النص المفهرس
صفحات 421-440
421 الطَّبقة السَّادسة أحد أصحاب أبي بكر القفَّال في الفقه، وروى عنه الحديث، وعن منصور السَّمرقندي الكاغدي، وأبي بكر الحيري. وعنه زاهر الشّحامي، وأبو علي أحمد بن سعد العجلي، وشيرويه الدَّيلمي، وقال: كان صدوقًا واسع العلم. سمعت منه واستمليت عليه. وقال السَّمعاني: نزل الريَّ وسكنها، وكان من كبار عصره فضلاً وحشمةً وجاهًا، له القدم الرَّاسخ في المناظرة وإفحام الخصوم، تفقَّه على القفَّال، وبرع في الفقه، قال: وولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، ومات سنة ثمانٍ وستِّين وأربعمائة . وذكر غيره أنَّه ولي القضاء بهمذان سنة ستِّ وستِّين. قال الشَّيخ أبو عمرو ابن الصَّلاح(27): وهو جدُّ الفقهاء الشَّافعيَّة الذي يعرفون بالوزَّانين، وهم رؤساء الشَّافعيَّة بالريِّ في زمانهم. 381) عبد الكريم (28) بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمَّد، الأستاذ أبو القاسم القشيري النيسابوري. أحد العلماء بالشّريعة والحقيقة والفروسيَّة والوعظ والكلام والتصوُّف والمعاملات وأحوال القلوب. أخذ طريقة الوعظ عن الشَّيخ أبي علي الدقَّاق، وتزوَّج بابنته فاطمة، وأخذ أبو علي الدقَّاق علم الطّريقة عن أبي القاسم النَّصراباذي، عن الشِّبلي، عن الجنيد، عن السريِّ، عن معروف الكرخي، عن داود الطَّائي، عن التَّابعين. ودرس الفقه على أبي بكر الطُّسي، والكلام على أبي بكر بن فورك، وأبي إسحاق الأسفراييني، وبرع في ذلك، وصحب أبا عبد اللَّه السُّلمي، وحجَّ مع البيهقي، وأبي بكر بن عبدوس، وأبي نعيم المهرجاني، وأبي عبد الرَّحمان السُّلمي، وابن باكُويه. وعنه جماعة منهم: ابنه عبد المنعم، وابن ابنه أبو الأسعد هبة الرَّحمان (27) 2/ 558، وفيه: التَّيمي. السُّبكي 5/ 153، والبداية 107/12. (28) 422 طبقات الشافعية وزاهر الشّحامي، وأبو عبد اللَّه الفراوي، والحافظ أبو بكر الخطيب ومات قبله وقال: الأصول على مذهب الأشعري، والفروع على مذهب الشَّافعي. وقال أبو سعيد السَّمعاني: لم يرَ أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته، جمع بين الشّريعة والحقيقة. قال القاضي ابن خلِّكان(29): صنّف أبو القاسم التَّفسير الكبير وهو من أجود التَّفاسير، وصنَّف الرِّسالة في رجال الطّريقة، وحجَّ مع البيهقي، وأبي محمَّد الجويني، وكان له في الفروسيَّة واستعمال السِّلاح اليد البيضاء. قلت: وله مصنَّفات أخرى كثيرة منها: نحو القلوب، وكتاب لطائف الإشارات، وكتاب الجواهر، وكتاب أحكام السَّماع، وآداب الصوفيّة، وكتاب المنتهى في نكت أولي النُّهى، وغير ذلك(30) . وكان له عدَّة بنين، عبد اللَّه، وعبد الواحد، وعبد الرَّحيم، وعبد المنعم، وكانت له محنّ ومجاهداتٌ في الانتصار لمذهب الشَّافعي. وحكي عنه الخطيب أنَّه وُلد في ربيع الأوَّل سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة. وقال عبد الغافر الفارسي: توقّ صبيحة يوم الأحد السَّادس عشر من ربيع الآخر سنة خمسٍ وستِين وأربعمائة. ذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن الصَّلاح في ترجمته في الطَّقات من الشّعر (31): واتْلُوَا سورة الصَّلاح عليًا جَنْبَانِي المُدَامَ یا صَاحِبیًا وتركنا حديث سلمى وريًّا واستجبنا لزاجر الشَّرع طوعًا ومنحنا لموجب اللَّهو طيًا وأتحنا لموجب الشّرع نشرًا فوضعنا على المطامع كيًّا ووجدنا إلى القناعة بابًا أصبح القلبُ منه باللّه حيًا إن من مات نفسَه عن هواها (29) وفيات 206/3 . هديَّة 607/1. (30) . 562/2 (31) 423 الطَّبقة السَّادسة قد تعنَّيت باللَّتي واللَّتها نِلت روح الحياة بعد زمانٍ فتعوَّضت بالرِّضى منه فيًّا كنت في حرِّ وحشتي لاختياري حين لم أدَّخر لنفسي شيًّا وتحرَّرت بعد ذلِّ ورقٍ بعد ما قد أطال مطلاً وليًا سَمَح الوقتُ بالذي رمتُ منه فهو في العزّ حاز حدَّ الثريًّا فالذي يهتدي لِقطْع هواهُ فِعْلة العبد سوف يلقون غيًا والذين ارتَووا بكأس مُنَاهُم 382) عُقيل (32) بن محمَّد بن علي، أبو الفضل الفارسي، ثمَّ البعلبكي. الفقيه الشَّافعي، كان يحفظ مختصر المزني. سمع أبا بكر محمَّد بن عبد الرَّحمان القطَّان، وعبد الرَّحمان ابن أبي نصر. وعنه عمر الرواسي، وهبة اللَّه بن الأكفاني، وابنه أحمد بن عقيل. مات في حدود سنة سبعين وأربعمائة. 383) علي (33) بن حسن بن علي بن أبي الطيِّب، الرَّئيس الأديب أبو الحسن البَاخَرْزي، الشّاعر. تفقَّه بالشَّيخ أبي محمَّد الجويني في المذهب، ثمَّ لزم الأدب والإنشاء والنَّظم، واختلف إلى ديوان الرَّسائل، وتنقَّلت به الأحوال، ورأى العجائب في الأسفار، وسمع الحدیث. وله كتاب دمية القصر، وهو كالذَّيل على يتيمة الدَّهر للشّعالبي في ذكر الشُّعراء(34)، وله دیوان فمنه: وجاعل اللَّيل من أصدافِهِ سَكَنَا يَا فَالقَ الصُبحِ من لألاء غُرَّتِه (32) الإسنوي 270/2. السُّبكي 256/5، والإسنوي 234/1، والبداية 112/12، ومعجم الأدباء 33/13. (33) هديّة . (34) 424 طبقات الشافعية فَتَنَثْنِي، وقَدِيمًا هِجتَ لي شَجَنَا بِصُورَةِ الوَثَنِ استَعْبَدثْني وبها فالثَّار حقٌّ على من يعبد الوثنًا لاً غِروَ إن أحرقت نارُ الھوی کبدي قتل بباخَرْزِ، وهي من نواحي نيسابور في ذي القعدة سنة سبعٍ وستِّين وأربعمائة، وهُدِرَ دمَهُ. 384) علي (35) بن يوسف بن عبد الله بن يوسف، أبو الحسن. عمّ إمام الحرمين، ويعرف بشيخ الحجاز. كانت له الرّحلة في الحديث، وسمع الكثير، وعقد له مجلس الإملاء بخراسان. وسمع من أبي نعيم عبد الملك بن الحسن بخراسان، وابن أبي نصر بدمشق، وعبد الرَّحمان بن النخَّاس بمصر، وأبي عمر الهاشمي بالبصرة، وعبد اللَّه بن يوسف بن مامويه بنيسابور. وعنه أبو سعد ابن أبي صالح المؤذِّن، وأبو عبد اللّه الفراوي، وعبد الجبَّار الخوارزمي، وزاهر ووجيه ابنا الشّحامي. ومات في ذي القعدة سنة ثلاثٍ وستِّين وأربعمائة. 385) عمر (38) بن عبد العزيز بن أحمد، أبو طاهر الفَاشاني المروزي. الفقيه الشَّافعي. رحل في صباه إلى بغداد، تفقَّه على الشَّيخ أبي حامد، وأخذ علم الكلام من أبي جعفر السَّمناني قاضي الموصل تلميذ الباقلاني، وبرع فيه وسمع سنن أبي داود من أبي عمر الهاشمي بالبصرة. وروى عنه محيي السنَّة البغوي، وغيره. (35) السُّبكي 298/5، والإسنوي 340/1. السُبكي 301/5، وفيه: توفّي بمرو في جمادى الأولى سنة 463، وقبره بقرنية بفاشان، والإسنوي 270/2. (36) 425 الطَّبقة السَّادسة 386) محمَّد بن أحمد الفقيه، أبو المظفَّر التَّميمي المَروروُذي. الشَّافعي الواعظ . روى عن عبد الرَّحمان ابن أبي نصر التَّميمي الدِّمشقي، وجماعة. وعنه عبد العزيز بن أحمد الكتّاني، وعلي بن الخضر، وأبو محمَّد البغوي. مات في حدود سنة سبعين وأربعمائة. 387) محمَّد (37) بن الحسن بن علي، أبو نصر الجَلْفَري. قرية على فرسخين من مرو القَزَّاز. كان فقيهًا شهمًا، من دهاة مرو، رحل إلى الشَّام، وسمع من عبد الرَّحمان ابن أبي نصر التَّميمي، وغيره. وعنه محيى السنَّة البغوي، ومحمَّد بن أحمد بن أبي العبَّاس. 388) محمَّد(38) بن الحسين بن سعيد بن بشر، الفقيه، أبو سعيد الهمذاني الصفّار. مفتي بلد همذان. روى الحديث عن شيخه أبي حامد الإسفراييني، وأبي بكر بن لال، وابن بركان، وأبي القاسم الصَّرصري، وأبي أحمد الفرضي، وخلقٌ. قال شيرويه: أدركته ولم يقض لي السَّماع منه، وكان ثقة؛ ويقال: كان قد جنَّ في آخر عمره، وكان يعرف الحديث. ولد سنة خمسٍ وسبعين وثلاثمائة، ومات سنة إحدى وستِّين وأربعمائة. 389) محمَّد(39) بن القاسم بن حبيب بن عبدوس، أبو بكر بن أبي علي النِّيسابوري الصفَّار. وهو جدُّ الفقهاء الصفَّارين. أخذ عن الشَّيخ أبي محمَّد الجويني، واستخلفه في حلقته الشَّيخ أبو محمَّد معجم البلدان 2/ 154، وفيه: توفّي بعد سنة 463 هـ. (37) (38) الإسنوي 138/2 . السُّبكي 194/4، والإسنوي 139/2، والبداية 113/12، والعبر 268/3، والمنتظم 299/8. (39) 426 طبقات الشافعية لمَّا حجَّ؛ وسمع الحديث من أبي نعيم الإسفراييني، وأبي الحسن العلوي، وأبي عبد اللَّه الحاكم، وغيرهم، وعنه حفيده أبو نصر أحمد بن أبي سعد الصفَّار، وزاهر ووجيه الشّحاميَّان. قال السَّمعاني: سمعت أبا عاصم العبَّادي يقول: ما رأيت أحسن فُتْيًا (40) منه ولا أصوب. توفّي في ربيع الآخر سنة ثمانٍ وستِّين وأربعمائة. قال الشّيخ تقيُّ الدِّين ابن الصَّلاحِ(41) في ترجمته من كتاب الطَّبقات: أخبرونا في الإذن عن زاهر الشّحامي قال: أنشدنا محمَّد بن القاسم الصفَّار إملاءً قال: أنشدنا محمَّد بن الحسين السُّلمي، أنشدنا أبو علي البيهقي، أنشدنا الصُّولي لابن طباطبا : ويَضْحَى كئيبَ البالِ عنّي حزينهُ حسُودٌ مريضُ القلبِ يخفي أنينَهُ أجمّعُ من عند الرُّوَاة فنونَهُ يَلُومُ على أن رُحتُ في العِلمِ راغِبًا ويُحْسِن بالجهل اللَّئيمُ ظنونَهُ ويزعمُ أنَّ العلمَ لا يجلبُ الغِنَى فقيمةُ كلِّ النَّاسِ مَا يُحسِنُونَهُ فَيَا لائمِي دَعني أُغالِي بقيمَتِي أخبرنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الحجّاج المزِّي فيما قرأت عليه، قال: أخبرنا الشّيخ الإمام فخر الدِّين أبو الحسن علي بن أحمد عبد الواحد البخاري المقدسي فيما قرأت عليه في ذي القعدة سنة ستُّ وسبعين وستِّمائة قال: أخبرنا الشَّيخ الإمام المفتي أبو سعد عبد اللّه بن عمر بن أحمد ابن أبي سعيد ابن أبي بكر ابن أبي علي بن عبدوس بن الصفَّار النِّيسابوري في كتابه إلينا من نيسابور، قال: أخبرنا جدِّي أبو نصر أحمد بن منصور بقراءة والدي في شؤَّال سنة تسع عشرة وخمسمائة، قال: أخبرنا جدِّي الإمام أبو بكر محمَّد ابن أبي علي القاسم بن حبيب بن عبدوس الصفَّار قراءةً عليه سنة أربع وستِّين وأربعمائة، أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ سنة أربع وأربعمائة قال: أخبرنا أبو محمَّد (40) (41) في ب - لسانًا . .240/1 427 الطَّبقة السَّادسة جعفر بن محمَّد بن نصر الخلدي ببغداد، حدَّثنا الحارث بن محمَّد التَّميمي، حدَّثنا العبَّاس بن الفضل الأزرق، حدَّثنا عبد الوارث بن سعيد، حدَّثنا أبوالتِياج، عن أبي عثمان النَّهدي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بثلاثٍ: صيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهرٍ، وركعتي الضُحى، وأن أوتر قبل أن أرقد. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: مثَّفَق على إخراجه في الصَّحيحين (42)، رواه محمَّد بن إسماعيل البخاري، عن أبي معمر عن عبد الوارث، [ورواه مسلم ابن الحجّاج عن شيبان بن فرُوخ عن عبد الوارث](43) . وله عن أبي هريرة طرق تجتمع ويذاكر بها. 390) محمَّد (44) بن محمَّد بن عبد الله بن أحمد القاضي، أبو الحسن البيضاوي البغدادي. قاضي الكرخ. تلميذ القاضي أبي الطيِّب الطَّبري وختنه، كان من كبار الأئمّة، خيّرًا صالحًا سليمَ المعتقد. سمع من أبي الحسن ابن الجندي، وإسماعيل بن حسن الصَّرصري وقال الخطيب(45): كتبت عنه وكان صدوقًا. وعنه أبو محمَّد ابن الطرَّاح، وأبو عبد اللَّه السلاَّل، وقاضي المارستان. توفِّي في شعبان سنة ثمانٍ وستين وأربعمائة، عن ستِّ وسبعين سنة. رواه مسلم في كتاب الصَّلاة. (42) (43) ما بين القوسين ساقط من - ب - . (44) السبكي 196/4، والإسنوي 296/1. ما بين القوسين ساقط من - ب - تاريخ بغداد 239/3. (45) 428 طبقات الشافعية 391) يوسف(48) بن عبد الله بن محمَّد بن عبد البرِّ بن عاصم. الإمام الحافظ الكبير البحر العلم، أبو عمرو بن عبد البرِّ النَّمَري، من النَّمر بن قاسط، القرطبي. محدِّثها وشيخ تلك البلاد في زمانه، سمع الكثير، وتبخّر في علومِ شتَّى، وصنّف(47) الكتب المفيدة النَّافعة كالاستيعاب، والاستذكار، والتَّمهيد، وكتاب العلم، والكافي في الفقه، وغير ذلك من الفوائد الكثيرة، والعلوم الغزيرة؛ وقد سرد كتبه القاضي عياض(48) رحمه الله. وقد روى الشَّيخ أبو عمرو عن الحافظ خلف بن القاسم، وعبد الوارث ابن سفيان، وأبي الوليد عبد الله بن محمَّد ابن الفرضي، وأبي عمر ابن الجسور، ويحيى بن مسعود ابن وجه الجنَّة، وأبي عمر الطَّلَمَنْكي، ويونس بن عبد الله القاضي، وجماعة. وعنه أبو العبَّاس الدلائي، وأبو محمَّد بن أبي قحافة، وأبو الحسن بن معوز، وأبو عبد اللَّه الحميدي، وأبو علي الغسَّاني، وغيرهم. وقد أثنى عليه في إمامته وجلالته المشائخ والأئمَّة، والعلماء بعده عيلة على كتبه في مصنّفاتهم ومباحثهم ومناظراتهم. قال أبو محمَّد ابن حزم في رسالته في فضائل الأندلس: ومنها يعني المصنَّفات، كتاب التَّمهيد لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البرِّ، وهو الآن في الحياة، ولم يبلغ الشَّيخوخة. قال: وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً، فكيف أحسن منه؛ ومنها كتاب الاستذكار وهو اختصار التَّمهيد المذكور. ولصاحبنا أبي عمر تآليف لا مثيل لها في جميع معانيها، منها: كتابه المسمَّى بالكافي في الفقه على مذهب مالك، خمسة عشرة كتابًا، يغني عن المصنّفات الطّوال في معناه، ومنها: كتابه في الصَّحابة يعني الاستيعاب، ليس لأحد من الصِّلة 2/ 640، ووفيات 66/7. (46) (47) هديّة 550/2 . ترتيب المدارك 808/4 . (48) 429 الطَّبقة السَّادسة المتقدِّمين قبله مثله على كثرة ما صنَّفوا في ذلك؛ ومنها: كتاب الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو، ومنها: كتاب بهجة المَجَالسِ وأُنْس المُجَالِس، نوادر وأبيات؛ ومنها: كتاب جامع بيان العلم وفضله. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البرِّ في الحديث، وقال أيضًا: هو أحفظ أهل المغرب. وقال الحافظ أبو علي الغسَّاني: كان أبو عمر من النَّمر بن قاسط، طلب وتفقَّه، ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي الفقيه وكتب بين يديه، ولزمَ ابن الفرضي وعنه أخذ كثيرًا من علم الحديث، ودأب أبو عمر في طلب الحديث وأفتى به، وبرع براعةً فاق بها من تقدَّمه من رجال الأندلس؛ وكان مع تقدُّمه في علم الأثر وتبصُّره في الفقه والمعاني له بسطةٌ كبيرةٌ في علم النَّسب والخبر. قلت: آذُوه وأخرجوه من بلده، فتحوَّل من بلد إلى بلدٍ، إلى أن مات بشاطبة ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاثٍ وستِّين وأربعمائة، عن خمسٍ وتسعين سنة وخمسة أيَّام. يقال: إنَّه ولي القضاء ببلدةٍ هناك يقال لها أَشْبُونَةَ(49) مدَّةً، رحمه اللَّه وإِيَّانا. ولا يشكُّ اثنان من أهل العلم أنَّه كان مالكيَّ المذهب، فرَّع عليه وأصَّل وشرح الموطّأ بالتَّمهيد واختصره، وإنَّما حملنا على إيراده مع الشَّافعيَّة قول أبي عبد اللَّه الحميدي: كان أبو عمر حافظًا مكثرًا عالمًا بالقراءات وبالخلاف وبعلوم الحديث والرِّجال، قديم السَّماع، لم يخرج من الأندلس، وكان يميل في الفقه إلى أقوال الشَّافعي . قلت: من جملة ميله إلى مذهب الشَّافعي تصنيفه في الجهر بالبسملة وانتصاره لذلك، وهي من المسائل المشهورة في المذهب، بل من أفراده، وهي كالشِّعار على أصحابنا من دون سائر الفقهاء. أشبوية مدينة بالأندلس يتّصل عملها بأعمال شنترين قريبة من البحر غربي قرطبة (معجم (49) البلدان 16/5). 430 طبقات الشافعية المرتبة الثَّالثة من الطَّبقة السَّادسة من أصحاب الشَّافعي فيها من سنة سبعين وأربعمائة، إلى سنة ثمانين وأربعمائة 392) الشَّيخ الإمام العلاَّمة جمال الدِّين أبو إسحاق إبراهيم(1) بن علي بن يوسف بن عبد الله الفيروزابادي . نسبة إلى بليدة تسمَّی فیروزاباد من بلاد شيراز. ولد سنة سبعين، وقيل: سنة ثلاثٍ وسبعين وثلاثمائة. وسمع الحديث من الحافظ أبي بكر البرقاني، وأبي علي ابن شاذان، وأبي عبد الله الصُّوري الحافظ، وأبي الفرج محمَّد بن عبيد اللَّه الشِّيرازي وغيرهم. وروى عنه خلق منهم: الحافظ أبو بكر الخطيب، ومات قبله، والفقيه أبو الوليد الباجي، والإمام أبو عبد الله الحميدي، وأبو القاسم السَّمرقندي، وأبو المنذر إبراهيم بن محمَّد الكرخي، ويوسف بن أيُّوب الهمذاني، وأبو نصر أحمد ابن محمَّد الطّوسي، وأبو الحسن عبد السَّلام، وحدَّث ببغداد وهمذان ونيسابور وغيرها من البلاد، وقرأ أصول الكلام على أبي حازم القزويني صاحب القاضي أبي بكر الباقلاني. وتفقّه بفارس على أبي عبد اللَّه ابن البيضاوي، وأبي أحمد عبد الوهّاب بن رامين، وبالبصرة على الجزري، وقرأ على أبي القاسم الدَّاركي، ثمَّ دخل سنة خمس عشرة وأربعمائة في شؤَّالها، وقيل: سنة ثمانيّة عشر فتفقَّه على الإمام أبي (1) السُّبكي 215/4، والإسنوي 83/2، والمنتظم 7/9، والبداية 124/12، والأنساب 9/ . 361 431 الطّبقة السَّادسة الطيِّب الطَّبري واشتهر به وأعاد عنده، ودرَّس بمسجد باب المراتب. قال رحمه الله: فكنت أعيد الدَّرس مائة مرَّة، وأعيد القياس ألف مرَّةٍ، وإذا كان في المسألة شاهدٌ من شعر العرب حفظت تلك القصيدة بكمالها. فلهذا برِّز رحمه اللّه على أهل زمانه، وتقدَّم على ضربانه وأقرانه، وانتهت إليه رئاسة المذهب إذ اختصر التَّنبيه، وبسَّط المهذَّب، مع الزُّهد والدِّيانة والعقَّة والأمانة والبلاغةِ والفصاحةِ والرِّياضةِ والسَّماحةِ. وقد ذكر أنَّه رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في منامه فقال له: يا شيخ، فكان يفرح، ويقول: سمّاني رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم شيخًا. قال الحافظ أبو سعد السَّمعاني: كان الشيخ أبو إسحاق إمام الشَّافعيَّة، المدرّس ببغداد في النّظاميَّة، شيخ الدَّهر وإمام العصر، رحل إليه النَّاس من الأمصار، وقصدوه من كلِّ الجوانب والأقطار، وكان يجري مجرى أبي العبَّاس ابن سريج، قال: وكان زاهدًا ورعًا متواضعًا ظريفًا كريمًا جوادًا سمحًا طلقَ الوجه دائم البشر حسن المجالسة مليح المجاورة، وكان يحكي الحكايات الحسنة والأشعار المبتدعة المليحة، ويحفظ منها شيئًا كثيرًا، وكان يضرب به المثل في الفصاحة. وقال الإمام أبو سعد السَّمعاني: تفرَّد الإمام أبو إسحاق الشِّيرازي بالعلم الوافر كالبحر الزَّاخر مع السِّيرة الجميلة والطّريقة المرضيَّة، جاءته الدُّنيا صاغرةً فأباها واطّرحها وقلاها، قال: وكان عامَّة المدرِّسين بالعراق والجبال تلاميذه وأشياعه؛ صنّف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب كتبًا أصبحت للدِّين والإسلام أنجمًا وشهبًا . قلت: وممَّن أخذ عنه العلم العلاَّمة أبو الوفا ابن عقيل ذو الفنون؛ وقال: شاهدت شيخنا أبا إسحاق لا يخرج شيئًا إلى فقير إلاَّ أُحضر إليه، ولا يتكلّم في مسألة إلاَّ قدَّم الاستعانة بالله عزَّ وجلَّ، وأخلص القصد في نصرة الحقِّ، ولا صنّف مسألة إلاَّ بعد أن يصلِّي ركعتين، فلا جرم أن شاع اسمه وانتشرت تصانيفه شرقًا وغربًا لبركة إخلاصه. وحكى الحافظ ابن النجَّار في تاريخه عن أبي بكر محمَّد بن أحمد بن الحاضنة قال: سمعت بعض أصحاب الشّيخ أبي إسحاق قال: رأيت الشّيخ يركع ركعتين عند فراغ كلّ فصلٍ من المذهب. 432 طبقات الشافعية وقال أبو سعد السَّمعاني: سمعت الرَّئيس أبا الحسن علي بن هبة الله بن عبد السَّلام الكاتب مذاكرةً يقول: كان عميد الدَّولة ابن جهير الوزير كثيرًا ما يقول: الشَّيخ الإمام أبو إسحاق وحيد عصره وفريد دهره مستجاب الدَّعوة. وحكى السَّمعاني أنَّ الشَّيخ رحمه اللّه دخل إلى بعض المساجد فأكل شيئًا ثمَّ انصرف وقد نسي فيه دينارًا، فلمَّا رجع وجده، فأبى أن يأخذه، وقال: لعلَّ هذا سقط من غيري، والذي نسيته أخذه أحد. وحكى أنَّه ربَّما دخل هو وأصحابه إلى المساجد ليأكلوا طعامًا فيتركون منه مقدارًا جيّدًا لمن يريده من الفقراء والمحاويج، وأنَّه بعث رجلاً يشتري له بقرصةٍ شيئًا على قرصة أخرى، فلمَّا جاء قال: لعلَّه اشتبه عليك القرصة التي وكَّلتك في اشترائها بالأخری، وأبی أن یأکله. وقال أبو سعد السَّمعاني: كان يتوسوس في الطّهارة، وسمعت عبد الوهّاب الأنماطي يقول: كان الشّيخ أبو إسحاق يتوضَّأ في الشطِّ فغسل وجهه مرَّات فقال له رجل: يا شيخ، أما تستحي بغسل وجهك كذا وكذا مرَّة؟ فقال له: لو صحَّ لي الثَّلاث ما زدت عليها. ونقل الشَّيخ أبو زكريَّاء النَّووي في أوَّل شرح المهذَّب، أنَّه كان يومًا يمشي ومعه بعض أصحابه، فعرض في الطَّريق كلبٌ فزجره صاحبه، فنهاه الشَّيخ وقال: أما علمت أنَّ الطّريق بيني وبينه مشتركة؟. وقال أبو سعد السَّمعاني: سمعت القاضي أبا بكر محمَّد بن عبد الباقي بن محمَّد الأنصاري يقول: حملت فتوى إلى ذلك الشطّ لأستفتي الشَّيخ أبا إسحاق، فرأيته في الطَّريق وهو يمشي، فمضى إلى دكَّان خبَّارٍ أو بقَّالٍ، فأخذ قلمه ودواته وكتب جوابه، ومسح القلم في ثوبه، وأعطاني الفتوى. وقال السَّمعاني: سمعت القاضي أبا بكر محمَّد بن القاسم الشَّهرزوري بالموصل يقول: كان شيخنا أبو إسحاق إذا أخطأ أحدٌ بين يديه وقال إنِّي سألته ... قال: وسمعت محمَّد بن علي الخطيب، سمعت محمَّد بن محمَّد بن يوسف الفاشاني بمرو، سمعت محمَّد بن عمر بن هاني القاضي يقول: إمامان ما اتَّفق لهما الحجُّ أبو إسحاق والقاضي أبو عبد الله الدَّامغاني، أمَّا أبو إسحاق فكان 433 الطَّبقة السَّادسة فقيرًا، ولكن لو أراد لحملوه على الأعناق، والدَّامغي لو أراد الحجَّ على السُّندس والاستبرق لأمكنه. قلت: أمَّا فقر الشَّيخ فعذر واضح له في ترك الحجِّ، فإنَّه كان متقلِّلاً من الدُّنيا من مبتداه إلى آخر عمره رحمه اللَّه، فقد حكي عنه أنَّه قال: كنت أشتهي تريد الباقلاً أيَّام اشتغالي، فما صحَّ لي أكله لاشتغالي بالدَّرس وأخذي النَّوبة. وذكر السَّمعاني قال: قال أصحابنا ببغداد: كان الشَّيخ أبو إسحاق إذا بقي مدَّة لا يأكل شيئًا صعد إلى النصريَّة(2) وله فيها صديق وكان يثرد له رغيفًا ويُشربه ماء الباقلاً، فربَّما صعد إليه وقد فرغ، فيقول الشَّيخ أبو إسحاق: ﴿تِلْكَ إِذَا كَرَّةً خَاسِرَةٌ﴾ . وقال الفقيه أبو بكر الطرطوشي المالكي: أخبرني أبو العبَّاس الجرجاني القاضي بالبصرة قال: كان الشَّيخ أبو إسحاق لا يملك شيئًا من الدُّنيا، فبلغ به الفقر حتَّى لا يجد قوتًا ولا ملبسًا، ولقد كنّا نأتيه وهو ساكنٌّ في القطيعة فيقوم لنا نصف قومةٍ كي لا يظهر منه شيءٌ من العري؛ وكنت أمشي معه فتعلق به باقلاني فقال: يا شيخ أفقرتني وكسرتني وأكلت رأس مالي، ادفع إليَّ ما عندك، فقلنا: وكم لك عنده؟ قال: أظنُّهُ حبَّتين ذهبًا، أو حبَّتين ونصف. وذكر الحافظ أبو عبد اللَّه الذَّهبي أنَّه قرأ بخطّ ابن الأنماطي أنَّه وجد بخطُّ : قال أبو علي الحسن بن أحمد الكرماني الصُّوفي الذي غسل الشَّيخ أبا إسحاق أنَّه سمعه يقول: ولدت سنة تسعين وثلاثمائة، ودخلت بغداد سنة ثمان عشرة وأربعمائة، ومات ولم يترك درهمًا ولا عليه درهم، وكذلك كان يقضي عمره. قلت: هذا، وقد نال من رئاسة العلم مبلغًا كبيرًا، وعظّم تعظيمًا زائدًا، وهو أوَّل من درَّس في المدرسة النّظاميَّة ببغداد بعد أن درَّس بها ابن الصبّاغ نحوًا من عشرين يومًا، وذلك أنَّه لمَّا كملت، وقد رسم أن يدرّس بها الشَّيخ أبو إسحاق واجتمع النَّاس بها، خرج للدَّرس فلقيه شهاب الدِّين فقال: يا شيخ، كيف يحلُّ لك أن تدرّس بمدرسة مغصوبة؟ فذهب وتغيَّب، فلمَّا تعذَّر حصوله أحضر الإمامُ أبو نصر ابن الصبَّاغ فدرَّس بها، فلمَّا وصل الخبر إلى نظام الملك أبى ذلك، وأمر (2) معجم البلدان 287/5 محلّة بالجانب الغربي من بغداد متَّصلة بدار القزّ. . 434 طبقات الشافعية أن يدرِّس الشَّيخ أبو إسحاق وقال: ما بنيناها إلاَّ على اسمه، ويتَّصل ما نسب إلى المدرسة من الغصب، فدرَّس بها الشَّيخ إلى أن توفّ. ولمَّا ندبه الإمام المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين للرّسالة إلى البلاد الشرقيّة، وذلك في ذي الحجّة من سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة، ذكر أنَّه لمّا شافهه أمير المؤمنين بالرّسالة قال: وما يدريني أنَّك أمير المؤمنين، وأنا لم أرك قبل هذا قطُ؟، فتبسَّم وأعجبه ذلك وأحضر له من عرَّفه به، فلمَّا خرج الشَّيخ في الرِّسالة خرج معه جماعة من أعيان الصَّحابة. قال السَّمعاني: لمَّا خرج الشَّيخ أبو إسحاق إلى نيسابور خرج في صحبته جماعة من تلامذته كانوا أئمّة الدُّنيا، كأبي بكر الشَّاشي، وأبي عبد اللّه الطَّبري، وأبي معاذ الأندلسي، والقاضي علي الميانجي، وأبي الفضل ابن بيان قاضي البصرة، وأبي الحسن الآمدي، وأبي القاسم الزَّنجاني، وأبي علي الفارقي، وأبي العبَّاس ابن الرَّطبي. قال السَّمعاني: وسمعت جماعة يقولون: لمَّا قدم أبو إسحاق إلى نيسابور تلقَّاه النَّاس لمَّا قدم وحمل الإمام أبو المعالي الجويني غاشية فرسه، ومشى بين يديه وقال: أنا أفتخر بهذا. قال السَّمعاني: وكان عامَّة المدرِّسين بالعراق والجبال تلاميذه وأشياعه وأتباعه وکفاهم بذلك فخرًا. وحكي عن الشّيخ أبي إسحاق أنَّه قال: خرجت إلى خراسان فما دخلت بلدة ولا قريةً إلاَّ كان قاضيها أو خطيبها أو مفتيها تلميذي أو من أصحابي. وذكر الحافظ ابن النجَّار: أنَّ الشَّيخ لمَّا ورد بلاد العجم كان يخرج إليه أهلها بنسائهم وأولادهم فيمسحون أرداءهم ويأخذون تراب نعليه يستشفون به؛ ولمَّا وصل إلى ساوه(3) خرج قاضيها وفقهاؤها وشهودها وكلُّهم أصحاب الشّيخ يخدمونه، وكان كلُّ واحدٍ يسأله أن يحضر في بيته ويتبرَّك بدخوله وأكله. قال: وخرج جميع من كان في البلد من أهل الصِّناعات ومعهم من الذين (3) المرجع السَّابق 179/3 مدينة بين الريِّ وهمذان، وبقربها مدينة يقال لها: آوه، فساوة سنيَّة شيعيَّة، وآوه أهلها شيعة .. 435 الطَّبقة السَّادسة يتبعونه طرفًا ينثرونه على محفَّته، وخرج الخبَّازون ينثرون الخبز وهو ينهاهم ويدفعهم من حواليه ولا ينتهون، وخرج من بعدهم أصحاب الفاكهة والحلوى وغيرهم وفعلوا كفعلهم، ولمَّا بلغت النَّوبة إلى الأساكفة خرجوا وقد عملوا مداسات لطيفة للصِّغار وينثرونها، فجعلت تقع على رؤوس النَّاس، والشَّيخ أبو إسحاق يتعجَّب، فلمَّا انتهوا بدأ يداعبنا ويقول: رأيتم النثّار ما أحسنهم؟ أيّ شيء وصل إليكم منه، فنقول لعلمنا أنَّ ذلك يعجبه: يا سيدي وأنت أيُّ شيء كان حظُّك منه؟ فيقول: أنا غطَّيت رأسي بالمحفّة، قال: وخرج إلينا المتعبِّدات ومعهنَّ الشَّيخ فجعلن يلقين سبحَهُنَّ إلى محفَّته ليلمسهنَّ بيده لتحصل لهنَّ البركة فجعل يموِّهن على يديه ويتبرَّك بهنَّ، ويقصد في حقّهنَّ ما قصدن في حقّه. وقال شيرويه الديلمي في تاريخ همذان: أبو إسحاق الشّيرازي إمام عصره وقدم علينا رسولاً من أمير المؤمنين إلى السُّلطان ملكشاه، سمعت منه ببغداد وهمذان، وكان ثقةً فقيهًا زاهدًا في الدُّنيا على التَّحقيق، أوحد زمانه. قلت: وقد اجتمع في رحلته هذه بإمام الحرمين لمَّا ورد نيسابور كما تقدّم، وحمل الغاشية بين يدي الشَّيخ وقال: أنا أفتخر بهذا، ويقال: إنَّهما تناظرا، فَعَلاَ الشّيخ أبو إسحاق بالحجَّة لاقتداره على طريقة الجدل والبحثِ، هذا مع اتِّساع إمام الحرمين في العلم والفصاحةِ والخطابةِ والتَّحصيلِ. وكان الفقيه أبو الحسن محمَّد بن عبد الملك الهمذاني حكى إليَّ قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي قبل سنة أربعين يعني وأربعمائة، فتكلَّم الشّيخ أبو إسحاق فأجاد، فلمَّا خرجنا قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رآه الشَّافعي لتجمَّل به. وقال الإمام أبو بكر الشّاشي مصنّف المستظهري وهو تلميذ الشَّيخ أبي إسحاق: شيخنا أبو إسحاق حجَّة اللَّه على أئمّة العصر. وقال الموفَّق الحنفي: الشّيخ أبو إسحاق أمير المؤمين فيما بين الفقهاء. وقال الحافظ أبو طاهر السِّلفي: سألت شجاعًا الذُّهلي عن أبي إسحاق فقال: إمام أصحاب الشَّافعي والمقدَّم عليهم في وقته ببغداد، وكان ثقةً ورعًا صالحًا عالمًا بمعرفة الخلاف علمًا لا يشاركه فیه أحد. وقال الحافظ أبو سعد السَّمعاني: أخبرنا أبو القاسم حيدر بن محمود 436 طبقات الشافعية الشّيرازي بمرو قال: سمعت أبا إسحاق قال: كنت نائمًا ببغداد فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه أبو بكر وعمر فقلت: يا رسول اللَّه، بلغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، فأريد أن أسمع منك خبرًا أتشرَّف به في الدُّنيا وأجعله ذخرًا للآخرة، فقال: يا شيخ، وسمَّاني شيخًا وخاطبني به، وكان يفرح بهذا؛ ثمَّ قال: قل عنّي: من أراد السلامة فليطلبها في سلامة غيره؛ وهذا المنام عليه لوائح الصِّدق، فإنَّ الفقهاء تسميَّة الشّيخ أبا إسحاق، ولما رواه في المنام شاهد في الصَّحيح، وهو قوله عليه السَّلام: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))، أي من أراد أن يسلم، فليسلم النَّاس منه، فإنَّ الجزاء من جنس العمل. وقال السَّمعاني: رأيت بخطّ الشّيخ أبي إسحاق رقعةً فيها: بسم اللَّه الرَّحمان الرَّحيم ما رآه الشَّيخ السيِّد أبو محمَّد عبد الله بن الحسن بن نصر المريدي أتاه اللَّه تعالى: رأيت في النَّوم سنة ثمانٍ وستِّين وأربعمائة ليلة الجمعة أبا إسحاق إبراهيم ابن علي بن يوسف الفيروزابادي طوَّل اللَّه عمره في منامي يطير مع أصحابه في السَّماء الثّالثة أو الرَّابعة، فتحيَّرت وقلت في نفسي: هذا هو الشَّيخ الإمام مع أصحابه يطير وأنا معهم استعظامًا لتلك الحال والرُّؤية، قلت في هذه الفكرة، إذ تلقَّى الشَّيخ ملكٌ وسلَّم عليه من الربِّ تبارك وتعالى وقال له: إنَّ اللَّه يقرأ عليك السَّلام ويقول: ما الذي تدَرِّس لأصحابك، فقال له الشَّيخ: أدرِّس ما نقل عن صاحب الشّرع، فقال له المَلَكُ: فاقرأ عليَّ شيئًا لأسمعه، فقرأ عليه الشَّيخ مسألة لا أذكرها، فاستمع إليه الملَكُ وانصرف، وأخذ الشّيخ يطير هو وأصحابه معه، فرجع ذلك الملك بعد ساعةٍ وقال للشّيخ: إنَّ الله يقول: الحقُّ ما أنت عليه وأصحابك، فادخل الجنّة معهم. وقال السَّمعاني: صنَّف الشَّيخ أبو إسحاق المهذَّب في المذهب، والتَّنبيه، والُّمع، وشرحه المعونة في الجدل، والملخّص، وغير ذلك(4). قلت: صنّف المهذَّب من تعليقة الشّيخ أبي حامد الإسفراييني، وابتدأ في تصنيفه من سنة خمسٍ وخمسين، وفرغه يوم الأحد سلخ رجب من سنة تسع وستّين، فمكث في تصنيفه أربع عشرة سنة، وأمَّا التَّنبيه فاختصره من طريقة الشَّيخْ هديَّة 8/1. (4) 437 الطّبقة السَّادسة أبي الطيِّب الطَّبري شيخه، وله أيضًا النُّكت، والتَّبصرة، وطبقات الفقهاء. ومن كلامه الحسن: العلم لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرَّجل عالمًا ولا یکون عاملاً، ثُمَّ أنشد لنفسه رحمه الله: علمتَ من حلَّل المولى وَحَرَّمَهُ فَاعمَل بعلمك إنَّ العلمَ بِالعَمَلِ وقال أيضًا: الجاهل بالعلم لم يقتدي، فإذا كان العالِم لا يعمل فالجاهل ما يرجو من نفسه، فالله الله يا أولادي، نعوذ بالله من علم يصير حجَّةً علينا. ومن شعره : وألهو بالحسان بلا حرام أحبُّ الكأس من غير المُدَامِ رأيت الحبَّ أخلاق الكرام وما حبِّي لفاحشةٍ ولكن وله أيضًا: فقالوا: ما إلى هذا سبيلُ سألت النَّاس عن خلِّ وفيٍّ فإنَّ الحرَّ في الدُّنيا قليلُ تمسَّك إن ظفرت بودِّ حر وله أيضًا: ويذهب في أحجامها كلَّ مذهبٍ حكيمٌ يرى أنَّ النّجوم حقيقة وما عنده علمٌ بما في المُغَيَّب يُخبِّر عن أفلاكِهَا وبُرُوجِهَا يشير رحمه اللَّه إلى أنَّ علم التَّيسير صحيح، وهكذا هو عند المحقّقين علماء الهيئة، فأمَّا علم الأحجام وهو المشهور بعلم التَّنجيم فباطلٌ، والاشتغال به غير طائلِ . وذكر الشَّيخ أبو عمرو ابن الصَّلاح(5): أنَّ الشَّيخ أبا إسحاق كان يقول من الشِّعر على البديهة ما سنح له، وأنَّه قال يومًا لمؤقّت المدرسة النّظاميَّة يعني ( ...... ) وكان رجلاً حسنًا، فقال له على وجه البسط به: طبقات 302/1 . (5) 438 طبقات الشافعية جمالُنَا في السرِّ والظّاهرِ وشيخُنا الشَّيخ أبو طاهر ثمَّ حكى أنَّ أبا طاهر هذا(6) طال عمره، وتأخّرت ... في المدرسة النِّظاميَّة إلى سنة ثلاثين وخمسمائة، فعمَّر بعد الشَّيخ أبي إسحاق بضعًا وخمسين سنة. وقد امتدح بشعرِ كثيرٍ من أحسنه ما حكاه السَّمعاني عن الرَّئيس أبي الخطّاب علي بن عبد الرَّحمان بن هارون ابن الخرَّاج رحمه اللَّه: ألفاظه الغرَّ واستقصى معانيه سقبًا لمن صنّف التَّنبيه مختصرًا للَّهِ والدِّين لا للكبر والغِّيهِ إنَّ الإمامَ أبا إسحاق صنَّفه فحازها ابن عليٍّ كلّها فيِهِ رأى علومًا عن الأفهام شاردةً تذود عنه أعاديه وتحميهِ بقيتَ للشَّعِ إبراهيم منتصرًا وقال أبوالحسن علي بن فضال: أكتابُ الثَّنبيه ذا أم رياض جمع الحسن والمسائل طرًّا قلَّ طولا وضاق عَرْضًا مداه لك نعمي علَىَّ يا ابن عليٍّ أنت طودٌ لكنه لا يسامى فائق في ...... وأنت عزيز أم لآلي قلوبهنَّ البياضُ دخلت تحت كلِّه الأبعاضُ وهو من بعد الطوال عِرَاضُ ـهـضُ ٠٠ ليس في غير جوهر إعراضُ أنت بحر لكنَّهَ لا يخاض ..... عن المثال انخفاض ٠٠٠٠٠٠ وقال السَّلار العقيلي: كفائي إذًا عند الحوادث صارمٌ يَقُدُّ ويَفري في اللِّقاء كأنَّه مثلي المأمول في الإثرِ والأثز لسان أبي إسحاق في مجلس النّظر (6) المرجع السَّابق: هو إبراهيم بن سنان. 439 الطَّبقة السَّادسة وقال عاصم بن الحسن في الشَّيخ أبي إسحاق رحمه اللَّه ورضي عنه: عليه من توقُّدِه دَليلُ تراهُ من الذَّكاءِ نحيفَ جِسمِ إذا كان الفتَى ضخمَ المعالِي فليس يضيرهُ الجسمُ النَّحيلُ توفِّي رحمه اللَّه ليلة الأحد، وقيل: يوم الأحد الحادي والعشرين من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة ستّ وسبعين وأربعمائة ببغداد، فاجتمع في جنازته خلق عظيم، ويقال: إنَّ أوَّل من صلَّى عليه أمير المؤمنين المقتدي بأمر اللَّه، ثمَّ صلَّى عليه صاحبه أبو عبد اللَّه الطَّبري، ودفن بباب أبرز رحمه اللَّه. وقد رثاه الأستاذ أبو القاسم عبد اللّه بن باقيا بأبيات منها: خَطْبٌ أقام إقامةَ الآفاقِ أجرى المدامع بالدَّم المهراقِ . ومالها من راقٍ من .... خطب سحا منًا القلوب بلوعةٍ بعد ابن ( ....... ) أبي إسحاق ما لليالي لا تؤلِّف شملنا حيٍّ على مرِّ اللَّيالي باقي إن قيل مات فلم يمت من ذكره قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذَّهبي: وجلس أصحابه لعزائه بالمدرسة النّظاميَّة، فلمَّا انقضى العزاء رتَّب مؤيّد الملك ابن نظام الملك أبا سعيد المتولّي مدرّسًا، فلمَّا وصل إلى نظام الملك باني المدرسة كتب بإنكار ذلك وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنةً من أجل الشَّيخ، وعاب على من تولَّى مكانه، وأمر أن يدرّس الشَّيخ أبو نصر عبد السيِّد بن محمَّد ابن الصبَّاغ والمتولِّي له مكانه. قلت: قد تقدَّم أنَّ الشَّيخ أبا نصر درَّس فيها قبله، ثمَّ صارت إليه بعده إلى أن توفّي سنة ثمانٍ وسبعين، وكلٍّ من ابن الصبَّاغ والمتولّي له وجه في المذهب، وليس للشّيخ أبي إسحاق وجه في المذهب، وإنَّما له احتمال وكذا إمام الحرمين والغزَّالي . وذكره أبو القاسم ابن عساكر في طبقات أصحاب الأشعري في آخر كتابه تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري(7) فقال: رأيت بخطّ بعض الثّقات: تبیین 332 . (7) 440 طبقات الشافعية ما قول السَّادة الفقهاء في قوم اجتمعوا على لعن الأشعريّة وتكفيرهم، وما الذي يجب عليهم؟ أفتونا، فأجاب جماعةٌ، فمن ذلك الأشعريَّة أعيان السنَّة انتصبوا للردِّ على المبتدعة من القدريَّة والرافضيَّة وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنَّة، ويجب على النَّاظر في أمر المسلمين تأديبه بما يرتدع به كلُّ أحدٍ، وكتب إبراهيم بن علي الفيروزابادي قلت: أمَّا طريقة الشَّيخ أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري في الصِّفاتِ بعد أن رجع عن الاعتزال، بل وبعد أن قدم بغداد وأخذ عن أصحاب الحديث كزكريَّاء السَّاجي وغيره، فإنّها من أصحِّ الطُّرق والمذهب، فإنَّه يثبت الصِّفات العقليّة والجبريَّة، ولا ينكر منها شيئًا، ولا يكيّف منها شيئًا، وهذه طريقة السَّلف والأئمّة من أهل السنَّة والجماعة حشرنا الله في زمرتهم وأماتنا على اتّباعهم ومحبَّتهم إنَّه سميع الدُّعاء جوادٌ كريمٌ. وعلى هذا المنوال جرى الأئمّة من أصحاب الأشعري كأبي عبد اللَّه ابن مجاهد، والقاضي أبي بكر الباقلاني وأضرابهم رحمهم الله. ولنذكر شيئًا من روايتنا من طريقه رحمه الله: قرأت على شيخنا الإمام الحافظ الحجّة أبي الحجّاج يوسف ابن الزَّكي عبد الرَّحمان بن يوسف المزي، أخبرنا الشَّيخ الإمام فخر الدِّين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد ابن البخاري بقراءتي عليه، أخبرتنا زينب بنت عبد الرَّحمان بن الحسن الأشعريّة إجازةً من نيسابور، أخبرنا أبو سعد هبة اللَّه بن عبد الرَّحمان ابن الأستاذ عبد الكريم بن هوزان القشيري قراءةً عليه ونحن نسمع، أخبرنا الشَّيخ الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن علي ابن يوسف الفيروزابادي قراءةً عليه ببغداد قال: أخبرني أبو علي الحسن بن أحمد ابن إبراهيم بن شاذان البزَّار، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان بن أيُّوب بن إسحاق ابن عبده بن الرَّبيع بن صبيح العباداني في يوم الجمعة قبل الصَّلاة لستُّ خلون من رجب سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، حدَّثنا علي بن حرب بن محمَّد بن علي بن مازن بن العطويَّة الطّائي بسامراء سنة أربع وستين ومائتين، قال: حدَّثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من النَّاس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبقِ عالمًا اتَّخذ النَّاس رؤساءً جهَّالاً فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُوا وأضلُوا))، هذا حديث صحيح متَّفق على صحّته، رواه البخاري في كتاب العلم، عن إسماعيل بن أوس، عن مالك، عن هشام به، وأخرجه مسلم من