النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ فالتفت إليه فإذا شيخ كأنه صاحبى قال : هات ميراث فلان . قال : فدفعت إليه العصا والقدَح والجِراب ثم ولّيت راجعاً قال : فو الله ما خرجت من المسجد حتى قلت لنفسى : تَضْرِب من مكة إلى بيت المقدس وقد رأيتَ من الشّيخ الأول ما رأيت ، ورأيت من هذا الشيخ الثانى ما رأيت ، ولا تسأل هؤلاء القوم أَىّ شىءٍ قِصّتهم وتسألهم عن أَمْرهم ومَنْ هُم ؟ قال : فرجعت ومِن رأى أن لا أُفارق هذا الشيخ الآخر حتى يموت أَو أَموت . قال : فجعلت أَدور الحلق وأجهد على أن أعرفه أو أَقع عليه فلم أَقع عليه . قال : وجعلت أَسأَل عنه، وأَقمت أياماً ببيت المقدس أَطلبه وأَسأَل عنه ، فلم أجد أحداً يدلّنى عليه . فرجعت منصرفاً إلى العراق . ٩٤٨ - عابد آخر : محمد بن سهل بن عسكر البخارى قال : كنت أَمشِى فى طريق مكة إِذْ رأيت رجلاً مَغْربياً على بغل ، وبين يديه منادٍ ينادى : من أَصاب هَمَياناً له ألف دينار (١) قال: وإذا إِنسان أَعْرج عليه أَطمارٌ رثَّة خُلْقانٌ (٢) يقول للمغربّى: أَىّ شىءٍ علامة الهميان ؟ قال: كذا وكذا . وفيه بضائع لِقومٍ وأَنا أعطِى من مالى ألف دينار . فقال الفقير: من يقرأ الكتابة ؟ قال ابن عسكر : فقلت: أَنا . فقال : اعدلوا بِنَا نَاحِية من الطريق . فعدلنا فأُخرج الهميان فجعل المغربى يقول: حَيّتان (٣) لفلانة ابنة فلان بخمسمائة دينار ، وحَبّة (٤) لفلانة بمائة دينار وجعل (١) كذا فى النسخ. والصواب ربط جواب الشرط بالفاء. ويمكن اعتبار (من) استفهامية أو موصولة . والهميان : كيس تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط . (٢) بالية . (٣) جبتان . (٤) ط : وجبة . ( م ٢٦ - صفة الصفوة جـ ٤) ٤٠٢ يعدّد(١) فإذا هو كما قال. فحلّ المغربى هميانَه وقال: خذ ألف الدينار(٢) التى وعدتُ على وٍجادة الهميان. فقال الأعرج: لو كانت (٣) قيمة الهميان الذى أعطيتك عندى بَعَرتين ما كنتَ تراه ، فكيف آخذ منك ألف دينار على ما هذا قيمته ؟ وقام ومضى ولم يأخذ منه (٤) شيئاً. ٩٤٩ - عابد آخر : أبو الحسن اللؤلؤى، وكان خيّرا فاضلاً قال : كنت فى البحر فانكسر المركب وغرِق كلّ ما فيه، وكان فى وِطائى(٥) لؤلؤ قيمته أربعة آلاف دينار. وقربَت أيام الحج وخفتُ القَوات . فلما سلم الله عز وجلٌ روحى ونَجَانِى مَشَيْت . فقال لى جماعة كانوا فى المركب : لو تَوقُفتَ عسى يَجِىءُ من يُخرج شيئاً فيُخرِجُ لك من رَحْلك شيئاً . فقلت : قد علم الله عز وجلٌ مامر منّى . وكان فى وطائى شىءٌ قيمته أربعة آلاف [ دينار ] وما كنت بالذى أُوثره على وقفة بعرفة. فقالوا: وما الذى ورّئك هذه المنزلة؟ فقلت: أنا رجل مُولع بالحجِّ، أَطلب الرّبْح والثّواب حَجَجتُ فى بعض السنين وعطشتُ عطشاً شديداً فأَجْلست (٦) عَدِيلى فى وَسَط المحمَل، ونزلت أَطلب الماءَ والناس مُعطِشون (٧) أيضاً . فلم أزل أَسأَل رجلًا رجلًا ومَجمعاً مَجمعاً : أَمعكم ماء ؟ والناس شَرعُ واحد (٨) حتى صِرتُ فى سَاقَة القافلة (٩) يميل أَو مِيلين (١٠) (١) ط : يعد . (٢) فى النسخ : ألف دينار. والصواب ما أثبتناه . (٤) منه : ليست فى ط . (٣) قط : كلفت . (٥) الوطاء : الفراش ونحوه . (٦) ط: وأجلست. والعديل: الذى يعادله أى يركب معه فى المحمل والمركب. (٧) أعطش الرجل : عطشت مواشيه . ق : معطشين . (٨) أى سواء فى ذلك . (٩) أى فى مؤخرتها. ط: (حزت) بدل (صرت). (١٠) ط : بميلين. ٤٠٣ فمررت بمصنع مُصَهْرج (١) وإذا رجل فقير جالس فى أرض المصنع وقد غَرزَ عصاه فى أرض المصنع ، والماءُ ينبع من موضع العصا وهو يشرب فنزلتُ إليه وشَربت حتى روِيت وجئت إلى القافلة والناس قد نزلوا ، فأَخرجت قِرْبةً ومضيتُ فملأُّتها ورجعت . فلما رآنى الناس والقِرْبةُ على كَتِفى معاوءة فكأنه نُودى فيهم أَنَّ الماءَ وراءَكم فتبادروا إليه بالقِرَب . فلما رَوِىَ الناسُ عن آخرهم وسارت القافلة جئت لأُنظر فإِذا البرْكة ملأى تلتطم بأمواجها والناس يَرمون الدّاء ويَرْتَجِزُون عليه. فموسم يحضُره مثل هؤلاء: يقولون اللهم اغفر لمن حضَر الموقفِ ولجماعة المسلمين أُوثر عليه أربعة آلاف دينار؟ لا والله ولا الدنيا بأسرها وتَرك اللؤلؤ وجميع ما فيه . قال الشيخ : فبلغنى أن قيمة ما كان غرِقٍ له خمسون (٢) ألف دينار (٣). ٩٥٠ - عابد آخر : . لُقِىَ بين الثعابّية والخُزيميّة (٤) إبراهيم بن المهلب ، أبو الأَشهب السائح ، قال : رأيت بين الثعلبية والخزيمية غلامًا قائمًا يصلّى عند بعض الأميال . قد انقطع عن الناس . فانتظرته حتى قطع صلاته ثم قلت له : ما مَعك مُؤنس ؟ قال : بلى . قلت : وأين هو ؟ قال : أَمامِى، وخَلَفِى، ومَعِى، وعن يمينى ، وعن شِمالى، وفَوقى . فعلمتُ أَن عنده معرفة . قلت : أَما معك زادٌ ؟ قال : بلى . قلت : وأين هو ؟ قال : الإِخلاص لله عزّ وجلّ ، (١) المصنع: ما يجمع فيه ماء المطر كالحوض. والمصهرج: المطلى بالكلس. (٢) ق : خمسين . (٣) بعدها فى ط : والسلام . (٤) الخزيمية : منزل من منازل الحاج بعد الثعلبية من الكوفة، بينه وبين الثعلبية (٣٢) ميلا. وقيل إنه الحزيمية بالحاء المهملة (ياقوت). ط: وبين الخزيمية. ٤٠٤ والتوحيد والإقرار بنبيه صلى الله عليه وسلم وإيمانٌ صادق ، وتوكُل واثقٌ . قلت : هل لك فى مُرافقتى ؟ قال : الرفيق يشغل عن الله عز وجل ولا أحبّ أَن أرافق أَحدا فأَشتغلَ به عنه طرفة عين فيقطعَنى عن بعض ما أَنا عليه . قلت : أَما تَسْتوحش فى هذه البريّة وحدك ؟ قال : إن الأُنس بالله عز وجل قطَع عنى كل (١) وحشة حتى لو كنت بين السباع ما خفتُها ولا استوحشتُ منها . قلت : فمن أين تأكل ؟ فقال: الذى غذانى فى ظُلَم الأحشاء والأَرحام صغيرًا قد تكفّل برزقى كبيرًا . قلت : ففى أَىّ وقتٍ تجيئك الأَسباب ؟ قال : لى حدّ معلوم ووقت مفهوم إذا احتجتُ إلى الطعام أصبتُه فى أَىّ موضعٍ كنت ، وقد علم ما يُصلحنى وهو غير غافل عنّى. قلت : أَلك حاجة ؟ قال : نعم . قلت : وما هى ؟ قال: إِن رأيتَنى فلا تكلّمنى ولا تُعلم أَحدًا أَنكِ تَعْرفنى . قلت : لك ذلك فهل حاجةٌ غيرها ؟ قال : نعم . قلت : وما هَى ؟ قال : إِن استطعتَ أن لا تَنسانى فى دعائك عند الشّدائد إذا نزلَت بك فافعل . قلت : كيف يدعو مِثلى لمِثلك وأنت أفضل منّى خوفاً وتوكلا ؟ قال : لا تقل هذا إِنّك قد صليت لله عز وجل وصُمت قبلى ولك حقّ الإِسلام ومعرفة الإيمان . قلت : فإِنّ لى أَيضاً حاجة : قال: وما هى ؟ قلت ادعُ الله لى. فقال: حجَبَ اللّه طَرْفك عن كلّ معصية، وأَلْهمَ قلبك الفكر فيما يُرضيه حتى لا يكون لك همَّ إِلاَ هوَ. قلت : يا حبيبى متى ألقاك ؟ وأين أَطلبك؟ فقال: أَمّا فى الدنيا فلا تحدّث نفسك بلقائى فيها وأما الآخرة فإِنها مَجمع المتّقين فإِيّاك أَن تخالف الله فيما أمرك وندَبك إليه ، وإن كنت تَبتْغى لقائى فاطلبنى (١) ق ، ب: قطعنى عن كل . وأثبت ما فى قط. ٤٠٥ مع الناظرين إلى الله تبارك وتعالى (١) فى زُمرتهم . قلت: وكيف عَلمت ذاك ؟ قال : بغضِّ طَرفى له عن (٢) كلّ محرّم، واجتنابى فيه كل منكر ومأُثم ، وقد سألته أَن يجعل جنّتى النظر إليه . ثم صاح وأُقبل يسعى حتى غاب عن بصَرِى . ٩٥١ - عابد آخر : صالح بن عبد الكريم قال : رأيت غلاماً أسود فى طريق مكة عند ميل (٣) يصلّى فقلت له: عبدٌ أَنت؟ قال: نعم: قلت : فعليك ضريبة؟ قال: نعم. قلت : أَفلا أُكلم مولاكَ أَن يضَع عنك؟ قال : وما الدنيا كلها فأَجزع من ذلّها ؟ قال : فاشتريتُه وأَعتقته . فقعد يبكى وقال لى أُعتقتَنى؟ قلت نعم. قال أعتقك الله يوم القيامة. وقعد يبكى ويقول : اشتد علىّ الأَمرِ. فناولتُه دنانير فأَبى أَن يأُخذها. قال : فحججتُ بعد ذلك بأربع سنين فسأَلت عنه فقالوا : غاب عنّا فمذ غاب فَحْنا وصار إِلى جُدّة . ٩٥٢ - عابد آخر : جعفر الخلدِى قال : حججت سنةٌ من السنين فصحِبنى بعض الصوفية، وكان ممن يُشار إليه بالعلم والمعرفة. فأَضَافَنَا الطريق إلى جَبَلٍ ، وكنا جماعةً فاستسقَيْناهُ ماءً ولم يكن فى القِرَب ماءٌ، فأخذ ركْوة وأَوماً(٤) بها إلى الجبل فسمعت خَرِير الماءِ بأُذُنِى (٥) حتى امتلأَّت الرَّكْوة (١) ط : عزوجل. (٢) ط : من. (٣) علم من حجر يبنى للمسافر فى طريق مكة ليهتدى به ، وبين كل ميل وآخر مقدار مدى البصر . (٤) ط : وأومى. (٥) ط : بآذان . ٤٠٦ فسقَى الجماعة . وكانت عينى إلى الموضع فلا أرى للماءِ أَثْرًا ولا شقًّا فى الجبل . قال أبى فسألت جعفرًا عن هذا فقال: كرامة الله عز وجل لأوليائه . ٩٥٣ - عابد آخر : محمد بن المبارك الصورى(١) قال: خرجنا حُجَّاجًا فإذا نحن بشابّ ليس معه زاد ولا راحلة . فقلت: حبيبي، فى مثل هذا الطريق بلا زاد ولا راحلة؟ فقال لى: تُحسن تَقرأ؟ فقلت: نعم . فقرأت ((بسم الله الرّحمن الرّحيم. كهيعص)) (٢) فشهق شهقةً خرّ مغشيًا عليه. ثم أَفاق فقال : ويحك تَدْرِى ماقرأت؟ كاف من كافٍ ، وهاء من هادٍ ، وعين من عليم ، وصاد من صادِق، فإذا كان معى كافٍ وهادٍ وعايمٌ وصادِقٍ ما أَصنع بزادٍ وراحلة؟ ثم ولىّ وهو يقول : ومَعْدِنُ العلم بين جَنْبَيْكَا يا طالبَ العلمِ هَاهُنَا وَهُنَا فمثِّل العَرْضِ نُصبَ (٣) عَيْنيكا إن كنتَ ترجُو الجِنَانَ تسْكُنها فأسْبِل الدمع فَوْقَ خَدِّيكا (٤) إن كنتَ ترجو الحِسان تَخْطُبها وادعُه (٥) كيما يقول لبيّكا وقُم إِذا قسام كلِّ مُجتَهِدٍ ٤ ٩٥ - عابد آخر : وبالإِسناد قال عمر بن بحر : وسمعت أبا الفيض يقول : كنت فى تِيرٍ بنى إسرائيل أُريد الحج فرأيت غلامًا أَمرد على المحجّة (٦) يؤمّ (١) ب: الصوفى، تحريف. وقد مر التعريف به فى أول الترجمة رقم (٨٨٠) من هذا الجزء . (٢) الآية (١) من سورة مريم. (٣) قط: بين، وهى رواية أشير إليها فى هامش (ق) على أنها فى نسخة أخرى. (٤) البيت ليس فى ب. وفى قط: (فأسل) بدل ( فأسبل). (٥) ق : وادعوه . (٦) وسط الطريق ، ويسمى الجادة أيضاً . ٤٠٧ البيت العتيق بلا زاد ولا راحلة . فقلت لرفيقى : إن كان مع هذا الغلام يقين وإلاّ هلك. فلحقْتُه فقلت: يا فتى. فقال: لبّيك. فقلت فى مثل هذا : الموضع ، فى هذا الوقت، بلا زاد ولا راحلة؟ قال: فنظر إلىّ ثم قال : ياشيخ ارفع رأسك ، انظر هل ترى غيرَه؟ فقلت : ياحبيبى اذهب إلى حيث شئت . ٩٥٥ - عابد آخر : قال ذو النون : حججت سنةً إلى بيت الله الحرام فضللتُ عن الطريق ولم يكن معى ماءٌ ولا زاد فأَشرفتُ على الهلكة ، فلاحت لى أشجار كثيرة ومِحْرَاب، فطرحت نفسى فى ظل شجرة . فلما غربت الشمس إذا أَنا بشاب متغيّر اللون نحيل يؤمّ المحراب ، فركَل برجْله رَبْوةً من الأَرض فظهرت عينُ نبِضّ بماءٍ عذب . فشرب وتوضاً وقام فى محرابه فقمتُ إِلى العين فَشَرِبت ماء عذبًا وتوضَّأْت وقمت أُصلّى بصلاته ، حتى بَرَقَ عمود الصبح . فلما رأى الصبح وَتَبَ قائمًا على قدميه ونادى بأعلى صوته : ذهب الليل بما فيه، وأقبل النهار بدوَاهِيه ولم أَقض من خدمتك وطرًا. آه ، خسِرَ مَن أَتَعَب (١) لغيرك بدَنه ، وأَلجأٌ (٢) إلى سواك حِمَمه. فلما أراد أن يمضى ناديته : بالذى منحك لذيذ الرغَب (٣) وأَذهَب عنك مِلال التعب إلا خفضتَ لى جناح الرحمة فإنىّ غريب أُريد البيت الحرام وقد ضللت . فقال : يا بطَّل وهل قطعَ بوفده دون البلوغ إليه؟ ثم قال : اتبعنى فرأيت الأَرض تُطوى (١) ق : تعب . وأثبت ما فى ط . (٢) رسمت فى ق: والجىء. (٣) ط : الرغبة . ٤٠٨ من تحت أرجلنا حتى رأيت المحجّة وسمعت ضجّة فقال: ها (١) قومُك. ثم أنشأً يقول : وكان فى الخلوة يَرعاهُ مَنْ عَامَل الله بتقْوَاهُ يَسْلُبِه لَذَّة دنياهُ سَقَاه كأُمَّا مِنْ صَفَا حُبّه فأَبعدَ الخلق وأَقصاهُم وانفردَ العبدُ بِمَوْلاهُ ومن المصطفين الذين لقوا عند الاحرام ٩٥٦ - عابد (٢): عبد الله بن الجلَّاءِ قال: كنت بذى الحُلَيفة (٣) وأَنا أُريد الحج والناس يُحرمون ، فرأيت شابًا قد صَبّ عليه الماء يريد الإِحرام وأَنا أَنظر إليه . فقال يارب أُريد أن أقول : لبيك اللهم لبيك، وأُخشى أَنْ تُجيبنى لا لبيك ولا سعدَيْك . وبقىَ يردّد هذا القول مرارًا كثيرًا وأَنا أَتسمع عليه . فلما أكثر قلت له : ليس لك بُدّ من الإحرام فقُل. فقال: ياشيخ أَخشَى إِن قلتُ لبيك اللهم لبيك أجابنى بلا لبيّك ولا سعدَيك . فقلت له : أُحسِن ظنَّك وقل معى : لبيك اللهم لبيّك. فقال: لبيك اللهم . وطَوَّلها ، وخرجَت نفسه مع قوله اللهم ، فسقط. ميتًا . ذكر المصطفين من العباد الذين لقوا بعرفة ٩٥٧ - عابدان : عن ثابت البنانى قال: إِنَّا وَقوفُ بجبل عرفة فإِذا شابان عليهما العَباءُ القطَوانىّ(٤)، نادى أحدهما صاحبه: ياحبيب، فأجابه الآخر: (٤) ها : حرف تنبيه . (٢) العنوان زيادة من عندنا ، ليست فى النسخ . (٣) ذو الحليفة (بالتصغير) قرية بينها وبين المدينة بضعة أميال . ومنها ميقات أهل المدينة. (٤) نسبة إلى قطوان (بفتح القاف وسكون الطاء أو فتحها) : موضع بالكوفة ، وأسم قرية من قرى سمرقند . ٤٠٩ لبيّك أَبها المحب. قال تَرى الذى تحابَبْنا فيه وتوادَدنا فيه معذبنا غدًا فى القيامة؟ قال : فسمعنا مناديًا، سمعتْه الآذان ولم تَره الأعين ، يقول : لا ، ليس بفاعل . ٩٥٨ - عابد آخر : يحيى بن كامل القُرشى قال : أَخبرنى سُفْيان الثَّوّرى قال : سمعت أَعرابيًا وهو متعلِّق (١) بعرفة، وهو يقول: إِلّهى مَن أولى بالزّلل والتقصير منى ، وقد خلقتَى ضعيفًا؟ ومن أولى بالعفو عنى منك وعلمك فىّ سابقٌ، وأَمرك بى مُحيط ؟ أَطعتك بإِذْنك والمنّة لك علىّ، وعصيتك بعلمك والحجَّة لك، فأَسأَلك بوجوب حُجّتك وانقطاع حُجّى، وبفقرى إِليك وغناك عنِّى أَن تغفرلى وترحمنى ، إِلهى لم أُحسن حتى أَعطَيتَنى، ولم أُسِىء حتى قضيت علىّ. اللهم إنَّا أَطعناك بنعمتك فى أَحب الأَشياء إليك، شهادة أن لا إله إلا الله ولم نَعصك فى أبغض الأَشياءِ إليك ، الشّرك بك ، فاغفرلى ما بينهما، اللهم سِرّى إِليك مكشوف، وأَنا إليك ملهوف ، إذا أَوحشتنى الغربة آنسنى ذِكرك ، وإذا صببتَ علىّ الهموم لجأَتُ إليك استجارةً بك، علمًا بأن أَزِمّةٍ (٢) الأُمور بيدك وأَن مَصدرها عن (٣) قضائك. ٩٥٩ - عابد آخر : أَحمد بن أبى الحَوارِّى قال : دخلت على أبي سليمان الدّارانى فقال لى : يا أحمد ، لى أيام ما بكيت . فقلت له : حدّثنى محمود ابن خلف أَنه رآى رجلاً عشيّة عرَفة على رأس جبل ، فلما دنا (١) ط : مستعلق. (٢) ج زمام وهو المقود . (٣) ط : من. ٤١٠ الانصراف سمعه يقول: الأَمان الأَمان قدْ دَنا الانصراف ، فليت شِعرى ما صنعتَ فى حاجة المساكين؟ قال : فبكى حتى جَعَلَتْ الدموع تشِب من عينيه ولا تَسيل على خدّه. ٩٦٠ - عبد آخر : أبو الأديان قال: ما رأيت خائفًا إلَّا رجلاً واحدًا: كنت بالموقف فرأيت شابًا مطرقًا منذ وقف الناس إلى أن سقط. القُرص (١) فقلت: ياهذا أبسط. يديك بالدّعاء. فقال لى: ثَمَّ(٢) وحشةٌ. فقلت له : فهذا يوم العفو عن الذنوب. قال: فبسط يده، ففى بَسْطِ، يده وقع ميتًا . ٩٦١ - عابدة لقيت بعرفة : عبد الله بن داود الواسطى قال : بينا أنا واقف بعرفات إذا أنا بامرأة وهى تقول: مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلّ له، ومن يُضِلْل اللهُ فَمالهُ من هاد(٣) . فقلت : امرأة ضالَّة . فنزلتُ عن بَعيرى وقلت لها : ياهذه ما قصّتك؟ فقالت ((ولا تَقْفُ ماليس لكَ به عِلْمُ إِنَّ السّمْعَ والبصَرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسئولا)) (٤) فقلت فى نفسى: حَروريّة لا ترى كلامَنا: فقلت لها: من أين أنت؟ فقرأتْ ((سُبحان الَّذی أُسری بعبده ليلاً من المسجد الحَرامِ إلى المسجدِ الأَقصى))(٥) فأَركبتها بَعِيرى وقفلت (٦) بها أُريد رحال المقدسيّين(٧) . فلما توسّطتُ قلت لها: ياهذه لمن أُصوّت؟ فقرأت ((ياداوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأَرْضِ)) (٨)، (٢) ثم : هناك. (١) أى غابت الشمس . (٣) الجملة الثانية جزء من الآية (٣٣) من سورة الرعد. أو (٢٣) من سورة الزمر. (٤) الإسراء - ٣٦ . (٥) الإسراء - ١ - وقوله لا ترى كلامنا : أى ليست على مذهبنا . (٦) ق، ب : وقدت . والمثبت من قط . (٧) الحجاج من بيت المقدس . (٨) سورة ص : ٢٦. ٤١١ ((يا زكريًّا إِنَّا نُبَشِّرك بغلامِ اسمُهُ يحبى (١))). ((يايحيى خُذِ الكتابَ بقوّةٍ))(٢). فناديت: يازكريا، يايحيى، ياداود. فخرج إلىّ ثلاثة فتيان من بين الرجال فقالوا : أُمُّنا وربِّ الكعبة ضَلَّت منذ ثلاثٍ . وأَنزَلوها وأَكرَمونى . فقلت لهم: مالَها لا تتكلم؟ قالوا: ما تكلَّمت، منذ ثلاثين سنة مخافة أَن تَزِلّ . قلت : هذه امرأة صالحة المقصِد إلَّا أَنها لقلَّة علمها لم تدر أَنّ هذا الفِعل مَنِهِىَّ عنه لأنها استعملت القرآن فيما لم يُوضَع له . قال ابن عَقيل : لايجوز أن يُجعل القرآن بدلاً من الكلام لأَّنه استعمال له فى غير ما وُضع له ، كما لو أراد استعمال المصحف فى الوزن بِهِ أَو تَوسُّدِه . قال: ويُكره الصَّمت إلى الليل لأَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهى عن صَمت يومٍ إلى الليل (٣). ذكر المصطفين من عباد لقوا فى الطواف ٩٦٢ - عابد : قاسم بن عثمان الجُوعى يقول : رأيت فى الطّواف رجلاً لا يزيد على قوله : إلهى قضيتَ حوائج المحتاجين (٤) وحاجتى لم تُقض . فقلت له : مالك لا تزيد على هذا الكلام؟ فقال : أُحدّثك . كنَّا سبعة أَنفس من بُلدان شتَّى، ترافَقْنا وغَزَوْنا أَرض العدو . فاسْتُؤْسِرنا(٥) كلَّنا. فاعتزل بنا بِطريق (٦) إلى موضع ليَضرب رِقَابنا. فنظرتُ إلى السماءِ فإِذا سبعة أبواب مفتوحة فى السماءِ ، عليها سبع جَوارٍ من الحُور العِين ، (١) مريم - ٧. (٢) مريم - ١٢. (٣) بعده فى ط: والسلام . والحديث الذى أشار إليه المؤلف حسن، أخرجه أبو داود فى كتاب الوصايا وأوله: ((لا يتم بعد احتلام ... )). قال النووى فى الأذكار ص ٣٦٢ : إسناده حسن . (٤) ط : واستوسرنا. (٦) البطريق : القائد من قواد الروم . (٥) ط : المنجحين. ٤١٢ على كل بابٍ جاريةٌ . فقُدِّم رجل منا فضُربت عنقه . فرأيت جاريةً فى يدها منديل قد هبطت إلى الأرض حتى ضُربت (١) أَعناقُ السنة وبقيت أَنا وبقىَ باب واحد فلما قُدِّمتُ لتُضرَب رقبتى اسْتوْهَبنى بعضُ رجاله فوهبنى له . فسمعتها وهى تقول: أَىّ شىءٍ فاتَك يامحروم؟ وأُغلقت الباب . فأَنا يا أَخى متحسّر على مافاتنى . قال قاسم الجوعى : أَراهُ أفضلهم لأَّنه رآى مالم يَرَوْا(٢) وتُرك يعمل على الشوق . ٩٦٢ - عابد آخر : عمَّار بن عثمان قال : سمعت هَدّابًا يقول: رأيت رجلاً يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول فى بكائه : غنيّ كريم لا يُخيّب سائِلا تمنَّ على ذِى العرشِ ماشئتَ إِنَّه قال : ثم شهق شهقةً حتى ظننت أن نفسه ستخرج . قال : فقلت له : ماشأنك رحمك الله؟ قال أعظمُ الشأْنِ شأتى، إنىِّ ندبت إلى أمر فقصّرت عنه . قال : ثم غُشِىَ عليه . ٩٦٤ - عابد آخر : عن محمد بن صالح قال : بينا أنا فى الطواف إذا نظرت إلى أَعرابِى بدوىّ متعلق بأستار الكعبة ، وقد شخص بصرُه نحو السماءِ ، وهو يقول: ياخير من وفَد الأَّنَامُ (٣) إِليه، ذهبَت أَيامى، وضعُفَت قوّتى، وقد وردتُ إلى بيتك المعظّم المكرّم بذنوب كثيرة لا تَسعها الأَرضُ ولا تَغْسِلها البحار، مُسْتجيرًا بعفوك منها ، وحَطَطْتُ رحلى بفِنائك، وأنفقت مالى فى رِضاك ، فماذا الذى يكون من جزائك يامولاى ؟ (١) ق : ضرب. (٢) ق : لم يرون . (٣) ب : العباد. ٤١٣ ثم أقبل على الناس بوجهه فقال : يامعشر الناس ادعوا لمن وكزَته الخطايا(١) وغمَرته البلايا. ارحموا أَسيرَ ضُرِّ وغريبَ فاقةٍ . سأَلتكم بالذى عمَّتكم الرغبة إليه ، إلا سألتم الله تعالى أن يهب لي جُرمى ويغفر لى ذنوبى . ثم عاود فتعلَّق بأستار الكعبة وقال : إِلّهى وسيدى ، عظيم الذنب (٢) مكروبٌ، وعن صالح الأعمال مردودٌ ، وقد أَصبحت ذا فاقةٍ إِلى رحمتك يامولاى (٣) . قال محمد بن صالح: ثم رأيته بعرفات وقد وضع يساره على أم رأسه يصرخ ويبكى ويشهق ويقول : إِلَهَى وسيدى ومولاى أَضحكتَ الأَرض بالزَّهْر ، وأمطرت السماء بالرّحمة، والذى أُعطيتَ الوَحِّدين إِن نفسى لواثقةٌ لِي ولهم منك بالرضا ، وكيف لا يكون كذلك، وأَنت حبيب مّن تحبّب إليك ، وقرّة عينٍ من لاذَ بك وانقطع إليك؟ يامولاى حقًا حقًا أقول، لقد أَمرت بمكارم الأخلاق فاجعل وُقُودِى إليك عتقَ رقَبتى من النار . ٩٦٥ - عابد آخر : ابراهيم الخوّاص قال: رأيت شابًا فى الطواف متَّزرًا بعباءة ، متَّشِحًا بأُخرى كثير الطَّواف والصلاة . فوقع فى قلبى محَّبته ففُتح علىّ بأربعمائة درهم فجئت بها إليه وهو جالس خلف المقام فَوَضَعْتها على طرف عبائه وقالت له : يا أَخى اصرف هذه القُطَيعات فى بعض حوائجك . فقام وبدّدها فى الحصا وقال : يا ابراهيم اشتريتُ هذه الجلسة من الله (١) يقال: وكزه: ضربه. بجمع الكف . ووكزه بالرمح: طعنه. ووكز أنفه : كسره . والمعنى فى العبارة على المجاز . (٢) أى المرء الذى عظمت ذنوبه . (٣) ط : يا مولى . ٤١٤ [تعالى] بسبعين ألف دينارٍ عينٍ (١)، تريد أن تخدعنى عن الله عز وجل بهذا الوَسخ ؟ قال إِبراهيم: فما رأيت أَعزّ منه وهو ينظر، وأَذلّ منِّى وأنا أجمعها من بين الحصى . ثم قام وذهب . ٩٦٦ - عابد آخر : أبو عبد الله بن طاهر قال: رأيت فى الطواف شيخًا أَعجميًا والناس يتضرّعون ويدعون وهو ساكت . فقلت له : أَلا تدعو؟ فمدّ يده ورفع بها شيبته وقال : يا خُداهْ. شيخ(٢)، ولم يَزد على ذلك . ومن عقلاء المجانين الذين لقوا فى الطواف ٩٦٧ - ولهان المجنون: أبو عبد الله المغربى قال : كنت فى الطواف فرأيت ولهانَ المجنون وهو يقول : حبّك قتلنِى، وشوقك أَيقظنِى، والاتّصال بك أسقمنِ، فعدمتُ قلبًا يحب غيرك وثكلت خواطرَ أَنِسَتْ بسواك . ذكر المصطفيات من عابدات رئين فى الطواف ٩٦٨ - عابدة : مالِك بن دينار قال : بينا أنا أَطوف بالبيت إذا أَنا بجُوَيْرِيَةٍ متعبّدة ، فإِذا هى تقول : ياربّ كم شهوةٍ قد ذهبتْ لذّتها وبقيتْ تَبِعَتُها ، يارب ماكان لك عقوبة ولا أدب إِلا النار . قال: فوالله مازال ذلك مُقامها حتى طلع الفجر . قال مالك : فوضعتُ يدِى على رأسى ثم صرخت وجعلت أقول : ثكات مالكًا أُمّه وعدمته ، جُويرِيةٌ منذ الليلة قد بطَّلته(٣). (١) العين: الذهب المضروب (خلاف الورق). (٢) خدا ( بضم الخاء) : كلمة فارسية معناها: الرب، اللّه تعالى. أى يا ألله أنا شيخ. (٣) بطل الشىء: عطله وذهب به ضياعاً . ٤١٥ ٩٦٩ - عابدة أخرى : عن محمد بن يزيد بن حبيش قال : قال وهيب بن الورد : بينما امرأة فى الطواف ذات يوم وهى تقول : ياربّ ذهبت اللذات وبقيت التّبعات ، يارب سبحانك، وعزّتك إنك لأرحم الراحمين . يارب مالك عُقُوبة إِلَّ النار. فقالت صاحبة لها كانت معها: يا أخيّة دخلتٍ بيتَ ربك اليوم؟ قالت : واللهِ ما أرى هاتين القدمين - وأشارت إِلى قدميها - أَهلاً للطواف حول بيتِ ربِّى، فكيف أراهما أهلاً أَطأُ بهما بيت ربّى؟ وقد علمتُ حيث مَشَتَا وإِلى أَين مَشَتَا؟ ٩٧٠ - عابدة أخرى : عن الحسن قال : رأيت بدوية دخلت الطواف فقالت : ياحَسن الصُحبةِ(١)، جئتك من بعيد، أَقبلت أَسأَلَك سِترك الذى لا تُخرّقه الرماح ولا تُزيله الرياح . ٩٧١ - عابدة أخرى : عن عبد العزيز بن أبى روّاد قال : دخل قومٌ حُجّاج ومعهم امرأة تقول : أَين بيت ربِّى ؟ فيقولون : الساعة تَرَيْنه . فلما رأوه قالوا: هذا بيت ربّك أَما تَرِينَه؟ فخرجت تشتدّ وتقول: بيتُ ربِّ بيتُ ربِّى. حتى وضعت جيهَتها على البيت . فوالله ما رُفعت إِلا مَيّنة. ٩٧٢ - عابدة أخرى : ابراهيم بن مسلم المخزومى قال : وقَفتْ امرأة متعبّدة فى جوف الليل فتعلَّقت بأستار الكعبة: ثم بكت وقالت : ياكريمَ الصّحبة ، ویاحسن المَعُونة، أَتيتك من شُقَّة(٢) بعيدة متعرَّضة لمعروفك الذى وَسِعَ خَلْقك، (١) تخاطب ربها . (٢) الشقة : المسافة . ٤١٦ فأَّنِلنى من معروفك معروفًا تُغنينى به عن معروف مَن سواك يا أهل التقوى ويا أهل المغفِرة . قال: ثُمَّ صرخت صرخةً سقطت أوجهها فحُمِلت مغشيًا عليها . ٩٧٣ - عابدة أخرى : عن سعيد الأزرق الباهلى أنه قال : دخلت الطواف ليلاً ، فبينا أَنا أَطوف وإِذا بامرأة فى الحِجْر (١) ملتزمة للبيت قد علا نَشِيجها، فَدَنَوْت منها وهى تقول: يامن لا تراه العيون ولاتُخالطه الأَوهام والظنون، ولا تغيّره الحوادث ولا يَصِفه الواصفون: ياعالماً بمثاقيل الجبال(٢) ومَكَاييل البحار وعَدد قَطْرِ الأَمْطار، وَوَرَق الأشجار ، وعَدد ما أَظلم عليه الليل وأَشرق عليه النهار، لا تُوارِى منه سماءٌ سماءٌٍ، ولا أَرضُ أَرضًا، ولاجبلٌ مافى وَعره، ولابحرٌ ما فى قَعره(٣). أَسأَلك أَن تجعل خير عُمرى آخِره، وخيرَ عملى خواتِمه (٤)، وخير أَيَّامى يومَ أَلقاك (٥)، وخير ساعاتى مفارقة الأَحيَاء(٦) من دار الفَناءِ إِلى دار البقاء التى تُكرم فيها من أحببتَ من أوليائك ، وتُهين فيها من أَبغضت من أعدائك . أَسأَلَك إِلَّهى عافيةً جامعة لخير الدنيا والآخرة مَنَّا مِنْكَ (٧) علىّ وتطوّلاً ياذا الجلال والإكرام . ثم صرخَت وغُشِىَ عليها . ٩٧٤ - عابدة أخرى : محمد بن زيد قال : سمعت ذا النون يقول ، خرجت حاجًّا إلى بيت الله الحرام فبينا أنا فى الطواف(٨) إِذا أَنا بشخص متعلق بأَستار (١) الحجر (بكسر فسكون) : حجر الكعبة ، وهو اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربى . وقيل : هو ما حواه الحطيم المدار بالبيت جانب الشمال . (٢) أى بأوزانها . (٣) أى لا يوارى الجبل ما فى وعره عن اللّه، ولا البحر ما فى قعره. (٤) ط : خواتيمه . (٦) ط : الأحباء. (٥) ب : لقائك . (٧) تفضلا . (٨) ب: أنا أطوف. ٤١٧ الكعبة يبكى ويقول فى بكائه : كتمتُ بلائى من غيرك ، وبُحتُ بسرَّى إليك ، واشتغلت بك عمَّن سواك ، عجبت لمن عرفك كيف يسلوعنك؟ وان ذاق حبَّك كيف يصبر عنك ؟ ثم أقبل على نفسه فقال : أَمهلَك فما ارعويتَ. وستَر عليك فما استحييتَ . وسلَبَكَ حلاوةَ المناجاةِ فما باليت. ثم قال : عَزيزِى مالى إِذا قُمتُ بين يديك ألقيت علىَّ النعَاسَ ومنعتنى حلاوةَ الخِدمَةِ ؟ لِمَ قُرْةَ عينى لِمَهْ؟ ثم أنشأً يقول: شيئًا أَمرَّ من الفِراق وأَوْجَعًا رَوَّعْتَ قلبى بالفِراق فلم أجد ولطالما قد كنتُ منه مُفَرَّعًا حَسْبُ الفراقِ بأَنْ يفرّق بيننا قال : فلم أَتمَالَك أَن أَتيت الكعبة مُستخِفيًا فلما أحسّ بى تجلَّلَ (١) بخِمارٍ كان عليه ثم قال: ياذا النون ◌ُصّ بصَرك فإِنِّى حَرام (٢) . فعلمت أنها امرأة فقلت : والله قد شغلنى قولك عن كثير مما كُنتُ فيه . فقالت: ولِمَ عافاك الله؟ أما علمت أن الله عبادًا لا يشغَلهم سواه ولا يميلون إلى ذِكر غيره؟ ٩٧٥ - عابدة أخرى : عن ذى النون المصرى قال : كنت فى الطواف فسمعت صوتًا حزينًا وإذا بجارية متعلِّقة بأستار الكعبة وهى تقول : أنت تَدْرِى ياحبيبى مَن حبيبى؟ أنت تَدرى ونُحولُ الجِسْمِ واللَّهْعُ يَبوخَانِ بِسِرِّى ياعزيزى قد كتمتُ الحبّ حتى ضَاق صَدْرِى (١) تغطى. (٢) الحرام : مصدر، ضد الحلال ، يوصف به فيستوى فيه المفرد ، مذكراً ومؤنثاً ، والجمع ، فيقال : رجل حرام أى محرم ، وقوم حرام ... ( ٢ ٢٧ - صفة الصفوة جـ ٤) ٤١٨ قال ذوالنون : فشجانى ماسمعت حتى انتحبتُ وبكيت . ثم قالت : إِلَهى وسيدى ومولاى، بحُبكَ لى إِلا ماغفرتَ لى . قال : فتعاظَمنى ذلك وقلت : ياجارية أَما يكفيك أن تقولى : بحبِّى اكَ، حتى تقولى بحبّك لى ؟ فقالت: إِليك عنِّى ياذ النون . أَما علمت أَن لله عز وجل قومًا يحيهم قبل أن يحبّوه ؟ أَما سمعت الله عز وجل يقول ((فسوفَ يأْنِى اللهُ بقومٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ)) (١) . فسبقت محبّته لهم قبلَ محبتهم له؟ فقلت: من أين علمتِ أَنى ذوالنون ؟ فقالت : يا بَطَّل جَالت القلوب فى ميدان الأَسرار فَعَرَفتك. ثم قالت : انظُر مِن خلفِك . فأَدرت وجهى ، فلا أَدرِى السماءُ اقتلَعتْها أَم الأَرض ابتلَعَتْها. ٩٧٦ - عابدة اخرى : أبو عبد الملك قال : رأيت امرأة متعلقة بأستار الكعبة وهى تقول : اللهم إنى أَستَعْديك على نفسى . ٩٧٧ - عابدة أخرى : أبو الأَشْهب السائح قال : بينا أنا فى الطواف إذا بجويرية قد تعلقت بأَستار الكَعْبَة وهى تقول: يا وحشتى بعْدَ الأنس، وياذلّ بعد العزّ ، ويا فَقرى بعد الغِنى . فقلت لها : مالَكِ ؟ أَذهَب لك مال أو أُصبت بمصيبة؟ قالت: لا ولكن كان لى قلب ففقدته . قلت هذه مصيبتك؟ قالت : وأَىّ مصيبة أعظم من فقد القلوب وانقطاعها عن المحبوب؟ . فقلت لها : ان حُسن صوتك قد عطَّل على مَن سمع الكلامَ الطُوافَ. فقالت : ياشيخ، البيت بيتك أَم (٢) بيته؟ قلت: بل بيتُه. قالت : فالحرَمِ حرَّمُك أَم حرَمُه ؟ فقلت: بل حرَمُه . قالت : فدَعْنا (١) المائدة ٥٤ . (٢) ط : أو . t ٤١٩ نتدَلِّل (١) عليه على قدر ما استزارنا إليه. ثم قالت: بحبّك لى إِلَّ رَدَدْتَ علىّ قلبى . قال : فقلت من أين تَعْلَمِين أنه يُحبك؟ فقالت: جيّشَ من أَجلى الجيوش وأَنفق الأَموال وأَخْرجنى من دار الشِّرك وٍأَدخلَنِى فى التوحيد ، وعرّفنى نفسه بعد جَهلى إياه، فهل هذا إلا لعناية. قلت : كيف حبك له؟ قالت أعظم شىءٍ وأَجله . قلت: وتَعْرِفِين الحب؟ قالت : فإِذا جهلتُ فأَىّ شىءٍ أَعرف ؟ إنه الحِلوُ المجتنَى ما اقتصر ، فإذا أَفرط. عاد خَبلاً قاتلاً، أَو فسادًا معطّلا. وهو شجرة غَرْسُها كريهُ ومجناها لذيذ. ثم ولَّت ، وأَنشأَتْ تَقول : وَذِى قَلقٍ لا يعرف الصَّبرَ والعَزا له مُقْلَةٌ عَبَرَى أَضرَّ بها البُكا فَمن ذا يُدَاوِى المُسْتَهامَ من الضَّنا؟ وجسمُ نحیلٌ منشجیلاعج الھوی إِذا عطَفت منه العَوَاطفُ بالفَنا ولا سيّما والحبُّ صعبٌ مَرامهُ ٩٧٨ - عابدة أخرى : الجُنَيد قال : حججت على الوحدة(٢) فجاورتُ بمكة . فكنت إِذا جنّ الليل دخلت الطواف . فإذا أنا بجارية تطوف وتقول : فأَصْبح عندى قد أَناخ وطنَّبا(٣) أبى الحبّ أَنيخفَی وکم قَدْ كَتَمْتُه وإِنْ رُمتُ قربًا من حَبِيبِى تَقَرِّبًا إذا اشْتَدّ شَوقى هَامَ قلبى بذکرِه ويُسْعِدنى حتى أَلَّ وأَطربًا ويبدو فأَفنَی ثم أُحیا به له قال : فقلت لها : ياجارية أَما تَّقين الله تعالى؟ فى مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام؟ فالتفتت إلىّ وقالت : يا جُنيد : (١) ط : نتذلل ، تصحيف . (٢) أى منفرداً بنفسه . (٣) طنب بالمكان : أقام . ٤٢٠ أَهجرُ طِيبَ الوَسَنِ لولا النَّقَى لم تَرِنى كما تَرى عن وَطَنِ إِنَّ النُقَى شرَّدنى فحبُّه ميَّمنى أَفِرّ من وَجدِى به ثم قالت : ياجنيد تطوف بالبيت أم برب البيت؟ فقلت : أَطوف بالبيت . فرفعت رأسها إلى السماء وقالت : سبحانك ما أعظم مشيئتك فى خلقك، خَلْقُ الأَحجار يطوفون بالأحجار . ثم أنشأَت تقول : إليك وهم أقسى قلوبًا من الصخر يَطُوفون بالأَحجار يَبْغُون قُربةً وخَلُّوا محِلَّ القُرب فى باطن الفكر وتاهوا فلم يَدروا مِنَّ النَّيهِ مَنْ هُمُ وقامت صفات الودّ للحق بالذِئْر فلو أخلصوا فى الوُدّ غابت صِفاتهم قال الجُنيد : فغُشِى علىّ من قولها . فلما أَفقتُ لم أَرَها . ومن المصطفين الذين لقوا عند المقام ٩٧٩ - عابد : أيوب بن محمد اليمامى قال : حدثنى أبو عبد الرحمن العجلى أنه رأى رجلا قائمًا خلف المقام يصلِّى . فافتتح القرآن فلم يزل يقرأ حتى أتى على آخر القرآن ونُودى النداء الأَول فجلس فسلَّم ثم قام فركع ركعة ، قال : حسبتُها وِتْرَهُ. ثم قال وهو يرى أنه لا يسمعه أَحد: عند وُرودِ المنَهَل يغبِط. الرْبُ الدُّلْجَةَ(١). قال: ثم تنحَّى من مكانه فاختلط. بالناس . ومن المصطفين الذين لقوا بين مكة والمدينة ٩٨٠ - عابد : الخلدى قال : حجّ عبد الله الأقطع على فردٍ قدمٍ . قال : فلما بلغتُ (١) الدبلجة: السير ليلا. وهو قريب من معنى المثل المشهور ((عند الصباح يحمد القوم السری » .