النص المفهرس

صفحات 741-760

743
الطَّبقة التَّاسعة
. (12)
:
ومن شعره
وَلَأَنْتَ أَدْرَى(13) في الغرام بِحَالِهِ
وَهَواكَ مَا خَطَرَ السُلُوُّ بِبالِه
سَالٍ هَوَاكَ فَذَاكَ مِنْ عُذَّالِهِ
وَمَتَى وَشَى شَخْصٌ (14) إِلَيك بِأَنَّه
مِنْ حَالِهِ يغنيك عن تسْآلِهِ
أَوَ لَيْسَ للكَلَفِ المُعَنَّى شَاهِدٌ
غَرامِه وَصَرَمْتَ حَبْلَ وصَالِهِ
جدَّدْتَ ثَوْبَ سقَامه وهتَكَت سرَّ
يَقْدِي الطَّليقَ بِنَفْسِه وَبِمَالِهِ
يَا للْعجّائِبِ مِنْ أَسِيرٍ دأبُهُ
شَرِقَتْ مَعَاطِفهُ بِطيبٍ زُلاَلَهِ
ريَّان من ماءِ الشَّبيبة والصِّبًا
توفّي آخر يوم من سنة ثلاثٍ وعشرين وستمائة، ودفن في أوَّل سنة أربعٍ
وعشرين، رحمه الله وسامحه.
820) إسفنْديار بن الموفَّق بن محمَّد بن يحيى، الأستاذ أبو الفضل
البُوشنْجِي الأصل، الواسطي المولد، البغدادي الدَّار.
الواعظ الأديب الفقيه المقري، المحدِّث الكاتب، وهو جدُّ الواعظ المشهور
نجم الدِّين علي بن علي بن سمندیار.
قرأ القراءات وأتقن العربيَّة وسمع الحديث، وتفقّه على مذهب الإمام
الشَّافعي، واجتهد في معرفة الكتابة وحسن الخطّ، فساد فيه أقرانه، وكان جيّد
النَّظم والنَّثر والإنشا، وقد ولي ديوان الرَّسائل سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ثمَّ
عزل بعد أشهر، ثمَّ ولي مشيخة رباط، ثمَّ عزل، وكان ينسب إلى شيء من
التشيّع .
قال الشَّيخ أبو الفرج ابن الجوزي: وكان يلبس أيَّام ولايته الذَّهب والحرير،
وذكر عنه ما يدلُّ على غلوِّ في الرَّفض والسبِّ، وعلى إساءةِ أدب وجهل، فإنَّه
(12) وفيات وفيه: من جملة قصيدة يمدح بها القاضي كمال الدِّين بن محمَّد بن عبد الله
الشّهرزوري .
(13)
المرجع السَّابق وفيه: أعلم.
المرجع السَّابق وفيه: واشٍ.
(14)

744
طبقات الشافعية
قال: حكى عنه بعض عدول بغداد أنَّه حضر مجلسه بالكوفة فقال: لمَّا قال النبيُّ
صلَّى اللَّه عيه وسلَّم: ((من كنت مولاه فعليٍّ مولاه))، تغيّر وجه أبي بكر وعمر،
نزلت هذه الآية: ﴿فَلَّا رَأَقَهُ زُلْفَةُ سِيْمَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (15).
توفّي ببغداد في تاسع ربيع الأوَّل سنة خمسٍ وعشرين وستُمائة، عن سبعٍ
وثمانين سنة.
821) بَهْرَام شاه(16) بن فَرُّخشاه بن شاهنشاه بن أيُّوب بن شاذي، السُّلطان
الملك الأمجد، مجد الدِّين أبو المظفَّر.
صاحب بعلبك، حكم بها خمسين سنة. وكان فاضلاً أديبًا شاعرًا مُطنِبًا محسِّنَا،
له ديوان مشهور، وكان کریمًا ممدحًا، حاصره الملك الأشرف موسی ببعلبك حتَّی
أخذها منه في سنة سبع وعشرين وستمائة وأعطاها لأخيه الملك الصَّالح إسماعيل
ابن العادل، وانتقل الأَمجد إلى دمشق، وابتنى له تربةً إلى جانب والده بالشَّرف
الشَّمالي، ووقف درسًا على الشَّافعيَّة، وانتقل إلى اللّه تعالى بسبب مملوك من
مماليكه قتله في اللَّيل كان مسجونًا بالدَّار فتخلَّص ووصل إلى أستاذه فقتله وقتله
الخواصُّ، وذلك في اللَّيلة الثَّامنة عشر من شؤَّال سنة ثمانٍ وعشرين وستِّمائة.
وذكروا أنَّه رآه بعض أصحابه في النَّوم، فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال:
زَالَ عَنْي ذلك الوجَل
كنتُ من ذنبي على وجَل
عشتُ لمَّا مُتُّ يَا رَجُل
أمِنَتْ نَفْسِي بَوائقهَا
822) الحسن(17) بن محمَّد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله ابن
عساكر، زين الأمناء، ويكنَّى بأبي البركات الدِّمشقي الشَّافعي.
ولد في سلخ ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وسمع من عمَّيه
الحافظ أبي القاسم، والضّياء ابن هبة اللّه، وجماعة.
الآية 27 سورة الملك.
(15)
(16)
وفيات 2/ 453، وفوات الوفيات 226/1، وذيل الرَّوضتين 160، والمقفَّى 517/2،
ومنادمة 84، والبداية 131/13.
السُّبكي 141/8، والإسنوي 220/2، والعبر 108/5، والبداية 127/13.
(17)

745
الطَّبقة التَّاسعة
وعنه جماعة منهم: الزكيَّان المنذري، والبرزالي، والكمال ابن العديم،
والزَّين خالد، وكان شيخًا جليلاً نبيلاً صالحًا خيّرًا متعبِّدًا، حسنَ الهدي والسَّمت،
مليحَ التَّواضع، كيِّسَ المحاضرة، من سروات البلد، تفقَّه على جمال الأئمَّة أبي
القاسم علي بن الحسن بن الماسح، وقرأ برواية ابن عامر على أبي القاسم
العمري، وتأذَّب على علي بن عثمان السُّلمي، وولي نظر الخزانة ونظر الأوقاف،
ثمَّ ترك ذلك وأقبل على شأنه وعبادته، وكان كثير الصَّلاة حتَّى إنَّه لقِّب بالسجَّاد،
وقد أطنب في وصفه عمر بن الحاجب وغيره.
وقال الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(18): كان شيخًا صالحًا، كثيرَ الصَّلاة
والذكر، أُقعِد في آخر عمره، وكان يُحمل في محفّةٍ إلى الجامع وإلى دار الحديث
النُّورِيَّة ليسمع عليه.
توفِّي في سحر يوم الجمعة سادس عشر صفر سنة سبع وعشرين وستِمائة،
عن ثلاثٍ وثمانين سنة، وحضره خلقٌ كثيرٌ، ودفن إلى جانّب أخيه الفخر عبد
الرَّحمان، رحمهما الله.
823) الحسين(19) بن إبراهيم ابن أبي بكر ابن خلِّكان، الفقيه الإمام
العلاَّمة، ركن الدِّين أبو يحيى الإربلي.
درَّس بعدَّة مدارس، وكان عارفًا بالمذهب، صالحًا كثير التِّلاوة، سمع
الحديث من يحيى الثَّقفي. ومات ببلده في ذي القعدة سنة ثلاثٍ وعشرين
وستمائة .
824) عبد اللَّه(20) بن إبراهيم بن محمَّد بن علي، الفقيه الصَّالح، أبو
محمَّد الهمذاني الخطيب.
ولد سنة خمسٍ وأربعين، وتفقَّه بالنّظاميَّة على أبي الخير القزويني، وأعاد
(18)
ذیل الرَّوضتين 158.
(19)
السُّبكي 155/8، والإسنوي 485/1، وتاريخ إربل 332/1، وفيه: توفّي في 12 ذي
القعدة سنة 622، ودفن بالمقبرة العامَّة شرقي إربل.
السُّبكي، والإسنوي 2/ 533، وسير 22/ 393.
(20)

746
طبقات الشافعية
بالنِّظاميَّة للشّيخ أبي طالب (21) صاحب ابن الخلِّ، وسمع الحديث من أبي الوقت،
وغيره.
وكان فقيهًا ورعًا عفيفًا إمامًا عارفًا بالمذهب والأصول والخلاف، على
مذهب السّلف.
روى عنه ابن النجّار، وعلي بن الأخضر، والجمال يحيى ابن الصَّيرفي.
توفّي في حادي عشر شعبان سنة اثنتين وعشرين وستِّمائة .
825) عبد الرَّحمان (22) بن عبد الله بن علوان بن عبد الله، أبو محمَّد
الأسدي الحلبي، الزَّاهد المعروف بابن الأستاذ.
أحد الفقهاء الشَّافعيَّة المحدِّثين.
وهو والد قاضي القضاة زين الدِّين عبد اللَّه ابن الأستاذ وقاضي القضاة
جمال الدِّين محمَّد.
سمع الحديث ببلده وببغداد وغيرهما من البلاد، وكان فيه خيرٌ وصلاحٌ
وديانةٌ وعنايةٌ بالحديث. وروى عنه الحافظ الضِّياء المقدسي، والزَّكي البرزالي،
والصَّاحبْ كمال الدِّين ابن العديم، وجماعةٌ. توفّي في عاشر جمادى الآخرة سنة
ثلاثٍ وعشرين وستِّمائة، عن تسعين سنة رحمه الله.
826) عبد الكريم (23) بن محمَّد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين بن
الحسن، العلاَّمة إمام الدِّين أبو القاسم القزويني الرَّافعي.
نسبة إلى رافِعَان بلدة من أعمال قزوين قاله النَّووي(24) .
وقيل: نسبة إلى رافع بن خديج، وقيل: إلى رافع مولى النبيِّ صلَّى اللَّه عليه
وسلَّم، فالله أعلم.
(21)
الإسنوي وفيه: أبو طالب الكرخي.
(22)
الإسنوي 146/1 .
السُّبكي 281/8، والإسنوي 571/1، وفوات الوفيات 376/2.
(23)
تهذيب الأسماء 264/2.
(24)

747
الطَّبقة التَّاسعة
وهو صاحب الشَّرح المشهور بالعلم المنشور الذي هو خزانة علم أئمَّة
مذهب الشَّافعي، والمبرَّزين النُّظَّار، وإليه يرجع مشهور عامَّة الفقهاء من أصحابنا
في هذه الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار؛ ولقد برَّز فيه على كثير ممَّن
تقدَّمه، وحاز قصب السَّبق، فلا يدرك شأوَهُ إلاَّ من وضع يديه حيث وضع قدميه،
ولا يكشف عجاج غباره إلاَّ من ساق معه في مضماره، ولا ينال تحقيقه إلاَّ من
سلك طريقه، فرحمهُ اللَّه على الدِّين، أجاد وأفاد ودقّق وحقَّق وحرَّر وقرَّرَ ورتّب
وهذَّب وصنَّف وألَّف وجمع وحشد وأسَّس وأكَّدَ ومهَّد ووطَّر وبيَّن المشهور
والغريب والبعيد والقريب والصَّحيح والسَّقيم والضَّعيف والسَّقيم وما عليه الأكثرون
وما ندر بالتمذهب به الأقلُّون، والمنصوص والمخرج والخالص من الحقِّ
والمبهرج، والقديم من القولين والجديد والأصحَّ من الوجهين والبعيد، وهل
الخلاف على طريقتين أو باختلاف حالين.
هذا وله غيره من المصنَّفات(25) المُهمَّة، والفوائد الجمَّة، مثل اختصار هذا
الشَّرح بل الفتح العزيز، وشرح مسند الشَّافعي، أحد أئمّة التَّبريز مع الرِّئاسة
والصِّيانة والسِّيادة والأمانة، والاعتناء بالتّفسير والفقه والحديث والإملاء والإفادة
والتَّحدیث.
وأجاز له أبو زرعة المقدسي، وسمع منه الحافظ زكيُّ الدِّين المنذري
بالمدينة النَّبويّة.
وقال الشَّيخ أبو زكريَّاء النَّووي: كان من الصَّالحين المتمكِّنين، وكانت له
كرامات كثيرة ظاهرة.
وقال الشّيخ أبو عمرو ابن الصَّلاح(26): توفّي في أواخر سنة ثلاث، أو أوائل
سنة أربع وعشرين وستمائة بقزوين، رحمه اللّه تعالى.
وقال القاضي شمس الدِّين ابن خلِّكان: توفّي في ذي القعدة سنة ثلاثٍ
وعشرين وستمائة.
[وكذا أخبرني الشَّيخ سراج الدِّين القزويني المقرئ المحدّث إمام جامع
(25)
هديَّة 609/1.
وردت هذه التَّرجمة في ذيل النَّووي على ابن الصَّلاح 784/2.
(26)

748
طبقات الشافعية
الخليفة ببغداد بكدى الرَّافعي أنَّه توفّي في هذا التّاريخ، يعني في ذي القعدة سنة
ثلاثٍ وعشرين وستِّمائة](27).
سمع الرَّافعي الحديث من أبيه حضورًا إلى سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمائة.
وكانت لأبيه رحلةٌ، وقرأ بنفسه عليه سنة تسع وخمسين، وعلى أبي بكر عبد
اللَّه ابن إبراهيم بن عبد الملك، وروى في أماليه عن أحمد بن إسماعيل بن
يوسف بن محمَّد الطَّالقاني، وأبي سليمان أحمد بن حسنويه، وأبي نصر حامد بن
محمود بن علي الما وراء النَّهري الخطيب، وأبي العلاء الحسن بن أحمد بن
الحسن الهمذاني الحافظ، وأبي بكر عبد الله بن إبراهيم بن عبد الملك المذكور،
وأبي حامد عبد اللَّه ابن أبي الفتوح بن عمران العمراني القزويني الفقيه، وعبد
العزيز بن الخليل بن أحمد الخليلي، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن
الحسين بن بانونه الواري، وأبي بكر محمَّد بن أبي طالب الضَّرير، وأبي الفتح بن
عبد الباقي بن البطِّ، وبإجازته من أبي زرعة طاهر بن محمَّد بن طاهر المقدسي.
وروى عنه ابنه الإمام عزيز الدِّين محمَّد، والحافظ زكيَّ الدِّين المنذري في
معجمه، وأبو الثّناء محمود الطَّاووسي.
قرأت على الشّيخ الجليل المعمِّر الدَّاعي إلى اللَّه رئيس المؤذِّنين بجامع
دمشق برهان الدِّين إبراهيم بن محمَّد بن أحمد الواني، أخبرنا أبو الثَّاء محمود بن
سعيد ابن النَّاصح القزويني الصُّوفي قراءةً عليه، أخبرنا إمام الدِّين أبو القاسم عبد
الكريم بن محمَّد الرَّافعي إجازةً قال: قرأت على أبي الكَرَم علي ابن عبد الکریم،
أخبركم أحمد بن محمَّد المصري، حدَّثنا عبد الرَّحمان بنَ محمَّد الشَّاهد، حدَّثنا
الفضل بن الفضل الكندي، حدَّثنا أبو يعلى الموصلي، حدَّثنا خلف بن هشام،
حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الأعزّ أبي مسلم قال: أشهد على أبي
سعيد وأبي هريرة أنَّهما شهدا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ((مَا
جلس قومٌ يذكرون اللَّه إلاَّ حفَّت بهم الملائكة ونزلت عليهم السَّكينة وغشيتهم
الرَّحمة وذكرهم اللَّه فيمن عنده)). أخرجه مسلم في صحيحه من حديث شعبة بن
الحجّاج، والتّرمذي في جامعه من حديث سفيان الثَّوري، وابن ماجة من حديث
(27) ما بين القوسين ساقط من - ب -.

749
الطَّبقة التَّاسعة
عمَّار بن زريق، ثلاثتهم عن أبي إسحاق السَّبيعي، وهو عمرو بن عبد اللَّه الكوفي
به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
827) عبد اللَّطيف(28) ابن الفقيه أبي العزِّ يوسف بن محمَّد بن علي بن
أبي سعد، العلاَّمة موفَّق الدِّين أبو محمَّد الموصلي الأصل، البغدادي المنشأ.
الفقيه الشّافعي، النَّحوي اللُّغوي المتكلّم الطّبيب المؤرِّخ المحدِّث الأديب
البارع، وكان يعرف قديمًا بابن اللَّبان ويلقَّب بالمِطْجن، لقَّبه بذلك التَّاج الكندي
لدمامة خلقه ونحافة جسمه وصغر وجهه.
تفقَّه ببغداد على أبي القاسم ابن فضلان، وسمع الحديث من جماعة من
المشائخ، فمن ذلك مسند الشَّافعي وابن ماجة من أبي زرعة المقدسي، وصحيح
الإسماعيلي والمدخل إليه من يحيى بن ثابت، وسمع الكثير من ابن البطّي، وابن
النَّقور، وجماعة.
وعنه خلقٌ منهم، الزكيَّان المنذري، والبرزالي، والضِّياء، وابن النجَّار،
والشِّهاب القوصي، وحدَّث بالشَّام ومصر والعراق وبلدان شتَّى، وحفظ كتبًا جمَّةً
کثیرً .
وصنَّف مصنَّفات عديدة، فمن محفوظاته(29): الفصيح، والمقامات،
واللُّمع، وأدب الكاتب لابن قتيبة، ومشكل القرآن وغريبه له، والإيضاح والتّكملة
لأبي علي الفارسي، وغير ذلك. ومن مصنّفاته شرح مقدَّمة ابن بابشاد، وشرح
بانت سعاد، وشرح المقامات، وكتاب الجامع الكبير في المنطق، والطّبيعي
والإلاهي في عشر مجلَّدات، والردِّ على الفخر الرَّازي في تفسير قل هو الله أحد،
وغير ذلك من المصنَّفات الكثيرة المتعدِّدة في الفنون المتنوّعة، وكان ينقص
بالشّهاب السَّهْرَوَرْدِي، ويزعم إنَّ ما له من القواعد والتَّعاليق التي لا يعتدُّ بها ما
هو خير من كلام السَّهروردي، وله كتاب في الردِّ على اليهود والنَّصارى.
ومن كلامه، قال: ينبغي أن تكون سيرتك سيرةَ الصَّدر الأوَّل، اقرأ سيرة
السُبكي 313/8، وبغية الوعاة 106/2.
(28)
هديَّة 614/2 وإنباه الرُّواة .
(29)

750
طبقات الشافعية
النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وتتبّع أفعاله وأحواله واقتف آثاره وتشبَّه به ما أمكنك،
وإذا وقفت على سيرته في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته وتمرُّضه وتطبُبه
وتمتُّعه وتطيُّبه ومعاملته مع ربّه ومع أزواجه وأصحابه وأعدائه، وفعلت الميسَّر من
ذلك فأنت السَّعيد كلَّ السَّعد؛ قال: ومن لم يحتمل ألَمَ التعلم لم يذق لذَّة العلم،
ومن لم يكدح لم يفلح، وإذا خلوت من التعلُّم والتفكّر فحرّك لسانك بذكر الله
وتسبيحه، وخاصَّة عند النَّوم، وإذا حدث لك فرح بالدُّنيا فاذكر الموت، وسرعة
الزَّوال، وأصناف المنغصات، وإذا أحزنك أمرٌ فاسترجع، فإذا اعترتك غفلة
فاستغفر، واجعل الموت نصب عينيك، والعلم والتُّقى زادك إلى الآخرة، وإذا
أردت أن تعصي الله فاطلب مكانًا لا يراك فيه وعليك أن تجعل باطنك خيرًا من
ظاهرك، فإنَّ النَّاس عيون اللَّه على العبد، يريهم خيرَه وإن أخفاه وشرَّه وإن ستره،
فباطنه مكشوف للَّه، واللّه يكشفه لعباده، واعلم أنَّ الدِّين عقبة وعرفًا ينادي على
صاحبه، ونورًا وضياءً يشرق عليه ويدلُّ عليه كتاجر المسك لا يخفى مكانه.
وقال أيضًا: ينبغي أن تحاسب نفسك كلَّ ليلةٍ إذا أويت إلى فراشك وتنظر ما
اكتسبت في يومك من حسنةٍ فتشكر الله عليها، وما اكتسبت من سيّئة فتستغفر منها
وتقلع عنها، وترتّب في نفسك ما تعمله في غدٍ من الحسنات، وتسأل اللَّه الإعانة
على ذلك.
وهذا كلامٌ حسنٌ جيّدٌ، يدلُّ على فصاحة قائله وفضائله وسيادته وسعادته
وديانته وأمانته واطلاعه واضطلاعه، ولهذا أثنى عليه غير واحدٍ من الحفّاظ والأئمَّة
من المتأخّرین.
وحطّ منه القاضي جمال الدِّين القفطي في تاريخ النُّحاة(30)، والظَّاهر أنَّ في
كلامه تحاملاً، والله أعلم.
ولد الموفَّق لطّف اللَّه به في أحد الرَّبيعين سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
وتوفّي ببغداد في ثاني المحرَّم سنة ثمانٍ وعشرين وستِّمائة، وصلَّى عليه
الشَّيخ شهاب الدِّين السَّهْرَوَرْدِي، رحمه الله تعالى.
السُّبكي 294/8، والإسنوي 552/2، ونكت الهميان 211.
(30)

751
الطّبقة التَّاسعة
828) علي بن خطَّاب بن مقلِّد الفقيه المُقري، أبو الحسن الواسطي
المحدثي.
والمحدث من قرى واسط، الشَّافعي الضَّرير.
تفقَّه على أبي القاسم يحيى ابن فضلان شيخ بغداد، وبرع في المذهب
والخلاف، ودرَّس وأعاد وأفاد وأفتى، وكان قيِّمًا بعلم العربيَّة والقراءات، وأقبلت
عليه الدُّنيا حتَّى صار من جلساء الإمام المستنصر بالله.
وسمع الحديث من أبي الفتح ابن شاتيل، وجماعة.
وتوفّي سنة ثمانٍ وعشرين وستِّمائة(31)، عن سبع وستين سنة.
829) علي (32) بن منصور بن عبد اللَّه، أبو الحسن اللُّغوي.
كان يحفظ المجمل لابن فارس، وكتاب إصلاح المنطق، وأشياء كثيرة،
وكان سريع الحفظ، وكان مقيمًا بالنّظاميَّة إلى أن توفّي، ولم يتأهَّل قطُ .
توفّي سنة اثنتين وعشرين وستِّمائة، عن بضع وسبعين سنة.
830) علي (33) بن يوسف بن عبد الله بنَ بُنْدار، زين الدِّين أبو الحسن
المصري.
قاضي القضاة بها. وقد أقام قبل ذلك بدمشق، وأصلهم من بغداد، وكان
أبوه أحد الأعلام ببغداد.
تفقَّه على أبيه، ثمَّ سافر، وقد برع في المذهب، وكان رئيسًا محتشمًا فقيهًا
متواضعًا خيّرًا، حسنَ الأخلاق، محبًّا لأهل العلم.
سمع مسند الإمام الشَّافعي من أبي زرعة المقدسي.
وعنه ابنه أبو العبَّاس أحمد والحافظ زكيَّ الدِّين المنذري، والحافظ زكيَّ
الدِّين البرزالي، والأبرقوهي، وغيرهم.
الإسنوي والسُّبكي وفيهما: توفّي في شعبان سنة 629 هـ.
(31)
(32)
الإسنوي 369/2 .
السُّبكي 304/8، ولم يزد على ذكر اسمه، والإسنوي 541/1، وحسن المحاضرة 1/
(33)
. 312

752
طبقات الشافعية
توفّي بالقاهرة في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وستِّمائة،
عن سبعٍ وستين سنة، رحمه اللَّه.
831) محمَّد(34) بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر، فخر الدِّين أبو عبد الله
الفارسي الشّيرازي الخَبْري(35) الفيروزبادي.
نزيل مصر، الشّافعي الصُّوفي، المحقّق في الطَّريقة.
سمع الحديث من السِّلفي، وابن عساكر، وغيرهما، وسمع منه الزكيَّان
المنذري، والبرزالي، وشهاب الدِّين الأبرقوهي، وجماعة آخرهم علي بن القيِّم،
وكان فاضلاً، له مصنَّفات كثيرة منها: مطيّة النَّقل وعطيّة العقل في الأصول
والكلام، وغير ذلك من المصنَّفات، وكان فاضلاً بارعًا فصيحًا بليغًا متكلِّمًا.
قال عمر بن الحاجب: كانت له معاملات ورياضات ومقامات، إلاَّ أنَّه كان
بذيء اللِّسان، كثير الوقيعة في النَّاس لمن عرف ولمن لم يعرف، كثير الجرأة، لا
يفكّر فيما يقول، وعنده دعابة في غالب الوقت.
وكذا قال ابن نقطة أيضًا، وذكر أنَّه بنَى زاويةً في القرافة بمعبد ذي النُّون،
وتوفِي بها في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستِمائة، ودفن بزاويته.
832) محمَّد بن عمر بن يوسف بن محمَّد بن بهروز الفقیه، أبو بكر ابن
الشَّيخ أبي حفص البغدادي الشَّافعي المُقري الحنَّاط.
سبط محمَّد بن نصر الشعَّار المحدّث.
سمع حضورًا من جدِّه، ومن صالح ابن الرُّحلة، وشهدة وجماعة.
وروى ابن النجَّار في تاريخه، أنَّه لقيه بحماه وقال: كان مدرِّسًا بها، وخطيبًا
بقلعتها، قال: وهو صدوق متديِّنٌ، ذكر لي أنَّه تفقَّه على أبي طالب غلام ابن
الخلِّ، وحفظ عنه تعليقه، وقرأ عليه المهذَّب، وتعليقة الشّريف، ثمَّ تفقَّه على
علي بن علي الفارقي شيخنا، وخرج من بغداد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة،
الإسنوي 286/2، والعبر 91/5، وحسن المحاضرة 312/1، والمقفَّى 49/5.
(34)
معجم البلدان 344/2، وفيه: خبر، علم لبليدة قرب شيراز من أرض فارس.
(35)

753
الطَّبقة التَّاسعة
فوصل إلى حمص، ثمَّ عاد إلى المعرَّة فأقام بها عشرين سنة يدرِّس، ثمَّ تحوَّل
إلی حماه ودرَّس بها.
ذكره شيخنا الذّهبي فيمن توفّي في حدود سنة ثلاثين وستِّمائة.
833) محمَّد(38) بن الفقيه أبي منصور فتح بن محمَّد بن خلف السَّعْدي،
الفقيه زين الدِّين أبو عبد اللَّه الدُّمياطي الشَّافعي.
الكاتب في ديوان الإنشاء للملك الكامل.
سمَّعه أبوه من الحافظ السِّلفي، وعدَّة، وكتب الخطّ المنسوب على فخر
الكتَّاب حتَّى فضل عليه في حسن الكتابة، وحدَّث بدمشق، وكان حسن الأخلاق،
فیه دینٌ وخيرٌ.
وعنه الزَّكي المنذري، وابن البرزالي، وابن الأنماطي.
مات في رابع صفر سنة إحدى وعشرين وستِّمائة.
834) محمَّد(37) ابن أبي الفرج ابن أبي المعالي الشَّيخ فخر الدِّين أبو
المعالي الموصلي.
ثُمَّ البغدادي، المقري، الشَّافعي، معيد النّظاميَّة.
قدم بغداد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، فتفقَّه بها، وقرأ القراءات على
يحيى ابن سعدون القرطبي وسمع الحديث منه، ومن خطيب الموصل، وقرأ
العربيَّة على الكمال عبد الرَّحمان الأنباري.
قال ابن النَّجار: كان له معرفة تامَّة بوجوه القراءات وطرقها، وله في ذلك
مصنَّفات، وكان فقيهًا فاضلاً حسن الكلام في مسائل الخلاف، ويعرف النّحو
معرفةً حسنةً، وكان كيِّسًا متودِّدًا [متواضعًا حسنَ العشرة صدوقًا](38) .
الوافي 314/4، وتكملة 116/3، والمقفَّى 502/6، المعروف بابن زين، ولد سنة
(36)
566 هـ.
السُّبكي 114/8، والإسنوي 2/ 446، والبداية 13/ 105، وغاية النّهاية 228/2.
(37)
ما بين القوسين ساقط من الأصل والإكمال من - ب -.
(38)

754
طبقات الشافعية
توفِّي في سادس رمضان سنة إحدى وعشرين وستمائة .
835) محمَّد(38) بن محمَّد بن عبد الكريم بن الفضل، أبو الفضائل
الرَّافعي، القزويني.
نزيل بغداد، أخو العلاَّمة أبي القاسم الرَّافعي الشَّارح.
تفقَّه على أبي القاسم ابن فضلان، وسمع الحديث من أبيه، وأجاز له ابن
البطّي، ورحل إلى أصبهان والريَّ وأذربيجان والعراق، وسمع من أبي السَّعادات
نصر اللَّه القزَّاز، ومحمَّد بن يونس، وابن الجوزي، واستوطن بغداد، وولي
مشارفة أوقاف النّظاميَّة، وكان فيه ديانةٌ وأمانةٌ وتواضعٌ وتوذُدٌ وحسنُ خلقٍ، وكتب
الكثير مع ضعف خطّه، من التَّفسير والحديث والفقه، وكان له معرفة جيِّدة في
الحدیث .
قال ابن النجّار: كان يذاكرني بأشياء، وله فهمٌ حسنٌ ومعرفةٌ .
توفّي في الثَّامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمانٍ وعشرين وستمائة،
وقد قارب السَّبعين.
836) مظفّر(40) بن عبد القاهر بن الحسن بن علي بن القاسم، القاضي
حجَّة الدِّين أبو منصور ابن القاضي أبي علي الشَّهْرَزُوري.
الموصلي الحاكم بها، الشّافعي. كان رئيسًا سريًّا محتشمًا، تولَّى الحكم
بالموصل مدَّةً، ثمَّ ركب في الرسليَّة إلى بغداد وإلى الشَّام، وكان الثَّناء عليه
جميلاً.
سمع الحديث من أبي أحمد ابن سكينة، وابن الأخضر.
وتوفِّي ببلده في رجب سنة ثلاثٍ وعشرين وستِّمائة، عن خمسٍ وستِين
سنة، وقد أضرَّ في آخر عمره.
الإسنوي 573/1.
(39)
الإسنوي 99/24 وفيه: المظفَّر بن القاسم، ولم يؤرّخ وفاته.
(40)

755
الطَّبقة التَّاسعة
837) المعافى (41) بن إسماعيل بن الحسين ابن أبي السِّنان، الفقيه أبو
محمَّد ابن أبي الحَدَوْس.
الموصلي الشّافعي.
كان فاضلاً بارعًا، درَّس وأفتى وناظر، وكان مليح الشَّكل والبزَّة، وله كتاب
أنس المنقطعين، وكتاب الموجز في الذّكر (42).
وسمع الحديث من سليمان بن خميس، ومسلم بن علي السِّنْجي.
وعنه الزَّكي البرزالي، والمجد ابن العديم، والخضر بن عبدان الكاتب، وهو
آخر من حدَّث عنه.
توقّي بالموصل في شعبان أو في رمضان سنة ثلاثين وستِّمائة، عن تسعٍ
وسبعين سنة، رحمه الله تعالى.
838) هبة اللَّه(43) بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الواحد ابن رواحة
الأنصاري الحموي، المعدِّل زكيُّ الدِّين.
أحد التجَّار الكثيري الأموال، وإنَّما عرف بابن رواحة لأنَّه ابن أخت الشَّيخ
أبي عبد الله الحسين ابن رواحة المتقدِّم ذكره.
بنى مدرسةً بدمشق ومثلها بحلب على الفقهاء الشَّافعيَّة، وكان قد أوصى أن
يدفن في مدرسته التي بدمشق(44) إذا مات، في البيت القبو شرقيَّ الإيوان، فلمَّا
مات أراد أهله ذلك فمنعهم الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابنِ الصَّلاح رحمه الله تعالى وكان
إذاك مدرّسها لأنَّه لم يشرطه في أصل الوقف، والله أعلم.
وقد حدَّث عن أبي الفرج ابن قليب.
وتوفِّي في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى.
الشُبكي 374/8، والإسنوي 2/ 450.
(41)
(42)
هديَّة 2/ 465.
(43)
ذيلَ الرَّوضتين 149.
منادمة 100، وفيه: وقد ابتنى المدرسة الرَّواحيَّة داخل باب الفراديس بدمشق، وله بحلب
مدرسة أخرى مثلها، هي شرقي مسجد ابن عروة الذي هو بالجامع الأموي، ولصيقه
شمالي جيرون وغربي الدَّولعيَّة وقبلي السِّينيّة الحنبليّة.
(44)

756
طبقات الشافعية
839) هُمام(45) بن راجي اللَّه بن سرايا بن ناصر بن داود، جلال الدِّين
أبو العزائم المصري الشَّافعي.
خطيب جامع الصَّالح هو وأولاده. قرأ العربيَّة على ابن برِّي، وارتحل إلى
العراق، فتفقَّه على الشَّيخين ببغداد المجير، وابن فضلان، وسمع الحديث من عبد
المنعم بن قليب، وعبد الواحد بن علي بن حمويه، وقرأ الأصول بمصر على أبي
منصور ظافر بن الحسين، ودرَّس وأفتى، وصنَّف في الأصول والخلاف
والمذهب.
وروى عنه الزَّكي المنذري، والأبرقُوهي.
ومات في ربيع الأوَّل سنة ثلاثين وستِّمائة، عن سبعٍ وستِّين سنة.
840) يحيى(46) بن عبد اللَّه بن يحيى، الإمام أبو الحسين الأنصاري
الشَّافعي المصري النَّحوي.
تلميذ العلاَّمة عبد اللَّه ابن برِّي، لزمه مدَّة طويلةً، وبرع في اللُّغة والنَّحو،
وتصدَّر بالجامع العتيق، وكان مشهورًا بحسن التّعليم، وتخرَّج به جماعةٌ.
وروى عنه الزَّكي المنذري، وأرَّخ وفاته بذي الحجَّة لسنة ثلاثٍ وعشرين
وستمائة .
841) يونس(47) بن بدران بن فيروز بن صاعد بن عالي بن محمَّد بن علي،
قاضي القضاة جمال الدِّين المصري الشَّافعي.
[كان إمام عصره، اشتغل بالعلوم النَّظريَّة وبلغ فيها أعلى مراتب الأوائل،
وأعاد بالموصل للإمام عماد الدِّين ابن يونس، وشرف الدِّين ابن مهاجر
الموصليَّان، ثمَّ قدم دمشق فتولَّى وكالة بيت المال، ودرَّس بالعماديَّة والأمينيَّة
والعادليَّة .
(45)
السُبكي 392/8.
(46)
بغية الوعاة 413.
السُّبكي 366/8، والإسنوي 447/2، وحسن المحاضرة، والبداية 114/13.
(47)

757
الطَّبقة التَّاسعة
ومولده بمدينة مليج من عمل الدِّيار المصريَّة في شهور سنة خمس
وخمسين، وقيل: في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وخمسمائة، رحمه اللَّه](48) .
كان ينتسب إلى قريش، وكان يكثّ بأبي محمَّد وأبي الوليد وأبي الفضائل
وأبي الفرج.
ولد تقريبًا في سنة خمسين وخمسمائة، وسمع السِّلفي، وغيره.
وعنه الحافظ الزَّكي البرزالي، والشّهاب القوصي، وعمر بن الحاجب،
وقال: كان يشارك في علوم كثيرة، وكان وكيلاً لبيت المال، فلم يحسن السِّيرة
قبل القضاء.
قلت: نبل شأنه أيَّام الملك العادل، واعتنى به الصَّاحب ابن شكر، وبعثوه رسولاً
إلى الخلافة غير مرَّةٍ فعظم، ودرَّس في الأمينيَّة بعد التقيِّ الضَّرير. وباشر وكالة بيت
المال، ثمَّ ولي القضاء بالشَّام، وولي تدريس العادليَّة أيَّام المعظّم، وألقى بها
التَّفسير، وأملى دروسًا، واختصر كتاب الإمام الشَّافعي، وصنّف في الفرائض(49).
وقال الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(50): كان في ولايته عفيفًا في نفسه نزيهًا
مهيبًا، ملازمًا لمجلس الحكم بالجامع وغيره؛ وكان ينقم عليه أنَّه إذا ثبت عنده
وراثة، أمر بالصُّلح مع بيت المال بشيء، وَنُقِمَ عليه ولايته ولده التَّاج محمَّد نيابة
الحكم مع السّيرة غير المستقيمة وتكلَّموا في انتسابه إلى قريش.
قال: وولي القضاء بعده والتَّدريس بالعادليَّة القاضي شمس الدِّين ابن
الخُوَيي .
وتوفِي في أواخر ربيع الأوَّل سنة ثلاثٍ وعشرين وستِّمائة، ودفن في مجلس
بقاعته قبلي الخضراء(51). قلت: إلى جانب المدرسة الصَّدريَّة الحنبليَّة من الشّرق.
قال الحافظ الضُّياء: وقليل من الخلق كان يترجَّم عليه. قلت: ليس في ترجمته ما
يغيِّر خواطر النَّاس عليه، إلاَّ ما ذكر من أمره بالمصالحة لبيت المال، والله أعلم.
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(48)
(49)
هديّة 2/ 572.
(50)
. 572/2
الإسنوي وفيه: بقرب القليجيَّة من مدارس الشَّام (الدَّارمي 434/1).
(51)

758
طبقات الشافعية
المرتبة الرَّابعة
من الطَّبقة التَّاسعة من أصحاب الشَّافعي رحمه الله
وفيها من سنة إحدى وثلاثين وستِّمائة إلى سنة أربعين
٠
842) أحمد (1) بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، قاضي القضاة،
شمس الدِّين أبو العَبَّاس الخُوَيّ، الشَّافعي.
ولد ببلدة خُوَيُّ(2)، وهي من مدن أذربيجان سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة،
ودخل خراسان وقرأ بها الأصول على الفخر الرَّازي، وقيل: بل عن صاحبه
القطب المصري، وقرأ علم الجدل على علاء الدِّين الطَّاووسي، [وقرأ الفقه على
الرَّافعي إمام الدِّين عبد الكريم. قرأ عليه مصنّفه في الفقه المحرَّر](3).
وسمع الحديث من المؤيّد الطُّوسي، وبدمشق من ابن الزَّبيدي، وابن
صباح، وتولَّى قضاء القضاة بالشَّام المحروسة، وكان فقيهًا إمامًا فاضلاً مناظرًا
متكلِّمًا بصيرًا بالطبِّ والحكمة، مع دينٍ وصلاحٍ وصلاةٍ وصيامٍ .
وسمع منه ابنه قاضي القضاة شهاب الدِّين محمَّد ابن الخويي، وتاج الدِّين
ابن أبي جعفر، وعمر بن الحاجب، والجمال ابن الصَّابوني، وغيرهم.
وله(4) كتاب الأصول، وكتاب فيه رموز حكمته، وكتاب في النّحو، وكتاب
السُّبكي 16/8، والإسنوي 500/1، والبداية 13 / 155 .
(1)
(2)
معجم البلدان 2/ 408.
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(3)
معجم المؤلّفين 216/1.
(4)

759
الطَّبقة التَّاسعة
في العروض، وفيه يقول الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامة: (5) .
ـهُ لمَا أَرْشد الخَلِيلِ بن أَحْمَذْ
أَحمَد بن الخَلِيلِ أَرْشَدَهُ اللَّـ
مَظْهر السِرِّ مِنْهُ والعَوْد أَحْمَذْ
ذَاكَ مُسْتَخْرِجُ العُرُوضِ وَهَذَا
[وكان له نظمٌ حسنٌ، فمنه ما رواه عنه الرَّشيد الفارقي فيما سمعه منه في
قاضي خويُّ :
وَأحكام زوجته ماضيه
وَقَاضٍ لَنَا مَا مَضَى حكمه
وَيَا ليتَها كَانت القاضِيَه](6)
فَيَا لِيتَهُ لَمْ يَكُن قاضِيًا
توفّي رحمه الله بحمَّى الدقِّ في سابع شعبان سنة سبع وثلاثين وستِّمائة
ودفن بقاسيون.
843) أحمد(7) بن علي بن ثبات الإمام أبو العبّاس الواسطي، الشَّافعي
الفرضي.
تلميذ أبي طالب المبارك صاحب ابن الخلِّ، كان أستاذًا في الفرائض، له فيه
المصنّفات والتلامذة.
وتوفّي في رجب سنة إحدى وثلاثين وستمائة، عن ستِّ وسبعين سنة.
844) أحمد(8) بن الشِّهاب محمَّد بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال بن
عیسی
القاضي العلاَّمة نجم الدِّين أبو العبّاس المقدسي الحنبلي ثمَّ الشَّافعي. ولد
ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، واشتغل في مذهب الإمام
أحمد على الشَّمس أحمد بن عبد الواحد البخاري والد الشَّيخ الفخر، وقرأ المقنع
ذيل الرَّوضتين 169، وفيه: وصنَّف تصانيف من جملتها عروض، وهو عندي بخطّه.
(5)
(6)
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(7)
الإسنوي 552/2.
الإسنوي 448/1، وفيه: أحمد بن أحمد.
(8)

760
طبقات الشافعية
على الشَّيخ موفَّق الدِّين سنة ثلاث عشرة، وكتب له كتابةً حسنةً بليغةً لم يكتبها
لغيره، ودرَّس في مدرسة الشّيخ أبي عمر رحمه اللَّه، وسافر إلى بغداد وله سبع
عشرة سنة صحبة الضّياء، فسمع من ابن الجوزي وغيره، ورحل إلى همذان،
فأخذ عن الرُّكن الطَّاووسي الأصولي ولازمه مدَّةً حتَّى صار معيده، وسمع بها من
ابن العزّ عبد الباقي بن عثمان الهمذاني، وغيره، ثمَّ سافر هو وأخوه إبراهيم إلى
بخارى، واشتغلا بها مدَّة، وبرع هو في علم الخلاف، وصار له صيتٌ بتلك البلاد
ومنزلةٌ رفيعةٌ، ثمَّ اشتغل في مذهب الإمام الشَّافعي فَأَتْقَنَهُ، ثمَّ عاد إلى دمشق، وله
جلالةٌ ومكانةٌ، وكان يحفظ الجمع بين الصَّحيحين للحميدي، قاله الحافظ الضُّياء
والمنذري، وكان يقوم اللَّيل، ويداوم على صلاة الضُّحى صلاةً حسنةً، وكان لا
يترك الاشتغال ليلاً ونهارًا، ويطالع كثيرًا ويشتغل.
قال العزُّ ابن الحاجب: كان إمامًا ورعًا، معظّمًا لفضله وتديُّنه، عديمَ النَّظير
في فنّه، بالغ في طلب العلم، وكان وافر الحظّ من الخلاف، وكان سليم الباطن
ذا سَمْتٍ ووقارٍ وتعبُّدٍ .
قلت: وله كتاب طريقة في الخلاف مجلَّدان، وكتاب الفصول والفروق،
وكتاب الدَّلائل الأنيقة، وغير ذلك من الفوائد الجمَّة.
قال الحافظ الضِّياء: لمَّا تولَّى المدرسة العذراويَّة رأى القاضي صدر الدِّين
سليمان الحنفي في النَّوم كأنَّ الإمام أحمد يدرِّس فيها، فتفسَّر به.
قال: ودرَّس بالصَّارميَّةَ(9) التي إلى جانبها، ودرَّس بأمِّ الصَّالح إسماعيل،
وبالشَّاميَّة البرانيَّة(10). ومات وهو مدرّس العذراويَّة.
وقال شيخنا الحافظ شمس الدِّين الذَّهبي: ناب في القضاء عن الجمال
المصري، وعن القاضي شمس الدِّين ابن سنيِّ الدَّولة، والقاضي شمس الدِّين
الخويي، والقاضي عماد الدِّين الحرستاني الخطيب، وعن القاضي الرَّفيع حتَّى
مات.
منادمة 111 وفيه: كانت داخل بابي النّصر والجابيَّة أنشأها صارم الدِّين جوهر بن عبد اللَّه
(9)
الحرُّ، عتيق الستَّ عصمت الدِّين عذراء بنت شاهنشاه.
منادمة 104 وفيه: أكبر المدارس وأعظمها وتسمَّى بالحساميَّة أيضًا نسبة إلى حسام الدِّين
(10)
عمر بن لاجين زوج الواقفة .

٠
761
الطَّبقة التَّاسعة
وقال الشّيخ شهاب الدِّين أبو شامَّة(11): كان يعرف بالحنبلي، وكان فاضلاً
ديِّنًا، وكان بارعًا في علم الخلاف وفقه الطّريقة، حافظًا للجمع بين الصَّحيحين
للحميدي، وقرأت وفاته بخطّ الحافظ الضِّياء يوم الجمعة خامس شؤَّال سنة ثمانٍ
وثلاثين وستمائة .
845) سليمان(12) بن مظفَّر بن غنائم، الإمام رضيَّ الدِّين أبو داود
(13)
الجيلي(13).
الشَّافعي.
تفقَّه بنظاميَّة بغداد، وأفتى ودرَّس وناظر وبرع في المذهب، وصارت له
تلامذةٌ وأصحابٌ، وفيه ديانةٌ وتعفُّفٌ، وعرض عليه القضاء ببغداد فامتنع، وكذا
عرضت عليه مشيخة الرِّباط الكبير فامتنع .
وقال القاضي ابن خلِّكان: وكان من أكابر فضلاء عصره، صنّف كتابًا في
الفقه في خمس عشرة مجلَّدة، وعرضت عليه المناصب فلم يفعل، وكان ديِّنًا
ملازمًا لبيته محافظًا على وقته.
توفّي وقد نيَّف على الستِّين في ثاني ربيع الأوَّل سنة إحدى وثلاثين
وستِّمائة.
846) عبد الحميد(14) بن عبد الرَّشيد بن علي بن بُنَيمان، القاضي أبو
بكر.
الهمذاني الشّافعي.
وأمَّه عاتكة بنت الحافظ أبي العلاء الهمذاني.
ولد سنة أربعٍ وستِّين وخمسمائة، وسمع جدَّه لأمِّه المذكور، وشهدة، وابن
(11)
ذيل الرَّوضتين 171/1.
(12)
الشُبكي 8/ 148، والإسنوي 376/1 وفيه: سلمان.
معجم البلدان 179/2، نسبة إلى جيلان، اسم لبلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان.
(13)
الإسنوي 2/ 533 .
(14)

762
طبقات الشافعية
شاتيل، وغيرهم، وتفقَّه ببغداد، وأعاد بالنّظاميَّة، وناب في القضاء بالجانب الغربي
عن أخيه أبي الحسن علي بن عبد الرَّشيد.
وكان صالحًا ورعًا ديّنًا زاهدًا، على طريقة السَّلف، كثير المحفوظ، وقدم
دمشق وحدَّث بها في سنة إحدى وعشرين وستِمائة، ونزل بالغزَّاليَّة من الجامع،
ثُمَّ عاد إلى بغداد، وولي قضاء الجانب الشَّرقي، وكان محمود السِّيرة.
وروى عنه جماعة منهم الخطيب عزَّ الدِّين الفاروقي، والجمال ابن الشِّيرشي،
والخطيب عبد الحقِّ بن عبد الله بن شمائل، وغيرهم، وأجاز لجماعة منهم: شيخنا
أبو نصر محمَّد بن محمَّد ابن الشِّيرازي، وشيختنا ستِّ الفقهاء بنت الواسطي.
وتوفِي في سنة سبعٍ وثلاثين وستِمائة.
847) عبد الرَّحمان(15) بن مقبل بن الحسين بن علي، العلاَّمة قاضي
القضاة عماد الدِّين أبو المعالي الواسطي الشَّافعي.
قرأ القراءات، وتفقَّه على ابن البوقي، والمجير، وابن فضلان، وابن الرَّبيع،
وبرع في المذهب، وأعاد وأفتى ودرَّس وناب في القضاء عن أبي صالح الجيلي،
ثمَّ استقلَّ بقضاء القضاة في سنة أربع وعشرين وستّمائة، ودرَّس بالمستنصريَّة، ثمَّ
عزل عن ذلك كلَّه، ولزم بيته يتعبَّد ويتنسَّك، ثمَّ باشر مشيخة رباط المرزبانيَّة في
سنة خمسٍ وثلاثين إلى أن مات في الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة تسعٍ
وثلاثين وستمائة، عن سبعين سنةٍ .
848) علي(16) ابن أبي علي بن محمَّد بن سالم التَّغلبي، سيف الدِّين
الآمدي، شيخ المتكلِّمين في زمانه، ومصنّف الأحكام.
ولد بآمد بعد الخمسين وخمسمائة، وقرأ بها القراءات على الشَّيخ محمَّد الصفَّار
الآمدي، ثمَّ ارتحل إلى بغداد وقرأ الهداية أوَّلاً على مذهب الإمام أحمد بن حنبل،
واشتغل على أبي الفتح ابن المنِّي الحنبلي، ثمَّ تحوَّل شافعيًّا، وصحب أبا القاسم
(15)
السُّبكي 187/8، والإسنوي 2/ 553، والبداية 158/13 .
(16)
السُّبكي 306/8، والإسنوي 137/1، وذيل الرَّوضتين 161، وتاريخ الحكماء 240،
والبداية 140/13 .