النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
بين المسجِدَين وقع فى سرَّى أَنه لم يحجّ مثلى فإذا أنا بمقعد يحبو فوقفت
عليه أُعجب منه . فقال لى : مالك تتعجَّب مِن قوى يحمل ضعيفًا .
ذكر المصطفين ممن لقى فى طريق الغزاة
٩٨١ - عابد :
عبد الله بن قيس ، أَبو أُميَّة الغِفارى قال : كنا فى غَزاةٍ لنا فحضر
عَدُوَّهُم (١) ، فَصِيحَ فى الناس فهم يثوبون إلى مصافُّهم، إذا رجل
أَمامى، رأْسُ فَرسى عند عَجُزْ فَرسِه ، وهو يُخاطب نفسه ويقُول:
أَىْ نفس ألم أَشهد مشهدَ كذا وكذا ؟ فقلت لى : أَهلك وعيالك،
فأَطعتُك ورجعتُ؟ أَلم أَشهد مشهد كذا وكذا فقلتِ أَهلُكَ وعيالُكَ
فَأَطعتك ورجعت؟ والله لأَعرضنَّكِ اليوم على الله ، أَخذَكِ أَو تَركك . فقلت:
الأَرمقنَّه اليوم . فرمقته فحمل الناس على عدوّهم فكان فى أوائلهم . ثم
إن العدوّ حمل على الناس فانكشفوا فكان فى حُماتهم ثم إن الناس
حملوا فكان فى أوائلهم . ثم حمل العدوّ وانكشف الناس فكان فى حُماتهم .
قال : فوالله مازال ذلك دأْبَه حَتَّى رأَيْته صريعًا. فعدَّدْتُ(٢) به وبدابته
ستِّين ، أَوأكثر من ستِّين، طَعنةً .
٩٨٢ - عابد آخر :
عن شقيق قال : خرجنا فى غَزاةٍ لنا فى ليلة مَخُوفة . فإِذا رجل
نائم فأيقظناه ، فقلنا : تنام فى مثل هذا المكان؟ فرفع رأسه فقال :
إنى لأُستَحْيِى من ذِى العرش أن يعلم أَنِّى أَخاف شيئًا دونه. ثم ضربَ
برأسه فنام .
(١) كذا فى النسخ، بلا تسمية للعدو وما أضيف إليه .
(٢) عدد الشىء : أحصاه .

٤٢٢
٩٨٣ - عابد آخر :
أَبو غالب قال : صحِبَنا شيخ فى بعض المَغازِى ، فكان يُحى
الليل حيث كان على ظهر دابّته أَو على الأرض وكان إذا نظر إلى الفجر
قد لَمع ضوؤه نادى : يا إخوتاه عند بلوغٍ (١) الماء يفرح الوارِدون
بتعجيل الرّواح ، هنالك تنقطع كلّ همّة .
٩٨٤ - عابد آخر اسمه سعيد :
عباس بن يوسف قال : قال ميسرةُ الخادم : غزونا فى بعض
الغَزوات فَصَادفنا العدو ، فإِذا بفتَّى إلى جانبِى مقنَّع فى الحديد ، فحمل
على الميمنة حتى ثَناها ، وحمل على الميسرة حتى ثَناها ، وحمل على
القلب حتى ثَناه . ثم أنشأً يقول :
هذا الذى كنتَ له تمنَّى
أَحسنْ بمولاك سعيدُ(٢) ظنًا
مالك(٣) قاتَلْنا ولا قُتلنا
تنجَّ يا حُورَ الجِنان عنَّا
لكن إلى سيّدنا اشتَقنا قد عَلم السِرَّ وما أَعلَنَّا
قال : فحمل فقاتل فقَتل منهم عددًا ، ثم رجع إلى مصافه
فتكَّلَبَ عليه العدو فإِذا به قد حَمل على الناس وأنشأً يقول :
أَن لا يضيعَ اليومِ كَدِّی والنَّعَبْ
قد کنت أرجو ، ورجائِی لم يَخِبْ
اولاك ماطابت ولا طاب الطَّرَبْ
يا من مَلا(٤) تلك القصورَ باللَّعَب
فحمل فقتل منهم عددًا ثم رجع إلى مَصَانّه فتكالب عليه العدوّ
فحمل الثالثةَ وأَنشأً يقول :
(١) ط : بلوغه ، تحريف .
(٢) سعيد: منادى حذفت أداته .
(٣) أى ما لأجلك .
(٤) أى ملأ، خففت الهمزة فيه .

٤٢٣
مالكٍ قاتلنا فكُفِّى وارْبَعِى
يا لُعْبةَ الخُلْدِ قِى ثم اسْمعى
لا تطمَّعِى، لا تطمَعِى ، لاتطمَعی
ثم ارجعِى إلى الجِنان فأسْرِعى
قال : فحمل فقاتل حتى قُتل .
ذکر المصطفین من عباد لقوا فی طریق سفر
وطريق سياحة
٩٨٥ - عابد :
عن ابن جابر أَن أَبا عبد رَبّ كان أكثر أهل دمشق مالاً . فخرج
إِلى أذربيجان فى تجارة فأمسى إلى جانب مرعى ونهر فنزل به . قال
أبو عبدربّ: فسمعت صوتًا يُكثر حمد الله فى ناحية فاتَّبعته فرأيت
رجلاً فى حَفير من الأَرض ملفوفًا فى حصير فسلَّمت عليه وقلت : من
أنت يا عبد الله ؟ قال: رجل من المسلمين . قلت : وما حالك هذه؟
قال : حالُ نعمةٍ يجب علىّ حمدُ الله عز وجل فيها ، قال: قُلت : وكَيْف
وإنما أَنت فى حَصير؟ قال: ومالى لا أَحمد الله أَن (١) خلقى فأَحسن خَلْقى،
وجعل مَولدى ومنشَئى (٢) فى الإِسلام، وألبسنى العافِيَة فى أُركانى
وستَر علىّ ما أكرهُ نشْره؟ فمن أعظم نعمةً ممن أَمسى فى مثل ما أَنا
فيه؟ قلت : رحمك الله إِن رأيت أن تقوم معى إلى المنزل فإنَّا نُزولٌ
على النهر هاهنا . قال : ولِمَه ؟ قال : قلت : لتصيب من الطعام ،
ونعطيك ما يُغْنيك عَنْ لِبْس الحصير . قال : فأَّى . قالَ الوليد: فحسبت
أَنه قال : إِن لى فى أَكل العشب كفايةً .
قالَ أَبو عبد ربّ : فأردته أن يتبعنى فأبى وقال : مالى به من حاجة .
(١) ق: إذ. والمثبت من ط .
(٢) ق : ومنشاى.

٤٢٤
فانصرفت وقَد تقاصَرت إلىّ نفسى . فذكر أنه رجع من تجارته
وتصدّق ماله .
٩٨٦ - عابد آخر :
ذو النون قال : رأيت رجلاً فى البرِّيَّة بمشى حافيًا وهو يقول:
الحب مجروح الفؤاد لا راحة له . فسلمت عليه فقال: وعليك السلام
باذا النون . فقلت : عرفتنى قبل هذا؟ قال : لا . قلت ، فمن أين
لك هذه الفِراسة؟ فقال : ممن يملكها . ليست منِّى. هو الذى نوّر
قلبى بالفِراسة حتى عَرَّفنى إياك من غير معرفة سبقت لى . ياذ النون
قابى عليل وجِسْمى مَشْغول، وأَنا سائح فى البريّة أَسمير فيها منذ عشرينَ
سنة ما أعرف بيتًا، ولايُكِنَّنِى سقف يسترنى من الشمس إِذا كظَّت(١)،
ويحفظنى من الرياح إذا هبّت ، فصِفْ لى بعض ما أَنا فيه إِن كنتَ
وصَّافًا. فقلت: القلب إِذا كانَ عليلاً جالت الأحزان والأسقام فيه ،
لَيْس للقلب مع ذلك دواء. فصرخ صرخة ثُمَّ قال: مالى وللشّكوى(٢)؟
ثم قال : ما صحبت صاحبًا منذ صحبته . أصحبك اليوم . فقلت : قم
بنا . فقُمنا جميعًا نسير بلا زاد . فلما أَوغلنا فى البريَّة وطوينا ثلاثًا
قال لى : قد جُعتَ؟ قلت : نَعم. قال : فأَقْسِمْ عليه حتى يطعمك .
قلت : لا ، والذى فَلق الحبَّة وبَرَأَ النَّسْمة لا سألته شيئًا، إن شاءَ أَطعم
وإِن شاءَ ترَك. فتبسم وقال: امض الآن . فلقد أُفِيضَ علينا من أَطايب
الأَطعمة ولذيذِ الأَشربة حتى دخلنا مكة سالمين . ثم فارقنى وفارقته .
فکان ذو النون كلَّما ذكره بکی وتأسّف على صحته.
(١) كله الأمر: بهظه وكربه وجهده . ط : أكلت .
(٢) ط : والشكوى .

١
٤٢٥
٩٨٧ - عابد آخر (١):
ذو النون قال : بينا أنا سائر فى بعض الطرق فإذا فتّى حسن الوجه ،
أَثَرُ التهجُّدِ بين عينيه . فقلت : حبيبى من أين قدِمت؟ فقال : من
عنده . فقلت : وإلى أين؟ فقال: إِلى عنده (٢) . قال : فعرضتُ عليه
النَّفقة فنظر إلىّ مغضبًا ثم ولّ وأنشأً يقول :
تزدادُ أَضْعافًا على كُفرِهِ
وكافرٍ بالله أموالُه
يَزداد إيمانًا على فَقْرِهِ
ومؤمنٍ ليس له دِرهمٌ
يمدِّ رجليه على قَدْرِهِ
لاخیر فیمن لم يكن عاقلاً
٩٨٨ - عابد آخر :
عن طاهر المقدسى قال : خرجت من عسقلان أُريد غزّة فى طلب
الْبُدَلاءِ(٣)، فإِذا أَنا بفتّى عليه أَطمارٌ رَّة مارًّا على ساحل البحر . قال :
فكأَنِّى لم أَعبابه . فالتفتَ إِلىّ فقال :
لا تَنْبُ عنِّى بِأَن تَرِى خَلَقِى (٤) فإنما الدُّ داخلَ الصَّدَفِ
◌ِلمِى جَديد وملبَسِى خَلَقٌ ومنتهى اللُّبْسِ مُنتَهى الصَّلَفِ
٩٨٩ - عابد آخر :
محمد بن الحسين الآجرِّى قال : حدثنى بعض أصحابنا عن أبى
الفضل الشُكلّ قال : رأيت شابًا فى بعض الطريق ، وعليه خلَقٌ
فكأَّنى لم أَحفل به . فالتفتَ إِلى ثم قال :
(١) هذا العنوان ساقط من ط .
(٢) كذا فى النسخ وهو غلط لأن (عند) لا تقع إلا ظرفاً أو مجرورة بمن وحدها ،
ولا يجوز جرها بإلى .
(٣) ويسمون الأبدال أيضاً . وهم قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، فاذا مات
واحد أبدل الله مكانه آخر .
(٤) ثوبى البالى .

٤٢٦
فإنما الدّرُّ داخلَ الصَّدَفِ
لا تَنْبُ عِنِّى بِأَن تَرِى خَلَقِى
عِلمى جديدٌ ومَلَبَسى خَلَقٌ. ومُنتَهى اللُّبسِ مُنتَهى الصَّلَفِ
قال : فجعلت أَلوذُ به وأَنِستُ به .
٩٩٠ - عابد آخر :
بلغنا عن محمد بن رافع قال : أَقبلتُ من بعض بلاد الشام فبينا
أَنا فى بعض الطريق رأيت فَتى عليه جبّة من صوف، وبيده رَكْوة.
فقلت: أين تريد ؟ فقال : لا أدرى . قلت : فمن أين جئت ؟ قال :
لا أدرى . فظننتُهُ مُوَسَوِسًا فقلت: من خلقك؟ فاصفرّ حتى خلته صُبغ
بالزعفران . ثم قال : خلَقنى من لا يعزُب عنه مثقال ذرة فى الأَرض
ولا فى السماء ، فقلت : رحمك الله أَنا مِن إِخوانك وممن يأنس إلى
أمثالك فلا تنقبض منى . فقال : كيف لا ؟ إنى والله أود لوجاز لى ترك
الجماعات حتی انفرد فی شاهقٍ مُنیفٍ صعب المرتقی، أَوفی غارٍ مُوحش
لعلَّى أَجد قلبى ساعةً يسلو عن الدنيا وأهلها. فقلت: وما جنَتْ عليك الدنيا
حتى استحقَّت هذا البغض منك؟ فقال: جِناياتُها العَمَى عن جناياتها .
فقلت : هل من دواءٍ أَتَعالَج(١) به مِن هذا العمى الذى قد حَجب عنى
ما يراد بى ؟ قال : ما أَراك تقدر على العلاج فاستعمِل من الدواء
أَيسَره. قلت: صف لى دواء لطيفًا . قال : فما داؤُك؟ قلت : حبّ الدنيا.
فتبسم وقال : أَىّ قَرحةٍ أَعظم من هذه؟ ولكن اشرب السّموم الطريّة
والمكارِهِ الصّعبة . قلت: ثم ماذا؟ قال: مُرّ الصبر الذى لاجزع فيه والتعب
الذى لاراحة فيه . قلت : ثم ماذا؟ قال الوحشة التى لا أُنس فيها
والفُرقة التى لا اجتماع معها . قلت : ثم ماذا ؟ قال السلوّ عما تريد
والصبر عما تحبّ، فإِنْ أَردتَ فاستعمل هذا وإلَّا فتأخر واحذر الفتن
(١) ط : يعالج ، تحريف.

٤٢٧
كأُّها قطع الليل المُظلم. قلت: فدُلّنى على عمل يقرّب إلى الله عزَّ وجلّ .
فقال : يا أَخى قد نظرت فى جميع العبادات فلم أر أنفع من الفِرار من
الناس وتركٍ مخالطتهم ، يا أَخى رأيت القلوب عشرة أجزاء ، فتسعةٌ
مع الناس وجُزءً مع الدنيا . فمن قوى على الانفراد حاز تسعة أجزاء من
القلب . ثم غاب عنى فلم أره (١) .
ذكر المصطفيات من عابدات لقين فى طريق السياحة
٩٩١ - عابدة :
ذو النون المصرى قال بينا أنا سائر فى البادية إِذ رأيت امرأة
متعبِّدة . فلما أَن دّت منِّى سلّمت علىّ فرددتُ عليها السلام . فقالت
من أين أَقبلت؟ فقلت: من عند حكيمٍ لا يوجد مثله. فصاحت وقالت :
ويحك كيف فارقتَه وهو أنيس الغرباء؟ فأَوجع قلبى كلامُها فبكيت .
فقالت لى : ممَّ بكاؤُك؟ قلت : وقع الدواء على الداء ، فأَسرع فى نجاحه .
قالت : فإِنْ كنت صادقًا فلِمَ بكيت؟ قلت: والصادق لا يبكى؟ قالت
لا ، لأَنّ البكاء راحة القلب وهذا نقصٌ عند ذوى العقول يابطَّال،
قلت : علّمينى شيئًا ينفعنى الله به . قالت : ويحك ما أَفادك الحكيم
من الفوائد ما تستغنى به عن طلب الزوائد؟ فقلت : إن رأيت أن تعلّمينى
شيئًا فعلتٍ ، فقالت : اخدم مولاك شوقًا إلى لقائه . فإِنَّ له يومًا يتجلَّ
فيه لأَوليائه وإِنَّه تعالى سقاهم فى الدنيا من محبته كأساً لايظمَئُون
بعدها أبدًا. ثم أَقبلت تبكى وتقول : سيّدى إلى كم تدَعنى فى دارٍ
لا أَجد فيها مَن يساعدنى على بلائِى ؟ ثم مضت وهى تقول :
(١) بعده فى ط : والسلام.

٤٢٨
فمن دونه يرجو طَبِيبًا مُداويًا ؟
إذا كان داء العبد حُبُّ مَلیکه
قلت : وقد رُويت لنا هذه الحكاية بأَلْفاظ. أخر :
أنبأَ عبد الرحمن بن محمد القزاز قال : انبأ أحمد بن على بن
ثابت قال : انباً القاضى أبو القاسم عبد الواحد بن محمد البجلى قال :
انبأُ جعفر بن محمد الخلدى قال : حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق
قال : سمعت ذا النون المصرى قال : بينا أنا فى بعض مسيرى لقيتنى
امرأة فقالت لى : من أين أقبلت؟ قلت : رجل غريب . فقالت لى :
ويحك وهل توجد مع الله أحزان الغربة وهو مؤنس الغرباء ومعين
الضعفاء ؟ فبكيت فقالت لى : ما يُبكيك؟ قلت : وقع الدّواءُ على
داءٍ قَدْ قرِحَ (١) فأَسرع فى نَجاحه . قالت : إِن كنت صادقًا فلِمَ بكيت؟
قلت : والصادق لا يبكى؟ قالت : لا، قلت : ولِمَ قالت: إِن البكاءَ (٢)
راحة القلب وملجأُ يلجأ إليه، وما كتم القلبُ شيئًا أَحقّ من الشهيق
والزفير، فإذا أُسبلت الدمعة استراح القلب، وهذا ضعفُ عند الأولياءِ
يابطَّال ، فبقيت متعجّبًا من كلامها . فقالت لى : مالك؟ قلت : تعجبًاً
من هذا الكلام. قالت: وقد أُنسيت القَرحة التى سأَلتَ عنها؟ قلت :
لا ، علِّمينى شيئًا ينفعنى الله به . قالت : وما أفاد الحكيم فى مقامك
هذا من الفوائد ما تستغنى به عن طلب الزوائد؟ قلت لا ، ما أَنا بمستغن
عن طلب الزوائد . قالت : صدقت ، أَحبب ربّك واشتَقْ إِليه فإِنَّ
له يومًا يتجلّى فيه على كرسىّ كرامته لأوليائه وأحبّائه فيذيقهم
من محبته كأُسًّا لايظمَئُون بعدها أبدًا . قال : ثم أَخذت فى البكاءِ
(١) ط : على الداء وقد قرح .
(٢) قط : إنه .

٤٢٩
والزفير والشهيق وهى تقول : سيّدى إلى كم تخلَّفنى فى دارٍ لا أَجد
فيها أَحدًا يُسعدنى (١) على البكاء أيام حياتى ؟ ثم تركتنى ومضت .
٩٩٢ - عابدة أخرى :
ذو النون قال رأيت امرأة بنحو أرض البَجَّة(٢). قال: فناديتُها.
فقالت : وما للرجال أَن يكلِّموا النساء؟ لولا ضعف عقلك لرميتك
بشىءٍ . فقلت لها : بالله كيف تعرفين الزيادة ؟ قالت: بتفقَّد الأحوال
انصرِف . قال : فما ناطقُتُها بعد ذلك .
٩٩٣ - عابدة أخرى :
ذو النون بن ابراهيم قال كنت فی تیه بنى إسرائيل ومعى صاحب
لى ، فرأيت امرأةً عليها مِدرَعة من شَعر وخِمار من صوف ، وفى
كفّها عكاز من حديد فقلت : السلام عليك ورحمة الله . فقالت :
وعليك السلام ، ما لارجال وخطابَ النساء عافاك الله ؟ فقلت: أَخوك
ذو النّون المصرى . فقالت : مرحباً حياك الله بالسلام . قلت :
ما تَصْنعين هاهنا ؟ قالت : كلما أتيت إلى بلدة يُعصَى فيها
الحبيب ضاق علىّ ذلك البلد ، فأَنا أَطلب بُقعة طاهرة أَخِرٌ عليها
ساجدةً أُناجِيه بقلبٍ ذابَ من شدّة الشوق إلى لقائه . فقلت : ماسمعت
أَحدًا يذكر الحبيب أحسن من ذكركِ، فأَىّ شىءٍ المحبة؟ قالت :
سبحان الله أنت الحكيم الواعظ. وتسألنى؟ أول المحبة يبعث على
الكمّ الدائم، حتى إذا وصلت أرواحهم إلى أَعلى الصفا (٣) جرّعهم من
محبّته لذيذ الكؤوس . ثم صرخت وخرّت مغشيًا عليها فأفاقت هى
تقول (٤) :
(٢) البجة ( بفتح الباء وتشديد الجيم): مدينة بين فارس وأصبهان .
(١) يعيننى.
(٣) الصفا : الحجر الصلد الضخم .
(٤) مرت الأبيات فى الترجمة رقم (٩٠٨) من هذا الجزء.

٤٣٠
وحبُّ لأَنكَ أَهلٌ لِذاكا
أحبك حبَّيْن حُبّ الرضا
فذِكرٌ شُغِلِتُ به عن سواكا
فأَّمَّ الذى هو حبّ الرضا
فکشفُك للحُجْب حتى أُرا کا
وأَما الذى أَنت أَهلٌ له
ولكنْ لك الحمدُ فى ذا وذا كا
فما الحمدُ فى ذا ولا ذاك لِ
٩٩٤ - عابدة أخرى :
ذو النون المصرى قال بينا أنا أسير فى جبال أَنطاكِيّة فإذا أَنا
بجارية كأنها مجنونة وعليها جبّة من صوف. فسلَّمت عليها فردّت
علىّ السلام ، ثم قالت : أَلستَ ذا النون المصرى؟ قلت : عافاكِ الله
كيف عرفتِى(١) فقالت: عرفتك بمعرفة حبّ الحبيب . ثم قالت :
أَسأَلَك عن مسألة، قلت (٢): سَلِى، فقالت: أَيّ شىءٍ السّخاءُ؟
قلت : البذل والعطاء . قالت : هذا سخاءُ فى الدنيا فما السخاء فى
الدِّين؟ قلت : المسارعة إلى طاعة الله تعالى(٣). قالت: فإذا سارعتَ إلى
طاعة الله فهو أن يطَّلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئًا. ويُحَك
ياذا النون إِنى أُريد أَن أَطلب منه شهوةٌ منذ عشرين سنة، فأَسْتَحْيِى (٤)
منه مخافةً أَن أكون كأَجير السّوء، إِذا عمِل طلبَ الأَجر ، ولكن
اعمل تعظيمًا لهيبته وعزّ جلاله(٥) ومرّت وتركتنى .
٩٩٥ - عابدة أخرى :
ذو النون المصرى قال بينما أَنا أَسير فى تيهِ بنى إسرائيل إذا
أَنا بجارية سوداء قد استلَبها الولَه من حبّ الرحمن ، شاخصة
(١) فى النسخ: عرفتينى، باثبات الياء قبل النون. والصواب ما أثبت.
(٢) ط : فقلت .
(٣) ق : عز وجل .
(٤) ط : وأنا أستحي.
(٥) ط : وعزاً الجلاله.

٤٣١
ببصرها نحو السماء . فقلت : السلام عليك يا أختاه". فقالت:
وعليك السلام ياذا النون . فقلت لها: من أين عرفتِى (١) ياجارية ؟
فقالت : يا بطَّل إِن الله عزَّ وجل خلق الأَرواح قبل الأجساد بألفى عام
ثم أدارها حول العرش ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها
اختلف، فعُرِّفَت رُوحِى روحَك فى ذلك الجَولان. قلت (٢) إِنِّى لأَّراك
حكيمة ، علَّمينى شيئًا مما علَّمك الله عز وجل . فقالت : يا أَبا الفيض
ضع على جوارحك ميزان القسط. حتى يذوب كلّ ما كان لغير الله ، ويبقى
القلب مصفَّى ليس فيه غير الربّ عزَّ وجلّ، فبعد ذلك يُقيمُك على
الباب ويُوَلِّيك ولاية جديدة ويأمر الخُرَّان لك بالطاعة . فقلت :
يا أختاه زيدينى . فقالت: يا أَبا الفيض خذ من نفسك [لنفسك]
وأَطع الله عز وجل إذا خلوت يُجِيبُك إِذا دعَوت(٣).
ذكر المصطفين من عباد لم يعرفوا باسم ولا مكان
٩٩٦ - عابد (٤) :
عن شقيق قال : كنت فى زرعٍ لى إِذا أقبلت سحابة تَرَهْيَاُ (٥) قال:
فسمعت فيها صوتًا : أَمطِرى زرعَ فلان قال : فأَّتيت الرجل فسأَّته :
ما تَصنع بزرعك؟ قال: أَبذر ثُلثه ، وآكل ثُلثه، وأَتصدّق بثلثه.
٩٩٧ - عابد آخر :
مُضَر القارِى قال ، كان رجل من العبّاد قلَّما ينام من الليل قال :
فغابته عينُه ذات ليلة فنام عن جُزئِه (٦)، فرآى فيما يرى النائم كأَن
(١) فى النسخ: عرفتينى .
(٣) ط : بحبك وإذا دعوت .
(٤) العنوان زيادة من عندنا ، ليست فى النسخ .
(٥) أى تتهيأ للمطر .
(٢) ط : فقلت .
(٦) ط : حزبه .

٤٣٢
جارية وقَفت(١) عليه، كان وجهها القمر المستَتِمّ (٢) قال ومعهَا رَقَّ (٣) فيه
كتاب . فقالت : أَتقرأ أيها الشيخ؟ قلت (٤) : نعم. قالت: فاقرأ هذا
الكتاب . قال فأخذته من يدها ففتحتُه فإذا فيه مكتوب :
مع الخيرات فى غُرف الجِنان
أَلهثك لَذّة نومة عن خيْر عَیْش(٥)
وتنعم فى الجِنان مع الحِسان
تعيش مخلَّدًا لاَمَوْت فيها (٦)
من النوم التهجُّدُ بالقُرَان(٧)
تيقَّظ. من منامك إِنَّ خيرًا
قال : فوالله ماذكرتها قط. إلا ذهب عنِّى النوم.
٩٩٨ - عابد آخر :
عن البخترى بن حارثة قال : دخلت على عابد مرّةً فإِذا (٨)
بين يديه نارٌ قد أَجّجها وهو يعاتب نفسه . فلم يزل يعاتبها حتى مات.
٩٩٩ - عابد آخر :
عن رياح القيسى قال : كان عندنا رجل يصلِّى كل يومٍ وليلة
ألف ركعة حتى أُقْعِدَ من رجليه . وكان يصلِّى جالسًا أَلف ركعة فإذا
صلى العصر احتَبِى (٩) واستقبل القبلة ويقول: عَجِبْت للخليقة كيف
أنِسَت بسواك ، بل عجبت للخليقة كيف اسْتَنَارَتْ قلوبُهم بذِكر
سواك .
(٢) قط : المستنير .
(١) ط : وقعت .
(٣) بفتح الراءوكسرها : الجلد الرقيق الذى يكتب فيه.
(٤) ط : قال .
(٥) الشعر من الوافر، وهذا المصراع مختل الوزن ، إلا أن يكون فيه خرم وهو زيادة
بعض الأحرف فى أول البيت على وزنه المألوف . ولكنهم أشترطوا أن يصح إسقاط الزائد
بحيث يبقى معنى البيت سليما . وهذا المصراع يبدأ فى وزن من الكاف فى (ألهتك) مما يخل بالشرط
المذكور . ق : نوم ، وذكر فى الهامش أن فى نسخة : نومة .
(٦) ط : فيه .
(٧) أى القرآن .
(٩) جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها .
(٨) ط : وإذا .

٤٣٣
١٠٠٠ - عابد آخر :
عن ميمون بن سِياه قال : كنت أَنا وخالد الرّبعى ونفر من
أصحابنا نذكرُ الله، فوقف علينا رجل أسود فقال: هل ذكرتم الموت
فيما كنتم فيه؟ قلنا: إِنَّا لنذكره كثيرًا وماذكرناه يومَنا هذا. قال:
فبكى وقال: لقد أغفاتم مالا يُغفلكم، ونسيتم ما تُحصى عليكم الأَنْفَاس
لقدومه عليكم . قال : ثم مال ليسقط. وسانده رجل من القوم فخرجَت
نفسه وإِنَّا لننظر إليه. قال: فنظرنا فلم نجد أحدًا يعرفه . قال :
فغسلناه وحنّطناه وكفّنّاه ودفنَّاه .
١٠٠١ - عابد آخر :
٠
أسلم بن عبد الملك، وكان شيئًا عجيبًا، قال: صَحب رَجُلٌ رَجُلاً
شهرين فلم يره نائمًا بليل ولانهار . فقال له : مالٍ لا أراك تنام ؟
قال: إِنَّ عجائب القرآن أَطَرْنَ نومى، ما أَخرجُ من أُعجوبةٍ إِلَّا
وقعت فى غيرها .
١٠٠٢ - عابد آخر :
عبد الله بن داود قال : حَدَّثنى رجل منذ خمسين منة أَو نحو
خمسين سنة قال : كان مملوك لامرأة فكان (١) يصلّى الليلَ كلَّه.
فقالت له : ليس تَدَعُنا ننام الليل ؟ فقال لها لكِ النهارُ وَلِ الليلُ،
إذا ذكرتُ النار طار نومى ، وإِذا ذكرتُ الجنَّة طال حزنى .
١٠٠٣ - عابد آخر :
شعيب بن حرب قال صحبنى رجلان فى سفينة فأخذ أحدهما
حبّة من حنطة فألقاها فى فِيه ، فقال له صاحبه : مَهْ أَىّ شىءٍ صَنَعْت؟
قال : سهوت . قال : لأَن تأكلنى السّباع أحبّ إِلىّ من أَن أَصْحَب
(١) ط : كان.
(م ٢٨ - صفة الصفوة جـ ٤)

٤٣٤
رجلاً يسهو عن الله عز وجل. قال: ثم قال: يا ملَاح قَرِّب . قال:
فخرج . قال شعيب : فسمعنا زئير الأَسد من الغَيضة فما ندرى ماحال
الرجل. قال شعيب: فالتفت إلىّ صاحبُه فقال: إن هذا صاحبى منذ
أربعين سنة أَو نيّف وأربعين سنة ما رأَى علىّ (١) زلَّةً قبلها.
١٠٠٤ - عابد آخر :
عن أيوب الحمَّال(٢) قال: كان فتّى ينتحل التوكّل ، وكان
عزيزًا عند الأَّخذ من الناس، وكان إِذا احتاج إلى قُوتِه وجده موضوعًا .
فقيل له : احذر لا يكون الشيطان يخدعك . فقال: أَنا إِلى الله تعالى (٣)
ناظر ومنه آخُذ مارزقنى، فإن كان عَدوِّى قد سُخِّر لى فلا فرّج الله
عنه ، وأَىّ شىءٍ أَحسن منِّى؟ يخدمنى عدوِّى وأَنا أَسكن إلى الله عزَّ وجل
لا إليه .
١٠٠٥ - عابد آخر :
قال ممشاد الدِّينَوَرِىّ: رأيت فى بعض أَسفارِى شيخًا تَوَسّمت
فيه الخير . فقلت له : ياسيدى كلمة تزودنى بها . قال: هِمَّتُك
فاحفظها فإِنَّ الهمَّة مقدّمة الأَشياء ، فمن صلَحت له همَّته وصدق فيها
صلح له ماوراءها من الأعمال والأحوال .
١٠٠٦ - عابد آخر :
حيدرة بن عُبيد قال : دخلنا على رجل من العبّاد نَعوده فقلنا
له : كيف تجدك؟ فقال : ذنوب كثيرة ونفس ضَعِيفة وحسنات
قليلة وسَفْرة طويلة وغاية مَهُولة. قال: فقلنا : مامعك من الزّاد
لِما ذكرت؟ قال : معى الأَمل فى السيّد الكريم . ثم قال: اللهم
(١) ط: ما زآنى على .
(٢) ط : الجمال ، تصحيف .
(٣) ق : عز وجل .

٤٣٥
لا تقطع بِمُؤَمِّلك فى تلك الغَمَرات ، وارحمه فى تلك الحَيْرة والحسرات
إِذا انْخَلَعَتْ القلوب يوم النَّداماتِ . وجعل يتشهَّد حتى مات .
١٠٠٧ - عابد آخر :
عن أبى عبد الله الدّينَوريّ أَنه كان يومًا جالساً فدخل عليه فقير
عليه آثارُ الضُّرّ ، قال : فطالبَشْنِى نفسى أَن أَجيئه بشىءٍ، فَهَمَمْت
أَن أَرهَن نَعلى فمنعَنْى نفسى وقالت: كيف تتمَّ لك طهارةٌ مع
الحَفا؟ فقلت: أَرهَنُ رَكْوَتى. فمنعتنى أيضًا وقالت: بأَى شىءٍ
تتوضأ. فهممت أَن أَرهَن منديلى فمنعشْنى وقالت : تَبقى مكشوف
الرأس . فقلت وما فى ذلك؟ وجعلتُ(١) أُراجعها فى ذلك ؟ فقام الفقير
فشدّ وسطَه وأخذ عصاه بيده ثم التفتَ إِلىّ وقال : يا خَسيس احفظ.
مِنديلك فإِنِّى خارج. فاعتقدت(٢) مع الله عز وجل أَنِّى لا آكل الخبز
حتى ألقاه . فقيل: إنه أقام ثلاثين سنة لم يأكل الخبز .
ذكر المصطفيات من العابدات الاواتى
لم يعرفن باسم ولا مكان
١٠٠٨ - عابدة :
عن الوليد بن مسلم قال : كانت امرأة من التابعين تقول : اللهم
أقبِل بما أدبَر من قلبى ، وافتح ما أُففِل منه حتى تجعله هَشَّا مرتاحاً
لذكرك .
١٠٠٩ - عابدة أخرى :
وبالإِسناد : حدثنا أبو بكر القرشى قال : حدثنا الحارث بن
محمد التميمى قال : حدثنا على بن محمد القرشي ، عن جويرية
(١) ق : فجعلت . والمثبت من ط .
(٢) يريد : عاهدته . يقال: اعتقد الرجل الأمر : عقد عليه قلبه وضميره وتمسك به .

٤٣٦
ابن(١) أسماء أن إِخوة ثلاثة من بنى قطيعة شهدوا يوم تُستَر(٢)
فاستُشهِدوا . فخرجت أُمهم يومًا إلى السوق لبعض شأنها فتلقَّاها
رجل قد حضّر أَمْرَ تُستَر فعرَفَته فسألته عن بَنيها فقال : استُشهدوا .
فقالت : أَمُقْبلين أَم مُدْبرين؟ فقال : مُقْبِاين . فقالت : الحمد لله
نالوا الفوز وحاطُوا الذمارِ ، بنفسى هُم وأَبى وأَنِّى .
١٠١٠ - عابدة أخرى :
عن القاسم بن مَعْن أَنه أَنته امرأة فقالت: أنا امرأة فلان
ما أَتيك حتى خِفت أَن يَضيق على أن لا آتيك . فقال القاسم لبعض
أَصحابه : بقى من ذلك المال شىء ؟ قال : مائتا درهم . قال : ادفعه
إليها . فأخذته وانصرفَت. وقال له . إذا جاءنى شىء فأُذْكرٌنيها.
قال : فجاءَه مال ففرّقه فذكرها وقد بَفى منه سبعمائة درهم. فقال :
اذهب به إليها وسل عنها أهل السجد الذى خلْف منزلها والمسجدِ الذى
دُونه . ففعل فأُخبر بعضافٍ عنها وعن بذاتٍ لها . قال : فأَنيتها
فقلت : رسولُ القاسِمِ بن مَعْن . فقالت مرحبًا بالقاسم وبرسوله.
حاجَتَك (٣) قلت: هذه السبعمائة درهم أَرسلَ بها إِليكِ القاسم.
فقالت : أَقرئه (٤) السلام وقل له : قد أخذنا تلك المائتين فنحن نغزِل
منها ونبيع وقد عِشْنا بها واستغنينا فلا حاجة لنا فى هذه : فأَتيتُ
(١) ط : بنت ، تحريف .
(٢) تستر : (بضم التاء الأولى وفتح الثانية وسكون السين): أعظم مدينة بخوزستان .
فتحها أبوموسى الأشعرى فى عهد عمر بن الخطاب الذى ضمها إلى البصرة . وهى اليوم تابعة
لإيران ( عزبستان) .
(٣) أى اذكر حاجتك .
(٤) كذا فى ط. وفى ق: أقره. قال صاحب أساس البلاغة: ((اقرأ سلامى على فلان،
ولا يقال: أقرئه من السلام)).

٤٣٧
القاسم فأخبرته فقال : ويحكَ أَلا سيَّبتها (١) فى باب الدار ؟ وقال
بيده(٢) هكذا. ثم حوّل وجهه إلى القِبلة وقال: اللهم إن بلوتَنى
بخلَف(٣) فاجعله هكذا .
١٠١١ - عابدة أخرى :
أبو جعفر السائح قال : بلغنا عن امرأة متعبّدة كانت تصلِّى الضحى
مائة ركعة كل يوم، وكانت تقرأ ((قل هو الله أحد)) (٤) بالنهار عشرة
آلاف(٥) مرة . وكانت تصلِّى بالليل لا تستريح . وكانت تقول لزوجها :
قُم ويحك إلى متى تنام؟ قُم ياغافل قُم يابطَّال ، إلى متى أَنت فى غفلتك؟
أقسمت عليك أَن لا تكسب معيشتك إلا من حلال ، أَقسمت
عليك أن لا تدخل النار من أَجلى ، بِّ أَمَّك، صِلْ رَحِمَك ، لا تقطعهم
فيقطعَ الله بك .
١٠١٢ - عابدة أخرى :
الحسين بن جعفر قال : سمعت أبى قال : صلَّيت العيد فى الجبَّان
ثم تفردّت ، فإذا أَنا بعجوزٍ رافعة يديها وهى تقول ، انصرفَ الناس
ولم أُشعِر قلبى اليأُسَ ياصاحب الصدقة ، ها أناذِه منصرفة فليت شِعرى
ما زوّدَتَنى ، ربّ ارحم ضعفى وكِبَر سنِّى، خرجت أرجوك فلا تخيّب
ظنى بك . وهى تبكى فما انتفعتُ بنفسى يَومِى كلَّه .
١٠١٣ - عابدة أخرى :
أبو عياش القطان (٥) بلغنا أنه كان مَلِكُ كثير المال وكانت له
ابنة لم يكن له ولدٌ غيرها، وكان يُحبها حبًا شديدًا. وكان يُلهيها
(١) تركتها .
(٢) أشار بها وحركها .
(٣) أولادو ذرية .
(٤) أى سورة الإخلاص .
(٥) قط : عشرة ألف . ب : ألف .

٤٣٨
بصُنُوف اللهو . فمكث كذلك زمانًا ، وكان إلى جانب الملك عابدٌ .
فبينا هو ذات ليلة يقرأ إِذ رفع صوته وهو يقول ((يا أَيُّها الَّذينَ
آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُم وأَهْلِيكُم نَارًا وقودُها النَّاسُ والحِجارة(١))) فسمعت
الجارية قراءته فقالت لجواريها : كُفّوا. فلم يكُفّوا وجعل العابد يردّد الآية
والجارية تقول لهم : كُفّوا . فلم يكفّوا . فوضعت يدها فى جيبها
فشقت ثيابها فانطلقوا إلى أبيها فأخبروه بالقصّة . فأقبل إليها فقال :
ياحبيبتى ما حالُكِ منذ الليلة؟ ما يبكيك؟ وضحَّها إليه . فقالت :
أَسأَلَك بالله يا أَبهْ، لله عز وجل دارُ فيها نارٌ وقودها الناس والحجارة؟
قال: نعم . قالت : وما يمنعك يا أَبَهْ أَن تخبرنى؟ والله لا أَكلت طيِّبًا
ولانمت على ليّن حتى أعلم أين منزلى فى الجنة أو النار ؟
١٠١٤ - عابدة أخرى :
سعيدٌ أبو عثمان، ثقة من أهل العلم، قال : نظر رجل إلى امرأة
فقال : ما رأيتُ مثل هذا الحسن . وهذه النضارة ، وما ذاك إِلَّ من
قلَّة الحزن . فقالت : يا عبد الله، واللهِ إنىِّ ليذبحنِى الحزن ما يشرَكنى
فيه أَحد . قال : وكيف؟ قالت : ذبح زوجى شاةً مضخّيًا ، ولِ
صبيّان يلعبان . فقال أكبرهما للأَّصغر : أُريك كيف صنَع أبى بالشاة؟
فعلَّقه فذبحه فما شعرنا به إِلَّا متشحّطًا(٢). فلما استَعْلَت الضجّة
هرب الغلام ناحيةَ الجبل فرهقَه(٣) ذئب فأَكله ، ونحن لا نعلم،
واتَّبعه أبوه يطلبه فمات عطَشًا. فأَفردنِى الدّهر. قال: فكيف صبركِ؟
قالت؟ لورأيتُ فى الجزع مُدْركٌ (٤) ما اخترت عليه .
(١) التحريم ٦.
(٣) أى لحقه .
(٤) ط : دركاً .)
(٢) مضرجاً بدمه .

٤٣٩
١٠١٥ - عابدة أخرى :
أبو بكربن عبيد قال: حدثنى عُبيد الله(١) بن محمد أنه سمع امرأة
من المتعبّدات تقول، وبكَث : والله لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت
الموت يُباع لاشتريتُه شوقًا إِلى الله وحُبًّا للقائه . قال : قلت لها :
أَفَعَلَى ثقةٍ أَنتِ من عَملِك؟ قالت : لا والله، ولكن لحبِّى إِيَّه وحُسنٍ
ظنِّى به ، أَفَتراه يعذِّبنى وأَنا أُحبُّه ؟
١٠١٦ - عابدة أخرى :
عن الحسن بن جعفرٍ أَنه سمع أباه يقول: مررت بدارٍ فإِذا أَنا
بعجوز مَكْفوفةٍ تبكى وتقول : يا حليم تقرّب الناسُ إِليك بالأعمال
يَدْعونك بها ، فكيف أَدعوك بالذّنوب ولا عملَ أَرضاه؟ ياربّ هَب ◌ِ
من حِلمك ما تكفينى به وتُنجينى من عذابك . قال : فوقفت عليها
فَوَعَظْتها وقلت: هل لك وَلد ؟ قالت : لا . قلت: مَن معكِ فى دارِك؟
قالت : سبحان الله . مَعِى مَن أُناجيه ، فهل علىّ وحشة معه وهو
أَنيسى؟ قال : فأَبكتنى . فقلت لها : ما مَعاشُكِ؟ قالت : دع عنك
مالا تحتاج إليه بلغت السن فما أَحوَجِنِى إليك ولا إلى غيرك ، أَما
تقرأ القرآن: ((والَّذِى هُو يُطْعِمُنِى ويَسقينِ وإِذا مَرِضْتُ فهوَ
يَشْفِينِ))(٢) فقلت: إِيذَنى لِ فى زيارتكِ. فقالت: أَعْزُمُ عَلَيك
إِن فَعَلتَ أَوذكرت لى اسمًا. ثم أَجافت الباب(٣).
١٠١٧ - عابدة أخرى :
عن العباس بن سهم أَن امرأة من الصالحات أَناها نَعْىُ زوجها
وهى تعجن ، فرفعت يدَها من العجين وقالت : هذا طعامٌ قد صار لنا
فيه شُركاءُ .
(١) ط : عبد الله.
(٣) ردته وأغلقته .
(٢) الشعراء : ٧٩ - ٨٠ .

٤٤٠
١٠١٨ - عابدة أخرى :
وبالإِسناد عن ابن رَوْح عن بعض أهل العلم أن امرأةٌ أَتاها نَعْىُ
زوجها والسّراج يَقِدُ (١) فأَطفأَت السراج وقالت : هذا زيتٌ قد صار
لنا فيه شريك .
١٠١٩ -
عابدة أخرى :
عبد الملك بن شَبيب ، عن رجل من ولد عبد الرحمن بن أبى
ليلى، قال: دخلت على امرأة وأنا أقرأ سورة هود. فقالت لى :
ياعبد الرحمن هكذا تَقرأ سورة هود؟ [والله] إِنِّى فيها منذ ستة أشهر
وما فرغتُ من قراءتها .
١٠٢٠ - عابدة أخرى :
أبوالوليد القاضى قال : سمعت امرأة تقول : فقدتُك من قلب
أَصبحتَ قاسيًا ولعظمة الله ناسيًا كيف تقرُّ عَينِى وقد أَخبرنى أَن قاسى
القلب منِّى بَعيد ؟
١٠٢١ - عابدة أخرى :
سَرِىّ السّقطى قال بلغنى أن امرأة كانت إذا قامت من الليل قالت :
اللهم إِنَّ إِبليس عبدٌ من عبيدك ، ناصيتُه بيدك ، يَرانى من حيث
لا أراه، وأنت تراه من حيث لا يراك . اللهم إِنك تقدر على أمره كله،
وهو لا يقدر من أَمرك على شىءٍ، اللهم إِن أَرادنى بشرٌّ فَأُرِدْه ، وإِن
كادَنى فَكِدْهِ ، أَدرأُ بك فى نحره ، وأَعوذ بك من شره . ثم بكت
حتى ذهبت إِحدى عينيها . فقيل لها: اتَّقى الله لا تَذهب الأُخرى.
(١) وقد السراج يقد: اشتعل . ق : تقد.
(٢) ط : مدة .
(٣) قط : والعلم .