النص المفهرس

صفحات 181-200

181
الطّبقة الثّانية
وعنه أبو الحسن بن جوصًا، وإبراهيم بن عبد الرَّحمان بن مروان، والد سفيان،
وجماعة. قال الحافظ أبو نعيم: يعرف بورَّاق الرَّبيع بن سليمان. وتوفِّي بمصر قيل:
سنة تسعين ومائتين. وقال غيره: توفّ في رجب سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
72) محمَّد بن علي بن علويه (59)، أبو عبد الله الجُرجاني.
أحد أئمَّة الشَّافعيَّة في زمانه. تفقَّه على المزني، وحدَّث عن هشام بن عمَّار
خطيب دمشق، وأبي كريب، وجماعة.
وعنه أبو زكريَّاء يحيى العنبري، وأبو عبد الله بن الأخرم، وجماعة. توّي
سنة ثلاثمائة .
73) محمَّد(60) بن نصر، الإمام أبو عبد الله المروزي. أحد الأئمَّة
الأعلام.
ولد ببغداد(61) ونشأ بنيسابور وسكن بسمرقند وغيرها، وكان أبوه مروزيًّا،
وهو زوج جنَّةٍ أخت القاضي يحيى بن أكثم.
تفقَّه على أصحاب الشَّافعي بمصر، وعلى إسحاق بن راهويه، ورحل في
طلب الحديث والعلم إلى الآفاق، فسمع من إسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى
النِّيسابوري، وعمرو بن زرارة، وصدقة بن الفضل، وعلي بن حُجر، والقواريري،
ومحمَّد بن عبد الله بن نُمير، وهشام بن عمَّار، ويونس بن عبد الأعلى، والرَّبيع
ابن سليمان، وخلقٌ.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وأبو العبّاس السرَّاج، ومحمَّد بن المنذر شكَّر،
وأبو حامد بن الشَّرقي، وأبو عبد اللَّه بن الأخرم، وأبو النَّضر محمَّد بن محمَّد
الفقيه، وخلقٌ.
المقريزي: المقفّى 1/ 233، وزاد في لقبه الرزَّاز، وأرَّخ وفاته سنة 300 هـ.
(59)
(60)
السُّبكي 246/2، والإسنوي 372/2، والذّهبي: العبر 99/2، وفيه: توفّ في المحرَّم
بسمرقند، المقفّى 7/ 340، وفيه: محمَّد بن نصر بن الحجّاج.
(61)
الإسنوي: وفيه ولد سنة 202 هـ.

182
طبقات الشافعية
قال الحاكم: هو إمام الحديث في عصره بلا مدافعة. وقال الخطيب(62) :
كان من أعلم النَّاس باختلاف الصَّحابة ومن بعدهم.
وقال أبو بكر الصَّيرفي: لو لم يصنّف المروزي إلاَّ كتاب القسامة لكان من
أفقه النَّاس، فكيف وقد صنّف كتبًا سواه.
وقال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمَّد بن نصر بمصر إمامًا
فكيف بخراسان؟ .
وقال القاضي محمَّد بن محمَّد: كان الصَّدر الأوَّل من مشائخنا يقولون:
رجال خراسان أربعة: ابن المبارك وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، ومحمَّد
ابن نصر.
وقال السَّلماني: محمَّد بن نصر المروزي إمام الأئمّة، الموفَّق من السَّماء،
له(63): كتاب تعظيم قدر الصَّلاة، وكتاب رفع اليدين وغيرهما من الكتب
المعجزة. قلت: فلهذا ذكروا أنَّه أحسن زمانه صلاةً، رحمه الله.
وكان له مال يقارض عليه، وينفق من غلَّته عليه.
وكان إسماعيل بن محمَّد والي خراسان وأخوه يَصِلُه كلُّ واحدٍ منهما بأربعة
آلاف في السَّنة، ويَصِلُه أهل سمرقند بأربعة آلاف، فكان ينفقها من السَّنة إلى
السَّنة، فقيل له: لو اذَّخرت لثانيةٍ؟، فقال: سبحان اللَّه، إنَّما بقيت بمصر كذا
وكذا سنة قوتي وثيابي وكاغذي وحبري وجميع ما أنفقه على نفسي في السَّنة
عشرين درهمًا، أفيسرني إن ذهب ذا لا يبقى ذاك؟.
وقد ذكر له كرامات، فمن ذلك ما قال أبو الفضل محمَّد بن عبد اللَّه
البَلعَمي: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند فجلست يومًا
للمظالم، وجلس أخي إلى جنبي، إذ دخل أبو عبد الله محمَّد بن نصر فقمت له
إجلالاً لعلمه، فلمَّا خرج عاتبني أخي وقال: أنت والي خراسان تقوم لرجلٍ من
الرعيَّة، هذا ذهاب السِّياسة، فبتُّ تلك اللَّيلة وأنا منقسم القلب، فرأيت النبيَّ صلَّى
اللَّه عليه وسلَّم في المنام كأنّي واقف مع أخي إسحاق إذ أقبل النبيُّ صلَّى اللَّه
الخطيب : تاريخ 3/ 315.
(62)
البغدادي: هديَّة 21/2.
(63)

183
الطَّقة الثَّانية
عليه وسلَّم فأخذ بعضدي فقال لي: ثبت مُلْكَكَ ومُلْكَ بنيك بإجلالكَ محمَّد بن
نصر، ثمَّ التفت إلى إسحاق فقال: ذهب مُلك إسحاق وملك بنيه باستخفافه
بمحمّد بن نصر.
وقال أبو عبد الله بن منده في مسألة الإيمان: صرَّح محمَّد بن نصر في
كتاب الإيمان بأنَّ الإيمان مخلوق، وأنَّ الإقرار والشَّهادة وقراءة القرآن بلفظه
مخلوقة، وهجره على ذلك علماء وقته، وخالفه أئمّة خراسان والعراق.
قلت: وهذا الذي صرَّح به محمَّد بن نصر في أنَّ لفظ العبد بالقرآن
مخلوق، صرَّح به البخاري وغيره من الأئمّة محتجّين بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم:
((زيّنوا القرآن بأصواتكم، فالكلام كلام الباري، والصَّوت صوت القاري(64))، وإنَّما
كان الإمام أحمد رحمه اللَّه تشدَّد في هذا لحسم مادَّة القول بخلق القرآن، وتبعه
على ذلك جماعة من أئمَّة الحديث، والله أعلم.
وقال أبو محمَّد بن حزم في بعض تآليفه: أعلم النَّاس من كان أجمعهم
للسُّنن وأضبطهم لها وأذكرهم بمعانيها وأدْرَاهُم بصحّتها وبما أجمع النَّاس عليه ممَّا
اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصِّفة بعد الصَّحابة أتمَّ منها في محمَّد بن نصر
المروزي، فلو قال قائل: ليس لرسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حديث ولا
لأصحابه إلاَّ وهو عند محمَّد بن نصر لمَا بَعُدَ عن الصِّدق.
قال الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازي في طبقات الشَّافعيَّة(65): ومنهم: أبو عبد
اللَّه محمَّد بن نصر المروزي، ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور واستوطن سمرقند، وولد
في سنة اثنتين(66) ومائتين، ومات سنة أربع وتسعين ومائتين.
روي عنه أنَّه قال: كتبتُ الحديث بضْعًا وعشرين سنة، وسمعت قولاً
ومسائل، ولم يكن لي حُسْنُ رأي في الشَّافعي، ثمَّ ذكر منامًا رأى فيه النبيَّ صلَّى
الله عليه وسلَّم يحضُّه على مذهب الشّافعي رحمه اللّه قال: فخرجت في إثر هذه
الرُّؤيا إلى مصر، فكتبت كتب الشَّافعي.
رواه البخاري في كتاب التَّوحيد، وأبو داود في كتاب الوتر، والنّسائي في كتاب الافتتاح
(64)
- وابن ماجة في كتاب الإقامة، والدَّارمي في كتاب فضائل القرآن.
(65)
الطبقات 106 .
في - ب - ثلاثین ومائتين.
(66)

184
طبقات الشافعية
قال: وكتب محمَّد هذا كتبًا ضمَّنها الآثار والاختلاف، وكان من أعلم النَّاس
باختلاف الصَّحابة ومن بعدهم في الأحكام، ومن اختياراته أنَّه يكفي في الوصيَّة أن
يشهد على نفسه أنَّ هذا خطّه، وأنَّ ما في الكتاب فقد أوصى به. هكذا نقله إمام
الحرمين والمتولّي. وحكى أبو الحسن العبَّادي أنَّه يكفي الكتاب بلا شهادة.
74) محمَّد (87) بن علي البَجَلي، أبو عبد الله القيرواني.
من أكابر الشَّافعيّة ببلاد المغرب.
تفقَّه على الرَّبيع بن سليمان، وروى عنه. قال الشَّيخ أبو عمر بن عبد البرّ:
ذكر أبو عبد الله محمَّد بن علي البَجلي الشَّافعي القيرواني وكان فاضلاً قال:
حدَّثني الرَّبيع بن سليمان قال: سمعت ابن هشام صاحب المغازي يقول: كان
الشَّافعي حجَّة في اللُّغة.
قال البجلي(68). وقال لي الرَّبيع: كان الشَّافعي إذا خلا في بيته كالسَّيل يهدر
بأيّام العربِ.
75) موسى (68) بن إسحاق بن موسى، القاضي أبو بكر الأنصاري الخَطمي
الشَّافعي.
قاضي نيسابور، وولي قضاء الأهواز.
قال أحمد بن كامل القاضي كان فصيحًا كثير السَّماع محمودًا، يظهر انتحالَ
مذهب الشَّافعي. وسمعت ابنه أحمد بن موسى يقول: قال أبي سمعت من أبي
كريب ثلاثمائة ألف حديث. قلت: وروى الحديث عن أبيه، وأحمد بن يونس،
وعلي بن الجعد، وعلي بن المديني، ويحيى بن بشر الحريري، وغيرهم، وهو
لم يورد السُّبكِي ترجمته في الطَّبقات الكبرى، حيث هي بياض في كلِّ الأصول،
(67)
وأوردها في الطّبقات الوسطى. والإسنوي 308/2 ولم يؤرِّخ وفاته والخشني تاريخ علماء
إفريقيَّة 278.
في الأصل: قال الكلبي، وكذلك في - ب - والإصلاح في الطَّبقات الوسطى.
(68)
الشُبكي 2/ 345، والإسنوي 1/ 474، وابن الجزري: طبقات القرَّاء 317/2، والخطيب:
(69)
تاريخ 52/13.

185
الطَّبقة الثّانية
آخرُ من حدَّث في الدُّنيا عن قالون، وأخذ عنه القراءة، فكان يقرئ النَّاس وهو ابن
ثمان عشرة سنة. وروى عنه حبيب القراءات، وعبد الباقي بن نافع، وأبو محمَّد
ابن ماسي، وغيرهم. وقال ابن أبي حاتم(76): كتبت عنه، وهو ثقةٌ
صدوقٌ. وذكروا أنَّه كان يُضربُ به المثل في ورعه وصيانته في الحكم، وقد أوصى
به وبإسماعيل القاضي أمير المؤمنين المعتضد لوزيره وقال: بهما يدفع عن أهل
الأرض. وذكروا أنَّه كان لا يتبسَّم، فقالت له امرأته: لا يحلُّ لك أن تحكم بين
النَّاس، لأنَّ رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال: ((لا يقضي القاضي وهو
غضبان))(71)، فتبسَّم. وقال الحاكم في تاريخه: سمعت محمَّد بن أحمد بن موسى
القاضي يقول: حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي الأنصاري بالريِّ سنة
ستٌّ وثمانين ومائتين وتقدَّمت امرأة فادَّعى وليُّها على زوجها خمسمائة دينار مهرًا
فأنكر فطلب من يشهد، فقالوا لها: قومي لينظروا إليها، فقال الزَّوج: يفعلون
ماذا؟ قال الوكيل: ينظرون إليها مسفرة ليتَّضحَ عنده معرفتها، فقال الزَّوج: لَهَا ما
ادَّعت ولا تسفر عن وجهها، قال: فردَّت وأخبرت بقوله، فقالت: وأنا أشهد
القاضي أنّي قد وهبت له المهر وأبرأته، فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم
الأخلاق. توفّي رحمه الله وقد قارب التِّسعين سنة ستُّ وتسعين ومائتين بالأهواز.
76) يعقوب بن يوسف بن يعقوب بن عبد الله، أبو يوسف الأخرم
الشيباني النِّيسابوري.
والد الإمام الحافظ، أحد أكابر الشَّافعيَّة أبي عبد الله ابن الأخرم. سمع
قتيبة، وإسحاق بن راهويه، وسويد بن سعيد، وهشام بن عمَّار، وغيره.
وعنه ابنه، وأبو حامد ابن الشرقي، وعلي بن حسَّان(72)، ومحمَّد بن صالح
ابن هاني، وأبو النَّضر محمَّد بن محمَّد الفقيه، وآخرون. كان رئيسًا نبيلاً فقيها،
كثير العلم. توقّي في شعبان سنة سبعٍ وثمانين ومائتين، رحمه اللَّه.
(70)
الجرح 8/ 135 .
رواه البخاري وابن ماجة والتّرمذي في كتاب الأحكام، ومسلم وأبو داود في كتاب
الأقضية، والنَّسائي في كتاب القضاة.
(71)
(72) في - ب - حمشاد ..

.

الطَّبقة الثّالثة
المرتبة الأولى من أصحاب الشَّافعي
من أوَّل سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة إلى آخر سنة خمس وعشرين
77) إبراهيم(1) بن هاني بن خالد المهلَّبي، أبو عمران الجرجاني. إمام
الشَّافعيَّة بها .
سمع الحديث بسمرقند من أبي محمَّد الدَّارمي، وببغداد من أحمد بن
منصور الزيادي.
وتفقّه به جماعة من أهل سمرقند، منهم: أبو بكر الإسماعيلي وسمع منه
الحديث، وإبراهيم بن موسى التَّميمي(2)، وعبد الله بن عدي، وغيرهم.
مات سنة إحدى وثلاثمائة.
قال النَّووي رحمه الله في كتابه تهذيب الأسماء واللُّغات(3).
78) أحمد(4) بن محمَّد ابن أبي الحسن الصَّابوني.
من أصحابنا أصحاب الوجوه، مذكور في الرَّوضة في أوائل الباب السَّادس
من كتاب النكاح.
قال النَّووي في تهذيب الأسماء(5): ومن غرائب ما حكيته عنه في الرَّوضة:
هذه التَّرجمة ساقطة من الأصل، ومثبَّتة في - ب - السَّهمي: تاريج جرجان 133.
(1)
(2)
السَّهمي، وفيه: السُّلمي.
(3)
لم ترد فيه هذه التَّرجمة.
(4)
الإسنوي 2/ 123، ولم يؤرّخ وفاته .
النَّووي: 1/ 113.
(5)

188
طبقات الشافعية
أنَّ أمَّ الزَّوجة لا تحرم إلاَّ بالدُّخول بالزَّوجة كعكسه، وهذا شاذٌّ مردودٌ. والصَّواب
المشهور تحريمها بنفس العقد، هكذا لفظه بحروفه. ولم يؤرِّخ وفاته ولا ذكر
طبقته، ولا عمَّن أخذ، ولم أعرفه بغير ما ذكره، والله أعلم.
79) أحمد(8) بن عمر بن سُرَيْج القاضي، أبو العبّاس ابن سريج البغدادي.
حامل لواء الشَّافعيَّة في زمانه، وناشر مذهب الشَّافعي، وكان يقال له الباز
الأشهب.
تفقَّه بأبي القاسم الأنماطي. وأخذ عنه الفقه خلق من الأئمّة، وصنّف في
المذهب ولخَّصه. ويقال: إنَّ فهرسة كتبه تشتمل على أربعمائة مصنَّف(7). وردًّ
على من خالف السُّنن، وكان على مذهب السَّلف، وتولَى القضاء بشيراز.
وروى الحديث عن الحسن بن الصبَّاحِ الزَّعفراني، وعبَّاس الدَّوري، وعلي
ابن أشكاب، وأبي داود السِّجستاني.
وروى عنه أبو القاسم الطَّبراني، وأبو أحمد الغطريفي، وأبو الوليد حسَّان بن
محمَّد الفقيه.
قال الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازي(8): كان يُفضَّل على جميع أصحاب الشَّافعي
حتَّى على المزني.
وكان الشَّيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العبّاس ابن
سريج في ظواهر الفقه دون دقائقه.
وقال أبو الوليد الفقيه: سمعت ابن سريج يقول: قلَّ من رأيت من المتفقّهة
من اشتغل بالكلام فأفلح بفوته الفقه ولا يصلُ إلى معرفة الكلام.
وقال الشَّيخ علي بن خيران: سمعت أبا العبّاس ابن سريج يقول: رأيت كأنّا
مُطِرْنَا كبريتًا أحمرَ فملأت أكمامي وحجري فعبِّر لي أن أرزق علمًا غزيرًا لعزَّة
الكبريت الأحمر.
(6)
السبكي 3/ 21، والإسنوي 0/2 2 والخطيب: تاريخ 287/4، وابن كثير: البداية 8/
. 129
(7)
البغدادي: هديَّة 1/ 57.
(8)
طبقات 108 .

189
الطَّبقة الثَّالثة
وقال الحاكم: سمعت حسَّان بن محمَّد الفقيه يقول: كنّا في مجلس ابن
سريج سنة ثلاث كذا وثلاثمائة، فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال: أبشر أيُّها
القاضي فإنَّ اللَّه يبعثُ على رأس كلِّ مائة سنة من يجدِّد يعني للأمَّة أمر دينها،
واللَّه تعالى بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائتين أبا عبد
اللَّه الشَّافعي، وبعثك على رأس الثّلاثمائة، ثمَّ أنشأ يقول:
عُمر الخليفة ثمَّ خلف السُّؤددِ
إِثنَان قَد مَضَيَا فَبُورِك فيهما
إرْثُ النبوّةِ وابن عمّ محمدَ
الشّافِعي الألمعيُّ محمدً
من بعدهِم سقيًا لتُربة أحمدٍ
أبشر أبا العبَّاس إنَّك ثَالثٌ
قال: فصاح أبو العبَّاس ابن سريج وبَكَى وقال: لقد نعى إليَّ نفسي، قال
حسَّان: فمات القاضي أبو العبَّاس تلك السَّنة، كذا في هذه الرّواية سنة ثلاث
وثلاثمائة، والمشهور أنَّه مات في جمادى الأولى سنة ستِّ وثلاثمائة(9)، عن سبعٍ
وخمسين سنة وستّة أشهر، رحمه الله.
ومن أفراده مسألة الدُّوري في الطَّلاق، وتعرف بالسَّريجيَّة، لأنَّه لا يعرف
أحد من الأصحاب تكلّم فيها قبله وخرَّجها على قواعد المذهب وصورتها: أن
يقول الرَّجل لامرأته متى طلَّقتك، أو متى وقع طلاقي عليك فأنت طالقٌ قبله ثلاثًا،
فأفتى أنَّه لا يقع عليها بعد ذلك طلاق أبدًا، ووافقه جماعة من كبار المذهب من
بعده، واختار آخرون أنَّه إذا طلَّقها بعد ذلك يقع عليها الطَّلاق، واختلفوا هل يقع
المنجز ويكمل من المعلَّق، أو يقع المعلَّق وحده، فيه خلاف بينهم يفضَّل بعد،
والله أعلم.
قال الشّيخ أبو إسحاق في الطَّبقات(10): كان من عظماء الشَّافعيِّين وعلماء
المسلمين، وكان يقال له: الباز الأشهب، وولي القضاء بشيراز، وكان يفضَّل على
جميع أصحاب الشَّافعي حتَّى على المزني، قال: وسمعت شيخنا أبا الحسن
السَّريجي الفرضي صاحب أبي الحسين ابن اللبَّان الفرضي يقول: إنَّ فهرسة كتب
ابن خلكان: وفيات 1/ 66، توفّي سنة 306هـ في جمادى الأولى ببغداد، ودفن في
(9)
حجرته بسويقة غالب بالجانب الغربي بالقرب من محلّة الكرخ.
(10)
الشِّيرازي: 108.

190
طبقات الشافعية
أبي العبّاس تشتمل على أربعمائة مصنَّف(11)، وقام بنصرة هذا المذهب، وردّ على
المخالفين، وفرَّع على كتب محمَّد بن الحسن.
وكان الإمام أبو حامد يقول: نحن نجري مع أبي العبَّاس في ظواهر الفقه
دون الدَّقائق، وأخذ العلم عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه أخذ فقهاء الإسلام،
وعنه انتشر فقه الشَّافعي في أكثر الآفاق.
وكان يناظر أبا بكر محمَّد بن داود يعني الظَّاهري، قال: وحكى عنه أنَّه قال
له يومًا: أبلعني ريقي، فقال له أبو العبَّاس: أَبْلَعْتُك دِجْلَةَ؛ وقال له يومًا: أمهلني
ساعة، فقال له: أمهلك من السَّاعة إلى أن تقوم السَّاعة؛ وقال له يومًا: أكلِّمك
من الرّجل وتجيبني(12) من الرَّأس. فقال له أبو العبّاس: هكذا البقر، إذا حفيت
أظلافها دهنت قرونها. هذا لفظه. وأرَّخ وفاته سنة ستّ وثلاثمائة كما تقدَّم، والله
أعلم.
قرأت على شيخنا الحافظ أبي الحجّاج المزِّي، أخبرك الشَّيخ شمس الدِّين
أبو الفرج عبد الرَّحمان بن أبي عمر بن قدامة وفخر الدِّين ابن البخاري وغير واحدٍ
قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمَّد بن معمر بن طبرزد، أخبرنا الشَّيخان
القاضي أبو بكر محمَّد بن عبد الباقي الأنصاري وأبو المواهب أحمد بن محمَّد بن
عبد الملك بن مُلُوك الورَّاقُ، قالا: أنبأنا القاضي أبو الطيِّب طاهر بن عبد الله بن
طاهر الطَّبري، أخبرنا أبو أحمد محمَّد بن أحمد بن الغطريف بجرجان، حدَّثنا أبو
العبَّاس أحمد بن عمر بن سريج قال: حدَّثنا الحسن بن محمَّد بن الصبَّاح
الزَّعفراني، حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الثّوري، عن ربيعة الرَّأي، عن يزيد بن المبتعث،
عن زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن اللُّقطة،
فقال: ((عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلاَّ فاستنفقها))(13). أخرجه الجماعة في
كتبهم من طرق عن يزيد مولى المبتعث به.
(11)
البغدادي: هديّة 57/1.
(12)
في - ب - تكلِّمني.
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود في كتاب اللُّقطة .
(13)

191
الطَّبقة الثَّالثة
80) أحمد(14) بن محمّد بن الحسن، أبو حامد ابن الشَّرقيِّ النِّيسابوري.
سمع الحديث من محمَّد بن يحيى الذُّهلي، وأبي حاتم الرَّازي، ومحمَّد بن
إسحاق الصغَّاني، ورحل كثيرًا وطوَّف، وكان كثير الحجّ.
وروى عنه الحفّاظ أحمد بن عُقدة، والعسَّال. وابن عَدي، وغيرهم.
وتوفّي سنة خمسٍ وعشرين وثلاثمائة عن خمسٍ وثمانين سنة. ذكره ابن
(15)
الصَّلاحِ(15) .
81) أحمد (16) بن محمَّد بن القاسم بن منصور بن شَهْرَيَار، أبو علي
(17)
الرُونبارِي(17) ..
قال أبو عبد الرَّحمان السُّلمي(18): ويتَّصل نسبه بكسرى. وكان شيخ الصُّوفيَّة
في وقته. وكان والده من الكتَّاب، واشتغل هو بعلم الحديثِ والعربيَّةِ والتصوُّفِ،
وله تصانيف كثيرة.
وذكره أبو العبَّاس النَّسوي عن ابن أخته أبي عبد اللَّه الرُوذْبَاري قال: كان
خالي يتفقَّه ويعتني بالحديث ويفتي بالمقاطيع ويقرئ للكسائي.
وقال ابن الجوزي(19): كان فقيها حافظًا للأحاديث ظريفًا عارفًا بالطّريقة،
وكان يفتخر بمشائخه فيقول: شيخي في التصوُّف الجنيد، وفي الفقه ابن سريج،
وفي الأدب ثعلب، وفي الحديث إبراهيم الحربي.
الشُبكي: 3/ 41، والإسنوي 2 / 90، والخطيب: تاريخ 4/ 426، والأنساب 319/7،
(14)
والذَّهبي: العبر 2/ 204، وسير 15/ 38.
(15)
طبقات 378/1.
السُّبكي: 3/ 48، والإسنوي 1/ 586، والخطيب: تاريخ 1/ 329: وفيه: محمَّد بن
(16)
أحمد بن القاسم، والمقريزي: المقفّى 1/ 625.
نسبة إلى روذبار، قرية من بغداد، ياقوت: معجم البلدان 77/3 وقال السَّمعاني:
(17)
الأنساب 180/6، منسوب إلى روذبار طوس.
(18)
طبقات الصُّوفيّة 356، .
صفوة الصَّفوة 2/ 356.
(19)

192
طبقات الشافعية
وحكى ابن الصَّلاح في الطَّبقات(20): أنَّه توفّي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
رحمه الله.
82) إسماعيل(21) بن عبد الواحد، بن هاشم الرَّبعي المقدسي الشَّافعي.
ولي قضاء مصر شهرين في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ثمَّ أصابه
الفالج، وتحوَّل إلى الرَّملة فمات بها سنة خمسٍ وعشرين وثلاثمائة.
وقال شيخنا أبو عبد اللَّه الذَّهبي: وكان من كبار الشَّافعيَّة، وكان جبَّارًا
ظلومًا، فلم تطل ولايته.
83) أحمد (22) بن موسى بن العبَّاس(23) بن مجاهد، أبو بكر المقري.
إمام القرَّاء في زمانه. وسمع الحديث من سعد بن نصر، وعبَّاس الدُّوري،
وخلق.
وعنه الدَّارقطني، والجعاني، وابن شاهين، وغيرهم. قال الخطيب(24): كان
ثقةً مأمونًا، يسكن الجانب الشرقيَّ من بغداد، [وكان فيه ظرف ودعابة](25)، وكان
يقول: من قرأ بقراءة أبي عمرو، وتمذهب بمذهب الشَّافعي، واتَّجر بالبز، وروى
من شعر ابن المعتزِّ فقد كمل ظرفه. وقال ثعلب: ما في زماننا هذا أعلم بكتاب
اللَّه منه. مات في شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ببغداد. ذكره ابن الصَّلاح (26)
رحمه الله.
(20)
الطَّبقات 394/1 .
(21)
والمقفَّى 122/2.
السُّبكي 57/3، وفيها: أحمد بن موسى بن العبَّاس، والإسنوي 394/2، وابن الجزري:
طبقات 139/1، وهديَّة 59/1، وياقوت: معجم الأنباء 65/5.
(23)
بن العبّاس ساقطة من - ب -.
(24)
تاريخ 144/5 .
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(25)
طبقات 409/1.
(26)
الشُبكي 222/3، والإسنوي 255/2، والكندي: الولاة والقضاة / 484 والمقريزي
(22)

193
الطَّبقة الثَّالثة
84) بشر (27) بن نصر بن منصور، أبو القاسم الشَّافعي، المعروف بغلام
(28)
عرَقُ
أصله من بغداد، ثمَّ ارتحل إلى مصر، فأقام بها، وتفقّه على مذهب
الشَّافعي.
قال ابن يونس: وكان متضلِّعًا في الفقه، ديّنًا، وأرَّخ وفاته بمصر في جمادى
الأولى سنة اثنتين وثلاثمائة.
85) الحسن(28) بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز بن الُّعمان الشَّيباني
النَّسوي، أبو العبَّاس، الحافظ.
صاحب المسند. تفقَّه بأبي ثورٍ وكان يفتي بمذهبه؛ وسمع الحديث من
أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقتيبة، ويحيى بن معين، وخلق؛ وسمع
المصنّف من ابن أبي شيبة، وأكثر مسند إسحاق بن راهويه، وسنن أبي ثورٍ. وعنه
محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو علي الحافظ، وأبو عمرو بن حمدان،
وآخرون. قال أبو الوليد حسَّان بن محمَّد الفقيه: كان الحسن أديبًا، أخذ الأدب
عن أصحاب النَّضر بن شُمَيل، والفقه عن أبي ثورٍ .
وقال الحاكم: كان محدِّث خراسان في عصره، مقدَّمًا في الثَّبت والكثرة في
الفقه والأدب.
وقال أبو بكر أحمد بن علي الرَّازي: ليس للحسن بن سفيان في الدُّنيا
نظير.
وذكره ابن حبَّان في الثّقات وقال: كان ممَّن يُرحَل إليه، وصنَّف وحدَّث
على تيقُظِ مع صحَّة الدِّيانة والصَّلابة في السنَّةِ.
الإسنوي 203/2، والخطيب: تاريخ 7/ 88، والسُّيوطي: حسن المحاضرة 400/1
(27)
والمقزيزي: المقفّى 431/2.
(28)
عرق، كان على البريد بمصر، وهو من خدَّام السُّلطان، فقدم معه بشر في جملة من قدم
من بغداد، ويقال له: عرق الموت المقريزي: المرجع السَّابق.
السُبكي: 263/3، والبداية 8/ 124، والمنتظم 6/ 142.
(29)
.

194
طبقات الشافعية
مات في قرية بالوز(30) في شهر رمضان سنة ثلاثٍ وثلاثمائة.
86) الحسين(31) بن صالح بن خيران، أبو علي البغدادي.
أحد أئمَّة المذهب، وأصحاب الوجوه.
قال الشَّيخ أبو إسحاق(32): سمعت شيخنا أبا الطيِّب الطَّبري يقول: كان أبو
علي ابن خيران يعاتب ابن سريج على ولاية القضاء، يقول: هذا الأمر لم يكن في
أصحابنا، إنَّما كان في أصحاب أبي حنيفة (33) .
وقال الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازي: عرض عليه القضاء فلم يتقلَّد، وكان
بعض وزراء المقتدر (34) قد وُكِّلَ بداره ليتقلَّد القضاء فلم يقبل [وخُوطب](35) الوزير
في ذلك فقال: إنَّما قصدُنا ليقال: في زماننا من وُكِّلَ بداره ليتقلَّد القضاء فلم
يفعل .
وذكر ابن زولاق: أنَّ أبا بكر بن الحدَّاد لمَّا بعثه القاضي أبو عُبيد بن حَرْبَوَيْه
من مصر في سنة عشر ليعفي أبا عُبَيد من قضائها، ورد بغداد في شؤَّال من تلك
السَّنة ورأى باب أبي علي ابن خيران الفقيه مسمورًا لامتناعه من القضاء وقد
استتر(36)، قال: فكان النَّاس يأتون بأولادهم الصِّغار(37) فيقولون لهم: انظروا حتَّى
تحدثوا بهذا.
وقال الخطيب البغدادي (38): كان من أفاضل الشُّيوخ وأماثل الفقهاء، مع
قرية بالوز، وهي على ثلاثة فراسخ من نسا.
(30)
(31)
السُّبكي 2/ 271، والإسنوي 463/1، ووفيات 133/2، والبداية 181/11، وسير 58/15.
(32)
طبقات 110 .
(33)
السُّبكي: المرجع السَّابقِ وفيه: يعني العراق، وإلاَّ فلم يكن القضاء بمصر والشَّام في
أصحاب بني حنيفة قطّ إلَّ أيَّام بكّار في مصر، وإنَّما كان في مصر للمالكيَّة، وفي الشَّام
للأوزاعيَّة إلى أن ظهر مذهب الشَّافعي في الإقليمين.
(34)
ساقط من - ب -.
(35)
الشِّيرازي: المرجع السَّابق، وفيه: وأظنُّ أنَّه أبو الحسن علي بن عيسى الوزير، (وقد
جاء ذكره في آخر التَّرجمة).
السُّبكي: وفيه اشتهر.
(36)
الصِّغار ساقطة في - ب - .
(37)
تاریخ 53/8.
(38)

195
الطَّقة الثَّالثة
حسن المذهبِ، وقوَّة الورع، وأراد السُّلطان أن يوليه القضاء فصعب عليه ولم
يفعل .
وقال أبو عبد اللَّه الحسن بن محمَّد العسكري: امتنع أبو علي ابن خيران من
القضاء، فوكّل الوزير أبو الحسن علي بن عيسى ببابه، وخَتَم عليه بضعة عشر
يومًا، وشاهدت المؤكَّلين على بابه حتَّى كلَّم وأعفاه. وذكر أنَّه مات لثلاث عشرة
بقيت من ذي الحجّة سنة عشرين وثلاثمائة. وكذا أرَّخه الشَّيخ أبو إسحاق في
الطَّبقات سنة عشرين وثلاثمائة. ورجَّحه ابن الصَّلاح(39). وقال غيره: مات سنة
عشر، ومال إليه الدَّارقطني والخطيب؛
وقال شيخنا أبو عبد اللَّه الذَّهبي: والأوَّل أصحُ، ولم يبلغنا على من اشتغل
ولا من أخذ عنه. وأظنُّه مات كهلاً ولم يسمع شيئًا فيما أعلم.
وذكر ابن الصَّلاح في الطَّبقات آخرًا من الأصحاب متأخّرًا يقال له ابن
خيران، واسمه: علي بن أحمد بن خيران، أبو الحسن ابن خيران البغدادي.
قال ابن الصَّلاح: له كتاب في الفقه سمَّاه اللَّطيف، يشتمل على ألف ومائتي
باب وسبعة أبواب، واختار فيه اختيارات غريبة كثيرة منها: أنَّه استحبَّ للقاضي إذا
دخل بلد ولايته أوَّل ما يدخله يكون لابسًا عمامةً سوداء كما دخل رسول اللَّه
صلَّى اللَّه وسلَّم مكّة وعليه عمامة سوداء.
واستُحبَّ في دعاء القنوت أن يقول فيه: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي
اُلْآَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (40). وذكر ابن الصَّلاح أشياء أخرى ولم يؤرِّخ
وفاته .
87) الزُّبير (41) بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن
الزُّبير بن العوَّام الأسدي، أبو عبد اللَّه الزُّبيري البصري.
أحد أئمَّة الشَّافعيَّة وأصحاب الوجوه. قرأ القرآن على روح بن قرَّة،
(39)
(40)
. 459/1
الآية 201 سورة البقرة.
السُّبكي 3/ 295، والإسنوي 606/1، وابن الجزري: طبقات 292/1، والصَّفدي: نكت
(41)
. 153

196
طبقات الشافعية
ورُوَيْس، ومحمَّد بن يحيى القطيعي، ولم يختم عليه، وروى الحديث عن محمَّد
ابن سِنان القزّاز، وغيره.
وعنه علي بن لؤلؤ، وعمر بن بشران، ومحمَّد بن بخيت، وغيرهم. وقرأ
عليه القرآن أبو بكر النقَّاش .
قال الشَّيخ أبو إسحاق في الطَّبقات(42): وكان أعمى، وله مصنّفات كثيرة
مليحة، منها(43): الكافي، وكتاب النيّة، وكتاب ستر العورة، وكتاب الهديَّة،
وكتاب الاستشارة والاستخارة، وكتاب رياضة المتعلِّم، وكتاب الإمارة، [كتاب
المُسكت، لطيف الحجم مليح الفقه](44). قال: ومات قبل العشرين وثلاثمائة،
هكذا قال. وقد أرَّخ وفاته شيخنا أبو عبد اللَّه الذّهبي(45) سنة سبع عشرة
وثلاثمائة .
وقال الخطيب البغدادي(46): كان أحد الفقهاء على مذهب الشَّافعي، وله
تصانيف في الفقه، وكان ثقةً، وكان ضریرًا.
وقال الماوردي: قال أبو عبد اللَّه الزُّبيري وهو شيخ أصحابنا في عصره: إذا
أنَّخذ الحليُّ للتِّجارة وجبت فيه الزَّكاة قولاً واحدًا.
قال النَّووي: والأصحُّ من القولين أنَّه لا تجب فيه الزَّكاة. قلت: وله من
الوجوه الغريبة اشتراط التلفُّظ بالنيّة في الصَّلاة، واستِخْبَاب القنوت في الوتر طول
السَّنة .
قال النَّووي: ومن غرائبه قوله في الإقرار لو قال: لي عليك ألف، فقال:
خذه أو زنه كان إقرارًا، ولو قال: خذ أو زِنْ بلا هاء، لم يكن إقرارًا، والصَّحيح
الذي عليه الجمهور، إنَّهما ليسا إقرارًا(47) .
وبإسنادي المتقدِّم إلى الخطيب، أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري،
(42)
.108
(43)
هديَّة 1/ 373 .
(44)
ما بين المعقوفين مضاف من هامش - ب -.
(45)
سیر 58/15، .
(46)
تاريخ 471/8.
السُّبكي، وفيها: ذكر المسألة بتفصيل.
(47)

197
الطَّبقة الثَّالثة
حدَّثنا أبو بكر محمَّد بن الحسن النقَّاش، حدَّثني أبو عبد الله الزُّبير بن أحمد
الفقيه، حدَّثنا داود بن سليمان المؤدِّب البغدادي، حدَّثنا عمر بن جرير البجلي،
عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾. قال: الأذان، ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾(48). قال: الصَّلاة بين
الأذان والإقامة.
قال أبو بكر النقَّاش: قال لي أبو بكر بن أبي داود: في تفسيري عشرون
ومائة ألف حديث ليس فيه هذا الحديث.
88) زكريَّاء(48) بن يحيى بن عبد الرَّحمان بن بَحر بن عَدِي بن عبد
الرَّحمان بن الأبيض بن الدَّيلم بن ناسك بن ضبَّة الضّبِّ، أبو يحيى السَّاجي،
البصري الحافظ.
أحد الأئمَّة الثّقات.
سمع الحديث من عبد الله بن مُعاذ العنبري، ومحمَّد بن بشّار، وموسى
الحرسي، وهُذْبة بن خالد، وخلق.
وروى عنه جماعة: الشَّيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل [الأشعري، وأخذ
عنه مذهب أهل السنَّة من المحدِّثين، والحافظ أبو أحمد بن عَدي، والإمام أبو
بكر الإسماعيلي](50)، وأبو عمر بن حمدان.
وذكره الشَّيخ أبو إسحاق في طبقات الشَّافعيَّة(51) فقال: أخذ عن الرَّبيع،
والمزني، ومات بالثّغر سنة سبع وثلاثمائة.
وله كتاب اختلاف الفقهاء، وكتاب علل الحديث(52). وبه قال الخطيب(53):
أخبرنا أبو عمرو بن مهدي، حدَّثنا محمَّد بن مخلد، حدَّثنا أبو يعلي زكريَّاء بن
(48)
الآية 33 سورة فصّلت.
(49)
السُّبكي 299/3، والإسنوي 22/2، والذَّهبي: تذكرة 2/ 250، والبداية 11/ 131.
(50)
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(51)
الشيرازي: 104 .
هديَّة 1/ 373.
(52)
تاريخ 459/7.
(53)

198
طبقات الشافعية
يحيى السَّاجي، حدَّثنا الحكم بن مروان، حدَّثنا حسن بن صالح، عن عبد الله بن
محمَّد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى
اللَّه عليه وسلَّم: ((أبو بكر وعمر من هذا الدِّين كمنزلة السَّمع والبصر من الرَّأس)).
إسناده جيّد، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب السنّة من هذا الوجه.
89) عامر بن أحمد بن محمَّد، أبو الحسن الشُّونيزي الشَّافعي.
سكن أصبهان، وحدَّث عن إبراهيم بن المنذر، وأحمد بن عبد الجبَّار،
وعبد اللَّه بن محمَّد بن النُّعمان.
وعنه الطَّبراني، وأبو الشَّيخ.
90) عبد اللَّه (54) بن محمَّد بن جعفر، أبو القاسم القزويني.
الفقيه الشَّافعي. ناب في الحكم بدمشق، ثمَّ انتقل إلى قضاء الرَّملة، ثمَّ
سكن مصر .
وحدَّث عن يونس بن عبد الأعلى، والرَّبيع بن سليمان المُرادي، ومحمَّد بن
عَزْق الجمحي، وجماعة.
وروى عنه عبد الله بن السقَّاء الحافظ، ومحمَّد بن المظفَّر، ويوسف ابن
الميانجي، وأبو أحمد بن عَدي، وأبو بكر بن المقري وقال: رأيتهم يضعُفونه
وينكرون عليه أشياء.
وقال أبو سعيد ابن يونس في تاريخ مصر: كان محمودًا فيما يتولَّى، وكانت
له حلقة للاشتغال بمصر وللرِّواية، وكان يظهر عبادةً وورعًا، وكان قد ثقل سمعه
شديدًا، وكان يفهم الحديث ويحفظ، وكان يجتمع إلى داره الحفّاظ ويملي
عليهم، ويجتمع في مجلسه جمعٌ عظيمٌ، ثمَّ خلط في آخر عمره، ووضع أحاديث
على متونٍ، فافتضح، وأحرقت الكتب في وجهه، وتركوا مجلسه.
السُّبكي 320/2، وفيه: وأسند الحافظ ابن عساكر عن أبي سليمان بن زبد أنَّه توفّي سنة
(54)
315 هـ والإسنوي 297/2، وأرَّخ وفاته 315 هـ والذَّهبي عبر 162/2 وسير 15/ 65،
والمقفَّى 114/4، وأرَّخ وفاته 315 هـ.

199
الطّبقة الثّالثة
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: قرأت بخطّ إبراهيم بن عبد الله بن
حِصْن الأندلسي محتسب دمشق قال: سمعت الدَّارقطني يقول: عبد الله بن محمَّد
ابن جعفر القزويني كذَّاب، أَلَّف سنن الشَّافعي نحو مائتي حديث لم يحدِّث بها
الشَّافعي .
وقال الحاكم: سألت الدَّارقطني عنه فقال: كذَّاب، وضع لعمرو بن الحارث
أكثر من مائة حديث.
[مات سنة أربع عشرة وثلاثمائة](55).
91) عبد اللَّه(58) بن محمَّد بن زياد بن واصل بن مَيمون، الإمام، أبو بكر
النيسابوري.
الحافظ الفقيه الشَّافعي العلاَّمة، مولى آل عثمان بن عفَّان رضي الله عنه.
سمع المزني، والزَّعفراني، وروى عنهما، وعن أحمد بن الأزهر، وأحمد
ابن يوسف، ومحمَّد بن يحيى الذُّهلي، وأبي زرعة الرَّازي، وعلي بن حارث،
وخلق .
وعنه جماعة، منهم أبو العبَّاس ابن عُقدة، وأبو علي النِّيسابوري، وحمزة
الكناني، وأبو إسحاق بن حمزة، والدَّارقطني، وابن المظفَّر، وهؤلاء حفَّاظ
عصرهم، وأبو عمرو بن حَيُّويَه، وأبو حفص الكتَّاني، وابن شاهين، والمخلّص،
وخلقٌ.
قال الحاكم أبو عبد اللَّه: النِّيسابوري كان إمام عصره من الشَّافعيَّة بالعراق،
ومن أحفظ النَّاس للفقهيَّاتِ واختلاف الأصحاب.
وقال الدَّارقطني: ما رأيت أحفظ منه، وكان يعرف زيادات الألفاظ في
المتونٍ. قال الدَّارقطني: وكنّا في مجلسٍ فيه أبو طالب الحافظ والجعاني
وغيرهما، فجاء فقية فسأل: من روى عن رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلّم :
(55) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -.
(56) السُّبكي 3/ 310، والإسنوي 481/2، وفيه: يعرف بابن زياد، والخطيب: تاريخ 10/
120، والمقفَّى 117/4.

200
طبقات الشافعية
((وجعلت تربتها طهورًا)) فلم يُجيبوهُ، ثمَّ ذكروا وقاموا فسألوا أبا بكر بن زياد،
فقال: نعم، حدَّثنا فلان، ثمَّ ساق الحديث من حفظه، وهو في مسلم (57).
وقال يوسف القوَّاس: سمعت أبا بكر النِّيسابوري يقول: يعرف من أقام
أربعين سنة لم ينم اللَّيل ويتقوَّت كلَّ يوم بخمس حبَّات، يصلّي صلاة الغداة على
طهارة العشاء الآخرة، ثمّ قال: أنا هو،َ وهذا كلَّه قبل أن أعرف أمَّ عبد الرَّحمان
إيش أقول لمن زوَّجني، ثمَّ قال: ما أراد إلاَّ الخير (58). قلت: هذا يدلُّ على
اختياره الجادّة من المذهب أنَّ التخلّي للعبادة أفضل من التَّزويج، والله أعلم.
مولده سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين. قال ابن قانع: وتوفِّي في رابع ربيع الآخر سنة
أربعٍ وعشرين وثلاثمائة.
وقال الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازي في الطَّبقات(59): سكن بغداد، وكان
زاهدًا، بقي أربعين سنة لم يكن ينم اللَّيل، يصلّي الغداة على طهارة العشاء.
وجمع من الفقه والحديث، وله زيادات كتاب المزني. وقال الدَّارقطني: ما رأيت
أحفظ منه، ثمَّ ذكر حكايته في سرده الحديث في التيمُّم، وأزَّخ وفاته سنة أربعٍ
وعشرين وثلاثمائة، كما تقدَّم.
قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذَّهبي(60) فيما قرأت عليه: أخبرنا أحمد بن
إسحاق، أخبرنا أبو الفتح(61) ابن عبد اللَّه، أخبرنا هبة الله بن الحسين، أخبرنا
أحمد بن محمَّد، حدَّثنا عيسى بن علي، حدَّثنا أبو بكر النِّيسابوري، أملانا محمّد
ابن يحيى، حدَّثنا محمَّد بن عُبيدة، حدَّثني الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم(62): ((نهى أن يمشي
الرَّجل في نعلٍ واحدةٍ)). وهكذا رواه النَّسائي عن إسحاق بن إبراهيم هو ابن
الجامع الصَّحيح، كتاب المساجد، والحديث: «فضِّلنا بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف
(57)
الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلَّها مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد
الماء)) .
الخطيب : تاريخ 21/10.
(58)
(59)
.113
(60)
الذّهبي: تذكرة 3/ 37.
السُّبكي، وفيه: الفتح.
(61)
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة ومالك في كتاب اللِّباس.
(62)