النص المفهرس

صفحات 261-280

261
الطَّبقة الثّالثة
داره إلى مسجده فجلس على جدار المسجد، وبكى، ثمَّ نظر إلى المستملي فقال:
اكتب، سمعت الصَّغاني يقول: سمعت عبد الله بن إدريس يقول: سمعت الأشجَّ
يقول: سمعت عبد الله بن إدريس يقول: أتيت باب الأعمش بعد موته فدققت
البابَ فأجابتني امرأة: هاني هاني يبكي، وقالت: يا عبد اللَّه، ما فعل جماهير
العرب التي كانت تأتي هذا الباب، ثمَّ بكى الكثير، ثمَّ قال: كأنّي بهذه السَّة ولا
يدخلها أحد منكم، فإنّي لا أسمع، وقد ضعف البصر، وحان الرَّحيل، وانقضى
الأجل، فما كان بعد شهر أو أقلَّ، حتَّى كفَّ بصره، وانقطعت الرِّحلة، ورجع
أمره إلى أنَّه تَنَاول قلمًا، فإذا أخذه بيده علم أنَّهم يطلبون الرِّواية، فيقول: حدَّثنا
الرَّبيع بن سليمان ويسرد أحاديث يحفظها، وهي أربعة عشر حديثًا وسبع حكايات،
وصار بأسوإ حالٍ.
وتوفّي في ربيع الآخر سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمائة.
قال: وسمعته يقول: ولدت سنة سبع وأربعين ومائتين رحمه اللَّه.
قلت: وقع لنا من رواية الأصمِّ كتاب المسند على الشَّافعي يرويه عن الرَّبيع
عنه، وليس هذا المسند صنعة الشَّافعي، وإنَّما انتخبه الإمام أبو جعفر محمَّد بن
مطر من كتاب المبسوط، فكان يسمع على الأصمِّ.
قال الحاكم: سمعت الأصمَّ يقول: رأيت أبي في المنام فقال لي: عليك
بكتاب البُويْطي، فليس في كتب الشَّافعي كتاب أقلُّ خطأً منه.
وذكره ابن الصَّلاح في الطَّبقات(114). وحكى عن بعضهم أنَّه امتدحه بقصيدةٍ
منها :
لطيِّب ذكرٍ منك في النَّاس [فائحٍ]
أتيتك من بسطام يا غاية المُنَى
بأرض سجستان ولا بالأباطحِ
لأسمع ممَّن ليس يعرف مثله
نتائج آثار النَّبيِّ المناصحِ
علوم الإمام الشَّافعي فإنّها
ولا تك للطلاَّب غير مسامحٍ
أَقْدِ وامْنَحِ الطلاَّب علمًا حويته
(114) 294/1، من عشر أبيات: وفيها: في النَّاس لائح.

262
طبقات الشافعية
157) محمَّد(115) بن يعقوب بن يوسف الشَّيباني، أبو عبد الله بن الأخرم.
الحافظ النيسابوري.
قال الحاكم: كان أبو عبد اللَّه صدر الحديث ببلدنا بعد أبي حامد بن
الشَّرقي، كان يحفظ ويفهم، وصنّف على صحيحي البخاري ومسلم، وله كتاب
(116)
المسند الكبير
سمع إبراهيم بن عبد اللَّه السَّعدي، وخشنام بن صديق، وعلي بن الحسن
الهلالي، وعلي بن عبد الوهّاب، وغيرهم: ثمَّ كتب عن طبقتين بعد هؤلاء، ولم
يسمع إلاَّ بنيسابور، وله كلامٌ حسنٌ في العلل والرِّجال.
وروى عنه الحاكم، وأبو بكر بن إسحاق الصَّبغِي، وأبو الوليد الفقيه،
ويحيى بن إبراهيم المزكِّي، وأبو عبد اللَّه بن منده، وآخرون.
قال الحاكم: سمعت محمَّد بن صالح بن هاني يقول: كان ابن خزيمة يقدِّم
أبا عبد الله بن يعقوب على كافَّة أقرانه، ويعتمد على قوله فيما يردُّ عليه، وإذا
شكّ في شيءٍ عرضه عليه.
قال الحاكم: وكان من أنحى النَّاس وآدبهم، ما أخذ عليه لحنٌ قطُّ.
توفّي عن أربعٍ وتسعين سنة في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وثلاثمائة؛
يقع حديثه في البيهقي كثيرًا. وذكره أبو عمرو ابن الصَّلاح في الطَّقات(117).
158) محمَّد(118) بن يوسف بن النَّضر بن مرداس، أبو عبد الله الهروي.
الحافظ الفقيه الشَّافعي، أحد الرحّالين في العلم.
سمع الرَّبيع بن سليمان، وأحمد بن البرقي، والحسن بن مكرم، والعبَّاس بن
الوليد البيروتي، ومحمَّد بن عوف الحمصي، وغيرهم.
وعنه أبو القاسم الطَّبراني، وأبو بكر الأبهري، والزُّبير بن عبد الواحد
(115) الإسنوي 1/ 74، والذَّهبي: تذكرة 364/3 والعبر 3/ 265.
(116)
هديَّة 41/2.
(117)
. 287/1
الإسنوي 524/2، وفيه: محمَّد بن يوسف بن بشير وكذلك العبر 23/2.
(118)

263
الطّبقة الثَّالثة
الأسدابادي، وجماعة، وآخر من حدَّث عنه أبو بكر بن أبي الحديد. وثّقه
الخطيب (119)
.
توفِّي في رمضان سنة ثلاثين وثلاثمائة، وقد جاوز المائة بأشهرٍ .
(119) الخطيب: تاريخ 405/3 وفيه: أبو بكر الأزهري ..

المرتبة الأولى
من الطَّبقة الرَّابعة من أصحاب الإمام الشَّافعي
فيها: من سنة إحدى وخمسين إلى آخر سنة سبعين
159) إبراهيم(7) بن محمَّد بن يحيى، أبو إسحاق المزكِّي النِّيسابوري.
انتقى عنه الدَّارقطني، جزءین مشهورین به.
روى عن ابن خزيمة، وأبي العبَّاس، وابن أبي حاتم، وطبقتهم، وحدَّث عنه
النَّاس. وقال: شيرويه: كان ثقةً صدوقًا. وقال الحاكم: عُقِدَ له مجلس الإملاء
سنة ستُّ وثلاثين وثلاثمائة. وهو أسود الرَّأس واللّحية. وفيها ولي أيضًا.
وتوفّي سنة اثنتين وستِّين وثلاثمائة عن سبع وستِّين سنة، ودفن بداره
بنسیابور.
وذكره ابن الصَّلاح في الطَّقات(2).
160) أحمد(3) بن بشر بن عامر، أبو حامد المروروذي.
نسبة إلى مرو الرُّوذ، ويخفّف فيقال: المروذي، نزيل البصرة، أحد أئمة
الشَّافعية. أخذ عن الشَّيخ أبي إسحاق المروزي. وشرح المزني، وصنّف الجامع
في المذهب وفي الأصول(4)، وغير ذلك. وكان إمامًا لا يُشقُّ غُباره(5)، وعنه أخذ
فقهاء البصرة.
الإسنوي 396/1، والخطيب: تاريخ 168/6، والأنساب 278/11، والمنتظم 61/7.
(1)
(2)
.317/1
السُّبكي 12/3، والإسنوي 377/2، والبداية 11/ 209، والإكمال 313/7.
(3)
(4)
هديَّة 66/1.
غباره، ساقطة من - ب -.
(5)

266
طبقات الشافعية
مات سنة اثنتين وستِّين وثلاثمائة، هكذا ترجمه الشَّيخ أبو إسحاق في
الطَبقات(6)، ولكنَّه قال: أحمد بن عامر بن بشر.
ووهمه الشّيخ أبو عمرو ابن الصَّلاح(7) في ذلك وقال: إنَّما هو أحمد بن
بشر بن عامر وكذا صوَّب عليه شيخنا أبو عبد اللَّه الذّهبي في تاريخه (8)، وللَّه
الحمد والمنّة .
161) أحمد(9) بن عبد الوهّاب بن يونس، أبو عمرو القرطبي.
الفقيه الشَّافعي.
تلميذ عبيد الشَّافعي الفقيه الرَّاجل إليهم، فصحبه هذا وأخذ عنه مذهب
الإمام الشَّافعي، وكان ذكيًّا لسنًا، عالمًا بالاختلاف، مناظرًا نحويًّا، وقد نسب إلى
شيءٍ من الاعتزال، فالله أعلم.
توفّي في سنة تسعٍ وسِين وثلاثمائة، وقيل: سنة سبعين.
162) أحمد(10) بن محمَّد بن أحمد ابن القطّان البغدادي.
آخر أصحاب ابن سريج وفاةً، قاله الشّيخ أبو إسحاق(11). قال: ودرَّس
ببغداد، وأخذ عنه العلماء.
وقال الحافظ أبو بكر بن الخطيب(12) البغدادي: هو من كبراء الشَّافعيِّين،
وله مصنّفات في أصول الفقه وفروعه. قال: وقال القاضي أبو الطيِّب: مات ابن
(6)
.114
(7)
طبقات 1/ 327.
(8)
العبر 326/2، وفيه: أحمد بن عامر.
(9)
الإسنوي 2/ 306، والبغية 332/1.
السُّبكي 46/3، وجاء بهامش الطَّبقات: بياض بالأصل، وذكر المحقّق أنَّه ترجم له في
(10)
الطبقات الوسطى: أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن زياد، أبو سهل القطّان، بغدادي
مشهور، سمع محمَّد بن عبيد اللَّه المنادي، ولد سنة 259 هـ. وتوفّي سنة 305 هـ،
والإسنوي 298/2.
(11)
طبقات 113.
تاريخ 4 / 365.
(12)

267
الطَبقة الرَّابعة
القطَّان في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، رحمه اللَّه.
163) أحمد بن محمَّد بن حمدون بن بُنْدار، أبو الفضل الشَّرْمَقاني.
وشَزْمقان(13) قرية من ناحية نسا.
قال الحاكم: كان من أعيان مشائخ خراسان في الأدب والفقه، وكثرة
الطَّلب.
سمع الحديث من أبي القاسم البغوي، والحسن بن سفيان، ومسدَّد بن
قطن، وابن جوصا، وغيرهم.
وعنه أبو سعد الماليني، والحاكم النيسابوري .
قرأت على شيخنا أبي عبد الله الحافظ الذَّهبي، قرأت على محمَّد ابن أبي
العزِّ بطرابلس، أخبرنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن رفاعة، أخبرنا
الخلعي، أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو الفضل أحمد بن محمَّد الشَّرمقاني
النَّسائي، حدَّثنا أبو القاسم البغوي، حدَّثنا شجاع بن مخلد، وأبو بكر بن أبي شيبة
وأبو خيثم قالوا: حدَّثنا ابن عليَّة، عن خالد الحذَّاء، حدَّثني الوليد بن مسلم، عن
حمران، عن عثمان، قال: قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: ((من مات وهو
يعلم أن لا إله إلاَّ اللَّه دخل الجنَّة))(14).
164) أحمد (15) بن محمَّد بن سعيد، أبو سعيد ابن أبي بكر ابن أبي عثمان
الحيري النِّيسابوري .
قال ابن الصَّلاح(16): كان حافظًا جمع الحديث الكثير، وصنَّفَ في الأبواب
والشُّيوخ، وصنَّفَ التَّفسير الكبير(17)، وخرَّج على صحيح مسلم.
بلد بهراة وسرخس وفارس (ياقوت معجم البلدان 215/3).
(13)
(14)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: من لقي اللَّه بالإيمان وهو غير شادٍّ فيه دخل
الجنّة .
السُّبكي 43/3، والإسنوي 2/ 483، والعبر 296/2، وتذكرة الحفّاظ 3/ 125 والخطيب:
(15)
تاريخ 23/5.
(16)
طبقات 382/1.
هدية 64/1.
(17)

268
طبقات الشافعية
وسمع الحديث من الحسن بن سفيان، وأبي عمرو الخفَّاف، والهيثم بن
خلف الدُّوري، وأقرانهم، وكانت له أموالٌ كثيرةٌ.
وقال الحاكم: سمعته يقول: أضافنا الإمام أبو بكر بن خزيمة فقال: أيَّ
حلاوةٍ نتَّخذ لكم؟ اشتهوا ما شئتم فسكتوا، فقال لي: يا أبا سعيد، ما تختار من
الحلاوات، الفالوذج أو الخبيص أو العصيدة؟، فقلت: كلَّها، فقال للطبّاخ: امتثل
ما قاله أبو سعيد.
قال الحاكم: توفِي بطَرَسُوس سنة ثلاثٍ وخمسين وثلاثمائة.
165) أحمد(18) بن محمَّد بن شارك، أبو حامد الهَرَوي.
أحد أئمّة الشَّافعيَّة بها، ومفتيها وعالمها ومفسِّرها ومحدِّثها وأديبها.
سمع الحديث من أحمد بن الحسن الصُّوفي، والحسن بن سفيان النَّسوي،
وأبي يعلى الموصلي، وغيرهم.
وعنه أبو إبراهيم النَّصراباذي، وأبو عبيد اللَّه الحاكم. وقال: كان حسن
الحدیث.
توفّي بهراة سنة خمسٍ وخمسين وثلاثمائة.
وقال غيره(19): سنة ثمانٍ وخمسين، فالله أعلم.
166) إسماعيل(20) بن نُجيد بن أحمد بن يوسف بن خالد، أبو عمرو بن
نُجيد السُّلَمِي.
صحب الجنيد وأقرانه. وسمع الحديث من عبد الله بن أحمد بن حنبل
وأقرانه .
وكان له صدقٌ وإنفاقٌ كثيرٌ على أهل العلم والزُّهد، فأكرمه اللَّه وتقبَّل منه.
قال الحاكم أبو عبد اللَّه: سمعته يقول: أنشدوني للشّافعي رحمه اللَّه (21).
السُّبكي 3/ 45، والدَّاودي: طبقات المفسِّرين 75/1.
(18)
(19)
السُّبكي وفيه: أبو النَّضر العامي.
السُّبكي 222/3، والسُّلمي: طبقات 454، والعبر 2/ 336.
(20)
لم ترد في الديوان.
(21)

269
الطَّبقة الرَّابعة
جَديدًا وكان اللَّه يخبأها ليًا
كسَاني ربِّي إِذْ عَرِيتِ عَمَامَةً
فأعْيَت يميني حلَّةً(22) وشَمَاليا
وقيَّدني ربِّي بقيدٍ مُدَاخِلٍ
ذكره ابن الصَّلاح في الطَّبقات، ولم أدر لأيِّ معنًى ذكره سوى إسناد هذين
البيتين، وليس هذا مقنعٌ.
167) دَعْلَج(23) بن أحمد بن دَعلَج، أبو محمَّد السِّجزي.
الفقيه المعدِّل، الرَّئيس، صاحب الأموال الجزيلة التي أنفق أكثرها في العلم
وأهله، وهو أحد أصحاب ابن خزيمة.
سمع بمكّة علي بن عبد العزيز، وبهراة عثمان بن سعيد الدَّارمي، وغيره،
وبالرِّي محمَّد بن أيوب، وعلي بن الحسين ابن الجنيد. وبنيسابور محمَّد بن
إبراهيم البُوشَنجي، ومحمَّد بن عمرو الحرشي، وببغداد الباغَنْدِي وتمام، ومحمَّد
ابن رمح البزَّار، وخلقًا. وسمع بغيرها من البلاد، وروى عنه الدَّارقطني، وخرَّج
له المسند؛
قال: ولم أر في مشائخنا أثبت منه، وأبو إسحاق الإسفراييني، وأبو علي بن
بشران، وأبو علي بن شاذان، والحاكم، وقال: أخذ عن ابن خزيمة المصنَّفات،
وكان يفتي بمذهبه.
وكان شيخ أهل الحديث، له صدقات جارية على أهل الحديث بمكّة
والعراق وسجستان.
قال: واشترى دار العبّاسيِّين(24) بمكّة بثلاثين ألف دينارٍ، قال: ويقال: لم
يكن في الدُّنيا من التجَّار أيسر منه.
وقال الخطيب البغدادي(25): بلغني أنَّه بعث بمسنده إلى ابن عُقدة لينظر فيه،
وجعل في الأجزاء بين كلِّ ورقتين دينارًا.
(22)
ج1/ 430، وفيها: حلَّةً.
(23)
السُبكي 3/ 291، والذّهبي: تذكرة 92/3، والبداية 241/11.
(24)
في - ب - العبّاس.
الخطيب: تاريخ 8/ 388، وفيه: ومحمَّد بن غالب التَّمتام.
(25)

270
طبقات الشافعية
وروى الخطيب عن ابن(26) منصور ومحمَّد بن محمَّد العكبري، حدَّثني
أحمد بن الحسين الواعظ قال: أُودِعَ أبو عبد الله ابن أبى موسى الهاشمي عشرة
آلاف دينار ليتيم(27) فأنفقها، فلمَّا كبر الصَّبيّ أمر السُّلطان بدفع المال إليه، قال
ابن أبي موسى: فضاقت عليَّ الدُّنيا، فبكَّرت على بغلتي إلى الكرخ، فوقفت على
باب مسجد دَعْلج، فصلَّيت خلفه الفجر، فلمَّا انفتل رخَّب بي ودخلنا داره فقدَّم
هريسةً فأكلنا، وقصَّرت فقال: أراك منقبضًا فأخبرته، فقال: حاجتك مقضيَّة، فلمَّا
فرغ وزن لي عشرة آلاف دينار، وقمت أطير فرحًا، ثمَّ أعطيت الصبيَّ المال،
وعظم نبأ النَّاس عليَّ، فاستدعاني أميرٌ من أولاد الخليفة فقال: قد رغبت في
معاملتك وتضمينك أملاكي، فضمنت منه وربحت ربحًا مفرطًا حتَّى كسبت في
ثلاثة أعوام ثلاثين ألف دينار، فحملت إلى دعلج ذهبه، فقال: ما خرجت واللّه
الدَّنانير عن يدي ونويت أن آخذ عوضها، فَحلٌ بها الصبيان، فقال: أيُّها الشَّيخ:
أيُّ شيء أصل هذا المال حتَّى تهب لي منه عشرة آلاف دينار؟ فقال: نشأت
فحفظت القرآن وطلبت الحديث وتاجرت فوافاني تاجرٌ فقال: أنت دعلج؟ فقلت:
نعم فقال: قد رغبت في تسليم مالي إليك مضاربة، وسلّم إليَّ يومًا فجاءت بألفٍ
ألفِ درهم، وقال: أبسط يدك فيه ولا تعلم موضعًا تنفقه إلاَّ حملتَ إليه منه، ولم
يزل يتردّدَ إليَّ سنة بعد سنة يحمل إليَّ مثل هذا والمال ينمو، فلمَّا كان في آخر
سنةٍ اجتمعنا قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر، فإن قضى اللَّه عليَّ بقضاءِ فهذا
المال كلُّه لك على أن تتصدَّق منه وتبني المساجد.
قال دعلج: فأنا أفعل مثل هذا، وقد ثمَّر اللَّه المال في يدي، فاكتم عليَّ ما
عِشت .
وقال الهروي: أنَّه بلغه أنَّ دعلجًا لمَّا مات ترك ثلاثمائة ألف دينار أخذها
معزُّ الدَّولة في يومه.
قال غيره: توفِّي في جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، عن
تسعین سنة، رحمه الله.
(26) في - ب -: عن منصور بن محمَّد بن محمَّد العكبري.
(27)
ليتيم، ساقطة من - ب -.

271
الطَّقة الرَّابعة
وقرأت على شيخنا الحافظ أبي الحجّاج أخبرك أبو الفرج عبد الرَّحمان بن
أحمد بن عبد الملك المقدسي أخبرنا الإمام العلاَّمة أبو محمَّد عبد الله بن أحمد
ابن قدامة أخبرنا الشَّيخان أبو بكر عبد الله بن محمَّد ابن النقور وأبو الحسين عبد
الحقِّ بن عبد الخالق اليوسفي قالا: أخبرنا الحاجب أبو الحسن علي بن محمَّد بن
علي بن العلاَّف أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن محمَّد بن عبد الله بن بشران،
أخبرنا أبو محمَّد دَغْلج بن أحمد بن دَعْلج قال: حدَّثنا ابن خزيمة، حدَّثنا محمَّد
ابن عبد الله بن عبيد بن عقيل حدَّثنا محمَّد بن جهضم، حدَّثنا إسماعيل بن ]عفر،
عن عمارة بن غزية، عن عاصم بن عمر عن ابن قتادة، عن محمود بن لبيد عن
قتادة بن النُّعمان رضي الله عنه أنَّ رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال(28): ((إنَّ
اللَّه إذا أحبَّ عبدًا حباه الدُّنيا، كما يظلُّ أحدكم يحمي سقيه الماء)).
168) عبد اللَّه (29) بن عدي بن عبد الله بن محمَّد بن مبارك، أبو أحمد
الجرجاني، الحافظ الكبير، ويعرف بابن القطّان.
أحد الأئمَّة الأعلام، ونقَّاد الأيَّام(30) وأركان الإسلام، طوَّف البلاد في طلب
العلم، وسمع الكبار.
فسمع من النَّسائي وأبي يعلى الموصلي وأبي خليفة والحسن بن سفيان
وعبدان وزكريَّاء السَّاجي وأمم لا يحصون كثرةً.
وروى عنه خلقٌ منهم: أبو العبَّاس ابن عُقدة وهو من شيوخه وأبو سعيد
الماليني والحسن بن رامين وحمزة بن يوسف السَّهمي.
وكان مصنّفًا حافظا، له كتاب الانتصار على مختصر المزني، وله كتاب
الكامل في معرفة الضُّعفاء والمتروكين، وهو كامل في بابه كما سمّي (31).
(28)
أخرجه الترمذي في كتاب الطّب.
(29)
السُبكي 3/ 305، والإسنوي 206/2، والذَّهبي: العبر 2/ 337، والبداية 283/11 وفيها:
أبو عبد الله بن محمَّد ابن أبي أحمد، والمقفَّى 592/4)) والذّهبي: تذكرة 3/ 143 وابن
الأثير: اللُّباب 219/1، واليافعي: مرآة 2/ 381.
(30)
في - ب - : الأنام.
هديَّة 447/2.
(31)

272
طبقات الشافعية
قال حمزة السَّهمي(32): سألت الدَّارقطني أن يُصَنِّفَ كتابًا في الضُّعفاء فقال:
أليس عندك كتاب ابن عَدي؟ قلت: نعم، قال: فيه كفاية لا یزاد عليه.
قال حمزة: وكان حافظًا متقنًا، لم يكن في زمانه مثله، تفرَّد بأحاديث.
وقال الحافظ ابن عساكر: كان ثقة على لخنٍ فيه، ولد سنة سبعٍ وسبعين
ومائتين، وكتب الحديث ببلده سنة تسعين، وصنَّف الكامل في الضُّعفاء في نحو
ستِين جزءاً.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذّهبي: لا يعرف العربيَّة على عجمةٍ فيه، وأمَّا
في العللِ والرِّجال فحافظ لا يُجارى.
قال حمزة: توفّي في جمادى الآخرة سنة خمسٍ وستِّين وثلاثمائة، وصلَّى
عليه الإسماعيلي، وسيأتي في المرتبة الثّانية في ترجمة إسماعيل بن أحمد ابن أبي
سعيد الإسماعيلي حديث من روايته إن شاء الله تعالى؛ ويقع حديثه في البيهقي
کثیرًا .
169) عبد اللَّه(33) بن علي، أبو محمَّد الطَّبري، ويعرف بالعراقي
وبالمنجنيقي .
ولي قضاء جرجان، وكان أحد أئمّة الشَّافعيَّة، إمامًا فصيحًا بليغًا متكلِّمًا على
طريقة الشَّيخ أبي الحسن الأشعري.
روى الحديث عن عمران بن موسى بن مجاشع، ويحيى بن محمَّد بن صاعد.
وعنه الحاكم أبو عبد الله النّسيابوري، وذكر أنَّه قدم نيسابور سنة سبعٍ
وخمسين وثلاثمائة، ومات ببخارى قريبًا من هذا، والله أعلم.
170) عبد اللَّه(34) بن عمربن أحمد بن محمَّد، أبو القاسم القيسي
البغدادي،
نزيل قرطبة، ويعرف بعُبَيْد الفقيه. وكان أحد أئمّة الشَّافعيّة.
(32)
تاريخ جرجان 266.
(33)
الإسنوي 2/ 395، وابن عساكر: تبيين 181.
السُّبكي 343/3، وفيه: عبيد ... ، والإسنوي 2/ 262 .
(34)

273
الطَّبقة الرّابعة
أخذ عن الإصْطَخْري، والمحاملي.
قال أبو الوليد الفرضي(35): قدم الأندلس وكان قد تفقَّه وناظر عند أبي سعيد
الإصْطَخْري، والقاضي أبي عبد الله المحاملي. وقرأ القرآن على ابن مجاهد،
وابن شنبوذ، وسمع الحديث من أبي جعفر الطّحاوي، وأبي القاسم البغوي، وأبي
بكر ابن أبي داود، وابن صاعد، وغيرهم.
قال: كان عالمًا بالأصول والفروع، إمامًا في القِراءات.
صنَّف في الفقه والقراءات والفرائض، قال: وقد ضعَّفه بعضهم برواية ما لم
يسمع عن بعض الدِّمشقيِين.
قال: وسمعت محمَّد بن يحيى بن مفرَّج ينسبه إلى الكذب، ووقفت على
بعض ذلك.
قال: وكان مولده سنة خمسٍ وتسعين ومائتين [وكان المستنصر صاحب
الأندلس قد أكرمه، وتوفّي بقرطبة في ذي الحجّة سنة ستِّين وثلاثمائة](36).
171) عبد اللَّه(37) بن محمَّد بن عبد الله بن النَّاصح بن شجاع، أبو
أحمد.
المفسّر الفقيه الشَّافعي الدِّمشقي، نزيل مصر.
روى عن أحمد بن علي بن سعيد المروزي، وعبد الرَّحمان بن القاسم
الرؤَّاس، وعلي بن غالب السَكْسَكي، ومحمَّد بن إسحاق بن راهويه، وغيرهم.
وعنه الدَّارقطني، وأثنى عليه الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، وابن
مَنْده، وآخرون.
ولد يوم الثلاثاء الخمس خلون من شهر ربيع الأوَّل سنة ثلاثٍ وسبعين
ومائتين، وذلك قبل نصف النَّهار. وتوفّي يوم الثلاثاء لأربع عشرة](38) بقين من
رجب سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة .
(35)
تاريخ العلماء والرُّواة 1/ 295.
(36)
ما بين المعقوفين ساقط من - ب -.
السُّبكي3/ 413، والعبر 338/2، والدَّاودي: طبقات المفسرين 250/1.
(37)
ما بين المعقوفين ساقط من - ب -.
(38)

274
طبقات الشافعية
قرأت على شيخنا الحافظ أبي الحجّاج المزي أخبرك الشَّيخان الجليلان فخر
الدِّين أبو الرَّبيع سليمان بن يوسف ابن أبي يوسف الهكّاري بالقاهرة، وأبو المعالي
أحمد بن محمَّد بن علي بن محمود ابن الصَّابوني بدمشق، قالا: أخبرنا أبو
الرَّضى أحمد بن عبد القوي ابن أبي الحسن ابن القيسراني، قال ابن الصَّابوني:
وأخبرنا أيضًا أبو القاسم عبد الرَّحمان بن يوسف بن الطَّفيل، وأمُّ الخير كريمة بنت
عبد الحقّ بن هبة اللَّه القضاعي قالوا: أخبرنا أبو الطَّاهر إسماعيل بن القاسم بن
عبد الله بن الزَّيات، قال ابن الطّفيل: وأخبرنا أيضًا أبو الحسن علي بن هبة الله
ابن عبد الصَّمد الكاملي قالا: أخبرنا أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم
المديني، أخبرنا أبو القاسم بن علي بن محمَّد بن علي الفارسي، أخبرنا أبو أحمد
عبد الله بن محمَّد ابن النَّاصح بن شجاع بن المفسِّر، قال: حدَّثنا أبو بكر أحمد
ابن علي بن سعيد بن إبراهيم القاضي بدمشق، حدَّثنا حبيش بن مبشِّر، حدَّثنا
يونس بن محمَّد، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن أيُّوب، عن عكرمة، عن عائشة أنَّ
رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أعتق صفيَّة، وجعل عتقها صداقها.
وبالإسناد إلى عبد اللَّه بن محمَّد ابن المفسِّر قال: حدَّثنا أبو عبد الله
الحسين بن سليمان النَّحوي(39)، حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا روح، حدَّثنا زكريَّاء
ابن إسحاق، حدَّثنا عمرو بن دينار، أنَّ أوَّل من أرَّخ الكتب يعلى بن أميَّة وهو
باليمن، وأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قدم المدينة في شهر ربيع الأوَّل، وأنَّ
النَّاس أرَّخوا لأوَّل السَّنة بقدوم النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إيّاها يعني المدينة؛
قلت: المشهور إنَّ أوَّل من أرَّخ بالهجرة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وكان
ذلك عام ستّ عشرة من الهجرة، والله أعلم.
172) علي (40) بن أحمد بن المَرْزُبَان، أبو الحسن البغدادي.
صاحب أبي الحسين بن القطّان، أحد المشتهرين بالإمامة في المذهب،
وأصحاب الوجوه.
(39)
في - ب - : الميموني.
الشُبكي 346/3، والبداية 289/11.
(40)

275
الطّبقة الرَّابعة
قال الخطيب البغدادي(41): كان أحد الشُّيوخ الأفاضل قال: ودرس عليه
الشَّيخ أبو حامد الإسفراييني أوَّل قدومِه بغداد.
وقال الشَّيخ أبو إسحاق (42): كان فقيهًا وَرعًا، قال: وحكي عنه أنَّه قال: ما
أعلم أنَّ لأحدٍ عليَّ مظلمة، وكان فقيهًا يعلم أنَّ الغيبة من المظالم.
توفّي في رجب سنة ستّ وستين وثلاثمائة.
قال النَّووي (43): المَرْزُبَان بضمِّ الزَّاي، فارسيٍّ معرَّبٌ زعيم فلاحي العجم،
وجمعه مرازبة، قاله الجوهري.
173) عمر (44) بن أحمد بن محمَّد بن الحسن، أبو أحمد الإِسْترَابَاذِي،
الفقيه .
درس الفقه بمصر على منصور بن إسماعيل الفقيه، وروى الحديث عن أبيه،
وأبي خليفة، وعَبْدان، وعبد الله بن سَلم المقدسي، وابن قتيبة العسقلاني، وعبد
اللَّه بن ناجية، وعمران بن موسى بن مُجاشع، ونعيم بن هِشام(45)، وغيرهم.
وعنه أبو سعد الإدريسي.
وتوفّي سنة اثنتين(46) وستِين وثلاثمائة.
قلت: منصور(47) بن إسماعيل هذا من أئمَّة الشَّافعيَّة، له كتاب في الفقه
سمَّاه الواجب، هو عند شيخنا الحافظ أبي الحجّاج المزِّي، وله شعرٌ جيّدٌ فيه
حكمٌ وأدبٌ.
(41)
تاريخ 325/11 .
(42)
طبقات 117.
(43)
تهذيب 214/2.
(44)
السُّبكي: 468/3، وفيها: عمرو، والإسنوي 80/1 وفيها: عمرو.
(45)
السُّبكي: وفيها: هميم بن همَّام، .
في - ب - سنة 366 هـ.
(46)
سبقت ترجمته في المرتبة الأولى من الطّبقة الثّانية، فانظره.
(47)

276
طبقات الشافعية
174) محمَّد(48) بن أحمد ابن الأزهر بن طلحة، أبو منصور الهروي.
الأزهري النَّحوي، اللُّغوي.
أحد أئمَّة الشَّافعيّة .
سمع ببلده من الحسن بن إدريس، ومحمَّد بن عبد الرَّحمان الشَّامي،
وطائفة. وببغداد من أبي القاسم البغوي، وأبي بكر ابن أبي داود، وإبراهيم بن
عرفة نفطویه، وغيرهم.
ودخل على ابن دريد فوجده سكرانًا فتركه ولم يأخذ منه تَديُّنًا. وأخذ عن
الأزهري أبو عبيد الهروي صاحب الغريبين.
وحدَّث عنه أبو يعقوب القرَّاب، وأبو ذرِّ الهروي، وغيرهما، وله
مصنَّفات(49) كثيرة منها: تهذيب اللُّغة في عشر مُجلَّداتٍ، والتَّقريب في التَّفسير،
وتفسير الأسماء الحسنى، وكتاب في تفسير ألفاظ مختصر المزني، والانتصار
للشَّافعي، وكتاب في الرُّوح، وكتاب في إصْلاح المنطق؛ وقد أُسِرَ مرَّةً فأخذته
القرامطة، فكان مع قوم من العرب، فصحبهم سنةً، استفاد منهم أشياء حسنة.
وكان مولده سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وتوفي في ربيع الآخر سنة سبعين
وثلاثمائة .
قال الحاكم أبو عبد اللّه الذَّهبي: أخبرنا أبو علي ابن الخلاَّل أخبرنا عبد اللَّه
ابن عمر، أخبرنا عبد الأوَّل بن عيسى أخبرنا أبو إسماعيل عبد اللَّه بن محمَّد،
أخبرنا علي بن أحمد بن خمرَوَيْه، حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن الأزهر إملاءً، حدَّثنا
عبد الله بن عروة، حدَّثنا محمَّد بن الوليد، عن غُندُر، عن شعبة، عن الحكم،
عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان وعليًّا ، فنهى
عثمان عن المتْعَةِ وأن يجمع بينهما، فلمَّا رأى ذلك عليٍّ أهلَّ بها، فقال: لبيك
بحجَّةٍ وعُمْرةٍ، فقال عثمان: تراني أنهى النَّاس وأنت تقوله، فقال: لم أكن لأدَعَ
سنَّة رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لقولِ أحدٍ من النَّاسِ.
وأخبرني به عاليًا شيخنا المسند المعمِّر أبو العبّاس أحمد بن الشّحنة
الحجَّار، أخبرنا أبو المنجَّى عبد الله بن عمر هو ابن اللّي إجازة إن لم يكن
سماعًا فذكره.
الشُبكي: 3/ 63 والإسنوي 49/1 وياقوت: معجم الأدباء 17/ 164.
(48)

277
الطَّبقة الرَّابعة
175) محمَّد(50) بن أحمد بن علي بن شاهُوَيه، أبو بكر الفارسي.
إمام الشَّافعيَّة في زمانه، تولَّى قضاء بلاد فارس.
روى الحديث عن زكريّاء السَّاجي، وأبي خليفة.
وحدَّث عنه الحاكم، وأقام مدَّةً ببخارى، ثمَّ بنيسابور إلى أن مات في سنة
إحدى أو اثنتين وستِّين وثلاثمائة .
وله وجوهُ غريبةٌ في المذهب واختيارات.
176) محمّد بن أحمد بن علي بن مخلد، أبو عبد اللَّه البغدادي الجوهري
المحتسب العروف بابن مخرم.
أحد تلامذة أبي جعفر محمَّد بن جرير الطَّبري، وقد تقدَّمَ ذكر الشَّيخ أبي
إسحاق له في طبقات الشَّافعيَّة(51).
روى عن إبراهيم بن الهيثم البلدي، والحارث ابن أبي أسامة، ومحمَّد بن
يوسف بن الطبَّاعِ، ومحمَّد بن يونس الكريمي، وغيرهم، وكان أسند من بقيَ.
وروى عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، وأبو الحسن ابن رزقويه، وأبو علي
ابن شاذان، وغيرهم.
وقال البرقاني: لا بأس به. وقال عبد الله بن عمر بن النقَّال: تزوَّج شيخنا
ابن المخرم، قال: فجلست على العادة أكتب، فجاءت أمُّ الزَّوجة في بعض الأيَّام
فرمت بالمحبرة فكسَّرتها، وقالت: لبئس هذه شرٌّ على بنيَّتي من ثلاثمائة ضرَّة.
توفّي في ربيع الآخر من سنة سبع وخمسين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين
سنة .
(49)
هديَّة 49/2.
(50)
السُبكي 78/3، هامش: وفيه: ترجمه في الطَّبقات الوسطى، وتوفّي سنة 361 هـ ،
والإسنوي 266/2، والشِّيرازي: طبقات 132 و144.
طبقات 93.
(51)

278
طبقات الشافعية
177) محمَّد (52) بن حِبَّان بن أحمد بن حبَّان بن معاذ بن مَعْبَدٍ سعيد بن
شهيد بن هدية بن مرَّة بن سعد بن يزيد بن مرَّة بن عبد الله بن دارم بن حنظلة بن
مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو حاتم الثَّميمي البُسْتِي.
الحافظ العلاَّمة، صاحب الأنواع والثّقاسيم وغير ذلك من التَّصانيف في
التَّاريخ والجرح والتَّعديل (53) .
روى الحديث عن أبي عبد الرَّحمان النَّسائي، وأبي يعلى الموصلي،
والحسن بن سفيان، وابن قتيبة العسقلاني، وأحمد بن الحسن الصُّوفي، وابن
خزيمة، والسرَّاج، وخلقٌ يزيدون على ألْفَي شيخ، كما صرَّح به في كتابه الأنواع،
بالشَّام والعراق ومصر والجزيرة وخراسان والحجاز وغيرها.
وروى عنه الحاكم، ومنصور بن عبد اللّه الخالدي، وأبو معاذ عبد الرَّحمان
ابن محمَّد بن رِزق اللَّه السَخْتَيَاني، وأبو الحسن محمَّد بن أحمد بن هارون
الزَّوزني، ومحمَّد بن أحمد بن منصور التَّوْقَاني.
قال أبو سعد الإدريسي: كان على قضاء سمرقند زمانًا، وكان من فقهاء
الدِّين، وحفّاظ الآثار، عالمًا بالطبِّ والنُّجوم وفنون العلم، وألَّف المسند
الصَّحيح، والتّاريخ، والضُّعفاء، وثَّقَه النَّاس بسمرقند.
وقال الحاكم: كان من أوعية العلم في اللُّغة والحديث والوعظ، ومن عُقلاء
الرِّجال، خرج إلى قضاء نَسَا، ثمَّ انصرف إلينا سنة سبع وثلاثين يعني وثلاثمائة،
فأقام بنيسابور، وبنى الخانقاه، وقرئ عليه جملة من مصنّفاته، ثمَّ خرج إلى وطنه
سنة أربعين، وكانت الرّحلة إليه لسماع مصنّفاته.
وقال الخطيب: كان ثقة نبيلاً فهمًا.
وذكره الشَّيخ أبو عمرو ابن الصَّلاح في طبقات الشَّافعيَّة(54) وقال: غلط
الغلطَ الفاحشَ في تصرُّفه.
السُّبكي 131/3، والإسنوي 418/1، والبداية 11/ 259: وفيها: محمَّد بن أحمد بن
(52)
حبَّان، والذّهبي: تذكرة 3/ 920، والمقفَّى 519/5.
(53)
هديّة 44/2، والأنساب 2/ 209.
ج115/1.
(54)

279
الطَّبقة الرَّابعة
وذكر الحافظ، أبو عبد اللَّه الذّهبي في تاريخه عن بعضهم كلامًا فيه من جهة
العقائد، والله أعلم.
قال الحاكم: سمعت أحمد بن محمَّد الطَّبسي يقول: توفّي أبو حاتم ليلة
الجمعة لثمان بقين من شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
178) محمَّد (55) بن الحسن بن سليمان، أبو جعفر الزُّورَني، المعروف
بالبحَّاث، الحاكم.
كان أديبًا شاعرًا فصيحًا فقيهًا نبيلاً، أحد أعيان الشَّافعيّة في زمانه؛
له من التَّصانيف في فنون العلم ما يزيد على المائةِ تصنيف.
تقلَّد القضاء في أماكن كثيرة، وقدم على الصَّاحب ابن عبَّاد، فلمَّا سمع
كلامه أعجبه، وعرض عليه الصَّاحب القضاء شرط أن ينتحل مذهب الاعتزال،
فأبى عليه، وقال: لا أبيع الدِّين بالدُّنيا، فتمثَّل له الصَّاحب بقولِ القائل (56) .
فلا تجعلني للقُضاةِ فريسَةً
فإنَّ قضاةَ العالمين لصوصُ
وأيديهمُ دون الشُّصُوص شُصُوصُ
مجالسُهم فينَا مجالسُ شرْطَةٍ
فأجابه البحَّاث بديهةً:
وللَّهِ في حُكمِ العُمومِ خُصُوصُ
سِوَى عُصْبَةٍ منهم تُخَصُ بعقَّةِ
يزينُ خَوَاتِيمَ المُلوُكِ قُصُوصُ
خُصُوصُهُم زَانَ البِلاَدَ، وإنَّما
أنبأني الشَّيخ الصَّالح ابن العفيف، أنبأنا الشَّيخ أبو عمرو ابن الصَّلاح قال:
أُنبئت عن أبي سعد السَّمعاني، أخبرنا أبو حفص عمرو بن محمَّد الشَّاشي، أنبأنا
أبو الفضل محمَّد بن أحمد التَّميمي، أنبأنا الفقيه أبو نصر الحفصوي، أخبرنا
(55) السُّبكي 3/ 143، والإسنوي 1/ 219 والثّعالبي: يتيمة الدَّهر 443/4: وفيها: محمَّد بن
الحسين .
(56)
هو علي بن هارون بن علي بن يحيى ابن المنجّم، الشَّاعر، له مع الصَّاحب ابن عبَّاد
مجالس، من ظرفاء الأدباء، وندماء الخلفاء والوزراء، له تآليف وأشعار، والأبيات في
اليتيمة .

280
طبقات الشافعية
الحاكم أبو جعفر محمَّد بن الحسين البحَّاث رحمه الله قال: [سمعت أبا بكر
أحمد بن الحسن](57) قال: سمعت أبا عبد الله الأنصاري، سمعت عمر بن شبَّة
يقول: سمعت الأصمعي يقول: لمَّا خرج الرَّشيد حاجًّا رأى يوم خروجه من
الكوفة بهلولاً المجنون على الطّريق يهذي، فقال له الرَّبيع: أمسك فقد أقبل أمير
المؤمنين، فأمسك حتَّى حاذى الهودَج، فقام على قدميه، فقال: يا أمير المؤمنين،
سمعت أيمن بن نابل يقول: سمعت قدامة بن عبد الله رضي الله عنه يقول: رأيت
النبيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على ناقته العضباء ليس هناك طردٌ ولاردٌّ، ولا إليك
إليك، وكان خيرًا منك، وإنَّ تواضعك في شرفك أحسن من تكبُّرك، فقال: عِظْنا
يا بهلول، فقال: من أتاه الله مالاً وجمالاً وسُلطانًا، فواسى من ماله، وعفَّ في
جماله، وعدل في سلطانه، كان في ديوان اللَّه من المقرَّبين، قال: قد أمرنا لك
بجائزةٍ، قال: لا حاجة لنا في الجائزة، قال: إن كان عليك دین قضيناه عنك،
قال: إنَّ الدَّين لا يقضى بالدَّين، فاقض دَيْنَ نفسك، قال: فَنُجْرِي عليك مجرى،
قال: سبحان اللَّه، أنا وأنت عبدان للَّه عزَّ وجلَّ، أتراه يذكرك وينساني؟، ثمَّ مرَّ
وهو يَتَرَنَّمُ، فبعث خلفه حاجبه يسمع ما يترئَّم به، فإذا هو يقول:
وفي العَيْشِ فَلاَ تَطْمَعْ
دَعِ الحِرْصَ على الدُّنْيَا
لِ فلا تَذْرِي لِمَنْ تَجْمَعْ
ولا تجمَع مِنَ المَا
كَ أَمْ فِي غَيْرِهَا تُصْرَغْ
ولا تَذِي أَفِي أَرْضِـ
وسُوءُ الظِنِّ لَا يَنْفَغْ
وأَمْرُ الرِّزْقِ مَقْسُومٌ
غَنيُّ كُلُّ من يَقْنَغْ
فَقِيرٌ مَنْ لَهُ حِرْصٌ
وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور: محمَّد بن علي بن عبد الله الزَّوزَني، أبو
جعفر الأديب، المعروف بالبخَّاث، ولي الحكم في بلادٍ كثيرةٍ، وكان أوَّلاً يؤدِّب
أولاد أبي إسحاق المزكِّي، قال: وكان من الفصحاء الشُّعراء، تفقَّه على مذهب
الشَّافعي، وسمع الحديث بخراسان بعد الأربعين، وتوفّي ببخارى سنة سبعين
وثلاثمائة، هكذا ترجمه. وروى عنه الحاكم.
(57) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -.