النص المفهرس
صفحات 761-780
763 الطَّقة التَّاسعة ابن فضلان واشتغل عليه في الخلاف وبرع فيه، وحفظ طريقة الشّريف، ونظر في طريقة أسعد الميهني، وتفنَّن في علم النّظر والكلام والحكمة، وصنّف في ذلك كتبًا مشهورة، ثمَّ دخل مصر وتصدّر بالجامع الظَّافري للاشتغال في العقليَّات وغير ذلك، وأعاد بمدرسة الشَّافعي، ثمَّ قاموا عليه ونسبوهُ إلى سوء العقيدة. قال القاضي ابن خلِّكان(17): وضعوا خطوطهم بما يستباح به الدَّم، فخرج مُستخفيًا إلى الشَّام ونزل حماه مدَّة، وصنَّف في الأصلين والحكمة والمنطق والخلاف، وكلُّ ذلك مفيدٌ. ومن مصنَّفاته المشهورة(18)، الإحكام في أصول الأحكام، وأبكار الأفكار، ودقائق الحقائق، ومنتهى السُّول في علم الأصول، وطريقة في الخلاف، وغير ذلك، ثمَّ قدم دمشق في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وأقام بها مدَّة، ثمَّ ولاً. الملك المعظّم ابن العادل تدريس العزيزيَّة، ثمَّ لمًّا ولي أخوه الملك الأشرف موسى عزله عنها، ونادى في المدارس: من ذكر غير التَّفسير والحديث والفقه، أو تعرَّض لكلام الفلاسفة نفيته، فأقام السَّيف الآمدي خاملاً في بيته إلى أن توفّي في صفر سنة إحدى وثلاثين وستِّمائة، ودفن بتربته بقاسيون. قال أبو المظفَّر ابن الجوزي: وكان يظهر منه رقَّة قلبٍ وسرعة دمعةٍ، ولم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام. قلت: وقد حدَّث بغريب الحديث عن ابن شاتيل، ومن تلاميذه القاضي صدر الدِّين ابن سنيِّ الدَّولة، والقاضي محيي الدِّين ابن الزَّكي. 849) عمر(19) بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عمويه، الشَّيخ شهاب الدِّين أبو حفص وأبو نصر وأبو القاسم وأبو عبد اللَّه القرشي التَّيمي البكري السُّهْرَوَرْدِي. شيخ شيوخ العارفين بالعراق في زمانه، وصاحب عوارف المعارف في (17) وفيات 295/3 . (18) هديّة 707/1 . السُّبكي 338/8، والإسنوي 2/ 63، ووفيات 480/1، والبداية 138/13. (19) 764 طبقات الشافعية بيان طرائق القوم(20) . ولد في رجب سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ببلدة سُهْرَورد(21)، فلمَّا كان عمره ستّة أشهر قتل أبوه رحمه اللّه، ونشأ الشّيخ شهاب الدِّين في حجر عمّه أبي النَّجيب عبد القاهر، وأخذ عنه التصوُّف والمواعظ وعلم الحديث والفقه، وصحب أيضًا الشَّيخ عبد القادر، والشَّيخ أبا محمَّد بن عبيد البصري، وسمع الحديث أيضًا من أبي زرعة المقدسي، ومعمر بن الفاخر، وحريقة بن الهاطرا، ويحيى بن ثابت، وغيرهم، وله مشيخةٌ في جزءٍ لطيفٍ. وروى عنه جماعة منهم: ابن الزَّينبي، وابن نقطة، والضِّياء، والزَّكي البرزالي، وابن النجَّار، والقوصي، والعزُّ الفاروثي والشّهاب الأبرقوهي. قال ابن الذَّهبي(22): كان له في الطّريقة قدمٌ ثابتٌ ولسانٌ ناطقٌ، وولي عدَّة ربط الصُّوفيَّة، ونفذ رسولاً إلى عدَّة جهاتٍ. وقال ابن نقطة: كان شيخ العراق (23) في وقته، صاحب مجاهدةٍ وإيثارٍ وطريقةٍ حميدةٍ ومروءة تامَّة وأورادٍ على كبر سنّه. وقال ابن النَّجار: وكان شيخ وقته في علم الحقيقة، وانتهت إليه الرِّئاسة في تربية المريدين، ودعا الخلق إلى اللّه تعالى؛ قرأ الفقه والخلاف والعربيّة، وسمع الحديث، ثمَّ انقطع ولازم بيته، وداوم الصَّوم والذّكر والعبادة، إلى أن خطر له عند علوٌ سنّه أن يظهر للنَّاس ويتكلّم عليهم، فعقد مجلس الوعظ بمدرسة عمِّه على دجلة. وحضر عنده خلقٌ عظيمٌ، وظهر له قبولٌ من الخاصِّ والعامِّ، واشتهر اسمه وقُصد من الأقطار، وظهرت بركات أنفاسه في توبة العصاة، ورأى من الجاه والحرمة عند الملوك ما لم يره أحدٌ، ونفذ رسولاً إلى ملوك البلدان. قلت: وحصل له أموال فلم يتملَّك منها شيئًا، ولم يترك كفنًا رحمه اللَّه. (20) هديّة 780/1. (21) معجم البلدان 289/3، بلدة قريبة من زنجان بالجبال. (22) العبر 129/5. في ب: الطرق. (23) 765 الطّبقة التَّاسعة وكانت وفاته في أوَّل ليلة من محرَّم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ببغداد. ومن حسن الكلام ما جرى بينه وبين الملك الأشرف موسى ابن العادل رحمهما الله فيما حكاه الأشرف قال: قال شهاب الدِّين السُّهرَ وَرْدِي: يا مولانا تتبّعت جميع النُّسخ لكتاب الشّفا لابن سينا من الخزائن فحرقتها، ثمَّ ذكر في أثناء كلامه أنَّه حصل لأهل بغداد في هذه السَّنة مرضٌ شديدٌ كبيرٌ، فقلت: كيف لا، وقد أذهبت عنهم الشِّفا؟ وهذا يدلُّ على لطافة طبع السُّلطان وذكائه وقدرته على التَّعبير وديانة الشّيخ رحمهما الله آمين. 850) عمر (24) بن محمَّد بن عمر بن علي بن محمَّد بن حقُّوية، العلاَّمة الصَّاحب الرَّئيس عماد الدِّين شيخ الشُّيوخ أبو الفتح ابن شيخ الشُّيوخ صدر الدِّين أبي الحسن ابن شيخ الشُّيوخ عماد الدِّين أبي الفتح المشهور بابن حَمُّويه الحموي، الجويني الأصل، الدِّمشقي المولد والوفاة. ولد في شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمصر واشتغل بها، وسمع الحديث من عدَّة مشائخ، وأسمع بدمشق والقاهرة، وتولَّى مناصب والده بعد وفاته التَّدريس بالشّافعي ومشهد الحسين ومشيخة سعيد السُّعداء، وکان صدرًا کبیرًا رئيسًا نبيلاً معظّمًا في الدَّولة له نفوذٌ وكلمةٌ ورأى متَبعٌ، وهو الذي قام في قضيّة الملك الجواد في تمليك دمشق بعد الكامل، فانتظم أمر الجواد بمساعدته، ثمَّ شرع في نقض ما أبرمه عن مُمَالاةِ العادل ابن الكامل صاحب مصر، وبعثه إليه العادل إلى دمشق ليعزله عنها، ففطن الجواد لذلك وتنبّه له، ولم يزل حتَّى قتله بأن سلَّط عليه فداوية فقتلوه. قال الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة (25): وفي السَّادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ستِّ وثلاثين وستّمائة قفز ثلاثة على عماد الدِّين عمر ابن شيخ الشيوخ داخل قلعة دمشق، فقتله أحدهم، وكان من بيت التصوُّف والإمرة من أعيان المتعصِّبين لمذهب الأشعري. (24) الشبكي 342/8 . ذيل الرَّوضتين 167، وفيه: كان من بيت علم وتصوُّفٍ وإمرةٍ رحمه اللَّه. (25) 766 طبقات الشافعية قلت: حضر جنازته بشرٌ كثيرٌ، ودفن في تربة سعد الدِّين ابن حمُّويه بقاسيون . ومن شعره: لِفَرْطِ اتِّحَادٍ بَيْنَنَا جَوْهَرٌ فَرْدُ وَلَمَّا حَضَرْنَا والنّقُوسُ كَأَنَّها كُؤُوسَ شَرَابٍ مَا لِشَارِبِهَا حَدُّ وَقَامَ لَنَا سَاقٍ يُدِيرُ مَعَ الدُّجَى فَيُصبح حدًّا من تنَاولَهَا بَعَدُ فَيَا رَبِّ لاَ تَجْعَل حَرَامًا خلاَلَهَا وفي السَّابع من ذي الحجَّة سنة إحدى وثلاثين وستمائة توفّ الفقيه الإمام الأستاذ شيخ الشَّافعيّة علاّمة وقته وأستاذ زمانه، والمقدَّم في الفنون على أقرانه. 851) محمَّد (26) السُّلطان الملك الكامل ابن السُّلطان الملك العادل أبي بكر ابن أيُّوب بن شاذي، أبو المظفَّر وأبو المعالي. صاحب مصر. مولده سنة ستُّ وسبعين وخمسمائة، ولمَّا أخذ أبوه الدِّيار المصريَّة بعد الملك العزيز أعطاها له، فحكم فيها في حياة أبيه وبعد وفاته أربعين سنة، وكان شهمًا عاملاً لبيبًا محبًّا للعلماء ، بنَى دار الحديث الكامليَّة بمصر، وعقد قبَّةً عظيمةً على قبر الشَّافعي، ووقف أشياء كثيرة على البرِّ والصِّلاتِ، وكان عادلاً في أحكامِه وقضاياه مع عسفٍ وجبروتٍ؛ اشتكى إليه مهتار أنَّ أستاذه استخدمه ستّة أشهرٍ لم يعطه أجره، فأنزل أستاذه عن فرسه وألبسه أثواب المهتار وأمر المهتار فلبس ثياب الجندي، ورسم أن يخدمه الجندي ستّة أشهرٍ كما خدمه المهتار؛ وكان مع ذلك قد ضيَّق على الفرنج وأذلَّهم بحرًا وبرًا، وأقام بدمياط مرابطًا نحوًا من ثلاث سنين، وفي ذلك يقول البهاء زهير: ورُدَّت عَلَى أَعْقَابِهَا مِلَّة الكُفْرِ بِكَ اهتزّ عطفُ الدِّين في حللِ النَّصر لما حكمت إلاَّ بأعلامك الصُفرِ وَأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكرى منادمة 348. (26) 767 الطَّبقة التَّاسعة تجاهد فيهم لاَ بِزَيْدٍ وَلاَ عَمْرٍ ثلاثةُ أعوامٍ أَقَمْتَ وأشهرًا بكثرة من أرديته لَيْلة النَّحرِ وَلَيْلة نفرٍ للعَدوِّ رأيْتَهَا فلا غروَ أَنْ سَمَّيْتَها ليلةِ القَدْرِ فَيَا لَيْلَةَ قَدْ شَرَّفَ اللَّه قدرها ولمَّا بلغه موت أخيه السُّلطان الملك الأشرف موسى صاحب دمشق ركب وجاء فأخذها، فنزل قلعتها، فأصابه زكامٌ وتولَّد له منه داءٌ، وبقي بعد أن دخلها شھرین . ومات إلى رحمة الله تعالى في الحادي والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وستِّمائة، ودفن بالقلعة في تابوت، ثمَّ حوّل إلى تربته سنة سبع وثلاثين، وتربته مشهورة (27) شمالي جامع دمشق شرقي خانقاه السَّميساطي لها شَبَّكٌ كبيرٌ، وبابٌ إلى الحائط الشَّمالي من الجامع. 852) محمّد (28) بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن أبي القاسم بن صدقة بن حفص، قاضي القضاة بالدِّيار المصريّة، شرف الدِّين أبو المكارم ابن القاضي الرَّشيد أبي الحسن ابن القاضي أبي الخير ابن الصَّفراوي الإسكندراني، ثمَّ المصري الشَّافعي، ويعرف بابن عين الدَّولة. من بيت علمٍ وقضاءٍ، علمٌ بالإسكندريّة من أعمامه وقرابته ثمانية أنفس. ولد بالإسكندريَّة في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وقدم القاهرة في سنة ثلاثٍ وسبعين، فكتب لقاضي القضاة صدر الدِّين ابن درباس، ثمَّ ناب عنه في القضاء سنة أربع وثمانين، وناب أيضًا عن قاضي القضاة ابن عصرون، وعن غيرهما أيضًا، ثُمَّ استقلَّ بقضاء الدِّيار المصريَّة وبعض الشَّاميَّة سنة سبع عشرة وستمائة . المرجع السَّابق، التُّربة الكامليَّة الجوانيَّة، قيل: إنَّ الكامل لمَّا ملك دمشق عمدت بناته (27) الثَّلاث إلى أماكن في جوار باب الناطفانيِّين فاشترينها وعمَّرنها تربة مفتوحة الشَّبابيك إلى الجامع . الشُّبكي 8/ 63، والإسنوي 544/1، وحسن المحاضرة 412/1. (28) 768 طبقات الشافعية قال المنذري(29): وكان عالمًا بالأحكام الشَّرعيَّة مطّلعًا على غوامضها، وكتب الخطَّ الجيّد، وله نظم ونثرٌ، وكان يحفظ من شعر المتقدِّمين والمتأخّرين جملةً . وتوفّي في تاسع عشر ذي القعدة تسع وثلاثين وستمائة . ومن شعره: ـاءَ لَمْ يَكُ شَيْئًا تَوَلَّيْتُهُ وُلِيتُ القضَاءَ ولَيْتَ القَضَ وَمَا كُنْتُ قِدْمًا تَمَنَّيْتُهُ فَأَوْقَعَنِي فِي القَضَاءِ (30) القَضَاء 853) محمَّد(31) ابن أبي الفضل بن زيد بن ياسين بن زيد، جمال الدِّين أبو عبد اللَّه التَّغْلبي الأرقمي الدَّولعي. ثمَّ الدِّمشقي، خطيبها الشَّافعي. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وَورَدَ دمشق شابًّا، فتفقَّه على عمَّه ضياء الدَّين الدَّولعي خطيب دمشق وسمع منه، ومن محمَّد بن علي ابن صدقةً والخشوعي، وغيره، وولي الخطابة بعد عمِّه، وطالت مدَّتُه في المنصب، وولي تدريس الغزّاليَّة مدَّةً، وكان له ناموسٌ وسمتٌ حسنٌ، يُفْحِمُ كلامه. روى عن الجمال ابن الصَّابوني، والمجد ابن الحلوانيَّة، وغيرهما. ومات رحمه اللَّه في رابع عشر جمادى الأولى سنة خمسٍ وثلاثين وستِّمائة، ودفن في مدرسته(32) التي أنشأها بجيرون. (29) التكملة 590/3 . (30) المرجع السَّابق وفيه: وقد ساقني للقضاء. (31) الوافي وسير 23/ 24. منادمة 99 وفيه: الدَّولعيَّة هي بجيرون قبلي المدرسة الباذرائيَّة، وقد صارت دورًا للسُّكنى، ولم يبق لها أثر سوى حجرة لطيفة بها قبر الدَّولعي في دار صغيرة. (32) 769 الطَّقة التَّاسعة 854) محمّد (33) ابن أبي المعالي سعيد بن يحيى بن علي بن الحجّاج بن محمَّد الحافظ الكبير المؤرِّخ أبو عبد اللَّه الدَّبيثي(34)، ثمَّ الواسطي. الشَّافعي، المعدِّل ببغداد. ولد في رجب سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمائة. سمع بواسط وبغداد وغيرهما من البلاد على جماعةٍ من علماء الحديث النقّاد، وقرأ القراءات والعربيّة والفقه، وتقدّم وساد وعلَّق الأصول والخلاف وعني بالحديث ورجاله، وصنَّف كتابًا في تاريخ واسط، وذيلاً على مذيَّل السَّمعاني، وأسمعهما(35)، وله معرفة بالأدب والشِّعر. وقد أثنى على حفظه وذهنه واستحضاره الحافظ الضياء المقدسي، وابن نقطة، وابن النجَّار، ورووا عنه، وكذا روى عنه الزَّكيُّ البرزالي، والجمال الشَّريشي، وعزُّ الدِّين الفاروقي وغيرهم. ومن شعره: وصوَ بَه رأيًا وَحَقَّقه فضلاً إِذا اخْتَار كلُّ النَّاس في الدِّين مذهبًا أَحَقَّ اتُباعًا بل أشدُهم سُبْلاً(36) فَإِنِّيَ أَرَى علم الحديثِ وأهله يَؤمُّون ما قال الرَّسولُ وما أَمْلَى لتركهم فيه القِياسَ وَكَونهم قال ابن النجَّار: أضرَّ في آخر عمره، وتوفّ ببغداد في ثامن ربيع الآخر سنة سبعٍ وثلاثين وستِّمائة. 855) محمَّد(37) بن هبة الله بن محمَّد بن هبة الله بن يحيى بن بُنْدار بن مَميل، القاضي شمس الدِّين أبو نصر الشِّيرازي الدِّمشقي الشَّافعي. تفقَّه على القطب الشِّيرازي، وأبي سعد ابن أبي عصرون، وسمع الحديث وفيات 394/4، والتَّكملة 528/3، وغاية النّهاية 2/ 145. (33) معجم البلدان 547/2، نسبة إلى دبيث قرية بنواحي واسط . (34) (35) كشف 1/ 309 . (36) في ب - نبلا . السُبكي 106/8، والإسنوي 118/2، والتَّكملة 3/ 480، والمقفَّى 391/7، والبداية 13/ 101. (37) 770 طبقات الشافعية من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر فأكثر عنه وعن أخيه الضّياء ابن عساكر، ومن أبي يعلى ابن الحبوبي، والخطيب أبي البركات الخضر بن شبل الحارثي، وخلق، وأجاز له أبو الوقت السَّجزي، ونصر بن سيَّار الهروي، وجماعة؛ وتفرَّد بمشائخ ومرویّات. وعنه جماعة منهم: الجمال ابن الصَّابوني، وأبو الحسن ابن اليونيني، ومحمَّد ابن أبي الرُّكن الصِّقلِّي، وتفرَّد عنه حضورًا سِنْجَاي حفيده أبو نصر محمَّد ابن محمَّد، والبهاء أبو القاسم محمَّد بن مظفَّر ابن عساكر، رحمهما الله. وكان ساكنًا وقُورًا مليح الشَّكل، يصرف عامَّةَ أوقاته في نشر العلم، وقد ولي القضاء بالقدس الشّريف، ثمّ ولي تدريس العماديَّة بدمشق، وتركها، ودرَّس بالشّاميَّة البرَّانيَّة، ثمَّ ولي قضاء دمشق بعد عزل العماد ابن الحرستاني سنة إحدى وثلاثين، وكان عادلاً في حكمه منصفًا. ومات في ثاني جمادى الآخرة سنة خمسٍ وثلاثين وستمائة. 856) محمَّد(38) بن يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله، قاضي القضاة، محيي الدِّين أبو عبد الله ابن فضلان. تفقَّه على والده العلاَّمة أبي القاسم ابن فضلان، وبرع في المذهب وساد وناظر، ورحل إلى خراسان وناظر علماءَها وتقدَّم، وكان رئيسًا كريمًا جوادًا حسن الأخلاق، باشر تدريس النّظاميَّة ببغداد، وفي سنة تسع عشرة وستمائة ولأَّ الخليفة النَّاصر لدين الله قضاء القضاة ببغداد، فلمَّا ولي ولده الظَّاهر سنة اثنتين وعشرين عزله بعد شهر، فلزم بيته ثمانية أشهرٍ في فقرٍ وفاقةٍ لأنَّه لم يكن يدَّخر شيئًا، ثمَّ ولي نظر البيمارستان، وعزل بعد ستّة أشهر، ثمَّ ولي ديوان الموالي، ثمَّ ولي تدريس مدرسة أمّ الخليفة النَّاصر، وذهب رسولاً إلى الرُّوم، وولي تدريس المستنصريَّة في رجب فباشرها إلى شوَّال من عامئذ، فتوفِّي وذلك سنة إحدى وثلاثين وستمائة، عن ثلاثٍ وستِّين سنة، واجتمع النَّاس لجنازته وحملوه وازدحموا على نعشه، رحمه الله تعالى. (38) السُّبكي 107/8، والإسنوي 281/2، والعبر 126/5. 771 الطَّبقة التَّاسعة سمع الحديث من أصحاب ابن بيان، وأبي طالب الزَّينبي. 857) محمَّد(39) بن يحيى بن مظفَّر بن علي ابن نعيم، القاضي العالم، أبو بكر البغدادي، المعروف بابن الحُبَير، الشَّافعي. تفقَّه أوَّلاً على مذهب الإمام أحمد على أبي المنِّي، ثمَّ انتقل إلى مذهب الشَّافعي على المجير، وغيره، فبرع فيه ونال منه منالاً كبيرًا، وصار بصيرًا بدقائقه، ثقةً ديّنًا خيِّرًا كثيرَ التِّلاوة والحجِّ صاحبَ ليلٍ وتهجُّدٍ، وكانت له يدٌ طولى في الجدلِ والمناظرة، وناب في القضاء عن أبي عبد الله ابن فضلان، ثمَّ ولي تدريس النّظاميَّة في سنة ستٌّ وعشرين وستِّمائة. وقد سمع الحديث من شهدة، وعبد الله بن عبد الصَّمد السُّلمي، ومحمَّد ابن نسيم العَبشوي، وشيخه أبي الفتح ابن المنِّي، وغيره. توفّي في سابع شؤَّال سنة تسع وثلاثين وستِّمائة. أنبأني شيخنا المعمِّر بهاء الدِّين القاسم ابن عساكر، أنبأنا ابن الحبير البغدادي، أخبرتنا شهدة، أخبرنا طرَّاد، أخبرنا هلال، أخبرنا ابن عيَّاش القطّان، حدَّثنا أبو الأشعث، حدثنا حمَّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله أنَّ رجلاً أتى المسجد والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب يوم الجمعة، فقال له: ((أصلَّيت ركعتين))؟ قال: لا، قال: ((فقم فاركع ركعتين))(40). 858) موسى (41) السُّلطان الملك الأشرف مظفَّر الدِّين أبو الفتح موسى الملقَّب بشاه أرمن ابن الملك العادل أبي بكر بن أيُّوب بن شاذي. ولد بالقصر سنة ستُّ وسبعين وخمسمائة، ونشأ بها، فلمَّا آل الملك إلى أبيه أعطاه أوَّل شيءٍ القدس، ثمَّ أعطاه حرَّان والرَّها، وتملَّك خِلاط (42) وهي قصيبة (39) الشُبكي 108/8، والإسنوي 449/1، والبداية 158/13. (40) رواه مسلم في كتاب الجمعة. (41) وفيات 330/5، وذيل الرَّوضتين 165. معجم المطبوعات 380/2 . (42) 772 طبقات الشافعية أرمينيَّة، ولهذا لقِّب شاه أرمن وهو علمٌ لكلّ من يملكها، ثمَّ تملَّك دمشق وصار إليها في سنة ستِّ وعشرين وستِّمائة، أخذها من ابن أخيه النَّاصر داود بن المعظّم فأحسن إلى أهلها، ووقف الأوقاف الكثيرة، من ذلك جامع الثَّوبة (43) بالعقيبة، كان حانة وخمَّارة ودار قمار فهدَّها وبناها جامعًا حسنًا يذكر فيه اسم اللَّه تعالى ويعبد ويوحَّد فيه، وجعل خطابته للشّافعيَّة، وبنى جامع جراح(44) وجعله للشَّافعيَّة، وجامع المزِّي جدَّده، وكذا مسجد أبي الدَّرداء بالقلعة المنصورة، وكذا مسجد باب النَّصر، وجامع بيت الأبَّار، وبنى دار الحديث الأشرفيَّة المشهورة وجعل تدريسها للشَّافعيَّة، فكان أوَّل من وليها الشّيخ الإمام العلاَّمة أبو عمرو ابن الصَّلاح رحمه الله تعالى، وبنى للحنابلة دار حديث بالسَّفح، ووقف على الضّيائيَّة شرق الجامع المظفَّري . وكان فيه برِّ ووقارٌ وإحسانٌ إلى العلماء وحسنُ ظنٍّ بالفقراء، كريمًا عفيفًا سعيدًا مليحَ الشَّكل، لم تكسر له رايةٌ قطُّ، حرَّ الذيل طاهر الأخلاق شهمًا شجاعًا، لكنَّه كان يكثر من شرب الخمر سامحه الله، وكان سوق الشُّعراء عنده أيضًا في نَفَاقٍ، وكان باب القلعة لا يغلق في رمضان، ويخرج منها صحون الحلوى إلى أماكن الفقراء، وكان ذكيًّا فطنًا يشارك في أشياء بذهنه، وكانت له دَارُ السَّعادة داخل باب النَّصر، والدَّهشة بالنيرب، وصفه بقراط. وقد سمع صحيح البخاري عنده داخل القلعة على الزَّبيدي وهو الذي استدعاه من بغداد إلى دمشق وأحسن إليه وأكرم مورده ومصدره، وترجمته يطول استقصاؤها. مرض سامحه الله تعالى في رجب مرضتين مختلفتين، دماميل في رأسه وبواسير في مقعده، وتزايد به ذلك حتَّى كان الجرّاح يخرج بعض عظامه من رأسه، وهو يحمد اللَّه ويسبّحه، وطالت علَّته إلى المحرَّم، وتصدَّق في مرضه بأشياء كثيرة، وعتق مائتي مملوك ومائتي جاريَّة، ولمَّا يئس من نفسه قال لوزيره ابن جرير: في أيِّ شيء تكفنونني؟، فما بقي لي قوّة تحملني أكثر من غدٍ فقال: عندنا في الخزانة نصافي فقال: حاشا للَّه أن أكفن من الخزانة، ثمَّ نظر إلى ابن موسى الوزير وقال: قم، فاحضر وديعتي فقام وعاد وعلى رأسه مئزرُ صوفٍ ففتحه معجم البلدان 2/ 381. (43) (44) منادمة 370، بناه سنة 632 هـ، وكان محلّه يعرف بخان الزِّنجاري. 773 الطَّبقة التَّاسعة وإذا فيه خرق من آثار الفقراء وطاقيات قوم صالحين، وفي ذلك إزار عتيقٌ يساوي نصف درهم أو نحوه فقال: هذا يكون علىّ جسدي أتقي به حرَّ جهنّم فإنَّ صاحبه كان من الأبدال. وتوفّي رحمه اللَّه تعالى يوم الخميس رابع المحرَّم من سنة خمسٍ وثلاثين وستِّمائة، وكان آخر كلامه: لا إله إلاَّ اللَّه، وكان ذلك اليومُ يومًا مشهوداً وحزنًا شديدًا على أهل البلد، أغلقت فيه الأسواق ولبس غلمانه وحاشيته الملأَّسات، وجاء نساؤهم يندبن على باب القلعة، وكان موته أمرًا هائلاً، ودفن بالقلعة، حتَّى فرغ من تربته التي بالكلاسة بعد أربعة أشهر ثمَّ نقل إليها، رحمه الله تعالى. وذكر بعض الصَّالحين أنَّه رآه بعد موته وعليه ثياب خضر، وهو يطير مع الأولياء، فقلت: إيش تعمل مع هؤلاء وأنت كنت تفعل وتصنع؟، فتبسَّم وقال: الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل عندكم، والرُّوح التي كانت تحبُّ هؤلاء قد صارت معهم. قلت: مصداقه في الحديث الصَّحيح: ((المرء مع من أحبَّ)). 859) موسى (45) بن يونس بن محمَّد ابن منعة بن مالك بن محمَّد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عابد بن كعب بن قيس العقيلي (48)، العلاَّمة كمال الدِّين أبو الفتح الموصلي الشَّافعي. أحد المتبخّرين في العلوم المتنوّعة، قيل: إنَّه كان يتقن أربعةَ عشرَ علمًا. تفقَّه بالنِّظاميَّة على معيدها السَّديد السَّلماسي في الخلاف والأصول والعربيَّة، وبالموصل على يحيى ابن سعدون القرطبي، وببغداد على الكمال عبد الرَّحمان الأنباري، وغيره. وبرع في العلم، ورجع إلى الموصل، وأقبل على التّدريس والاشتغال حتَّى اشتهر اسمه وبَعُد صيته، ورحل إليه الطَّلبة، وتزاحموا عليه. قال القاضي ابن خلكان(47): كان يقرأ عليه الحنفيُّون كتبهم، وكان يحلُّ السُّبكي 378/8، والإسنوي 570/2، والبداية 158/13 . (45) (46) ما بين القوسين ساقط من - ب - . (47) وفيات 312/5 . 774 طبقات الشافعية الجامع الكبير(48) حلاً حسنًا؛ قال: وكان يقرأ عليه أهل الكتاب الثَّوراة والإنجيل فيقرُّون أنَّهم لم يسمعوا بمثل تفسيره لهما. قال: وكان إذا خاض معه ذو فنٌّ توهّم أنَّه لا يحسن غير ذلك الفنّ، وبالغ في ترجمته والثَّناء على تحصيله وجودة فهمه واتساع علمه. وحكي عن بعضهم أنَّه كان يفضِّله على الغزّالي في تفتُنه، قال: وكان شيخنا تقيُّ الدِّين ابن الصَّلاح يبالغ في الثَّناء عليه ويعظّمه، فقيل له يومًا: من شيخه؟، فقال: هذا الرَّجل خلقه اللَّه عالمًا، لا يقال على من اشتغل إنَّه أكبر من هذا، إلى أن قال ابن خلّكان: وكان سامحه اللَّه تعالى يتَّهم في دينه لكون العلوم العقليّة غالبة عليه. وقال الموفَّق ابن أبي أصيبعة في تاريخ الأطبّاء(49): هو علاّمة زمانه وأوحد أوانه قدوة العلماء وأوحد الحكماء، أتقن الحكمة يعني الفلسفة وتميَّز في سائر العلوم، وكان يقرئ العلوم بأسرها. وله(50) المصنّفات في نهاية الجودة، ولم يزل مقيمًا بالموصل، وقيل إنَّه كان يعرف علم السِّيمياء، وله كتاب تفسير القرآن، وشرح التّنبيه، ومفردات ألفاظ القانون، وكتاب في الأصول، وكتاب عيون المنطق، وكتاب لغز الحكمة، وكتاب في النُّجوم. قال ابن خلِّكان: توفِّي رحمه الله تعالى بالموصل في رابع عشر شعبان سنة تسع وثلاثين وستّمائة، وكان مولده سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وسمى ابن خلِّكان ولده كمال الدِّين موسى على اسمه، قال: فكان بين مولديهما مائة سنة محرَّرًا، رحمه الله تعالى. 860) يحيى(51) بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمَّد بن علي ابن صدقة، قاضي القضاة شمس الدِّين أبو البركات ابن سنيٌّ الدَّولة الدِّمشقي الشَّافعي. والد قاضي القضاة صدر الدِّين أحمد، ويعرف بينهم بأولاد الخيَّاط، الشّاعر المشهور. (48) كشف 750/1، وفيه: الجامع الكبير في فروع الحنفيَّة لعبيد الله بن الحسين الكرخي المتوفّى سنة 340 هـ. (49) عيون الأنباء 306/1 . (50) هديّة 2/ 479. السُّبكي 358/8، والإسنوي 547/1، وذيل الرَّوضتين 166. (51) 775 الطَّقة التَّاسعة ولد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وتفقّه على أبي أسعد ابن أبي عصرون، والقطب النّيسابوري، والشَّرف ابن الشَّهْرَزُوري، وغيرهم، وسمع الحديث من أبي الحسين ابن الموازيني، ويحيى الثَّقفي، وابن صدقة الحرَّاني، والخشوعي، وسمع معه ولده من الخشوعي. كان إمامًا بارعًا فاضلاً جليلاً مهيبًا، ولي القضاء بالشَّام، وحمدت سيرته، وحدَّث بالقدس وغيره. وروى عنه الشَّرف والفخر ابنا عساكر، والمجد ابن الحلوانيَّة، وغيرهم. وتوفِّي رحمه الله تعالى خامس ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وستمائة. 861) يوسف(52) بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمَّد بن عتَّاب، قاضي القضاة، بهاء الدِّين ابن شدَّاد، أبو العزِّ، ثمَّ أبو المحاسن الأسدي الحلبي. الموصلي المولد والمنشأ، ثمَّ الحاكم بحلب وأعمالها وناظر أوقافها. ولد بالموصل ليلة العاشر من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وحفظ القرآن، واشتغل بالعربيَّة والقراءات على أبي بكر يحيى ابن سعدون القرطبي، ولازمه كثيرًا وأخذ عنه شيئًا، وسمع صحيح مسلم، والوسيط للواحدي على سراج الدِّين محمَّد بن علي الجيَّاني، وسمع مسند الشَّافعي، وسنن أبي داود، والتِّرمذي، وصحيح أبي عوانة، ومسند أبي يعلى على فخر الدِّين أبي الرِّضا سعيد(53) الشَّهْرَزُوري، وسمع من شهدة وجماعة كثيرين ببغداد وغيرها من البلاد، وتفقَّه وتفنَّن وأفاد، وأعاد بالنّظاميَّة ببغداد، وحدَّث بمصر ودمشق وحلب. وروى عنه ابنه المجد، والكمال العديمي، والزَّكي المنذري، والشِّهاب القوصي، والأبرقوهي، وبالإجازة قاضي القضاة تقيَّ الدِّين سليمان الحنبلي، وشيخنا أبو نصر محمَّد بن محمَّد ابن الشِّيرازي، وجماعةٌ. قال عمر بن الحاجب: كان ثقةً حجَّةً عارفًا بأمور الدِّين، اشتهر اسمه وسار ذكره، وكان ذا صلاح وعبادةٍ ، وكان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في زمانه دبَّر أمور الملك بحلب واجتمعت الألسن على مدحه. السّبكي 360/8، والإسنوي 115/2، وغاية النّهاية 2/ 395، وذيل الرَّوضتين 163. (52) (53) بالأصل أسعد، والإصلاح من السُّبكي، وقد ترجم له في الجزء 92/7. 776 طبقات الشافعية قلت: أعاد في النّظاميَّة في حدود سنة سبعين وخمسمائة، ثمَّ انحدر إلى الموصل، ودرَّس بمدرسة الكمال الشَّهرزوري، ثمَّ حجَّ سنة ثلاثٍ وثمانين، وعاد على طريق الشَّام فزار بيت المقدس، وبعث إليه الملك صلاح الدِّين فحضر عنده، واشتدَّ إكرام صلاح الدِّين له، وقرأ عليه شيئًا من الحديث بنفسه، وصنَّف له القاضي بهاء الدِّين كتابًا في فضيلة الجهاد، فحظي عند الملك، وولاًّ، قضاء العسكر مع قضاء بيت المقدس ، ولم يزل ملازمًا للسُّلطان إلى أن توفّي وهو عنده، وصار المُلْكُ إلى ولده الظّاهر بحلب فاستدعاه إليها وولاً، قضاءَها ونظر أوقافِها، وأجزل رزقه وأعطاه وأقطعه أرضًا تُغِلُّ شيئًا جزيلاً، ولم يكن له نسلٌ ولا قرابةٌ، فكان ما يحصل عليه يتوفّر عنده، فبنى به مدرسةً وإلى جانبها دارَ حدیثٍ وبينهما تربة له؛ وقصده الطَّلبة للدِّين والدُّنيا، وعظم شأن الفقهاء في زمانه لعظم قدره وارتفاع منزلته . وصنّف من الكتب(54): دلائل الأحكام في مجلّدين، والموجز الباهر في الفقه، وكتاب ملجأ الحكّام في الأقضية في مجلَّدين، وكتاب سيرة صلاح الدِّين أجاد فيه وأفاد. وممَّن أخذ عنه واشتغل عليه ولازمه قاضي القضاة شمس الدِّين ابن خلِّكان رحمه الله تعالى، وقد طوَّل ترجمته في وفيات الأعيان(55)، وذكر أنَّ صاحب إربل كتب إلى ابن شدَّاد كتابًا بالتَّوصيّة به وبأخيه، فأكرمهما حسب الإمكان. وحكى عنه القاضي ابن خلْكان قال: لمَّا كنَّا بالنِّظاميَّة اجتمع أربعةٌ من الفقهاء أو خمسةٌ على شربٍ حبِّ البلاذر، فاستعملوا منه قدرًا وصفه لهم الطَّبيب فجنُّوا وتمزَّقوا وخرجوا على وجوههم، فلمَّا كان بعد أيَّام إذا أحدهم قد جاء وهو عريان مكشوف العورة وعليه بقيار كبيرٌ وعذبة طويلةٌ تضّرب إلى كعبيه، فاجتمع عليه الفقهاء يسألونه كيف الحال، فقال: لا شيء، إلاَّ أنَّ أصحابي شربوا البلاذر فجنُّوا، وأمَّا أنا فلم يصبني شيءٌ، وهمّ مصممٌ، وهم يضحكون منه. قال القاضي ابن خلكان: ولم يزل أمره منتظمًا في ولايته ونفوذ تصرُّفاته إلى أن راح في الرسليَّة إلى مصر لإحضار ابنة الكامل لزوجها العزيز، فرجع وقد (54) هديّة 2/ 553. وفيات 84/7. (55) 777 الطَّبقة التَّاسعة انتقضت الأمور وانشغل السُّلطان عنه بغيره، فلزم بيته على ولاية القضاء، وظهر عليه أثر الهرم وخرف، فکان ینشد: صبْرًا على فَقْد أحِبابِه مَنْ يتمنَّ العمر فليَدَّرِع مَا يتمنَّاه لأعدائِهِ وَمَنْ يعمِّر يلق(56) في نَفْسِه قال: ومرض أيَّامًا قلائلَ ومات يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وستِّمائة بحلب، رحمه اللّه تعالى. وفيات وفيه: يرَی. (56) 778 طبقات الشافعية المرتبة الخامسة من الطَّبقة التَّاسعة من أصحاب الشَّافعي فيها من أوَّل سنة إحدى وأربعين وستِّمائة، إلى آخر سنة خمسين 862) أحمد(1) بن عبد الرَّحيم بن علي، القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل. كان صدرًا رئيسًا محتشمًا معظّمًا، وزر للملك العادل أبي بكر، فلمَّا مات عرضت عليه الوزارة فلم يقبل وأقبل على طلب الحديث وسماعه والتفقُّه والتَّدريس بمدرسة أبيه، وكان مجموع الفضائل كثير الإحسان إلى المحدِّثين، وقف عليهم وظيفةً بالكلاسة شيخًا وقارئًا وعشرة محدِّثين، وشرط أن يكونوا من الشَّافعيَّة، ووقف خزانةً عظيمةً فيها كتبٌ نفيسةٌ. وذكر هذا الكندي أنَّه سمع القاضي الصَّاحب شرف الدِّين ابن فضل اللَّه أنَّ الملك الكامل بعثه رسولاً إلى بغداد، فظهر من حشمته وصداقاته ما بهرهم، وجمع ما تصدَّق به وأحسن به إلى أهلها مع جوائز الخليفة له، فبلغ سنَّة عشر ألف دينار. مات سنة ثلاثٍ وأربعين وستّمائة عن سبعين سنةٍ، رحمه الله تعالى. (1) الوافي 57/7، والمقفَّى 496/1، وفيه ... بن الحسن بن المفرَّج بن الحسين أبو العبَّاس اللَّخمي البيساني، ووفيات 163/1. 779 الطّبقة التَّاسعة 863) أحمد(2) بن كشاسب بن علي بن أحمد، الإمام كمال الدِّين أبو العَّاس الدِّزمَاري(3). الفقيه الشَّافعي الصُّوفي. صاحب المصنَّفات(4). روى عن الزُّبيدي، وأخذ عنه الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة وقال(5): هو آخر من أخذت عنه المذهب في صباي، وقال: كان فقيهًا صالحًا متضلِّعًا في نقل وجوه المذهب وفهم معانيه، وكان كثيرَ الحجّ والخيرِ، وقف كتبه. توفِّي في ربيع الأوَّل سنة ثلاثٍ وأربعين وستِّمائة. 864) إسحاق(6) بن أحمد الشَّيخ كمال الدِّين المغربي. أحد مشائخ الشَّافعيَّة وأعيانهم. كان إمامًا عالمًا فاضلاً، مقيمًا بالرَّواحيَّة، أعاد بها عند الشَّيخ تقيِّ الدِّين ابن الصَّلاح عشرين سنةً، وأفاد الطَّلبة. وقد أخذ عنه جماعة من الكبار، وممَّن قرأ عليه الشّيخ محيي الدِّين النَّووي، وكان فيه إيثارٌ وبرِّ وصدقةٌ وزهدٌ وتقشُّفٌ. قيل: إنَّه كان يتصدَّق بثلث جامكيته ، وينسخ في كلِّ رمضان ختمة ويوقفها . مرض بالإسهال مدَّة أربعين يومًا، ثمَّ انتقل إلى رحمة الله تعالى في ثامن عشرين ذي القعدة سنة خمسين وستمائة بالرَّواحيَّة، ودفن إلى جانب الشّيخ تقيٍّ الدِّين ابن الصَّلاح بالصُوفيّة. قال الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(7): وكان زاهدًا متواضعًا مؤثرًا رحمه الله. (3) (4) (5) ذيل الرَّوضتين 175. (6) ذيل الرَّوضتين 187)). المرجع السَّابق. (7) (2) السبكي 30/8 . معجم البلدان 454/2 وفيه: دِزْمار قلعة حصينة من نواحي أذربيجان وفي الهدية 1/ 94: دِزْمارة موضع بمصر، وله: كتاب الفروق في فروع الشَّافعيَّة. هديَّة: المرجع السَّابق. 780 طبقات الشافعية 865) عبد العزيز(8) بن عبد الواحد بن إسماعيل، القاضي رفيع الدِّين أبو حامد الجيلي الشَّافعي. كان فقيهًا بارعًا متكلِّمًا مناظرًا عارفًا بالفلسفة وأقوال الأوائل، وشرح الإشارات لابن سينا شرحًا [جيّدًا، واختصر الكلِّيات من القانون، وله غير ذلك(9)، كان فصيح العبارة](10) جيِّد القريحة، اشتغل بالمدرسة العذراويَّة مدَّةً، وكان فقيهًا في عدَّة مدارس، الشّاميَّة والعذراويَّة والفلكيَّة، وكان بينه وبين أمين الدِّين أبي الحسن علي بن غزال المتشرِّف بالإسلام عن السَّامريَّة الكاتب الصَّالح إسماعيل صحبة أكيدة وصحبة وعشرة، وأمين الدِّين هذا هو الذي بنى المدرسة الأمينيَّة ببعلبك أيَّام كان الصَّالح إسماعيل صاحبها، فسعى للقاضي الرَّفيع في قضاء بعلبك، فكان عندهم بها مدَّة، فلمَّا انتقل الصَّالح إسماعيل إلى ملك دمشق واستوزر أمين الدِّين هذا المذكور نقل القاضي الرَّفيع إلى قضاء دمشق بعد موت قاضي القضاة شمس الدِّين ابن الخوبي المتقدِّم ذكره، فسار هذا القاضي الرَّفيع بل الوضيع سيرةً فاسدةً، حمله عليها قلَّة دينه وسوء عقيدته من إثبات المحاضر الفاسدة وقبول شهود الزُّور المستعملين عنده والدَّعاوى الباطلة على أرباب الأموال وأكل أموال الأوقاف واليتامى والرَّشاوى، وغير ذلك من الوجوه الباطلة، وذلك بممالاةٍ من الوزير الأمين بل الخؤون، هذا مع أنَّ القاضي كثير استعمال الشَّراب المحرَّم المجمع على تحريمه وحضوره إلى صلاةِ الجمعة وهو سكران، وداره كأنَّها خمَّارة أو حانة، فلمَّا عمَّت به المصيبة وتفاحَم الأمر وأشهَر الخطب أزَاح الكربة وأراح أهل البلد بأن أوقع بينه وبين الوزير وأراد كلٌّ منهما هلاك الآخر ودماره، فبادر الوزير فشعث عليه عند الصَّالح، فقال له: هذا أنت جئتَ به، وأنت تفتصل به، فعند ذلك طلبه طلبًا عنيفًا، وسلَّمه إلى المعدمين من بني صبح وغيرهم من أهل البقاع وأمرهم أن يذهبوا به فيهلكوه فيقال: إنَّهم ألقوا به من شاهقٍ في تلك البلاد، وقيل: إنَّه صلَّى ركعتين قبل ذلك، والله أعلم. (8) السُّبكي 126/8، ولم يزد على ذكر اسمه. هديَّة 579/1، وله كتاب جمع ما في الأسانيد من الأحاديث. (9) ما بين القوسين ساقط من - ب -. (10) 781 الطَّبقة التَّاسعة وقال الشَّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(11): وفي ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وستمائة، قبض على أعوان الرَّفيع الجيلي الظّلمة الأرجاس وكبيرهم الموفَّق حسين الواسطي ابن الرؤَّاس سجنوا ثمَّ عذبوا بالضَّرب والعصر والمصادرة، ولم يزل ابن الرؤَّاس في العذاب والحبس إلى أن فُقِدَ في جمادى الأوَّل سنة اثنتين وأربعين وستِّمائة. قال: وفي ثاني عشر ذي الحجَّة أخرج الرَّفيع من داره وحبس بالمقدميَّة (12). قال: ثمَّ أخرج ليلاً وذهب به فسجن بمغارة أفقه من نواحي البقاع ثمَّ انقطع خبره وذكروا أنَّه توفّي، ومنهم من يقول: ألقي من شاهقٍ، وقيل: خنق، وولي بعده القاضي محيي الدِّين ابن الزَّكي. قلت: وأعطوا ابن الزَّكي مع القضاء مدارس الرَّفيع، تدريس العذراويَّة، وأعطوا الشَّاميَّة البرَّانيَّة لتقيِّ الدِّين ابن رزين، والعادليَّة الكبيرة لكمال الدِّين التَّفليسي صهر ابن الخوبي، والأمينيَّة لابن عبد الكافي. قلت: ومن فوائد الرَّفيع، أنَّ رجلاً مات وترك مائة ألف وله من الورثة ابنة فلم يعطها فلسًا. ومنها، أنَّه استعار من النَّاس أربعين طبقًا ليبعث فيها هديَّةً لصاحب حمص، فلم يردّ منها واحدًا. ومنها أنَّه كان يستدعي ذا المال الجزيل فيدَّعي عليه مدع مستهل بألف دينار مثلاً أو أكثر من ذلك، فيبهت الرَّجل من ذلك وينكر فيقول المدَّعي: لي بيِّنة فيقول: أحضر بيِّتك، فيحضر شهودًا مستعملين، فيشهدون بالمبلغ المدَّعى به، فيحكم الحاكم على المدَّعى عليه بذلك، ثمَّ ينفصل عليه ويقول: صالح غريمكَ، ويرسم عليه في الجاروخيّة، فمهما يحصل أخذ الشُّهود نصيبهم والباقي للحاكم، فيرسل إلى الوزير قسطه من ذلك، فإنَّا للَّه وإنّا إليه راجعون، وببركة هذه الأحكام نقصت الأنهار، حتَّى كان نهر بُوَاء(13) إذا كان عليه سباق لا يصل إلى طاحون نقرا، ومكَّن القاضي الرَّفيع النِّساء من دخول الجامع، وقال: ما هو بأعظم من (11) ذيل الروضتين 173. (12) منادمة 206، داخل باب الفراديس وواقفها محمَّد بن عبد الملك ابن المقدَّم، من أكابر الأمراء في دولة السُّلطان صلاح الدِّين الأيّوبي توفّي سنة 583 هـ. (13) معجم البلدان 1/ 502، وفيه: بواء واد بتهامة. 782 طبقات الشافعية الحرمين، فكثر النِّساء بالجامع، واتَّفق ليلة النّصف، فعظم الخطب، وكثرت المفاسد بینهنَّ . وأمَّا صاحبه الشَّيخ الأمين وزير العادل الذي كان سامريًّا طبيبًا أوَّلاً فأظهر الإسلام وصار وزيرَ المملكة فإنَّه بقي إلى سنة ثمانٍ وأربعين فأخرج من السِّجن وشنق بالدِّيار المصريّة وأخذت حواصله فبلغت ثلاثة آلاف ألف دينار. 866) عثمان(14) بن عبد الرَّحمان بن عثمان بن موسى ابن أبي نصر، الإمام العلاَّمة مفتي الإسلام، تقيَّ الدِّين أبو عمرو ابن الإمام البارع أبي القاسم صلاح الدِّين النَّصري الكردي الشَّهرَزُوري الشَّافعي. تفقَّه على والده، وكان والده شيخ تلك النَّاحيَّة، وجمع بين طرفي المذهب قبل أن يخضرَّ شاربه، وساد وتفقّه، ثمَّ ارتحل إلى الموصل فتفقَّه على العماد ابن يونس ولازمه حتَّى أعاد له، ودخل إلى بغداد وطاف البلاد، وسمع من خلقٍ كثيرٍ وجمِّ غفيرٍ ببغداد، ودُنَيْسِر (15)، وهمذان، ونيسابور، ومرو، وحرَّان، وغير ذلك؛ ودخل الشَّام مرَّتين، فالمرَّة الثّانية سنة [سبع عشرة وستِمائة، فولي تدريس الصَّلاحيَّة بالقدس الشّريف، ثمَّ لمَّا خرَّب المعظم أسوار القدس ارتحل إلى دمشق فدرَّس بالرَّواحيَّة، وولي مشيخة الدَّار الأشرفيَّة](16) سنة ثلاثين(17). وهو أوَّل من درَّس بها، ثمَّ ولي تدريس الشَّاميَّة الجوَّانيَّة. وكان إمامًا بارعًا حجَّةً متبحِّرًا في العلوم الدِّينيَّة بصيرًا بالمذهب أصوله وفروعه، له يدٌ طولى في العربيَّة والحديث والتَّفسير مع عبادةٍ وتهجّدٍ وورع ونسكٍ وتعبُّدٍ وملازمةٍ للخير على طريقة السَّلف في الاعتقاد، يكره طرائق الفلسفة والمنطق ويعظ منها ولا يمكّن من قراءتها بالبلد والملوك تطيعه في ذلك، وله فتاوى سديدة، وآراء رشيدة، ما عدا فتياه الثّانية في استحباب صلاة الرَّغائب، وله السُّبكي 326/8، والإسنوي 133/2، وتذكرة الحفّاظ 1430/4. (14) معجم البلدان 478/2، بلدة مشهورة عظيمة من نواحي الجزيرة قرب مازدين، ويقال لها: (15) قوج حصار. (16) في الأصل - ثلاث، وفي - ب ثلاثین. ما بين القوسين ساقط من - ب -. (17)