على تاريخ بغداد للخطيب، واستدرك عليه فجاء في نحو ثلاثين مجلّدًا. وكان شافعيَّ المذهب: له(31) مناقب الشَّافعي، وفوائد كثيرة جمَّة منها: كتاب القمر المنير في المسند الكبير، جمع كلَّ صحابيٍّ وما رواه، وكتاب كنز الإمام في السُّنن والأحكام، وكتاب الكمال في معرفة الرِّجال، وكتاب في المتَّفق والمفترق، وكتاب في المؤتلف والمختلف، وكتاب فيه معجمٌ له اشتمل على نحوٍ من ثلاثة ألاف شيخ، وغير ذلك من الفوائد الجمَّة والمقاصد المهمَّة. ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وأوَّل سماعه وهو ابن عشر، وطلب بنفسه وهو ابن خمس عشرة، فقرأ على ابن الجوزي، والمبارك ابن المعطوس، (29) السُبكي 75/8، وسير 255/23. (30) السُّبكي 98/8، والإسنوي 502/2، وفوات الوفيات 36/4، والبداية 169/13، والمقفّى . 136 /7 هديّة 122/2 . (31) 788 طبقات الشافعية وعبد المنعم بن كليب، ويحيى بن يونس، وذاكر بن كامل، ورحل رحلةً عظيمةً إلى الشَّام ومصر والحجاز وأصبهان وحرَّان ومرو وهراة ونيسابور، ولقي أبا روح الهروي، وعن الشَّمس الثقفيَّة، وزينب الشّعريّة، والمؤيَّد الطُّوسي، وداود بن معمر، والكندي، وأبا القاسم ابن الحرستاني، ثمَّ شارك وكتب عمَّن دبَّ ودرج، وعمَّن نزل وعرج، وعني بهذا الشأن عنايةً بالغةً، وكتب الكثير وحصَّل وجمع. وروى عنه الكمال الصَّابوني، والعزُّ الفاروثي، والشّريشي، وابن بلبان، وبالإجازة التقيُّ سليمان، وغيرهم. قال شيخنا أبو عبد اللَّه الذّهبي: أخبرنا علي بن أحمد العلوي، أخبرنا محمَّد بن محمود ابن الحسن الحافظ سنة ثلاثٍ وثلاثين وستِّمائة، أخبرنا عبد المعزِّ بن محمَّد البزَّار. ح . قال شيخنا: وأخبرنا أحمد بن هبة اللَّه عن عبد المعزّ، أخبرنا يوسف بن أيُّوب الزَّاهد، أخبرنا أحمد بن علي الحافظ، (أخبرنا أحمد بن عبد اللَّه الحافظ)(32)، أخبرنا حبيب بن الحسن، أخبرنا عبد الله بن أيُّوب، أخبرنا أبو نصر النجَّار، أخبرنا حمّاد، عن علي ابن الحكم، عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: ((من كتم علمًا علَّمه اللَّه ألجمهُ اللَّه بلجامٍ من نارٍ)). 873) محمَّد(33) بن ناماور بن عبد الملك، قاضي القضاة بالدِّيار المصريّة، أفضل الدِّين أبو عبد اللَّه الخُونجي الشَّافعي. ولد سنة تسعين وخمسمائة، وطلب وحصَّل وبالغ في علوم الأوائل حتَّى تفرَّد برئاسة ذلك في زمانه، واتَّفق له ولاية القضاء بالدِّيار المصريّة والتَّدريس بالصَّالحيَّة، وأفتى وناظر، وصنَّف(34) الموجز في المنطق، والجمل، وكشف الأسرار، وغير ذلك في المنطق والطَّبيعي. ما بين القوسين ساقط من الأصل ، مثبت في - ب -. (32) السُّبكي 8/ 105، والإسنوي 502/1، وحسن المحاضرة 312/1، وسير 228/23. (33) (34) هديّة 123/2 . 789 الطَّبقة التَّاسعة قال الشَّيخ شهاب الدِّين أبو شامة (35): كان حكيمًا منطقيّاً، وكان قاضي قضاة مصر . ومات في خامس رمضان سنة ستٍّ وأربعين وستِّمائة. وقد رئاه تلميذه العزُّ حسن بن محمَّد الضَّرير الأربلي الفيلسوف فقال: وماتت بموت الخونجيّ الفضائلُ قَضَى أفضل الدُّنيا فلم يبق فاضلُ فَحَلَّ لَنَا مَا لَم تُحِلّ الأوائِلُ فَيَا أَيُّهَا الحِبْرُ الذِي جَاءَ آخِرًا وهي طويلة، سامحه الله تعالى آمين. (35) ذيل الرَّوضتين 182. المرتبة الأولى من الطَّبقة العاشرة من أصحاب الإمام الشَّافعي رحمه الله فيها من أوَّل سنة إحدى وخمسين وستِّمائة إلى آخر سنة ستِّين 874) أحمد(7) بن يحيى بن هبة الله بن سنيّ الدَّولة الحسن بن يحيى بن محمَّد بن علي بن صدقة ابن الخيَّاط، قاضي القضاة صدر الدِّين ابن قاضي القضاة شمس الدِّين ابن أبي البركات الثَّعلبي الدِّمشقي الشَّافعي، ابن سنيٍّ الدَّولة. كان جدُّه الحسن بن يحيى سنيِّ الدَّولة أحد كتَّاب الإنشاء لملك دمشق قبل نور الدِّين الشّهيد، وكان ذا مالٍ وثروةٍ. وولد قاضي القضاة صدر الدِّين سنة تسعين وخمسمائة. وسمع الحديث من ابن طبرزد، والكندي، وحنبل، والخطيب الدَّولعي، وجماعة . وتفقَّه على والده، والفخر ابن عساكر، وبرع في المذهب، وقرأ الخلاف على الصَّدر البغدادي، ونشأ في صيانةٍ وديانةٍ ورئاسةٍ، ودرَّس في سنة خمس عشرة وستمائة . وأفتى بعد ذلك وناب في القضاء عن أبيه سنة ستِّ وعشرين؛ ثمَّ ولي وكالة بيت المال، ثمَّ استقلَّ بمنصب القضاء مدَّةً، ثمَّ عزل واستمرَّ على تدريس الإقباليَّة والجاروخيَّة، وكان محمودًا جميل السِّيرة؛ وأوقف أوقافًا كثيرةً على ذرِّيته؛ ولمَّا (1) السُّبكي 41/8، ولم يزد على ذكر اسمه، والإسنوي 548/1 وتذكرة الحفّاظ 4/ 1441، والبداية 224/13. 792 طبقات الشافعية قدم هُولو(2) البلاد الحلبيَّة سافر ابن سنيِّ الدَّولة، والقاضي محيي الدِّين ابن الزَّكي إليه، فخدعه ابن الزَّكي لأَنَّه كان أدرب منه فولُّوه القضاء، ورجع ابن سنيِّ الدَّولة بلا شيء فمرض في الطَّريق، ودخل بعلبك في محفّةٍ، فبقي بها يومين، ومات في عاشر جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وستِّمائة، عن ثمانٍ وسبعين سنة. وقد روى عنه جماعة منهم القاضي تقيُّ الدِّين سليمان، والخطيب شرف الدِّين الفراوي، وابن النجّار، وشيخنا ابن الزلاَّد، والحافظ شرف الدِّين الدُّمياطي، وقال: خرَّجت له مُعْجَمًا فأجازني بملبوسٍ نفيسٍ، وكان يتفقَّدني ويحسن إليَّ. 875) إسماعيل(3) بن حامد ابن أبي القاسم عبد الرَّحمان بن المرجَّى ابن المؤمِّل بن محمَّد بن علي بن إبراهيم بن نفيس، الصَّدر المحترم، شهاب الدِّين أبو المحامد وأبو الطَّاهر وأبو العرب الأنصاري الخزرجي القوصي ثمَّ الدِّمشقي الشَّافعي. ولد بقوص سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وسمع ببلده، وقرأ القراءات، ثمَّ قدم مصر سنة تسعين، وسمع بها أيضًا، واجتمع بالقاضي الفاضل وسمع منه بيتين فقط، ثمَّ ارتحل إلى دمشق، فسمع بها من الخشوعي، والقاسم ابن عساكر، والعماد الكاتب، وحنبل، وابن طبرزد، وجماعة . وخرَّج لنفسه معجمًا فيه فوائد وعجائب وغرائب وغلط أيضًا(4)، واتّصل بالوزير ابن شكر، فحظي عنده، وأنفذه رسولاً إلى البلدان، ثمَّ ولاَّ وكالة بيت المال بالشّام، وصارت له وجاهةٌ وحشمةٌ، وتقدَّم عند الملوك، وكان ذا هيئةٍ حسنةٍ وشارةٍ وبزَّةٍ مرتفعةٍ وبغلةٍ وطيلسان محيكِ لا يفارقه. ودرَّس بحلقته التي أوقفها بجامع دمشق، وكان ذا فضلٍ وفضيلةٍ مفوَّهًا فصيحًا حافظًا للأشعار، وقد امتدحه جماعة وأخذوا جوائز. وروى عنه الدُّمياطي، وابن الحلوانيَّة، وجماعة. منادمة 354، هولو الشَّهير بابن العابد كان ذا سيرة استبداديَّة. (2) (3) الإسنوي 2/ 325، وذيل الرَّوضتين 189، وسير 288/23. هديّة 213/1. (4) 793 الطَّبقة العاشرة توفّي في سابع عشر ربيع الأوَّل سنة ثلاثٍ وخمسين وستِّمائة (5). 876) إسماعيل(6) ابن أبي البركات بن هبة الله بن محمَّد ابن أبي الرِّضا سعيد بن هبة اللَّه محمَّد الموصلي، المعروف بابن باطيش، عماد الدِّين أبو المجد. وأصله من الحديثة، وكان والده عدلاً بالموصل. قرأ الفقه بالموصل، ثمَّ سافر إلى بغداد، وتفقَّه بالمدرسة النّظاميَّة حتَّى برع بالخلاف والفقه والجدل والأصلين ومعرفة الفتاوي، وقرأ الفقه على الشَّيخين أبي زكريَّاء يحيى بن سليمان ابن العطَّار، وأبي المظفَّر محمَّد بن علوان بن مهاجر، واشتغل بالأدب والحديث وفنون العلم. وسمع من أبي أحمد ابن أبي سكينة، وأبي حفص ابن طبرزد، وأبي محمَّد ابن الأخضر، وله مشيخة، وسمع بالموصل أيضًا من ابن طبرزد، وأبي محمَّد عبد الله بن أحمد ابن أبي المجد الحربي، وأبي الحسن علي بن أحمد، بن ... وأبي المعالي نصر الله ابن سلامة، وابن حاتم، وعمر بن عمر بن جلدك، وأبي العبّاس أحمد ابن أبي بكر بن سلمان ابن الأصفر، وغيرهم، وسمع بدمشق من أبي اليمن الكندي، ومن أبي البركات ابن ملاعب، وغيرهم، وكانت شيوخه فوق المائة، وعاد إلى الموصل ورتَب معيدًا بالمدرسة البدريّة وجعل خازن كتبها، ثمَّ انتقل إلى حلب سنة ثلاث عشرة وستمائة ودرَّس بالمدرسة النُّوريَّة في سنة سبعٍ وعشرين وستمائة . وله مصنّفات كثيرة منها(7): كتاب طبقات أصحاب الشَّافعي، ومنها كتاب مزيل الارتياب عن مشتبه الأنساب، وكتاب مشتبه النّسبة(8)، وكتاب في شرحٍ ألفاظ المهذَّب والأسامي المودعة فيه، وكتاب التّمييز والفصل بين المتَّفق في الخطّ والنُّقط والشّكل، وكتاب نهاية معرفة الأوائل، وكتاب نهاية الأدب في تهذيب الإسنوي، وفيه: ودفن بدار التي وقفها دار حديث، (القوصيَّة، الدَّارس 97/1). (5) (6) السُّبكي 131/8، والإسنوي 275/1، وذيل مرآة الزَّمان 54/2. (7) هديّة 213/1. حصلت على نسخة منه بخطّ المؤلّف، وهي قيد التَّحقيق. (8) 794 طبقات الشافعية عجالة النَّسب، وكتاب أقصى الأمل في علم الجدل، وكتاب عدَّة السَّالكين، وكتاب مزيل الشُّبهات في إثبات الكرامات، وكتاب نهاية المرام في إيضاح أركان الإسلام، وكتاب فضل الصِّيام وما ورد في الحثّ على صومه من الشّهر والأيّام، وحديثًا عن أربعين فقيهًا من الصَّحابة، وشرح التَّنبيه للشّيخ أبي إسحاق الشِّيرازي في عشر مجلّدات أخذته العرب في جملة كتبه وعاد بعضه، وكتاب المشتاق إلى معرفة الأفاق، وغير ذلك. مدار الفتوى كانت عليه في حلب، وكان كثير المروءة كريم الصُحبة حسن الأخلاق، يراعي حقَّ أصدقائه ويبالغ في قضاء حوائجهم وكان ديِّنًا صالحًا كريمًا حليمًا، وله شعرٌ. ولمَّا خرج من الموصل قاصدًا حلب خرجت العرب على القافلة فأخذوه في الحملة وأخذوا كتبه وقماشه، ووصل إلى حلب فعوَّضه الأمير شمس الدِّين عن جميع ذلك، وكانت له منه المكانة الجليلة وكبير الاعتقاد فيه. ولد بالموصل في سادس عشر المحرَّم سنة خمسٍ وسبعين وخمسمائة. وتوفِّي في الرَّابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمسٍ وخمسين وستِّمائة بحلب، ودفن بكرة الجمعة بتربة الأمير شمس الدِّين لؤلؤ شرقيٍّ حلب، تغمَّده الله برحمته . روى لنا عنه من شيوخنا قاضي القضاة بدر الدِّين، والسيِّد الشّريف الشّيخ عزّ الدِّين العراقي، رحمهما الله وإيَّانا بكرمه آمين. وقال الشّيخ تاج الدِّين ابن أنجب في ترجمة الشّيخ عماد الدِّين ابن باطيش: إسماعيل بن هبة الله بن سعيد بن هبة الله بن محمَّد بن هبة الله بن محمَّد ابن علي بن حمزة بن فارس ابن باطيش، الفقيه الشَّافعي، ذو الفضائل الجمَّة، المدرّس المفتي، من أهل الموصل، تفقَّه بالمدرسة النّظاميَّة ببغداد على الشَّيخ مجد الدِّين يحيى ابن الرَّبيع، وغيره، وسمع الحديث وقرأ الأدب وأتقن معرفة المذهب والخلاف والأصولين بعد أن استظهر القرآن والفرائض، وذكر مصنّفات منها: كتاب طبقات أصحاب الشَّافعي، وكتاب غاية الوسائل إلى معرفة الأوائل، وكتاب هداية الفقيه إلى معاني التَّنبيه، وكتاب المصباح في الأحاديث الصِّحاح. 795 الطّبقة العاشرة ومن نظمه: ومحلُّه من بان قلبُ يا غَائِبًا عن نَاظري في القلب نيرانٌ تشبُّ ومن أستقلَّ فبعده ما هذَّني والبعد صعبُ حمّلت عند مسيركم ونار قلبي ليس تخبُو أبكي الطُّلولَ تأسُّفًا في الهوى إذْ عزَّ خطب بأبي الرّجال أما معين يَّام بالأحباب حربُ في كلّ يوم من الأ وألتقي من لا أحبُّ ينأى ويبعدُ من أحبُّ ين بقربكم والعيشُ نهبُ فتحقُّ أيَّام مضـ لي بَعدكم بدلٌ يُحبُّ لا تنقضوا عهدي فما 877) داود(9) بن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل الخطيب عماد الدِّين أبو المعالي وأبو سليمان الزَّبيدي المقدسي ثمَّ الدِّمشقي الشَّافعي. خطيب بيت الأبَّار وابن خطيبها، سمع الخشوعي، وابن طبرزد، وحنبلاً، وجماعة . وعنه الدُّمياطي، والشّيخ زين الدِّين الفارقي، والفخر ابن عساكر، وجماعة، وكان ديّنًا فصيحًا مهيبًا فقيهًا. ولي الخطابة بدمشق، وتدريس الغزّاليَّة بعد انفصال الشَّيخ عزِّ الدِّين ابن عبد السَّلام من دمشق، ثمَّ عزل بعد ستّ سنين ورجع إلى خطابة بلده. ومات في حادي عشر شعبان سنة ستّ وخمسين وستِّمائة وله ستُّون سنةً، وتأسَّف النَّاس عليه. الإسنوي 142/1، وسير 301/23. (9) 796 طبقات الشافعية 878) صقر(10) بن يحيى بن سالم بن عيسى بن صقر، الإمام المفتي المعمِّر ضياء الدِّين أبو المظفَّر وأبو محمَّد الكلبي الحلبي. شيخها ومفتيها ومدرّسها الشَّافعي؛ كان بارعًا إمامًا في مذهب الشَّافعي، وسمع الحديث من يحيى بن محمود الثّقفي، والخشوعي، وحنبل، وابن طبرزد. وعنه أخوه أبو إسحاق إبراهيم، والدُّمياطي، وابن الطَّاهري، والكمال إسحاق، وجماعة، وكان موصوفًا بالدِّيانة والعلم. توفّي وقد أضرَّ(11) في آخر عمره في سابع عشر صفر سنة ثلاثٍ وخمسين وستمائة بحلب، رحمه الله. 879) عبد اللَّه(12) ابن أبي الوفاء محمَّد بن الحسن بن عبد الله بن عثمان، الإمام نجم الدِّين أبو محمَّد البَادَرَائِي(13) . أحد رؤساء الشَّافعيَّة وعلمائهم. ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، واشتغل حتَّى برع في المذهب وتقدَّم وساد حتَّى وَليَ تدريس النّظاميَّةِ ببغداد، وصارت له وجاهةٌ ورئاسةٌ عند الخلفاء، وبعثوه رسولاً إلى الآفاق. وقد سمع الحديث من أبي منصور سعيد بن محمَّد الرزَّاز، وعبد العزيز بن منينا، وسعيد بن هبة اللَّه الصَّباغ، وجماعة؛ وحدَّث بدمشق وبحلب وبمصر وببغداد ... قبل ذلك دارًا تعرف بدار أسامة(14)، اشتراها البادرائي وغيرها من البلاد، وبنى بدمشق مدرسةً كبيرةً للشّافعيَّة من أحسن المدارس، وكانت من الملك النَّاصر داود بن المعظّم فبناها مدرسةً وشرط على فقهائها العُزوبة، وأن لا يكون الفقيه في غيرها من المدارس وما ذاك والله أعلم إلاَّ لتوقُّر همَّة الفقيه على الطَّلب والاشتغال، وإلاَّ فلو استشعر أنَّ الطَّالب لا يصدُه صادٌّ ولا يردُّه رادٌ لما ألجأهم إلى ذلك، سامحه الله وغفر له. السُّبكي 8/ 153، والبداية 186/13، وسير 301/23. (10) (11) نكت الهميان 174. السُّبكي 159/8، والإسنوي 276/1، والمقفّى 113/4. (12) معجم البلدان 316/1 بادرايا، بليدة بقرب باكسايا بين البندنجين ونواحي واسط. (13) المقفَّى، وفيه: وله بدمشق مدرسة تعرف بالبادرائيَّة كانت تعرف بدار شامة. (14) 797 الطَّقة العاشرة وقد كان رحمه اللَّه فقيهًا عالمًا متواضعًا دمثَ الأخلاق، ولم يمت حتَّى أجبروه على ولاية القضاء فقبله عن كرهٍ، فباشره خمسة عشر يومًا، ثمَّ جاءته المنيَّة في أوَّل ذي القعدة سنة أربع وخمسين وستمائة، ولمَّا وصل الخبر إلى دمشق عُمِلَ عزاؤه بمدرسته في ثامن عشر ذي الحجَّة من السَّنة، وحَضره الشَّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(15) . 880) عبد الحميد(18) بن عيسى بن عمُّويه بن يونس ابن خليل، العلاَّمة شمس الدِّين أبو محمَّد الخُسْرِوْشَاهِي، قرية بقرب تبریز. الفقيه المتكلّم الشّافعي. أخذ علم الكلام عن فخر الدِّين أبي عبد الله محمَّد بن عمر الرَّازي ابن خطيب الريِّ، فبرع وتفنَّن في علوم متعدِّدةٍ، ودرَّس وناظر، وقد اختصر المهذَّب في الفقه، والشّفا لابن سينا، وله غير ذلك(17)، وله تشكيكات وإيرادات وأسئلة يُستجاد بعضها . وقد سمع الحديث من المؤيَّد الطُّوسي، واشتغل عليه الخطيب زين الدِّين ابن المرحَّل الشَّافعي. وروى عنه أبو محمَّد الدُّمياطي، وقد أقام مدَّة بمدينة الكرك عند صاحبها الملك النَّاصر داود بن المعظّم، ثمَّ انتقل إلى دمشق. ومات في الخامس والعشرين من شؤَّال سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ودفن بقاسيون، ومولده سنة ثمانين وخمسمائة، رحمه الله. 881) عبد الرَّحمان(18) بن نوح بن محمَّد، الإمام شمس الدِّين التُّركُماني. الفقيه الشَّافعي. ذيل الرَّوضتين 198، توفّي يوم السَّبت مستهلٌ ذي الحجّة سنة 655، ودفن قريبًا من (15) الجنید . السُّبكي 161/8، والإسنوي 503/1، وعيون الأنباء 2/ 173، وسير 23/ 281 281/23، (16) والبداية 13/ 185 . هديّة 506/1 . (17) السُبكي 188/8، وذيل الرَّوضتين 189، وسير 309/23، والبداية 188/13. (18) 798 طبقات الشافعية تلميذ الشَّيخ تقيَّ الدِّين ابن الصَّلاح، وكان بصيرًا بالمذهب عارفًا به، ولي تدريس الرَّواحيَّة ونظرها مدَّة، ثمَّ نزل عن ذلك لولده ناصر الدِّين المقدسي، قالوا: ولم يكن أهلاً لذلك وهو الذي صار إلى ما صار وجرى له ما جرى من الشَّنق والشُّهرة وغير ذلك، وهو أخو الشَّيخ بهاء الدِّين المقدسي. توفّي والدهما عبد الرَّحمان بن نوح في ربيع الأوَّل سنة أربعٍ وخمسين وستمائة، عن تسعين سنة، رحمه الله. 882) عبد الرَّحيم(19) بن نصر بن يوسف، الإمام الزَّاهد المحدِّث القاضي صدر الدِّين أبو محمَّد البعلبكي، القاضي بها . قال الشّيخ قطب الدِّين(20): كان فقيها عالمًا زاهدًا جوادًا كثير البرِّ مُقتصدًا في ملبسه، ولم يقتن دابَّة، كان يقوم اللَّيل ويكثر الصَّوم ويحمل العجين إلى الفرن ويشتري حاجته، وله حرمةٌ وافرةٌ، وكان يخلعُ عليه بطيلسان دون من تقدَّم من القضاة . تفقّه على الشّيخ تقيَّ الدِّين ابن الصَّلاح، وسمع التّاج الكندي، والشَّيخ الموفَّق، وصحب الشَّيخ عبد اللَّه اليونيني، وغيرهم. توفّي رحمه الله في الرَّكعة الثّانية من صلاة الظُّهر تاسع ذي القعدة سنة ستِّ وخمسين وستمائة . وكانت له أحوال ومكاشفات، وقد رثاه القاضي شرف الدِّين المقدسي بقوله : تَضيقُ وجازَ الوجدُ غايةَ قَدْرِهِ لِفَقْدِكَ صَدر الدِّین أضحت صُدُورنا تفئَّتَ أَشْجَانًا على فَقْدٍ صَدْرِهِ وَمَنْ كَان ذَا قَلْبٍ عَلى الدِّينِ مُنطوٍ السُّبكي 194/8، والإسنوي 277/1، وذيل الرَّوضتين 199. (19) (20) ذيل مرآة الزَّمان. 799 الطَّبقة العاشرة 883) عبد العزيز(21) بن عبد السَّلام ابن أبي القاسم بن الحسن الشّيخ الإمام العلاَّمة وحيد عصره عزّ الدِّين أبو محمَّد السُّلمي الدِّمشقي ثمَّ المصري، شيخ الشَّافعيَّة . ولد سنة سبعٍ أو ثمانٍ وسبعين وخمسمائة. وتفقَّه على الفخر ابن عساكر، وبرع في المذهب، وفاق فيه الأقران والأضراب، وجمع من فنون العلم العجب العجاب من التّفسير والحديث والفقه والعربيَّة والأصول واختلاف المذاهب والعلماء وأقوال النَّاس ومآخذهم، حتَّى قيل: إنَّه بلغ مرتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطَّلبة من سائر البلاد، وصنَّف المصنَّفات المفيدة، واختار وأفتى بالأقوال السَّديدة، وقد سمع الحديث من ابن طبرزد، والقاسم ابن عساكر، وحنبل، وأبي القاسم ابن الحرستاني، وغيرهم. وعنه الشّيخ شرف الدِّين الدُّمياطي وخرَّج له أربعين حديثًا عوالي، والقاضي تقيَّ الدِّين ابن دقيق العيد، وخلق. رحل إلى بغداد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، فأقام بها أشهرًا، وكان أمَّارًا بالمعروف نهَّاءً عن المنكر، وقد ولي الخطابة بدمشق بعد الدَّولعي فأزال أشياء كثيرة من بدع الخطباء ولم يلبس سَوَادًا ولا سجع خطبةً بل كان يقولها مسترسلاً، واجتنب الثَّناء على الملوك بل كان يدعو لهم، وأبطل صلاة الرَّغائب والنّصف (22)، فوقع بينه وبين شيخ دار الحديث الإمام أبي عمرو ابن الصَّلاح بسبب ذلك، وبرز الشّيخ عزُّ الدِّين في إصابة الحقِّ، ولم يكن يؤذِّن بين يديه يوم الجمعة إلاَّ مؤذِّن واحد، وكان المؤذِّنون يقولون بعد المكتوبة الآية في الأمر بالصَّلاة على النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأرشدهم أن يقولوا لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، الحديث في صحيح مسلم عن عبد الله بن الزُّبير، ولحديث المغيرة في الصَّحيح. ولمَّا سلَّم الملك الصَّالح إسماعيل ابن العادل قلعة الشَّقيف وصفد للفرنج ساء ذلك المسلمين، فنال منه الشّيخ عزَّ الدِّين على المنبر ولم يدع له، فغضب الملك من ذلك وعزله وسجنه ثمَّ أطلقه فبارح إلى الدِّيار المصريَّة هو والشَّيخ السُّبكي 209/8، والإسنوي 197/2، وذيل الرَّوضتين 216، وفوات الوفيات 350/2، (21) والبداية 235/13. يعني النّصف من شعبان. (22) 800 طبقات الشافعية جمال الدِّين ابن الحاجب، فتلقَّاه الملك الصَّالح نجم الدِّين أيُّوب صاحب مصر وأكرمه واحترمه، واتَّفق موت قاضي القاهرة شرف الدِّين ابن عين الدَّولة، فولَّى السُّلطان مكانه القاضي بدر السِّنجاري، وفوَّض قضاء مصر والوجه القبلي إلى الشَّيخ عزَّ الدِّين مع خطابة جامع مصر، فقام بالمنصب أتمَّ قيام، وتمكّن من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، حتَّى اتَّفق أنَّ بعض الأمراء ابتنى مكانًا للسِّلخانات على سطح مسجد، فأنكر ذلك الشَّيخ عزَّ الدِّين، وذهب بنفسه فأخربه وعلم أنَّ هذا يشقُّ على الوزير فحكم بفسق الوزير وعزل نفسه عن القضاء، فلمًّا بلغ ذلك حاشية الملك شقَّ عليهم وأشاروا على الملك أن يعزله عن الخطابة لئلاً يتعرَّض لسبِّ الملك على المنبر فعزله ولزم بيته يشتغل ويدرِّس؛ وذكروا أنَّه لمَّا مرض مرض الموت بعث إليه الملك الظَّاهر يقول له: من في أولادك يصلح لوظائفك؟ فأرسل: ليس فيهم من يصلح لشيء منها فأعجب ذلك السُّلطان، وهكذا لمَّا مات حضر جنازته بنفسه والعالم من الخاصَّة والعامَّة وكان يومًا مشهودًا، وكان ذلك في العاشر من جمادى الأولى سنة ستِّيْن وستِّمائة. قلت: له تفسير حسنٌ في مجلَّدين، واختصار النّهاية وليس هو كإمامته، والقواعد الكبرى، وتدلُّ على فضيلة تامَّة، والكلام على الأسماء الحسنى مفيد، وكتاب الصَّلاة فيه اختيارات كثيرة اتِّباعًا للحديث، والقواعد الصُّغرى، وفتاوى (23) كثيرة، وغير ذلك من العلوم ٠ ورأيت بخطّ القاضي علاء الدِّين القونوي أنَّ الشَّيخ عزَّ الدِّين ابن عبد السَّلام سئل عن الرَّجل بماذا يستحقُّ الجامكيَّة في مذهب الشَّافعي، أعَلَى اعتقاده المذهب أم على معرفته له؟، فأفتى أنَّه يستحقُّ ذلك على معرفته له ونشره إيَّه وإن كان لا يعتقد بعض المسائل أو كما قال. وقال الشَّيخ قطب الدِّين اليُونيني (24): كان مع شدَّته فيه حسن مناظرة بالنّوادر والأشعار، وكان يحضر السَّماع ويرقص ويتواجد، هكذا قال. وذكر الشَّيخ تاج الدِّين ابن أنجب (25) في كتاب طبقات الفقهاء من فائت الطّبقة الرَّابعة فقال: فيه حسنُ محاضرةٍ. (23) هديّة 580/1 . (24) ذيل مرآة الزَّمان 1/ 505. هو علي بن أنجب السَّاعي تاج الدِّين المتوفّى سنة 674 هـ. (25) 801 الطّبقة العاشرة 884) عبد العظيم (26) بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد بن سعيد الحافظ زكيَّ الدِّين أبو محمَّد المنذري الشَّامي ثمَّ المصري الشَّافعي. ولد في غرَّة شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمصر. وقرأ القرآن، وأتقن القراءات، وبرع في العربيَّة والفقه، وتفقّه على أبي القاسم عبد الرَّحمان بن محمَّد بن سعيد المأموني، وربيعة اليمني الحافظ، وعلي ابن المفضَّل وبه تخرَّج، وسمع بمكّة ودمشق وحرَّان والرَّها والإسكندريَّة؛ وخرَّج لنفسه معجمًا مفيدًا. وعنه الحافظ الدُّمياطي. وتقيُّ الدِّين ابن دقيق العيد، والعلم الدويداري، وخلق، ودرَّس بالجامع الظَّافري، ثمَّ ولي مشيخة دار الحديث الكامليَّة، وانقطع بها عشرين سنة يصنّف ويقيِّد(27)، وتخرَّج به العلماء في فنون من العلم، وكان عديم النَّظير في زمانه في معرفة الحديث على اختلاف فنونه، عالمًا بصحيحه وسقيمه ومعلوله وطرقه، متبحِّرًا في أحكامه ومعانيه ومشكله واختلافه وغريبه وإعرابه؛ وكان إمامًا حجَّةً ثقةً ثبتًا ورعًا متحرِّيًا فيما يقوله، مثبتًا فيما يرويه. قال الحافظ الدُّمياطي: توقَّي في رابع ذي القعدة سنة ستُّ وخمسين وستمائة، وشيّعه خلق كثير، ورثاه جماعة بقصائد حسنة. 885) عبد الواحد(28) بن عبد الكريم بن خلف، العلاَّمة كمال الدِّين أبو المكارم ابن خطيب زملكا(29) الأنصاري السِّماكي. من سلالة أبي دجانة سماك بن خرشة. كان أحد الفضلاء في زمانه، والمبرَّزين في علم المعاني والبيان والنّظم الحسن، والمشاركين في فنون كثيرة(30): وولي قضاء صرخد، والتَّدريس ببعلبك. السُّبكي 259/8، والإسنوي 223/2، وسير 319/23، والبداية 212/13. (26) (27) هديّة 586/1. (28) السُّبكي 316/8، والإسنوي 12/2. (29) معجم البلدان 150/3، قرية بغوطة دمشق. هديّة 635/1، له من مؤلّفاته: التِبيان في علم البيان المطّلع على إعجاز القرآن. (30) 802 طبقات الشافعية ذكره الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة، وأثنى عليه فقال(31): كان خيّرًا (32) متميِّزًا في علوم متعدِّدة. قلت: وهو جدُّ شيخنا العلاَّمة كمال الدِّين محمَّد بن علي بن عبد الواحد ابن الزَّملکاني. توفِي بدمشق في محرَّم سنة إحدى وخمسين وستِّمائة. 886) محمَّد(33) بن حسن تاج الدِّين الأرموي. مدرّس الشرفيَّة ببغداد. أحد تلاميذ الفخر الرَّازي، كان بارعًا في العقليَّات وغيرها؛ وكان له مماليك ترك بحوائض وسراري، وله حشمة ومروءة ووجاهة، وفيه تواضع ورئاسة. توفّي سنة ثلاثٍ وخمسين وستِّمائة. 887) محمَّد(34) بن طلحة بن محمَّد بن الحسن الشَّيخ كمال الدِّين أبو سالم القرشي العدوي النَّصيبي الشَّافعي. أحد الصُّدور والرُّؤساء المعظّمين، وكان فقيهًا بارعًا عارفًا بالمذهب والأصول والخلاف، يرسل عن الملوك، وساد وتقدَّم وأقام بالمدرسة الأمينيَّة، وفي سنة ثمان وأربعين وستِّمائة عيَّنه الملك النَّاصر للوزارة، وكتب تقليده بذلك، فبعث يعتذر إلى السُّلطان ويتنصَّل من ذلك فلم يقبل منه، فتولاًها يومين ثمَّ انسلَّ خفيةً وترك الأموال الموجودة، ولبس ثوبًا قطنًا وذهب، فلم يُدْرَ أين ذهب. وقد سمع الحديث بنيسابور من المؤيِّد الطُوسي، وزينب الشَّعريَّة، وحدَّث ببلادٍ كثيرةٍ . وروى عنه الشَّيخ (شرف الدِّين الدُّمياطي، والمجد العديمي، وابن (31) ذيل الرَّوضتين 187 . (32) المرجع السّابق وفيه: خبيرًا. (33) الإسنوي 451/1. السُّبكي 63/8، والإسنوي 503/2، والوافي 176/3، والمقفّى 753/5، وسير 293/23. (34)