النص المفهرس

صفحات 621-640

623
الطَّبقة الثَّامنة
الملوك العبيديِّين، وكان له ميلٌ إليهم، وصنَّف مجلّدًا في أخبارهم، وتاريخًا
(28)
لليمن(28) .
قال القاضي ابن خلِّكان(29): كان شافعيًّا شديد التعصُّب للسنَّة، أديبًا ماهرًا،
ولم يزل ماشي الحال في دولة المصريِّين إلى أن ملك صلاح الدِّين فمدحه،
وامتدح جماعة، ثمَّ إنَّه شرع في أمورٍ، وأخذ في اتّفاق مع رؤساء البلد في
التعصُّب للعبيديِّين، وإعادة أمره، وكانوا ثمانيةً من الأعيان، فأمر صلاح الدِّين
بشنقهم في رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة، وكفى اللَّه شرَّهم.
وذكر الشَّيخ شهاب الدِّين أبو شامة (30) وغيره أنَّ مولده سنة خمس عشرة،
وأنَّ حجَّ من اليمن في سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فسيّره صاحب مكّة قاسم بن
هاشم بن فليتة رسولاً إلى الفائز العبيدي خليفة مصر، فامتدحه بقصيدته الميميَّة
الّتي يقول فيها:
مَا سِرْتُ مِنْ حَرَمٍ إِلاَّ إلَى حَرَمِ
فَهَلْ دَرَى البَيْتُ إنِّي بَعْدَ فرقَتِهِ
بَيْنَ النَّقيضَيْن مِنْ عَفْوٍ وَمِنْ كَرَم (31)
حَيْثُ الخِلافَةُ مَضْرُوبٌ سُرَادقهَا
تَجْلُو البَغِيضَيْنِ من ظُلْمٍ ومن ظُلَمِ
وللإِمَامَةِ أَبْوَابٌ (32) مُقدَّسةٌ
عَلَى التَّحْقِيقِ(33) من حُكْمٍ وَمِنْ حِكْمٍ
وللنُبُوَّةِ آيَاتٌ تنصُّ لَنَا
مَذْحَ الجَزِيلَيْنِ مِنْ بَأْسٍ وَمِنْ كَرَمِ
وللمَكَارِمِ أَعْلاَمٌ تُعَلْمُنَا
عَلَى الحَميدَين من فعلٍ ومن شَيَمٍ
وللعُلا ألْسُنّ تُثْنِي مَحَامِدها
فوصلوه بجائزةٍ، ثمَّ رجع إلى مكّة ثمَّ إلى اليمن، ثمَّ حجَّ وعاد إلى مصر
فاستَوطنها إلى أن جرى له ما جرى.
(28) هديّة 779/1، له: المفيد في أخبار زبيد، وديوان شعر، وشكاية المتظلِّم ونكاية المتألّم،
والنُّكت العصريَّة في أخبار وزراء الدَّولة المصريّة.
(29)
وفيات 431/3.
(30)
الرَّوضتين 572/1.
الإسنوي وفيه: لُقم.
(31)
(32)
أنوار.
الحقيقين.
(33)

624
طبقات الشافعية
666) محمَّد(34) بن حمزة ابن الشَّيخ أبي الحسن علي بن الحسن ابن
الموازيني، أبو المعالي السُّلمي الدِّمشقي المعدِّل.
تفقَّه على جمال الإسلام، وسمع ببغداد من أبي القاسم ابن بيان، وبدمشق
من هبة اللَّه ابن الأكفاني.
وعنه زين الأمناء، وأبو القاسم ابن صَصْرَى.
قال القاسم ابن عساكر: كان متجمِّلاً حسنَ الاعتقاد باعَ أملاكه وأنفقها على
نفسه .
توفّي في جمادى الآخرة سنة خمسٍ وستين وخمسمائة .
667) محمَّد(35) بن علي ابن الوزير أبي نصر أحمد ابن الوزير نظام الملك
أبي علي الُوسي.
صدرٌ إمامٌ معظّمٌ.
تفقَّه على أسعد الميهني، ودرَّس بمدرسة جدِّهم ببغداد النّظاميَّة ستّة أعوام،
ثمَّ صرف، ثمَّ أعيد سنة سبع وأربعين، وفوض إليه نظر أوقافها، وكان ذا جاهٍ
عريضٍ وحرمةٍ تامَّةٍ؛ ثمَّ عزلَ سنة سبع وخمسين واعتقل مديدةً، ثمَّ أطلق فحجّ
سنة تسع وخمسين، ثمَّ سافر إلى دمشقَ فأكرم موردُه.
وولي تدريس الغزّاليَّة إلى أن توفّي في أوائل صفر سنة إحدى وستِّين
و خمسمائة .
وقد سمع من أبي الوقت، وأبي منصور ابن خَيْرُون، ولم يروِ شيئًا لأنَّه مات
شابًّا .
668) محمَّد بن علي بن المسلِّم بن محمَّد بن علي ابن الفتح، أبو بكر ابن
جمال الإسلام السُّلمي الدِّمشقي.
خطيبها ومدرِّس الأمينيَّة بعد أبيه. تفقَّه على أبيه، وسمع منه الحديث، ومن
(34)
(35)
السُبكي 102/7.
السُبكي 149/6، وطبقات المفسِّرين 112/2.

625
الطّبقة الثَّامنة
هبة اللَّه ابن الأكفاني، وابن الموازيني، وكتب وحصَّل ودرَّس ووعظ في حياة
أبيه .
ولمَّا مات أبوه ولي تدريس الأمينيَّة، ثمَّ ولي خطابة البلد، وناب في القضاء
عن الكمال الشّهرزوري، وكان حسن الأخلاق قليل التصنّع.
روى عنه الحسين ابن صصرى، والقاسم ابن عساكر وغيرهما.
وتوفّي في شؤَّال سنة أربع وستِّين وخمسمائة، عن اثنتين وستِّين سنة رحمه
الله ..
669) محمَّد(36) بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد، أبو حامد، وقيل: أبو
منصور، وقيل: أبو المظفَّر الُوسي البَرُّوي(37)، الشَّافعي.
صاحب التَّعليقة المشهورة في الخلاف (38) .
وكان من أكبر أصحاب محمَّد بن يحيى تلميذ الغزّالي.
قال ابن خلِّكان(39): وله جدلٌ مليحٌ مشهورٌ، أكثر اشتغال الفقهاء به قال:
ودخل بغداد فصادف قبولاً، وأقرأ، وتوفّي بعد أشهر.
وقال غيره: دخل دمشق سنة خمسٍٍ وستِّين، ونزل في السُّميْسَاطِيَّة، وكان
واعظًا فاضلاً مناظرًا، ووعظ واشتغل ودرَّس وأفاد، وظهر له قبولٌ.
ثُمَّ دخل بغداد فوعظ بالنِّظاميَّة، وكان فيه تشيُّع في الاعتقاد والتَّحامل على
الحنابلة، بحيث كان يقول: لو أنَّ لي أمر لوضعت عليهم الجزية، ولم يزل حتَّى
ناله منهم أذّى فيما ذكر ابن الأثير (40)، وصاحب المرآة (41)، أنَّ بعض جهلتهم دسَّ
(36) السُّبكي 389/6 وفيه: محمَّد بن محمَّد بن أحمد، والإسنوي 260/1، والبداية 269/12،
والمنتظم 239/10، والعبر 200/4.
(37)
معجم البلدان 1/ 405، بَرَويه ناحية باليمن تشتمل على قرى كثيرة ومزارع، وشذرات
الذَّهب 224/4، نسبة إلى برويه نجد.
(38)
هديّة 96/2.
(39)
وفيات 225/4 .
لم يرد هذا الكلام أثناء الحديث عن أحداث سنة 567 هـ، من الكامل.
(40)
مرآة الزَّمان 292/8.
(41)

626
طبقات الشافعية
إليه من أهدى إليه حلوى فيها سمٌّ، فالله أعلم.
وقال ابن الدَّبيئي: كان أحد علماء عصره، والمشار إليه بالتقدُّم في معرفة
الفقه والكلام والنَّظر وحسن العبارة والبلاغة، قدم من دمشق فرزق قبولاً ببغداد،
ودرَّس بها الأصول والجدل بالمدرسة البهائيَّة، وكان يحضر درسه خلقٌ، ووعظ
بالنِّظاميَّة، ثمَّ عاجله الموت، وقد حدَّث بشيءٍ يسيرٍ .
قلت: سمع الحديث من محمَّد بن إسماعيل الفارسي، وعبد الوهّاب بن شاه
الشَّاذیاخي .
توفِّي وله من العمر خمسون سنة، سنة سبع وستين وخمسمائة.
670) محمّد(42) بن محمود بن علي بن الحسن بن يوسف بن حجر بن
عمرو، العلاَّمة، أبو الرِّضا الأسَدي الطَّرازي ثمَّ البخاري.
قال عبد الرَّحيم ابن السَّمعاني: كان إمامًا فاضلاً مبرَّزًا تقيًّا ورعًا كثيرَ الذِكرِ
والتهجّد والتُّلاوةِ .
تفقَّه على أبي محمَّد الحسين بن مسعود البغوي بمروِ الرُّوذِ، وعلى الإمام
عبد العزيز بن عمر ببخارى، وسمع أبا الفضل بكر بن محمَّد الرَّزنْجري، ومحمَّد
ابن عبد الواحد الدقَّاق، ومحمَّد بن علي بن حفص، قال: وهو أوَّل أستاذ لي في
الفقه .
ولد ببخارى سنة تسع وتسعين وأربعمائة، ومات في حدود سنة سبعين
و خمسمائة .
671) محمود(43) بن إسماعيل بن عمر بن علي، الإمام العلاَّمة أبو القاسم
الظُّرَيْئيني(44) النِيسابوري.
تخرَّج بأبي بكر محمَّد بن منصور السَّمعاني في الفقه، وبرع في المذهب
(42)
السُّبكي 6/ 395، والإسنوي 263/1.
(43)
السُّبكي 286/7، والإسنوي 172/2، وفيه: ويعرف أيضًا بالإدريسي.
معجم البلدان 4/ 33 ناحية وقرى كثيرة من أعمال نيسابور وطريثيث قصبتها.
(44)

627
الطَّبقة الثَّامنة
وأصول الفقه، وكان حسن السِيرة متواضعًا، مطَّرَحًا للتكلُّف.
سمع صاعد بن سيار، وعبد الغفَّار الشِّيرَوي، وسمع من عبد الرَّحيم ابن
السَّمعاني، وغيره.
ومات في حدود السَّبعين وخمسمائة.
672) محمود(45) بن محمَّد بن العبّاس بن أرسلان، أبو محمَّد الخُوَارِزْمِي
الشَّافعي المعروف بالعبَّاسي.
فقيه تلك البلاد ومعيدهم.
تفقّه على محيي السنَّة أبي محمَّد الحسين بن مسعود البغوي، وسمع
الحديث من أبيه، وجدِّه، وإسماعيل بن أحمد البيهقي، وجماعة بمرو وبغداد
وغيرهما من البلاد، ووعظ بالنّظاميَّة .
وسمع منه أحمد بن طارق، ويوسف بن مقلِّد، [والإمام فخر الدِّين الرَّازي،
وذكر عنه حديثًا مسندًا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، ذكر ذلك في نسخة
الشَّيخ رشيد الدِّين السيِّدي الأبيوزدي جدِّ شيخنا جمال الدِّين مسافر الخالدي
البغدادي المعروف بابن الأقرب، رحمه اللَّه تعالى](46) .
قال أبو سعد السَّمعاني: كان فقيهًا عارفًا بالمتفَّق والمختلفِ، صوفيًّا حسن
الظَّاهر والباطن، سمع الكثير على كِبر السنِّ، وعلَّق المذهب عن البغوي، وأفاد
النَّاس بخوارزم، وصنَّف تاريخًا(47) .
ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، ومات في سنة ثمانٍ وستِين وخمسمائة.
673) هبة اللَّه(48) بن الحسن بن هبة الله بن عبد اللَّه ابن عساكر، صائن
الدِّين أبو الحسن الدِّمشقي.
أخو الحافظ أبي القاسم.
(45)
(46)
(47)
السُّبكي 289/7.
ما بين القوسين ساقط من - ب - .
هديَّة-2/ 403 وفيها: تاريخ خوارزم، والكافي في الفقه، كشف 1378/2 وفيه: سبط
الكلام في وصف خوارزم وأهلها، واختصره محمَّد بن أحمد الذَّهبي شمس الدِّين.
السُّبكي 324/7، والإسنوي 2/ 215، وفوات الوفيات 235/4، والعبر 184/4.
(48)

628
طبقات الشافعية
قال أخوه: ولد سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة، وقرأ بالرِّوايات على أبي
الوحش سبيع بن قيراط، وغيره، وتفقَّه على جمال الإسلام، ونصر اللَّه بن
محمَّد، وسمع من أبي القاسم النَّسيب، وأبي طاهر الحِنَّائي، والحسن ابن
الموازيني، وغيرهم.
ورحل إلى بغداد، فتفقَّه أيضًا على أسعد الميهني، وعلَّق عنه الخلاف، وقرأ
على أبي عبد الله بن كديد المتكلِّم شيئًا من الأصول، وعلى أبي الفتح ابن برهان
شيئًا من أصول الفقه، وسمع جماعةً كثيرةً هناك، وحجَّ سنة إحدى عشرة، ورجع
إلى بغداد، ثمَّ خرج منها سنة أربع عشرة، ثمَّ جاء إلى دمشق، وأعاد بالأمينيَّة
على شيخه أبي الحسن السُّلمي جمال الإسلام، ودرَّس بالزَّاويَّة الغربيَّة يعني
الغزّاليَّة، وأفتى، وكتب الحديث الكثير، وكان معتنيًا بعلوم القرآن والنَّحو واللّغة.
وحدَّث بطبقات ابن سعد، وسنن الدَّارقطني، وعرضت عليه الخطابة وغيرها
فامتنع .
وكان خاله أبو المعالي يجتهد أن ينوب عنه في القضاء، فلم يفعل، وكان
ثقةً ثبتًا متيقِظًا، له شعرٌ كثيرٌ (49) .
حدَّث عنه أخوه الحافظ أبو القاسم، وابنه القاسم، وأبو سعد السَّمعاني،
وبنو أخيه محمَّد بن الحسن وهم: زين الأمناء الحسن، وفخر الدِّين عبد الرَّحمان
شيخ الشَّافعيَّة، وتاج الأمناء أحمد، وأبو نصر عبد الرَّحيم، وغيرهم.
قيل إنَّه وقع في الحمَّام فَفُلِجَ أيَّامًا ثمَّ مات في شعبان سنة ثلاثٍ وستِّين
و خمسمائة، رحمه الله.
674) هبة اللَّه(50) بن محفوظ بن الحسن ابن صصرى، أبو الغنائم التغْلَبِي
الدِّمشقي المعدِّل.
قال الحافظ ابن عساكر: ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وسمع من الفقيه
نصر الله المصّيصي، وابن طاووس، وتفقَّه على جمال الإسلام أبي الحسن
السُّلمي وغيره.
(49) خريدة القصر، قسم شعراء الشَّام 1/ 281.
(50)
الإسنوي 2/ 143، وسير 266/21.

629
الطّبقة الثَّامنة
وحفظ القرآن وتأدَّب، وكتب الحديث ورواه، وكان كثير الصَّلاةِ والتَّلاوةِ
والصَّدقة، وأوصى بصدقاتٍ في عدَّة أشياء من وجوه البرِّ.
وتوفِّي في جمادى الآخرة سنة ثلاثٍ وستِين وخمسمائة، ودفن بباب تُوما
عند أبيه وجده.
675) يوسف(51) بن عبد الله بن بندار، الإمام أبو المحاسن الدِّمشقي ثمَّ
البغدادي.
تفقَّه ببغداد على أسعد الميهني، وبرع في الفقه وأصوله والخلاف، وصار
أنظرَ أهل عصره، ودرَّس بالنِّظاميَّة .
وحدَّث عن أبي صالح المؤذِّن، وأبي البركات ابن البخاري، وعنه أبو الخير
الجيلاني.
بُعِث رسولاً إلى خوزستان فمات في شؤَّال سنة ثلاثٍ وستِّين وخمسمائة.
676) يوسف بن مكِّي بن يوسف بن علي، أبو الحجَّاج الحارثي
الدِّمشقي، إمام الجامع بها، الشَّافعي.
قال الحافظ ابن عساكر: کان أبوه حائگا، فنشأ یوسف وقرأ بالرِّوايات،
وتفقّه عند أبي الحسن ابن المسلِّم، يعني جمال الإسلام، ورحل وسمع من أبي
طالب نور الهدى، وأبي علي بن المهدي، وأبي سعد الطيوري، وكان يسمع مع
أخر، ثمَّ حجَّ وعاد مع حجَّاج الشَّام، ولزم الفقيه نصر وأعاد له، وقد أوصى له
بتدريس الزَّاوية يعني الغزّاليَّة، فلم يصحَّ له، وحدَّث وكان ثقةً، ونُصِّب لإمامة
الجامع، وکتب کثیرًا.
وتوفّي في صفر سنة خمسٍ وستين وخمسمائة، رحمه الله.
(51) الإسنوي 540/1، وسير 20/ 513.

630
طبقات الشافعية
المرتبة الثّالثة
من الطَّبقة الثَّامنة من أصحاب الشَّافعي
فيها من أوَّل سنة إحدى وسبعين وخمسمائة إلى آخر سنة ثمانين
677) إبراهيم(1) بن محمَّد بن إبراهيم ابن مهران، الإمام رضي الدِّين أبو
إسحاق الجَزَرِي، الفقيه الشَّافعي.
تفقَّه على شيخه أبي القاسم ابن البَزْرِي، وساد أهل بلده بعده، وقد تفقَّه
بالنِّظاميَّة .
ومات في المحرَّم سنة سبعٍ وسبعين وخمسمائة(2)، عن أربعٍ وستِّين سنة.
678) أحمد(3) بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحي بن حازم بن علي بن
رفاعة، الزَّاهد الكبير المشهور، أبو العبّاس الرِّفاعي البطائحي المغربي أصلاً.
قدم أبوه من بلاد المغرب، فسكن من البطائح(4) بقرية يقال لها أمُّ عَبيدة،
وتزوَّج بأخت الشَّيخ منصور الزَّاهد، ورزق منها أولادًا منهم: الشّيخ أحمد
المذكور، ومات والده وأمُّه حاملٌ به، فنشأ في كفالةِ خاله، وكان ميلاده في محرَّم
سنة خمسمائة.
السُّبكي 7/ 35، والإسنوي 369/1.
(1)
(2)
السُّبكي، وفيه توفّي سنة 599 هـ، وولد سنة 514 هـ، وسير 353/17.
السُّبكي 6/ 23، والإسنوي 589/1، والبداية 312/12، وتذكرة الحفّاظ 1341/4، وجامع
(3)
كرامات الأولياء 77.
معجم البلدان 450/1، أرض واسعة بين واسط والبصرة، وكانت قديمًا قرى متّصلة
(4)
وأرضًا عامرةً.

631
الطّبقة الثَّامنة
قال القاضي شمس الدِّين ابن خلِّكان(5): كان رجلاً صالحًا شافعيًّا فقيهًا،
انضمَّ إليه خلقٌ من الفقراء، وأحسنوا فيه الاعتقاد، وهم الطَّائفة الرفاعيَّة، ويقال
لهم الأحمديَّة والبطائحيَّة، ولهم أحوالٌ عجيبةٌ من أكل الحيَّات حيَّةً، والتّزول إلى
التَّنانير وهي تضطرم نارًا، والدُّخول إلى الأفرنة، ونيام الواحد منهم في جانب
الفرن والخبَّاز يخبز في الجانب الآخر، وتوقد لهم النَّار العظيمة، ويقام السَّماع
فيرقصون عليها إلى أن تنطفىء، ويقال: إنَّهم في بلادهم يركبون الأسود، ونحو
ذلك وأشباهه، ولهم أوقات معلومة يجتمع عندهم من الفقراء بالبطائح عالَمٌ لا
يحصون، ويقومون بكفاية الجميع، والبطائح عدَّة قرى مجتمعة في وسط المائين
واسط والبصرة.
وقد صنّف النَّاس في مناقب الشّيخ أحمد رحمه اللّه، وأفردوا ترجمته،
وذكروا من كراماته ومقاماته أشياء حسنةً.
وقال مؤدِّبه الشّيخ يعقوب بن كُرَّاز: قال سيّدي الشّيخ أحمد: سلكت كلَّ
الطُرق الموصلة، فما رأيت أقربَ ولا أصلحَ ولا أسهلَ من الافتقار والذلِ
والانكسار، فقيل له: يا سيّدي فكيف يكون؟ قال: يعظّم أمر اللَّه، ويشفق على
خلق اللّه، ويقتدي بسنَّة سيّدي رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم.
وعنه أنَّه قال: لو أنَّ عن يميني خمسمائة يُرَوِّحُوني بمراوح الندِّ والطيِّب
وهم من أقرب النَّاس إليَّ، وعن يساري مثلهم من أبغض النَّاس إليَّ معهم
مقاريض يقرضون بها لحمي، ما زاد هؤلاء عندي ولا نقص هؤلاء عندي بما
فعلوه، ثمَّ قرأ: ﴿لَكَيْلاَ تَأْسُوا عَلَى مَا فَاتَكم وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا أَتَاكُم، والله لا يحِبُ
كلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .﴾(6)
قال: وكان سيّدي الشَّيخ أحمد إذا حضر بين يديه تمرٌ أو رطبٌ يبقي
الشّيص والحشف لنفسه فيأكله، ويقول: أنا أحقُّ بالدُّون من غيري، فإنِّي مثله.
قال: وكان لا يجمع بين قميصين في شتاءٍ ولا صيفٍ، قال: وكان ورده أنَّه
يصلّي أربع ركعاتٍ كلَّ ركعة بألف قل هو الله أحد، ويستغفر اللَّه كلِّ يومٍ ألف
(5)
وفيات 171/1.
الآية 7 سورة الحديد.
(6)

632
طبقات الشافعية
مرَّة، واستغفاره أن يقول: لا إلهَ إلاَّ أنتَ، سُبْحانك إنِّي كنت من الظَّالمين،
عملت سوءاً وظلمت نفسي وأسرفت في أمري ولا يغفر الذُّنوب إلاَّ أنت فاغفر لي
وتُبْ عليَّ إِنَّك أنت التوَّاب الرَّحِيمُ يا حيُّ يا قيُّوم لا إله إلاَّ أنتَ.
قال: وتوضَّأ يومًا في بردٍ شديدٍ ومدَّ يده فبقي زمانًا فتقدَّمتُ لأقبلها فقال:
أي يعقوب شوَّشت على هذه الضَّعيفة قلت: من هذه؟ قال: بعوضة كانت تأكل
رزقها من يدي فهربت منك.
قال: ورأيته مرَّةً يتكلّم، ويقول: يا مباركة مَا عَلِمْتُ بك أبعدتُك عن
وطنك، فنظرت فإذا جرادة قد تعلَّقت بثوبه وهو يعتذر إليها رحمة لها.
وذكر أنَّ هرَّة نامت على كمِّه، فجاء وقت الصَّلاة، فقصَّ كمَّه ولم يزعجها،
وعاد من الصَّلاة فوجدها قد نامت فوصل كمَّه وخيَّطه، وقال: ما تغيَّر شيءٌ.
قال يعقوب: ومرَّ سيّدي على دار الطّعام فوجد الكلاب يأكلون النَّمر(7) من
القَوصَرة(8) وهم يتحارشون، فوقف على البابَ لئلاَّ يدخل عليهم أحد يؤذيهم،
وهو يقول: أي مساكين اصطَلِحوا وكُلُوا ولو دروا بكم يمنعونكم.
قال: وكان سيِّدي أحمد إذا قدم من سفر شمَّر وجمع الحطب، ثمَّ يحمله
إلى بيوت الأرامل والمساكين، وكان الفقراء يُرافِقونه، وربَّما كان يملأ الماء
للأرامل ويؤثرهم، قال: وكان يتمثّل بهذا البيت:
إِنْ كَانَ لِي عِنْدَ سُلَيْمَى قِبُولُ
فَلاَ أَبَالي مَا يَقُولُ العَذُولُ
ويقول :
ومِن كُلِّ مَنْ يَرِنُو إِلَيْهَا فَيَنظُرُ
أَغَارُ عَليْهَا مِن أبِيها وأمِّهَا
إِذَا نَظرَت مِثْلَ الذي أنا أنظرُ
وأخذرُ مِن أَخْذِ المِراة بِكفِّها
قال الشّيخ يعقوب بن كُرَّاز: كان سيِّدي أحمد والفقراء في نهر وكيدة فقال:
لا إله إلاَّ اللَّه قد حان أوان هذا المجلس، فليحضر الحاضر الغائب، إنَّ أحمد
يقول وأنتم تسمعون: من خلا بامرأة أجنبيّة فأنا منه بريء، وسيّدي الشَّيخ منصور
في - ب وج - تأكل السَّمن.
(7)
(8)
القوصرة وعاءً للتَّمر.

633
الطَّبقة الثَّامنة
منه بريء، وسيِّدي المصطفى صلَّى اللَّه عليه وسلَّم منه بريء، وربُّنا سبحانه منه
بريء. ومن خلا بأمرد فكذلك، ومن نكث البيعة فإنَّما ينكث عن نفسه، ثمَّ قام
من مجلسه، ومات بعد شهرٍ .
وذكروا أنَّه كان يحضر الحادي في أوَّل أمره ثمَّ في نهايته كان يقول الحادي
ولا يسمع وإن كان فريقًا منه، مكثَ كذلك نحوًا من سبع سنين.
وذكر الشَّيخ أبو الفرج ابن الجوزي(9): أنَّ سبب مرضه الذي مات فيه، أنَّه
سمع القوَّال ينشد أبياتًا فتواجد منها، وكان المنشد لها الشَّيخ عبد الغني بن نقطة
حين زاره أنشده إيّاها، فاضطرب وانزعج، وهي هذه الأبيات:
أَنُوحُ كَمَا نَاحَ الحَمامُ المُطوَّقُ
إِذَا جَنَّ لَيْلِي هَامَ قَلْبِي بِذِكْرِكُم
وتَحْتِي بِحَارٌ بالأَسَى تَتَدَفَّقُ
وفَوْقِي سَحَابٌ يَمْطِرِ الهمَّ(10) والأسَى
يَفُتُّ الأُسَارىَ دُونَهُ وهو مُوثَقُ
سَلُوا أُمَّ عَمْرو كَيْفَ بَاتَ أسيرُهَا
وَلاَ أَنَا مَمْثُونٌ عَلَيْهِ فَيعْتَقُ
فَلاَ أَنَا مَقْتُولٌ فَفِي القَتْلِ رَاحَةٌ
وقال الشَّيخ عبد الرَّحمان بن سلمة(11): سمعت سيدي الشَّيخ يقول: لمَّا
حضرت الوفاة سيِّدي أحمد قبلها بأيَّام قلت: يا سيّدي ما نقول بعدك وما تورِّثنا؟
فقال: أي علي، قل عنّي أنَّه ما نام ليلَةً إلاَّ وكلُّ الخلق أفضل منه، ولا جَرُؤْ قطُ،
ولا رأى لنفسه قيمةً قطُّ، وأمَّا ما أورثه، فيا ولدي تشهد أن لا مال لي حتىٍّ
أورّئكم، إنَّما أورِّثكم قلوب الخلق لك ولذريتك إلى يوم القيامة، البيعة عامَّةٌ والنّعمة
تامَّةٌ والضَّمين ثقةٌ، هي اليوم مشيخةٌ، وإلى يوم القيامة مشيخةٌ بمملكة، كذا قال.
توفّي إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس ثاني عشري جمادى الأولى سنة
ثمانٍ وسبعين وخمسمائة. ودفن في قبَّة الشَّيخ يحيى النجَّار، ولم يعقّب، وإنَّما
المشيخة في بني أخيه،
والله أعلم.
(9)
مرآة الزَّمان ق1/ ج8/ ص370.
(10)
المرجع السَّابق وفيه: يمطر الشّوق.
غير واضحة في الأصل، ويوحي رسم حروفها: ابن سلمة.
(11)

634
طبقات الشافعية
679) أحمد (12) بن محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن إبراهيم، الحافظ الكبير
الشَّهير، أبو طاهر بن أحمد بن سِلفة الأصبهاني الجُرْوَاني.
وجَرْوان(13) محلّة بأصبهان، السِّلفي، وسِلفة لقب لجدِّه أحمد.
قال الحافظ عبد الغني المقدسي: سمعته يقول: أنا أذكر قتل نظام الملك
سنة خمسٍ وثمانين وأربعمائة، وكان عمري نحو عشر سنين، وقد كتبوا عنِّي في
أوَّل سنة اثنتين وتسعين وأنا ابن سبع عشرة سنة.
وكان أوَّل سماعه [سنة ثمانٍ وثمانين فسمع ببلده أصبهان](14) من جماعة
خرَّج لهم معجمًا أيضًا [ثُمَّ ارتحل إلى بغداد، فسمع من جماعة آخرين خرَّج لهم
معجمًا أيضًا](15).
وأقبل على الفقه والعربيَّة حتَّى برع فيهما، وأتْقَنَ مذهب الشَّافعي على
الْكِيالهراسي، وأبي بكر الشَّاشي، وأبي القاسم يوسف بن علي الزُّنْجاني، والأدب
على ابن زكريَّاء التِبريزي، وغيره.
وحجَّ فسمع بمكّة، ورحل إلى بلادٍ كثيرةٍ، وسمع وحصَّل، وقدم دمشق سنة
تسعٍ وخمسمائة، وسمع بها، ثمَّ ذهب إلى صور، وركب البحر، فصار إلى
الإسكندريَّة فاستوطنها إلى أن مات.
ودرَّس بها بمدرسة ابن السَّلار، فكانت أوَّل مدرسة بالثَّغر، وكان أوَّل
مدرِّس به، وخرج لسائر البلدان ما عدا بغداد وأصبهان؛ وعمل معجمًا آخر.
وكان إمامًا مقرًا مجوِّدًا محدثًا حافظًا جهبذًا وفقيهَا مُتْقنًا ونحويًّا ماهرًا،
ولغويًّا محقّقًا، ثقةً فيما ينقله حجَّةً ثبتًا، انتهى إليه علوُ الإسناد في البلاد.
وقد روى عنه محمَّد بن طاهر المقدسي أحد مشائخه، وسبطه أبو القاسم
عبد الرَّحمان بن مكِّي، وبين وفاتهما مائة وأربع وأربعون سنة، وروى عنه القاضي
السُّبكي 32/6، والإسنوي 58/2، والأنساب 105/7، والبداية 307/12، وأزهار الرِّياض
(12)
167/3، وفيه، وفيه: ترجمة وافية، والوافي 105/1، والمقفّى 706/1، وابن الصَّلاح ١/
. 358
(14)
(13)
معجم البلدان 2/ 65 .
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(15)

635
الطَّبقة الثَّامنة
عياض(16) بالإجازة، ومات قبله بدهرٍ .
وحدَّث عنه من الحفّاظ عبد الغني المقدسي، وعبد القادر الرُّهَاوي، وعلي
ابن المفضَّل، وخلق لا يحصون كثرةً لطول مدَّة حياته وتحديثه، فإنَّه مكث نيِّفًا
وثمانين سنةً يُسمع عليه.
قال شيخنا الحافظ الذّهبي(17): ولا أعلم أحدًا مثله في هذا وكان يحسن
الشِّعر ویُجیزُ من يمدحه.
قال أبو سعد السَّمعاني في الذَّيل: هو ثقةٌ ورعٌ متقنٌ متثبّتْ حافظُ فهمْ، له
حظٍّ من العربيّة، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه.
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: سمع السِّلفي ممَّن لا يحصى، وحدَّث
بدمشق ، فسمع منه أصحابنا، ولم أظفر بالسَّماع منه، وسمعت بقراءته من شيوخ
عدَّة، ثمَّ خرج إلى مصر، واستوطن الإسكندريَّة، وتزوَّج بها امرأةً ذات يسارٍ،
وحصلت له ثروةٌ بعد فقرٍ وتصوُّفٍ، وصارت له بالإسكندريَّة وجاهةٌ، وبنى له
العادل علي بن إسحاق بن السَّلار أمير مصر مدرسة بالإسكندريَّة.
وقال الحافظ عبد القادر الرُّهاوي: سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر
أنَّه قال عن السِّلفي: كان ببغداد كأنَّه شعلة نارٍ في تحصيل الحديثِ.
قال عبد القادر: وكان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النَّافذة مع مخالفَتِه
لهم في المذهب، وكان لا تبدو منه جفوةٌ لأحدٍ، ويجلس للحديث فلا يشرب
ماءً، ولا يبزق ولا يتورَّك، ولا تبدُو له قدمٌ، وقد جاوز المئة.
بلغني أنَّ سلطان مصر حضر عنده السَّماع، فجعل يتحدَّث مع أخيه فزَجَرَهُما
وقال: إيش هذا، نحن نقرأ الحديث وأنتما تتحدَّثان.
قال: وبلغني أنَّه في مدَّة مقامه بالإسكندريَّة وهي أربع وستُّون سنةً ما خرج
إلى بستانٍ ولا فرجةٍ غير مرَّةٍ واحدةٍ، بل كان عامَّة دهره ملازمًا مدرسته، وما كنّا
نكاد ندخل عليه إلاَّ نراه مطالعًا في شيءٍ، وكان حليمًا متجمِّلاً محبًا للغرباء، وقد
سمعت بعض فضلاء همذان يقول: السِّلفي أحفظ الحفّاظ .
(16)
الغنية 288، وفيها: فهرسته كتب إليَّ بها.
العبر 228/4.
(17)

636
طبقات الشافعية
قال عبد القادر: وكان آمرًا بالمعروف ناهيا عن المنكر قد أزال من جواره
منكرات كثيرة، ورأيته يومًا وقد جاءه قومٌ يقرأون بالألحان فمنعهم، وقال: هذه
بدعةٌ، بل اقرأوا تَزْتیلاً.
وقال ابن نقطة: كان حافظًا ثقةً جوَّالاً في الآفاق يسأل عن أحوال الرِّجال،
سمع الذُّهَلي، والمُؤتمن السَّاجي، وأبا علي البُزْداني، وأبا الغنائم القُرشي،
وخميسا الحوْزِي.
قال: وقال لي عبد العظيم المنذري: إنَّ أبا الحسن المقدسي قال: حفظت
أسماءً وكُنَّى، وجئت إلى السِّلفي فذاكرته بها، فجعل يذكرها من حفظه وما قال
لي أحسنت وقال لي: هذا شيءٌ مليحٌ أنا شيخٌ كبيرٌ في هذه البلدة هذه السِّنين لا
يذاكرني أحد، وحفظي هكذا.
مات السِّلفي [رحمه اللَّه وقد جاوز المائة على الصَّحيح، فقيل: بأربع
وقيل: ستُّ](18)، يوم الجمعة، وقد صلَّى الغداة، وقد بات تلك اللَّيلة يقرأ
الحديث إلى أن غربت الشّمس، وهو يردُّ على القارىء اللَّحن الخفي، فلمَّا صلَّى
صلاة الصُّبح من يوم الجمعة في أوَّل وقتها مات فجأةً الخامس من ربيع الآخر سنة
ستٍّ وسبعين وخمسمائة بالإسكندريّة رحمه الله.
ومن شعره ممَّا رواه الحافظ عبد الغني:
عن منهج الحقِّ المُبينِ ضَلاَلاً
ضلَّ المُجسِّم والمعطّل مثلهُ
مِنْ مَعْشر قد حَاوَلُوا الإشكالاً
وَأَتَى أمائلهم بِنُكرٍ لاَ رُعوا
وَيُدلِّسُون عَلَى الوَرَى الأَقْوالاَ
وَغَدَوا يبينُونَ الأمورَ بِرَأْبِهم
قَدْ خُذَّ فِي وصفِ الإِلاَه تَعَالَى
فَالأوَّلون تَعَدَّوا الحدَّ الذي
جِسْمَا وليسَ اللَّه عزَّ مثَالاً
وَيُصَوِّروهُ بصورةً من جِئْسِنَا
القُرآن أَقْبِحْ بالمَقَالِ مِقَالاً
وَرَأَوْهُ حَشْوَا لاَ يُفِيدُ منَالاً
وَالآخِرُونِ يُعطِّلوا مَا جَاء فِي
وَأَبَوْا حَديثَ المُصْطَفَى أن يقبلوا
(18) ما بين القوسين ساقط من - ب -.

637
الطَّبقة الثَّامنة
وهذه من قصيدة فيها بضعة وعشرون بيتًا، وله مثلها في السنَّة.
وقال أبو سعد السَّمعاني: أنشدنا يحيي بن سعدون النَّحوي بدمشق قال:
أنشدنا السِّلفي لنفسه:
عِنْدَ أرْبَابٍ علمِه النقّادِ
ليس حُسْن الحدیث قُرب رجالٍ
تقانٍ والحِفظ صحَّة الإسنَادِ
بَلْ عُلوُ الحديث عنْدَ أولي الإتـ
فَاغْتَنِمه فَذَاكَ أَقْصَى المُرَادِ
فَإِذا مَا تجمَّعا في حديثٍ
680) أحمد(19) بن محمَّد ابن أبي القاسم، الشَّيخ أبو الرَّشيد الخَّفِيفي.
الفقيه الصُّوفي الزَّاهدِ .
تفقَّه مدَّةً، وصحب أبا النَّجيب السَّهروردي، وسمع الحديث من زاهر
الشّحامي، وأبي بكر بن عبد الباقي الأنصاري، وجماعة.
ثمَّ لزم الخلوة والعبادة مدَّة اثنتي عشرة سنة، وظهرت له الكرامات
والأحوال.
قال عمر بن علي القرشي: وقد كتبت من كلامه ما يقارب ثمانين مجلَّدة.
قال ابن النجَّار: بلغني أنَّه مات في جمادى الآخرة سنة سبعٍ وسبعين
وخمسمائة .
681) داود(20) بن محمَّد بن الحسن بن خالد، القاضي أبو سليمان
الخَالدي الإربلي ثمَّ الحضكَفي.
لأنَّه تولَّى قضاء حصن كيفا.
مولده سنة ثلاثٍ وتسعين وأربعمائة بالموصل، واشتغل ببغداد، وسمع بها
من أبي القاسم ابن بيان، وبمرو من أبي منصور محمَّد بن علي بن محمود
الكراعي، وقدم دمشق رسولاً فحدَّث بها.
(19)
الإسنوي 492/1.
الإسنوي 119/1، وتاريخ إربل 265/1، وفيه يقال: ابن أبي خالد، و2/ 446.
(20)

638
طبقات الشافعية
ثمَّ سكن الموصل، وحدَّث بصحيح البخاري، إلاَّ أنَّه سقط عليه وعليهم من
الإسناد رجلٌ، واستمرَّ الوهم، فإنَّا لله.
روى عنه أبو القاسم ابن صَصْرى، وأبو نصر ابن الشِّيرازي، وأجاز للبهاء بن
عبد الرَّحمان.
توفّي بالموصل يوم النَّحر سنة ثلاثٍ وسبعين وخمسمائة.
682) زيد (21) بن نصر بن تميم، ويقال أحمد بن نصر بن تميم، أبو
القاسم الحَمَوِي.
الفقيه الشَّافعي المتكلّم الأشعري.
تفقَّه على جمال الإسلام وروى عنه، وعن عبد الكريم بن حمزة، وكان
شديد التعصُب لمذهب الأشعري، وقد ولي حسبة دمشق، وحسبة مصر أيضًا.
و عنه أبو القاسم بن صَضْری.
وقال ابن المواهب ابن صَصْرَى: توفِّي في شعبان سنة أربعٍ وسبعين
وخمسمائة، وقد جاوز السَّبعين.
683) سعد(22) بن محمَّد بن سعد بن صيفِي، شهاب الدِّين أبو الفوارس
التَّميمي الشَّاعر الملقَّب بالخَيْص بَيْصَ.
قيل: إنَّه رأى النَّاس في شدَّةٍ واختلاطِ، فقال: ما لهم في حَيْص بَيْصَ؟،
فعرف بذلك. وكان من فضلاء النَّاس وأذكيائهم.
تفقَّه على مذهب الشَّافعي بالريِّ على القاضي محمَّد بن عبد الكريم الوزَّان،
وتكلّم في مسائل الخلاف، وامتدح الملوك والخلفاء والوزراء، واكتسب مالاً
جزيلاً ومجدًا أثيلاً.
ذكره ابن السَّمعاني في ذيله فقال: كان فصيحًا، حسن الشِّعر.
السُّبكي 88/7، وفيه: وقال شيخنا الذَّهبي: إنَّما هو أبو زيد أحمد بن نصر.
(21)
(22)
السُّبكي 91/7، والإسنوي، 443/1، وخريدة القصر، قسم شعراء العراق 202/1،
ومعجم الأدباء 199/11، والوافي 165/15، والبداية 301/12.

639
الطبقة الثَّامنة
وقال الذَّهبي(23): سمع من أبي طالب الحسين بن محمَّد الزَّينبي، وبواسط
من أبي محمَّد بن جهور، وله ديوان مشهور (24) وترسُّل، وكان بارعًا في الشِّعر
محسِّنًا، بديع المعاني، بليغ الرَّسائل، ذا خبرة تامَّة باللُّغة.
وقال ابن طي الشّيعي: كان شاعرًا فاضلاً وافر الأدب عظيم المنزلة في
الدَّولتين العباسيَّة والسلجوقيَّة، وكان ذا معرفةٍ تامَّةٍ بالأدب، وحفظٍ كثيرٍ من
الشِّعر، إمامًا في الرَّأي، حسن العقيدة. حدَّثني عبد الباقي بن زريق الحلبي الزَّاهد
قال: رأيته واجتمعت به، فكان صدرًا في كلِّ علم عظيم النّفس حسن الشَّارة
يركب الخيول العربيَّة الأصيلة ويتقلَّد سيفين ويحملَ خلفه الرُّمح ويأخذ نفسه بما
يأخذ به الأمراء، ويَتبَادَى في لفظه ويُعقّدُ القاف، وكان أفصح من رأيت، وكان
يناظر على مذهب الجمهور يعني أهل السنّة، ولهذا قال فيه أبو القاسم ابن
الفضل :
رَكَ مَا فِيكَ شَعرَةٌ مِنْ تَمِيمٍ
كَمْ تُبَادِي وكَمْ تُطَوّل طُرْطُو
بِسَ (25) وَاشْرَبْ مَا شِئْتَ بَوْل ظَلِيمٌ(26)
فَكُلِ الضبَّ وَاقرض الحنْظَلَ اليَا
ري وَلاَ يَدفعُ الأَذَى عَن حَمِيمٍ
لَيْسَ ذا وجه مَن يضيفُ ولا يقـ
قال القاضي بهاء الدِّين ابن شدَّاد: فأجابه الحَيص بَيْص بما سمعناه من
لفظه :
تَ مُشَارًا إليه بالتَّعظيمِ
لا تَضَغْ مِنْ عَظِیمٍ قَدْرٍ وَإِن ◌ُثْ
بالتَّعدِّي(27) عَلى الشَّريف الكريمِ
فَالشَّرِيفُ الکریمُ يَصْغرُ قدرًا
رَ بِتَنْجِيسِهَا وَبِالتَّحريمِ
وَلَعُ الخَمرِ بالعُقولِ رَمَى الخَّمـ
وقد روى عنه أيضًا محمَّد ابن أبي البدر بن المبيِّن، وغيره.
(23)
العبر 219/4.
(24)
هديّة 385/1 .
(25)
الوافي، وفيه الأخضر.
(26)
المرجع السَّابق: بول الظَّيلم.
المرجع السَّابق وفيه بالتَّحرِّي.
(27)

640
طبقات الشافعية
وتوفّي في سادس شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
684) عبد اللَّه (28) بن حمزة بن محمَّد ابن سماوة، أبو الفرج الكَرْمَانِي ثمَّ
الچِيرفتي (29)، ثمَّ الدِّمشقي، خطيب دَوْمَة.
تفقّه علی جمال الإسلام، وروی عنه.
وعنه أبو القاسم ابن صَصْرى، وأخوه أبو المواهب ابن صَصْرَى، وقال:
كان ثقةً صالحًا.
توفّي في ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في عشر الثَّمانين.
685) عبيد اللَّه(30) بن الخضر بن الحسين، أبو البركات الموصلي، الفقيه
الشَّافعي، المعروف بابن الشِّيرجي.
حصَّل المذهب وناظر، وسمع أبا بكر الأنصاري، وأبا منصور الشِّيباني،
وجماعةً، وانتفع به جماعة من أهل الموصل، وكان إمامًا مفتيًا.
وروى عنه غير واحدٍ، منهم: محمَّد بن علوان الفقيه، وبهاء الدِّين ابن
شدَّاد.
توفّي سنة أربعٍ وسبعين وخمسمائة، رحمه الله.
686) عبد الرَّحمان(31) بن محمَّد بن عبيد الله ابن أبي سعيد كمال الدِّين
أبو البركات الأنباري النَّحوي.
صاحب كتاب أسرار العربيَّة وغيره من التَّصانيف المفيدة الّتي تزيد على مائة
مصنَّف (32).
(28)
الإسنوي 352/2 .
(29)
معجم البلدان 198/2، مدينة بكرمان في الإقليم الثّالث.
(30)
السُّبكي 123/7، والإسنوي 110/2، ووفيات 82/6.
السُّبكي 155/7، والإسنوي 120/1، وبغية الوعاة 86/2، وإنباه الرُّواة 169/2، والبداية
(31)
.310/12
هديَّة 519/1.
(32)

641
الطَّبقة الثَّامنة
تفقَّه ببغداد بالمدرسة النّظاميَّة مدَّةً على أبي منصور بن الرزَّار، وأخذ علم
العربيّة عن أبي السَّعادات الشّجري، واللُّغة عن أبي منصور الجواليقي، وبرع حتَّى
صار شيخ العراق.
وأقرَّ النَّحو بالنِّظاميَّة، ثمَّ انقطع إلى منزله في العلم والعبادة وإفادة النَّاس
والفراغ من الدُّنيا والصَّبر على حسن العيش، وحاصل أمره الزُّهد في الدُّنيا
والتوُّل على اللَّه عزَّ وجلَّ.
روى الحديث عن أبيه، وخليفة بن محفوظ الأنباري، ومحمَّد بن محمّد بن
عطاف، وأحمد بن نظام الملك.
وعنه الحافظ أبو بكر الحازمي، وابن الدَّبيثي، وجماعة.
وتوفّي في شعبان سنة سبعٍ وسبعين وخمسمائة، عن أربعٍ وستين سنة .
ومن شعره :
لَيْسَ التصوُّف بالتَّلْبِيسِ وَالخِرقِ
دَعِ الفُؤَادَ بِمَا فِيه منَ الحُرُقِ
ورُؤية الصَّفوِ فيه أعظم الحُرقِ
بَل التصوُّف صفوُ النّفسِ من كدرٍ
وعن مَطَامِعها في الخَلقِ بالخلقِ
وَصَبْر نَفْسٍ عِلَى أدنَى مَطَامِعها
فَكَيفَ دَعوَى بِلاَ مَعْنَى ولاَخلُقِ
وترك دعوَى بمَعْنَى فيه حَقِيقة
687) علي (33) بن أحمد بن محمَّد بن عمر بن حسن(34)، أبو الحسن
العَلَوِي، الحُسَيني الزَّيْدي، البغدادي.
الفقيه الشّافعي، المحدِّث العابد القدوة.
سمع ابن ناصر، وابن الزَّاغولي، ونصر بن نصر العكبري، وانتخب لنفسه
أجزاءً وحدَّثَ بها، وسمع من شيوخه وأقرانه تبرُّكًا به، منهم: عمر القرشي،
وعمر العليمي، وأبو المواهب ابن صَضْرى.
السُّبكي 212/7، والإسنوي 256/1، والنُّجوم الزَّاهرة 86/6.
(33)
(34)
السُّبكي، وفيه: بن مسلم، وتاريخ بغداد 322/11.

642
طبقات الشافعية
قال ابن الدَّبيثي: كان ثقةً صدوقًا، أحد الأعيان والزهَّاد والنسَّاك، وحفظ
القرآن، وكتب الكثير من الحديث وجمعه، وحصَّل الفقه، وكان نبيلاً جامعًا
لصفات الخير.
سمعت شيخنا ابن ناصر يعظّم شأنه ويثني عليه، ويصف زهده ودينه، وذكر
شيخنا الذَّهبي: أنَّ الوزير عضد الدِّين ابن رئيس الرُّؤساء كان قد نذرَ إن عَادَ إلى
الوزارة أن يعطيه ألف دينار، فعاد فبعث إليه بألف دينار، فبلغ الخليفة فبعث إليه
بمثلها، وبعثت إليه أمُّ الخليفة بمثلها أيضًا، فلم يتصرَّف فيها بل بنى بها مسجدًا
واشترى بها كتبًا وأوقفها فيه، وانتفع بها النَّاس.
688) علي (35) بن الحسن بن هبة اللَّه بن عبد الله بن الحسين، الحافظ
الكبير، ثقة الدِّين أبو القاسم ابن عساكر.
فخر الشَّافعيَّة، وإمام أهل الحديث في زمانه، وحامل لوائهم، صاحب تاريخ
دمشق، وغير ذلك من المصنَّفات المفيدة المشهورة.
مولده في مستهلٌ سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وسمَّعه أخوه الصَّائن هبة الله
في سنة خمسٍ وخمسمائة، وبعدها من الشّريف أبي القاسم ابن النَّسيب، وأبي
القاسم قوام بن زيد، وأبي الوحش سبيع بن قيراط، وأبي طاهر الحنَّائي، وأبي
الحسن ابن الموازيني.
ثُمَّ سمع بنفسه بدمشق من جماعة، ثمَّ رحل إلى بغداد سنة عشرين، وحجّ
منها سنة إحدى وعشرين، وسمع بمكّة، وعاد إليها، فأقام بها خمس سنين يشتغل
ويحصِّل، ويسمع ويتفقَّه بالنِّظاميَّة، ويعلِّق مسائل الخلاف على أبي سعد إسماعيل
ابن أبي صالح المؤذِّن، ثمَّ رجع بعلم جمٍّ وسماعاتٍ كثيرةٍ، ثمَّ عاد إلى الرِّحلة
في سنة تسع وعشرين إلى خراسان وأصبهان وغيرهما من البلاد، وبقي نحو أربع
سنين، ورجع بكتبٍ عظيمةٍ، ومسنداتٍ وسُنَنٍ وأجزاء تفوت الحصر كثرة.
وقد سمع من مشائخ كبارٍ وصغارٍ نحو ألفٍ وثلاثمائة شيخ وثمانين إمرأة ونيِّفٍ.
(35) السُّبكي 215/7، والإسنوي 216/2، ومعجم الأدباء 73/13، والمنتظم 261/10، والبداية
. 294/12