النص المفهرس

صفحات 701-720

703
الطَّقة الثَّامنة
شبيبته للإمام أبي النَّجيب السَهْرَوَردي في مدرسته، ثمَّ صار إلى دمشق فدرَّس
بالمدرسة التي بنيت له وهي الجاروخيَّة، واتّصل بزوجة من بنات الملوك وأخذ
منها جوهرًا كثيرًا فشنع عليه فارتحل إلى شيراز وبنَى له ملكها مدرسة، فدرَّس
بها، فلمَّا جاءت دولة ابن العصَّار أحضره إلى بغداد، وولاَّه تدريس النّظاميَّة وخلع
عليه خلعةً سوداء، وحضر درسه الأعيان والعلماء، وكان يومًا مشهودًا.
قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذَّهبي رحمه اللّه تعالى: برع في المذهب
حتَّى صار أوحد زمانه وتفرَّد بمعرفة الأصول والكلام، قرأت عليه بواسط علم
الكلام، وما رأينا أجمع لفنون العلم منه، مع حسن العبارة. قال: وخرج رسولاً
إلى الملك خوارزم شاه إلى أصبهان، فمات في طريقه بهمذان في ذي القعدة سنة
اثنتين وتسعين وخمسمائة. وذكر الموفَّق عبد اللَّطيف أنَّه كان ضئيلاً طوَّالاً ذكيًّا
دقيق الفهم، غوَّاصًا على المعاني، غير منفعل عند المناظرة، يعدُّ لها كلَّ سلاح،
ويستعمله أحسن استعمالٍ، وذكر أنَّه كان يشتغل على أبي البركات صاحب المعتبر
في علوم الأوائل(61) خفيةً.
770) مكِّي (62) بن علي بن الحسن، أبو الحرم العراقي الحَرْبَوي، نسبة إلى
حرباء(63)، من عمل دخيل. الفقيه الشَّافعي الضَّرير.
تفقَّه ببغداد على أبي منصور الرزَّاز، ودخل إلى دمشق، وهو شابٌّ،
فسكنها، وتفقّه بها على جمال الإسلام، وسمع منه، ومن نصر الله المصّيصي.
وعنه الحافظ الضِّياء، وابن خليل وجماعةٌ.
[وتوفِّي في شعبان سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة](64)
(61) كشف 1731/2، وفيه: المعتبر في المنطق لأبي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي
المتوفّى سنة 547 هـ.
(62)
السُبكي 301/7، وأرَّخ وفاته سنة 593 هـ، ونكت الهميان 267.
(63)
معجم البلدان 238/2، حربي، بليدة في أقصى دجيل بين بغداد وتكريت مقابل الخيطرة.
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(64)

704
طبقات الشافعية
771) منصور (85) بن الحسن بن منصور الإمام أبو المكارم الزَّنجاني
الشَّافعي.
معيد النّظاميَّة ببغداد، ومدرِّس المدرسة الثَّقفيَّة.
كان إمامًا مناظرًا، له معرفة بمذهب الشَّافعي، وله حلقة بجامع القصر.
توفّي في رمضان سنة سبعٍ وتسعين وخمسمائة.
772) منصور (66) ابن أبي الحسن علي بن إسماعيل بن مظفَّر شهاب
الدِّين، أبو الفضل المخزومي الطّبري.
الفقيه الشّافعي الصُّوفي الواعظ. ولد بآمل طبرستان سنة خمس عشرة
وخمسمائة، ونشأ بمرو، وتفقّه على الإمام أبي الحسن علي بن محمَّد المروزي،
وبنيسابور على العلاَّمة محمَّد بن يحيى، ثمَّ اشتغل بالوعظ. وسمع الحديث من
زاهر بن طاهر، وعبد الجبَّار الخواري، وعلي بن محمَّد المروزي.
وعنه أبو بكر الحازمي، ومات قبله، ويوسف وإبراهيم ابنا خليل، والضّياء
المقدسي، والشّهاب القُوصي.
قال ابن النجَّار: حدَّث ببغداد، ثمَّ سكن الموصل يحدِّث ويدرِّس، ثمَّ انتقل
إلى دمشق فاذَّعى أنَّه سمع صحيح مسلم من الفراوي، ومعه ثبتْ مزوَّرٌ، فأراد
النَّاس سماعه منه سنة اثنتين وتسعين، فتوقّف بهاء الدِّين ابن عساكر الحافظ لأجل
الطَّعن في الثَّبت، وتوقّف النَّاس، وغضب له شيخ الشُّيوخ ابن حمويه، فسمعوه
عليه .
توفّي بدمشق في ثامن عشر ربيع الآخر سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة.
773) نصر(67) بن مخلد بن مقلد، الإمام أبو الفتح القضاعي الشِّيزري.
ثمَّ المصري، أحد علماء الشَّافعيَّة بها.
(65)
السبكي 389/7، والإسنوي 9/2.
(66)
تاريخ إربل 191/1.
السُبكي 389/8 .
(67)

705
الطَّبقة الثَّامنة
تفقَّه بدمشق على القاضي أبي سعد ابن أبي عصرون، وغيره، وسمع من
الحافظ ابن عساكر، ثمَّ سكن مصر ودرَّس بمدرسة الشَّافعي، وحدَّث.
ومات سنة ثمانٍ وتسعين وخمسمائة.
774) هبة اللَّه ابن أبي المعالي سعد بن عبد الكريم، الفقيه، أبو القاسم
القرشي البُوري (65) .
(68)
وبورة قرية من دمياط، وإليها ينسب السَّمك البوري، وأمَّا بورة العراق
فالنّسبة إليها بوراني.
مدرّس الإسكندريّة، رحل هبة اللَّه المذكور إلى بغداد فتفقَّه بها على الإمام
أبي طالب ابن الخلِّ، وبدمشق على أبي سعد ابن أبي عصرون، وبرع في
المذهب، ودرَّس بالإسكندريَّة بمدرسة السِّلفي زمانًا حتَّى نُسبت المدرسة إليه.
ومات سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
775) يحيى(89) بن علي بن الفضل بن هبة الله بن بركة، العلاَّمة جمال
الدِّين أبو القاسم البغدادي.
شیخ الشّافعيّة بها، ویعرف بابن فضلان.
ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وكان اسمه في الأصل واثق، فغيَّر اسمه
إلی یحیی.
تفقَّه على أبي منصور ابن الرزَّاز ببغداد، وسمع بها من أبي غالب ابن
مضاء، وأبي القاسم ابن السَّمرقندي، وأبي الفضل الأرموي، وغيرهم، وارتحل
إلى محمَّد بن يحيى صاحب الغزّالي بنيسابور مرَّتين، فعلَّق عنه وسمع منه، ومن
عمر بن أحمد الصفَّار الفقيه، وغيرهما.
وعنه ابن خليل في معجمه في حرف الواو، وابن الزَّينبي، وجماعة، وكان
حسن الأخلاق وسهل الانقياد، انتفع به جماعة واشتهر اسمه، له رئاسةٌ ووجاهةٌ
(68)
معجم البلدان، 1/ 506 .
السُّبكي 322/7، والإسنوي 279/2، وذيل الرَّوضتين 15، والبداية 21/13.
(69)

706
طبقات الشافعية
ولبِّ جيّدٌ ونباهةٌ، درَّس ببغداد بمدرسة دار الذَّهب، وأعاد له الدُّروس أبو علي
یحیی بن الرَّبيع.
وذكر الموفَّق عبد اللَّطيف أنَّه لمَّا خرج إلى نيسابور سقط عن دابَّته فانكسرت
يده فقطعها، وكتب محضرًا بأنَّه لم يقطعها في ريبةٍ، فلمَّا تناظر هو والمجبر شنَّع
عليه المجبر بقطعها، فأخرج ذلك المحضر وقرئ على النَّاس، وشنّع هو على
المجبِّر بالفلسفة، وكان بينهما مناظرات، قال: وكان المجبِّر لا يقطع في المناظرة،
وكان ابن فضلان ظريف المناظرة، له نغمات موزونة، يشير بيده مع مخارج حروفه
بوزنٍ مطربٍ أنيقٍ، يقف على أواخر الكلمات خوفًا من اللَّحن. قال: ثمَّ رُمِيَ آخر
عمره بالفالج.
وتوفّي في تاسع عشر شعبان سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة.
776) يعيش(70) بن صدقة بن علي، أبو القاسم الفُراتي.
الفقيه الشَّافعي الضَّرير (71).
تفقَّه على أبي الحسن محمَّد بن المبارك ابن الخلِّ، وقرأ القراءات بالكوفة
على الشّريف عمر بن إبراهيم بن حمزة العلوي، وسمع الحديث من أبي القاسم
ابن السَّمرقندي، وأبي محمَّد ابن الطرَّاح، وجماعة.
وعنه ابن الزَّينبي، وابن خليل، والبلداني، وجماعة، وآخر من روى عنه
إجازة أحمد ابن أبي الخير، وكان أجلَّ من بقي ببغداد من الشَّافعيَّة، تخرَّج به
جماعة، ودرَّس بالكماليَّة، وبمدرسة ثقة الدَّولة، وكان سديد الفتاوى حسن الكلام
في المناظرة.
توفِّي ببغداد في الرَّابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثلاثٍ وتسعين
و خمسمائة .
السُّبكي 338/7، والإسنوي 279/2، وسير 300/21.
(70)
نكت الهميان 312.
(71)

707
الطَّبقة الثَّامنة
777) يَمَان (72) بن أحمد بن محمَّد بن خميس، الفقيه أبو الخير الرُّصافي
الواسطي الشَّافعي.
تفقَّه ببغداد على أبي المحاسن يوسف بن بُندار، وسمع ببلده من أحمد بن
المبارك المرقَعَاتي، واشتغل ببلده وأفتى.
ومات تقريبًا في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ودفن ببلده الرُّصافة وهي
بلدة كبيرة قريبة من واسط، ولهم رصافة البصرة، ورصافة الكوفة ورصافة نيسابور
ورصافة الأنبار ومحلَّة ببغداد وبلدة بالشَّام بناها هشام بن عبد الملك وموضع
بقرطبة وأخرى بيلنسية وأخرى بقرب أفريقيّة، ذكر العشر وليَّ الدِّين المنذري(73).
(72)
الإسنوي 592/1.
التَّكملة 237/1.
(73)

المرتبة الأولى
من الطّبقة التَّاسعة من أصحاب الشَّافعي
من أوَّل سنة إحدى وستِّمائة إلى آخر سنة عشر
778) السُّلطان أرسلان(1) شاه ابن السُّلطان عزّ الدِّين مسعود بن مودود ابن
أتابك زنكي بن آق سنقر، الملك العادل نور الدِّين، أبو الحارث.
صاحب الموصل، وابن صاحبها .
قال ابن خلِّكان(2): كان ملكًا شهمًا عارفًا بالأمور، وانتقل إلى المذهب
الشَّافعي فلم يكن في البيت الأتابكي شافعيٍّ سواه، وبنى المدرسة المعروفة به
بالموصل للشّافعيَّة، قلَّ أن توجد مدرسةٌ في حسنها، وذكروا أنَّه كان له صرامةٌ
وهمَّةٌ عاليةٌ وانفعالٌ في فعل الخيرات.
قال الشَّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(3): وفي سنة سبع وستمائة كان إملاك
صاحب الموصل نور الدِّين أرسلان شاه على ابنة السُّلطانّ الملك العادل بقلعة
دمشق على صداق ثلاثين ألف دينار وكان العقد مع وكيله ثمَّ انكشف الأمر أنَّه قد
مات من أيَّام بالموصل.
وقال ابن خلَّكان: توفّي في التّاسع والعشرين من رجب سنة سبعٍ وستِّمائة.
779) إلياس(4) بن جامع بن علي، أبو الفضل الإربلي.
الفقيه الشّافعي الشَّاهد.
البداية 61/13، وسير 496/21.
(1)
(2)
وفيات 1/ 193 .
(3)
ذیل الرَّوضتين 76.
الإسنوي 125/1، وتاريخ إربل 315/2 والتَّكملة 93/3، والبداية 42/13.
(4)

710
طبقات الشافعية
ارتحل إلى بغداد، فتفقَّه بها بنظاميَّتها وسمع الحديث، وله تخاريجُ وتعاليقُ
مفيدةٌ، وكان بصيرًا بصناعة الشُّروط .
توفِّي ببلده في ربيع الأوَّل سنة إحدى وستِّمائة، وله خمسون سنة.
780) التقيُّ (5) الأعمى، اسمه تقيَّ الدِّين عيسى بن يوسف بن أحمد
الغرافي العزَّافي، الشَّافعي، مدرِّس الأمينيّة بدمشق.
كان فقيها بارعًا عارفًا بالمذهب نبيلاً مفتيًا جليلاً إمامًا.
أثنى عليه الشَّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(6) وقال: توفّي في ذي القعدة سنة
إحدى وستِّمائة.
وُجِد التَّقيُّ الأعمى مشنوقًا بالمئذنة الغربيّة، قيل: إنَّه هو الذي فعل بنفسه
ذلك، ودرَّس بعده الجمال المصري وكيل بيت المال.
781) الحسن بن الحسن بن علي الفقيه الأجَلُّ مجد الدِّين أبو المجد
الأنصاري الدِّمشقي الشَّافعي، المعروف بابن النخَّاس.
وإليه ينسب الحمَّام بطريق الصالحيّة.
تفقَّه على أبي سعد ابن عصرون، وسمع السِّلفي، وابن عساكر، وغيرهما.
وعنه الشّهاب القوصي. وتوفّي في جمادى الآخرة سنة إحدى وستِّمائة.
782) ربيعة(7) بن الحسن بن علي بن عبد الله بن يحيى، أبو نزار
الحضرمي اليمني الصَّنْعاني الذِّمَارِي.
الفقيه الشّافعي المحدِّث الشّاعر الماهر.
تفقَّه بظفار(8) على الفقيه محمَّد بن عبد الله بن حمَّاد وغيره، وركب البحر
(5)
(6)
الإسنوي 127/1، وسير 422/21.
ذيل الرَّوضتين 54، وفيه: ولد بالغراف من أرض العراق، ضريرًا، مفتيًا شافعيًّا (وأفاض
في ترجمته).
الشبكي 144/7، والإسنوي 501/2، وبغية الوعاة 566/1.
(7)
معجم البلدان 60/4، مدينة باليمن في موضعين، إحداهما قرب صنعاء، والثّانية في
(8)
ساحل بحر الهند.

711
الطَّقة التَّاسعة
ودخل بغداد وهمذان وغيرهما من البلاد، وأقام بأصبهان مدَّةً طويلةً، وتفقّه بها
على الإمام أبي السَّعادات الشّافعي، وسمع جماعةً من المشائخ ببلاد شتَّى،
كالسِّلفي، ومعمر ابن الفاخر، وأبي موسى المديني.
وروى عنه الزكيَّان المنذري، والبرزالي، والضياء، وابن خليل، والشِّهاب
القُوصي، والبلداني.
قال المنذري(9): هو آخر من لقيته ممَّن يفهم هذا الشَّأن، وكان عارفًا باللُّغة
معرفةً حسنةً، كثيرَ التِّلاوة والتعبُّد والانفراد.
وقال عمر بن الحاجب: كان إمَامًا عالمًا حافظًا ثقةً أديبًا شاعرًا حسن الخطّ
ذا دین وورعٍ.
توفِي فَي ثامن عشر جمادى الآخرة سنة تسع وستِّمائة.
ومن شعره مارواه عنه الحافظ الشُّهاب القوصي:
كَأَنَّها سُرِقَتْ مِنْ دَارِ رِضْوَان
بِبَيْتِ لِهْيَا(10) بَسَاتِين مزخرفةٌ
على حَصَّى من الدرِّ مخْلُوطٍ بعقيان
أجْرت جَدَاوله (11) ذوبَ اللّجين
كَضَارِبَاتِ طنابيرٍ وعيدانٍ
والطَّيْرِ تَهْتِفِ فِي الأغصانِ صَادِحَةً
مَا أَطْيَبَ العَيْشَ فِي أمْنٍ وَإِيمَانٍ
وبَعْدَ هَذَا لِسَانُ الحَالِ قَائِلُة
ومنهم من يقول: هذا هو العيش إلاَّ أنَّه فانٍ.
783) عبد الملك(12) بن عيسى بن درباس بن فير بن عبدوس، قاضي
القضاة بالديَّار المصريَّة، صدرالدِّين أبو القاسم الماراني.
الفقيه الشَّافعي.
ولد بنواحي الموصل في حدود سنة عشرٍ وخمسمائة.
(9)
التَّكملة 2/ 251.
(10)
معجم البلدان 522/1، كذا يتلفّظ به، والصَّحيح: بيت الآلهة، قرية مشهورة بغوطة
دمشق .
(11)
الإسنوي: جداولها.
سیر 474/21.
(12)

712
طبقات الشافعية
وتفقَّه بحلب على أبي الحسن علي بن سليمان المرادي، وسمع بدمشق على
الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، وقدم مصر في سنة بضع وستِّين فاستوطنها،
وسمع بها الحديث، وخرَّج له علي بن المفضَّل الحافظ أربعين حديثًا، وكان
مشهورًا بالصَّلاح والعزِّ وطلب العلم، يتبرَّك بآثاره.
وروى عنه الحافظ المنذري.
توفّي في خامس رجب سنة خمسٍ وستمائة.
784) عبد الوهّاب(13) ابن الأمين أبي منصور علي بن عبد الله.
الإمام العالم المحدِّث الفقيه البارع.
مسند العراق وشيخها، ضياء الدِّين أبو أحمد البغدادي الصُّوفي، الشَّافعي،
المعروف بابن سكينة، وهي جدَّته أمُّ أبيه.
ولد سنة تسع وخمسمائة في شعبان، وقرأ القرآن، واشتغل بعلمه كالقراءات
والعربيَّة ونحوها.
وسمع الحديث، وقرأ الفقه على مذهب الشَّافعي، وعلم الخلاف على أبي
منصور سعيد ابن الرزَّاز شيخ بغداد، وكان كثير الاشتغال بالتَّنْبيه، والمهذَّب،
والوسيط، وإذا دخل عليه الطّلبة يقول: لا تزيدوا على سلام عليكم، مسألة. من
حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام، وأخذ علم الحديث عن محمَّد بن ناصر،
وصحبه ولازمه، وأخذ عنه الكثير من الفوائد والعربيَّة والغريب، وغير ذلك،
وطال عمره حتَّى رحل إليه. روى عن أبيه وعن أبي القاسم ابن الحصين، وزاهر
الشّحامي، وخلق، ولبس من جدِّه أبي البركات خرقة التصوُّف.
وقد ذكره ابن النجَّار فأطنب في شكره والثّناء عليه بالجميل من متابعة السنَّة
والعمل الكثير وحفظ الأوقات أن يذهب شيءٌ منها إلاَّ في عملٍ صالح، إلى أن
قال: ولقد طفت شرقًا وغربًا ورأيت الأئمَّة والزهَّاد، فما رأيت أكمل منه ولا أكثرَ
عبادةً ولا أحسن سِمْتًا، وكان ثقةً حجَّةً نبيلاً علمًا من أعلام الدِّين.
سمع منه الحفاظ علي بن أحمد الرَّندي، والقاضي عمر بن علي، وأبو بكر
(13) السُّبكي 324/8، والإسنوي 60/2، وغاية النّهاية 480/1، والبداية 61/13.

713
الطَّبقة التَّاسعة
الحازمي، وخلقٌ، ورووا عنه وهو حيٍّ، وممَّن روى عنه الحافظ الضُّياء، والشَّيخ
الموفَّق، والإمام أبو عمرو ابن الصَّلاح، وابن خليل، والزَّينبي، وروى عنه
بالإجازة الفخر، وأحمد بن شيبان، وآخر من روى عنه المسند جمال الدِّين عبد
الرَّحمان بن عبد اللَّطيف ابن الرقَّام شيخ المستنصريَّة، عاش بعده تسعين سنة.
توفّي ابن سُكينة في تاسع عشر ربيع الآخر سنة سبع وستمائة.
قال الشَّيخ أبو شامة(14): وكان يومًا مشهودًا، وكان من الأبدال.
785) عثمان(15) بن عيسى بن دِرْبَاس، القاضي العلاَّمة، ضياء الدِّين أبو
عمرو الهَدْبَانِي المَارَاني(18)، ثمَّ المصري.
الفقيه الشّافعي، أخو قاضي القضاة صدر الدِّين عبد الملك.
تفقَّه في صباه بأربل على أبي العبَّاس الخضر بن عقيل، ثمَّ تفقَّه بدمشق على
القاضي أبي سعيد ابن أبي عصرون، وأبي البركات الخضر بن شبل الحارثي،
وساد وتقدَّم وبرع في المذهب، وشرح المهذَّب للشّيخ أبي إسحاق الشّيرازي في
عشرين مجلّدًا إلى كتاب الشَّهادات، وشرح اللُّمع له في مجلّدين(17)، وكان من
أعلم الشّافعيّة في زمانه.
قال الحافظ المنذري(18): توفّي في ذي القعدة سنة اثنتين وستِّمائة، رحمه
الله .
786) علي (19) بن علي بن سعادة بن الجُنَيس، الفقيه الإمام، أبو الحسن
الفارقي الشَّافعي.
تفقَّه بتبريز، وارتحل إلى بغداد، فسمع بها الحديث، وعلَّق الخلاف عن
ذيل الرَّوضتين 70، وفيه: ودفن عند باب جامع القصر إلى جانب رباط الزَّوزني.
(14)
(15)
السُّبكي 337/8، والإسنوي 128/1، وفيات 242/3.
(16)
نسبة إلى بني ماران بالمروج تحت الموصل.
كشف 1912/2 وفيه: الاستقصاء لمذاهب العلماء الفقهاء، وهديَّة 654/1، وفيهما توفّي
(17)
سنة 622 هـ، وهو خطأ .
(18)
التّکملة 90/2.
السُّبكي 295/8، وفيه: علي بن علي بن سعيد، والإسنوي 2/ 285، والكامل 113/12،
(19)
وفيه: ابن سعادة.

714
طبقات الشافعية
الإمام أبي المحاسن ابن بندار، وتفقَّه وبرع وتقدَّم، وأعاد بالمدرسة النّظاميَّة،
وولي تدريس أمِّ النَّاصر، وناب في القضاء، وفي تدريس النِّظاميَّة، وكان من كبار
الشَّافعيّة .
ومات سنة اثنتين وستِّمائة.
787) علي (20) بن محمَّد ابن جمال الإسلام أبي الحسن علي بن المسلِّم،
الفقيه شرف الدِّين أبو الحسين الدِّمشقي، الشَّافعي المعروف جدُّه بابن بنت
الشَّهرَزُورِي.
اشتغل وسمع الحديث من جماعة منهم: خَالاَهُ الضّياء بن هبة اللَّه والحافظ
أبو القاسم ابنا عساكر، وحدَّث ببغداد ومصر، وكانت له اليد الطولى في الخلاف
ومعرفة المذهب.
قال الشَّيخ شهاب الدِّين أبو شامة (21): درَّس بالأمينيَّة، وبالزَّاويَّة البرَّانيَّة،
وكان عالمًا بالمذهب والخلاف ماهرًا، ثمَّ أخرج من دمشق، ومات بحمص بعدما
أقام بها مدَّةً.
وكانت وفاته في تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستِّمائة.
وروى عنه الضِّياء، ويوسف بن خليل والشِّهاب القُوصي، وقال: كان من
الشَّام .
788) المبارك (22) بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد
الشِّيباني، العلاَّمة مجد الدِّين أبو السعادات ابن الأثير الجزري.
ثمَّ الموصلي، كاتب الإنشاء بها، الفقيه البارع العالم الشَّافعي.
له كتاب جامع الأصول، وكتاب النّهاية في غريب الحديث، وكتاب في
السُّبكي 298/8، ولم يزد على ذكر اسمه، والإسنوي 429/2، والبداية 44/13.
(20)
(21)
ذیل الرَّوضتين 54.
السُبكي 366/8، والإسنوي 130/1، وبغية الوعاة 274/2، وإنباه الرُّواة 257/3، والبداية
(22)
. 54/13

715
الطَّبقة التَّاسعة
شرح مسند الشَّافعي، وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشّاف تفسيري
الثَّعلبي والزَّمخشري، وكتاب البديع في شرح الفصول في النّحو لابن الدَّّان، وله
ديوان رسائل، وكتاب لطيف في صناعة الكتابة، وكتاب المصطفى المختار في
صحيح الأدعية والأذكار، وكتاب المختار في مناقب الأخيار، وغير ذلك (23)،
وكان عليمًا بالحساب وصناعة الكتاب، وله حرمةٌ وافرةٌ وأبَّهةٌ وحرمةٌ زائدة ببلده.
مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة بجزيرة ابن عمر ونشأ بها، ثمَّ انتقل إلى
الموصل فسمع بها من خطيبها، ويحيى بن سعدون القرطبي، ولمَّا حجَّ سمع
ببغداد من ابن كليب وغيره، وحدَّث وانتفع النَّاس به، وقرأ الحديث والأدب
والنَّحو، ثمَّ اتَّصل بخدمة السُّلطان، وترقَّت به المنازل حتَّى باشر كتابة السرِّ،
وصار رئيسًا مشاورًا مهيبًا عاقلاً بهيّا ذا برِّ وإحسانٍ.
ثمَّ إنَّه حصل له نقرس أبطل حركة يديه ورجليه وصار يُحمل في محفَّة فأقام
بداره، وأنشأ رباطًا بقريةٍ من قرى الموصل وأوقف أملاكه عليه.
وكانت وفاته به في آخر يوم من سنة ستِّ وستمائة، رحمه اللَّه تعالى
وأكرمه.
789) وأخواه: (24) ضياء الدِّين، مصنّف المثل السَّائر.
790) والآخر (25) عزَّ الدِّين علي، صاحب التّاريخ(26).
[وروى عنه ولده، والشّهاب القوصي، وغير واحد، وآخر من روى عنه
بالإجازة الفخر ابن البخارى)(27)
.
(23)
هديّة 2/2.
الإسنوي 133/1، وكشف 1586/1، وفيه: المثل السَّائر في أدب الكاتب والشّاعر.
(24)
(25)
علي بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشَّيباني المعروف بابن الأثير
الجزري،، عزّ الدِّين أبو الحسن السُّبكي 127/5، وذيل الرَّوضتين 162، ووفيات 3/
242، والبداية 13/ 139، وهديَّة 706/1، والإسنوي 132/1.
(26)
هو الكامل في التّاريخ .
(27) ما بين القوسين ساقط من - ب -.

716
طبقات الشافعية
791) محمَّد(28) بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلِّكان، الفقيه بهاء الدِّين أبو
عبد اللَّه الإربلي، الشَّافعي.
أخو ركن الدِّين حسين، ونجم الدِّين عمرو، والد قاضي القضاة بالشَّام
شمس الدِّین ابن خلكان.
تفقَّه بالموصل، وسمع بها الحديث من يحيى الثَّقفي، وتفقَّه ببغداد على ابن
فضلان، وسمع من يحيى بن يونس، وابن كليب، وطائفة، وحدَّث بازبل، ودرَّس
بها بالمدرسة المظفَّريَّة. توفِي سنة عشرٍ وستمائة (29)، رحمه اللَّه.
792) محمَّد(30) بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، العلاَّمة، سلطان
المتكلِّمين في زمانه، فخر الدِّين أبو عبد الله القرشي البكري الثَّيمي.
الطُبْرِسْتَاني الأصل، ثمَّ الرَّازي، ابن خطيبها، الشَّافعي المفسِّر المتكلِّم.
صاحب المصنَّفات المشهورة والفضائل الغزيرة المذكورة، اشتغل أوَّلاً على
والده الإمام ضياء الدِّين عمر، وهو من تلامذة محيي السنَّة البغوي، ثمَّ لمَّا مات
والده قصد الكمال أبو نصر محمَّد بن رزين بن كثير بن عقيل الشَّافعي السِّمناني
فاشتغل عليه مدَّةً، ثمَّ عاد إلى الريِّ فاشتغل على المجد [أبي المحاسن يوسف بن
نصر بن عبد اللَّه الشَّافعي](31) الختلي صاحب محمَّد بن يحيى الفقيه أحد تلامذة
الغزّالي، وأتقن علومًا كثيرةً، وبرِّز فيها، وتقدَّم وساد، وقصده الطَّلبة من سائر
البلاد .
وسمع الحديث من الشَّيخ الإمام الأوحد مظهر الدِّين أبي محمَّد محمود بن
محمَّد بن العبّاس بن أرسلان الخوارزمي.
وصنَّف في فنونٍ كثيرةٍ(32)، فمن ذلك تفسيره المشهور(33)، وله تفسير
السُّبكي 8/ 44، والإسنوي 496/1، ووفيات 22/7، وفيه: توفّ سنة 666 هـ.
(28)
(29)
المقفّى 97/5، وفيه: توفي سنة 666 هـ، وهو سھوٌ.
(30)
السُّبكي 8/ 81، والإسنوي 260/2، والوافي 247/4، وتاريخ الحكماء 291، والبداية 55/13.
(31)
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(32)
هديّة 107/2 .
هو: مفاتيح الغيب.
(33)

717
الطَّقة التَّاسعة
الفاتحة في مجلّد مفرد، وله شرح الأسماء الحسنى، وله مناقب الشّافعي أكثر فيه
من الحكايات والغرائب، وقد شرح الوجيز أو أكثره، وله شرح سقط الزَّند،
وشرح المفصَّل، والمحصول في أصول الفقه، والمنتخب، وله الأربعون في علم
الكلام، ونهاية العقول، والمطالب العالية، وتأسيس التَّقديس، وكتاب الملخّص،
وشرح الإشارات، وغير ذلك من المصنّفات المتنوّعة.
ومنها ما ذكره القاضي شمس الدِّين ابن خلكان(34)، وهو كتاب السرِّ المكتوم
في مخاطبة الشَّمس والنُّجوم، وقد قيل إنَّه إنَّما صنعه لأمّ الملك خوارزم شاه،
وإنَّها أعطته على ذلك جعلاً فعمله صناعة وبيانًا لفضله، وتمكّنه في العلوم، ومنهم
من أنكر أن يكون من مصنَّفاته، والله أعلم.
وكان له مجلسٌ كبيرٌ للوعظ، وكان يتكلّمُ كلامًا جيّدًا، وله تمكُّنٌ من الوعظ
باللِّسانين العربي والتُّركي، وكان يحضر مجلسه النَّاس على اختلاف أصنافهم
ومذاهبهم، ويجيء إلى مجلسه الأمراء والأكابر والملوك، ويحصل له بكاءً في
مجلسه ورقَّةٌ، ويظهر عليه خشوعٌ، ومات بسببه أناسٌ كثيرٌ، وجرت بينه وبين
جماعة من الكراميَّة (35) مخاصمات وفتن، وأوذي بسببهم وآذاهم، وكان ينال منهم
في مجلسه وينالون منه، وأخرج من بعض البلدان بسببهم فيما ذكره القاضي شمس
الدِّين ابن خلِّكان قال: ثمَّ عاد إلى بلده وكان بها رجلٌ طيِّبٌ له أموالٌ كثيرةٌ
فحضره الموت فأوصى إلى الإمام فخر الدِّين وكانت له ابنتان ولفخر الدِّين ابنان،
فزوَّجهما بهما، واتَّسعت الأموال على فخر الدِّين كثيرًا، وأقبل عليه الملوك،
فصارت له أرزاقٌ دارَّةٌ وأنعامٌ كثيرةٌ، وصارت له وجاهة وخدمٌ وحشمٌ، ثمَّ أثنى
عليه كثيرًا وبالغ في وصفه ومدحه. وأمَّا الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن الصَّلاح، فلم يكن
مقبلاً عليه وربَّما غضٍّ من شأنه. وتوسّط الشّيخ أبو شامة(36)، وذكر أنَّه خلَّف من
الذَّهب ثمانين ألف دينارًا، والله أعلم.
قلت: جَالت أقلام فخر الدِّين رحمه اللّه في فنون كثيرة من العلوم واتَّسعت
(34)
وفيات 4/ 249 .
(35)
الملل والنّحل أصحاب أبي عبد الله محمَّد بن كرام، وإنَّما عددناه من الصفاتيَّة، فإنَّه كان
ممَّن يثبتَ الصِّفات إلاَّ أنَّه ينتهي فيها إلى التَّجسيم والتَّشبيه.
(36) ذيل الرَّوضتين 68.

718
طبقات الشافعية
دائرته وتسلطن في فنِّ الكلام خاصَّة حتَّى قيل: إنَّه كان يحفظ الشَّامل لإمام
الحرمين في ذلك، وله اختيارات كثيرة في كتب متعدِّدة يردُّ بعضها بعضًا، ولكن
الذي صنَّفه على طريقة أهل الكلام: نهاية العقول وهو من أجود كتبه، وكذا كتاب
الأربعين، وأمَّا المباحث المسترقة فأكثرها على طريقة الحكمة ومذاهب الفلاسفة،
وكتاب المطالب العالية أجمع في ذلك كلِّه وهي آخر ما صنّف في ذلك، ولهذا لم
يتمَّها، وبقي عليه منها بقيَّة، ثمَّ قيل: إنَّه ندم على دخوله في هذا الفن كما قال
الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن الصَّلاح رحمه الله .
أخبرني القطب الطُّوغاني مرَّتين، أنَّه سمع الفخر الرَّازي يقول: ليتني لم
أشتغل بعلم وبكى.
ومن شعره وكلامه رحمه الله :
وَأَكْثَرُ سَعْي العَالَمِينَ ضَلاَلُ
نِهَايَةُ إِقْدَامِ العُقولِ عُقَالُ
وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذَّى وَوَبَالُ
وَأَزْوَاحُنَا فِي وَحْشَةِ(37) مِنْ جُسُومِنَا
سِوَى أَنْ جَمَعنَا فِيهِ قِيلَ وقالوا
فَلَمْ نَسْتَفِد مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا
فَبَادُوا(38) جَمِيعًا مُسْرِعِينَ (39) وَزَالُوا
وَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ رِجالٍ وَدَولَةٍ
رِجَالٌ فَبَادُوا وَالجِيَالُ جِبَالُ
وَكُمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتُهَا
ثمَّ قال: لقد اختبرت الطرق الكلاميَّة والمناهج الفلسفيَّة فلم أجدها تروي
غليلاً ولا تشفي عليلاً، ورأيت أصحَّ الطُرق طريقة القرآن، أقرأ في التّنزيل: ﴿وَاَللَّهُ
الْغَنِىُّ * وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ (40)، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾(41)، ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (42).
(37)
السُّبكي، وفيه: غفلة.
(38)
مزعجين .
(39)
فزالوا .
الآية 38 سورة محمَّد.
(40)
الآية 11 سورة الشُّورى.
(41)
الآية 1 سورة الإخلاص.
(42)

719
الطّبقة التَّاسعة
وأقرأ في الإثبات؛ ﴿الرَّحْمَُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾(43)، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّنْ
فَوْقِهِمْ﴾(41)، و﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (45)، وأقرأ في أنَّ الكلّ من اللَّه، ﴿قُلْ كُلّ
مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (46)، ثمَّ يقول: وأقول من صميم القلب من داخل الرُّوحِ: إِنِّي مقرٍّ
بأنَّ كلَّ ما هو الأكمل إلاَّ فضل الأعظم الأجلُ فهو لك، وكلُّ ما هو عيبٌ ونقصٌ
فأنت منزّهٌ عنه.
وهذه وصيَّته عند موته رحمه اللَّه: أخبرني الشَّيخ الإمام كمال الدِّين عمر بن
إلياس بن يونس المراغي قدم علينا دمشق وكان أحد تلاميذ النَّصير الطُوسي
بقراءتي عليه بدار الحديث الأشرفيَّة، أخبرنا التقيُّ يوسف ابن أبي بكر النَّسائي
بمصر، أخبرنا الكمال محمود بن عمر الرَّازي قال: سمعت الإمام فخر الدِّين
يوصي تلميذه إبراهيم ابن أبي بكر الأصبهاني يقول العبد الرَّاجي رحمة ربِّه الواثق
بكرم مولاه محمَّد بن عمر بن الحسين الرَّازي وهو أوَّل عهده بالآخرة وآخر عهده
بالدُّنيا وهو الوقت الذي يلين فيه كلُّ قاسٍ ويتوجَّه إلى مولاه كلُّ آبقٍ: أحمد اللَّه
تعالى بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكَتِهِ في أشرف أوقات معارجهم ونطق بها
أعظم أنبيائه في أكمل أوقات شهاداتهم، وأحمده بالمحامد التي يستحقُّها عرفتها أو
لم أعرفها لأنَّه لا مناسبة للتُّراب مع ربِّ الأرباب وصلاته على الملائكة المقرَّبين
والأنبياء والمرسلين وجميع عباده المخلصين الصَّالحين ثمَّ اعملوا إخواني في الدِّين
وأخلاَّئي في طلب اليقين إنَّ النَّاس يقولون: إنَّ الإنسان إذا مات انقطع عمله
وتعلُّقه عن الخلق، وهذا مخصوص (47) من وجهين:
الأوَّل: أنَّه إن بقي منه عملٌ صالحٌ صار ذلك سببًا للدُّعاء، والدُّعاء له عند
الله أثرٌ.
الثَّاني: ما يتعلَّق بالأولاد والجنايات.
أمَّا الأوَّل، فاعلموا إنّني كنت رجلاً محبًّا للعلم، فكنت أكتب في كلِّ شيءٍ
(43)
الآية 5 سورة طه.
(44)
الآية 50 سورة النَّحل.
(45)
الآية 10 سورة فاطر.
الآية 78 سورة النّساء.
(46)
في - ب - مدحض.
(47)

720
طبقات الشافعية
شيئًا، أقف على كمِّته وكيفيَّته سواء كان حقًّا أو باطلاً، إلاَّ أنَّ الذي نظرته في
الكتب المعتبرة أنَّ العالم المخصوص تحت تدبير مدبِّرٍ منزَّهِ عن مماثلة
المتحيِّزات، موصوف بكمال القدرة والعلم والرَّحمة، ولقد اختبرت الطُرق
الكلاميَّة والمناهج الفلسفيَّة، فما رأيت فيها فائدةً تساوي الفائدة التي وجدتها في
القرآن، لأَنَّه يسعى في تسليم العظمةِ والجلالةِ اللَّه، ويمنع عن التعمُّقِ في إيراد
المعارضات والمتناقضات، وما ذاك إلاَّ للعلم بأنَّ العقول البشريّة تتلاشى في تلك
المضائق العميقة والمناهج الخفيّة، فلهذا أقول: كلُّ ما ثبت بالدَّلائل الظّاهرة من
وجوب وجوده ووحدته، وبرأته عن الشُّركاء في القدم والأزليَّة والتَّدبير والفعاليَّة،
فذلك هو الذي أقول به، وألقى اللَّه به، وأمَّا ما انتهى الأمر فيه إلى الدِّقة
والغموض، وكلُّ ما ورد في القرآن والصِحاح المتعيَّن للمعنى الواحد، فهو كما
هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين، إنِّيَ أرى الخلق مطبقين على
أنَّك أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين، فلك ما سوَّده قلمي أو خطر ببالي،
فاستشهد وأقول: إن علمتَ منِّي أنّي أردت به تحقيق باطلٍ أو إبطال حقٍّ، فافعل
فيَّ ما أنا أهله، وإن علمت منّي أنّي ما سعيت إلاَّ في تقرير أعتقدت أنَّه الحقُّ
وتصوَّرتُ أنَّه الصِّدق، فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي، فذاك جهد
المقلُ وأنت أكرم من أن تضايق الضَّعيف الواقع في زلَّةٍ، فأغثني وارحمني واستر
زلَّتي وامحُ حوبتي يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين، ولا ينقص ملكه بخطأ
المجرمين، وأقول: ديني مبايعَة الرَّسول محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وكتابي
القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدِّين عليهما، اللَّهم يا سامع الأصوات ويا
مجيب الدَّعوات ويا مقيل العثرات أنا كنت عند حسن الظنِّ بك عظيم الرَّجاء في
رحمتك، وأنت قلت: وأنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنت قلت: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
إِذَا دَعَاهُ﴾ (48)، فهب إنِّي ما جئت بشيءٍ فأنت الغنيُّ الكريم، وأنا المحتاج اللَّئيم،
فلا تخيِّب رجائي، ولا تردُدْ دعائي، واجعلني آمنًا من عذابك قبل الموت وبعد
الموت وعند الموت وسهل عليَّ سكرات الموت فإنَّك أرحم الراحمين .
وأمَّا الكتب التي صنَّفتها واستكثرت فيها من إيراد السُّؤالات فليذكرني من
نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التَّفضيل والإنعام، وإلاَّ فليحذف القول السيِّءَ،
(48) الآية 62 سورة النَّمل.

721
الطّبقة التَّاسعة
فإنّيَ ما أردت إلاَّ تكثير البحث وشحذ الخاطر والاعتماد في الكلِّ على اللَّه عزَّ
وجل.
ثمَّ ذكر فصلاً في الوصيَّة بأولاده وأطفاله إلى أن قال: وأمرت تلامذتي ومن
لي عليه حقٍّ، إذا أنا متُّ يبالغون في إخفاء موتي، ويدفنوني على شرط الشّرع،
فإذا دفنوني قرأوا عليَّ ما قدروا عليه من القرآن، ثمَّ يقولون: يا كريم جاءك
الفقیرالمحتاج، فاحسن إليه.
وكانت وفاته بهراة يوم عيد الفطر سنة ستُّ وستِّمائة.
قال الشَّيخ شهاب الدِّين أبو شامة(49): وبلغني أنَّه خلَّف من الذَّهب ثمانين
ألف دينارًا، سوى الدوابَّ والعقار وغير ذلك، وترك ولدين، كان الأكبر منهما قد
تجنّد في حياة أبيه، وخدم السُّلطان خوارزم شاه.
وقال الموفَّق ابن أبي أصيبعة(50): كان ربع القامة، ضخم البدن، كبير
اللِّحية، في صوته فخامة، وذكروا أنَّه كان يلحقه في حالة الوعظ حالٌ ووَجدٌ،
حتَّى إنّه قال يومًا للسُّلطان شهاب الدِّين وهو تحت منبره: يا سلطان العالم لا
سلطانك يبقى ولا( ...... ) ابن الرَّازي يبقى، وأنَّ مردَّنا إلى اللَّه، فأبكى
السُّلطان رحمهما الله. ومن تلاميذه المشهورين مصنَّف الحاصل تاج الدِّين محمَّد
ابن الحسن الأرموي وشمس الدِّين عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي، والقاضي
شمس الدِّين ابن الخوبي، ومحيي الدِّين قاضي مرنْد.
793) محمَّد(51) بن يونس بن محمَّد بن منعة بن مالك، العلاَّمة عماد
الدِّين أبو حامد بن يونس الإربلي الموصلي.
الفقيه الشَّافعي.
أحد المشهورين، تفقَّه أوَّلاً على والده بالموصل، ثمَّ ارتحل إلى بغداد،
واشتغل بالنِّظاميَّة على السَّديد محمَّد السَّلماسي، وأبي المحاسن يوسف بن بُندار
(49)
)ذيل الرَّوضتين 68.
(50)
عيون الأنباء في طبقات الأطباء 414.
السُّبكي 109/8، والإسنوي 569/2، تاريخ إربل 51/1 و41/2 والتَّكملة، وذيل الرَّوضتين
(51)
80، والبداية 62/13.

722
طبقات الشافعية
الدِّمشقي، وسمع الحديث من أبي حامد محمَّد ابن أبي الرَّبيع الغرناطي، وعبد
الرَّحمان بن محمَّد الكشميهني، ثمّ عاد إلى الموصل، فاتَّصل بخدمة السُّلطان نور
الدِّين أرسلان صاحبها، فحظي عنده، ونال بسببه تدريس أماكن بها، ثمَّ ولي
القضاء مدَّة أشهرٍ، وعزل(52)، وكان من أصحاب مجلس الملك، وعلى يديه انتقل
الملك من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشَّافعي رحمهما اللَّه.
وله من المصنّفات(53): كتاب المحيط جمع بين المهذَّب والوسيط، وشرح
الوجيز، وصنَّف جدلاً وعقيدةً.
قال ابن خلِّكان(54): وكان مكمل الأدوات، غير أنَّه لم يرزق سعادةً في
مصنَّفاته، فإنَّها ليست على قدرٍ فضائله، قال: وكان موسوسًا لا يمسُ القَلَم للكتابة
إلاَّ ويغسل يده، وكان لطيف الخلوة دمث الأخلاق.
توفِّي بالموصل في سلخ جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وستمائة، عن ثلاثٍ
وسبعين سنة .
وحفيده، تاج الدِّين عبد الرَّحيم بن محمَّد، مصنّف التَّعجيز(55)، توفّي سنة
سبعين وستِّمائة كما سيأتي(56) .
794) نصر الله(57) بن يوسف بن مكِّ بن علي الفقيه، الإمام أبو الفتح
ابن الفقيه الجليل أبي الحجَّاج الحارثي الدِّمشقي الشَّافعي المعدِّل، المعروف
بابن الإمام.
تفقَّه على والده، وعلى أبي البركات الخضر بن شبل، وسمع من نصر الله
المصِّيصي، وهبة اللَّه بن طاووس، ورحل إلى بغداد فسمع أبا الوقت وغيره،
وأجاز له الفراوي، وزاهر الشّحامي، وغيرهما. وسمع منه يوسف بن خليل،
(52)
في ب- عزل نفسه.
(53)
هديّة 108/2 .
(54)
وفيات 4/ 253.
كشف 417/1 وفيه: التَّعجيز في مختصر الوجيز في الفروع توفّي سنة 671 هـ.
(55)
(56)
انظر المرتبة الثّانية من الطَّقة العاشرة.
السُّبكي 389/8، والإسنوي 126/1 .
(57)