النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
والخلوة بمناجاته . ثم مضى وهو يقول: قُدُّوس قُدُّوس قُدُّوس .
فناديتُه: أيها العابد قِف لى . فوقف وهو يقول: اقطع (١) عن قلبى كلَّ
علاقة ، واجعل شُغله بك دون خَلقِك . فسلمت عليه ثم سالته أن يدعو
الله لى فقال خفَّف (٢) الله عليك مُؤَن نَصَبِ السّير إليه، وأَدَّاك إلى رضاه
حتى لايكونَ بَيْنَكَ وبينه علاقة ، ثم سعَى بين (٣) يدىّ كالهارب من
السَّبع (٤).
ومن عابدات جبال الشام
٨٩١ - عابدة (٥):
عبد الملك بن هاشم قالَ : سمعت ذا النون يقول : كُنْتُ سائرًا
فى بعض جمال الشام فإِذا أَنا بكوخٍ فَقَصِدْتُهُ فإذا أَنا بعجوزٍ قد
عَمِيت من البكاءِ . فدنوت منها فسلَّمتُ وقلت : ياعجوز حدثينى ما الغِى ؟
قالت : الزّهد فى الدنيا . قلت : فما الزهد فى الدنيا ؟ قالت تركُ
طلبِ المفقود حتى يُفقد الموجود .
ذكر المصطفين من عباد جبال غير معروفة المكان
٨٩٢ - عابد فی جبل :
عن مِسعَرٍ أَن عابدًا كان يتعبدُ فى جبلٍ ، يُؤْنِى بقُوتِهِ كلّ يوم
قرصَيْن . قال سفيان : وقال غيرُ مِسعر : كان يأتيه طير أَبيض . قال
فأَتاه ذات يوم بقُوتِه فجاءه سائل فأَعطاه أَحد القُرْصين . ثم أَتاه
سائل آخر فكسَر القرص الثانى نِصْفين فأعطاه النصف وبقى النِّصْفُ
(١) یناجى ربه .
(٢) ط : خفت ، تحريف .
(٣) ق : من بين ، وأثبت ما فى ط .
(٤) بعده فى ط : والسلام.
(٥) من ظ .

٣٦٢
لنفسه ، ثم قال والله : ما هذا النّصف بالذى يُغنى عن هذا شيئًا ،
ولا هذا النصف بالذى يكفينى ، ولأَن يشبَع واحد خيرٌ من أن يجوع
اثنان. فسلَّم القرص كله للسائل وبات طاويًا. فأُّتِىَ فى منامه فقيل
له : سل : فقال : أَسأَّل المغفرة . فقيل له : هذا شىء قد أُعطِيته
فسل . قال أَسأَل(١) أَن يغاث الناس. قال: وكان عامَ جدبٍ فأُغيثوا .
٨٩٣ - عابد آخر على جبل :
أبو الهيثم عن عبد الله بن غالب أَنه حدّثه قال : خرجتُ إِلى
الجزيرة فركبت (٢) السّفينة فأَرْفت(٣) بنا إلى ناحية قريةٍ عادية فى
سَفْح جبلٍ خراب ليس فيها أحد . قال : فخرجت فَطَوّقت فى ذلك
الخراب أَتأَمل آثارهم وما كانوا فيه إذ دخلت بيتًا يُشبه أن يكون
مأهولاً . قال فقلت : إِن لهذا البيت لشأُنًا . قال : فرجعت إلى أصحابى
فقلت : إن لى إليكم حاجةً . قالوا : وماهى؟ قلت : تُقيمون علىّ
ليلةً . قالوا : نعم . قال : فدخلت ذلك البيت فقلت إن يكن له
أَهل فَسَيَأْوون إليه إِذا جاءَ الليل . فلما أَن جاءَ الليلُ سمعتُ صوتًا قد
انْحطَّ. من رأس الجبل، يسبِّحُ الله ويحمده ويكبّره . فلم يزل الصوت
يدنو كذلك حتى دخل البيت . قال : ولم أَر فى ذلك البيت شيئًا
إِلا جَرّةً ليس فيها شىء ، ووعاءً ليس فيه طعام. فصلَّى ماشاءَ الله
أَن يصلى . ثم انْصَرفَ إلى ذلك الوِعاءَ فأُكَلَ منه طعامًا، ثم حمد الله
تعالى. ثم أَتى تِلْكَ الجرَّة فشرب منها شرابًا. ثم قام فصلّى حتى أَصبح .
فلما أَصبح أَقام الصلاة فصلَّيتُ معه فقال : رحِمَكَ الله دخلتَ
1
(١) أسأل : ساقطة من ط .
(٢) ط : فركبنا .
(٣) أرفى إليه : بهأ .

٣٦٣
بيتى بغير إذنى؟ قال: قلت رحمك الله لم أُرِد إِلَّ الخير. وقلت (١):
رأَيتك أَتيتَ هذا الوعاء فأَكلتَ منه طعامًا وقد نظرتُ قبل ذلك
فلم أَرفيه شيئًا ، وأَتيتَ تلك الجرّة فشربتَ منها شرابًا وقد نظرت
قبل ذلك فلم أَرفيها شيئًا . قال : أَجل ما من طعامٍ أُريده من طعام
الناس إلَّا أَكلته من هذا الوعاء ، ولاشرابٍ أُريده من شراب الناس
إلَّا شربته من هذه الجرّة. قال: قلت: وإِن أَردتَ السّمك الطرىّ ؟
قال : وإِن أَردتُ السمك الطرِىّ . فقلت : رحمك الله إِن هذه الأمة
لم تؤمر بالذى صنعتَ، أُمِرَتْ بالصلاة فى الجماعة (٢) وعيادة المريض (٣)،
واتِّباع الجنائز ، فقال : ههنا قرية فيها كل ماذكرت وأَنا منتقل
إليها . قال : فكاتبنى حينًا ثم انقطع عنِّى كتابُه فَظَنَنْت أَنه مات .
وكان عبدالله بن غالب لما مات وُجِد من قبره ريحُ المسك.
٨٩٤ - عابد آخر على جبل :
قال محمد بن الحسین : حدثنى أحمدبن سهل قال : حدثنى أَبو فروة
السائح ، وكان والله من العاملين لله عز وجل بمحبته ، قال : بينا
أَنا أَطوف فى بعض الجبال إِذ سمعت صَدَى (٤) جبل فقلت: إِن هاهنا
لأَمرًا ما . فاتَّبعت الصوت فإِذا أَنا بهاتف يهتف: يا من آنَسنى بذِكره
وأَوحشنى من خلقه، وكان لى عند مسرّتى. ارْحم اليوم عَبرتى وهَب لى
من معرفتك ما أَزداد به (٥) تقربًا إليك. ياعظيم الصّنيعة إِلى أَوْليائه
اجعلنى اليوم من أوليائك المتقين .
(١) ط : قلت .
(٢) ق، ب: ((أمرت بالجماعة والمساجد
الفضل الصلوات فى الجماعة)). وأثبت ما فى قط.
(٣) ط : المرضى .
(٤) ط : صداء. ورسمت فى ق هكذا: صدا. والصدى: ما يرده الجبل أو غيره
إلى المصوت مثل صوته . ويطلق الصدى أيضاً على طائر يصر بالليل يقفز قفزاً . ج أصداء .
(٥) ق : ما أتقرب وأثبت ما فى ط .

٣٦٤
قال. ثم سمعت صرْخةً ولم أَر أَحدًا . فأقبلت نحوها فإذا أنا بشيخ
مَغشىُّ عليه قد بدا بعض جسده . فغطّيته ثم لم أَزل عنده حتى أَفاق.
فقال : من أنت رحمك الله ؟ قلت : رجل من بنى آدم . قال : إليكم
عنِّى فمنكم هَرَبْت . قال: ثم بكى وقام ، فانطلق وَتَرَكَنِى . فقلت :
رحمك الله دلَّنى على الطريق. فأَوماً (١) بيده إلى السماءِ.
٨٩٥ - عابد آخر على جبل :
محمد بن أبى عبد الله الخُراعى قال : حدَّثنى رجلٌ من أهل الشام
أنه دخل كهف جبلٍ فى ناحية عن طريق الناس . فإذا هو بشيخ
مَكْبوبٍ على وجهه ، وإذا هو يقول : إن كنت تُطِيل جُهدى فى دار
الدنيا وتُطيل شَقَائى فى الآخرة فلقد أَهملتَنِى وأَسْقَطْتَنِى من عينك
أيها الكريم. قال: فسلَّمت فرفع رأسه فإذا دموعه قد بلَّت الأَرض.
فقال : ألم تكن الدنيا لكم واسعة وأهلها لكم أُناسًا ؟ . فاما رأيت
من عقله ما رأيت قلت له : رحمك الله اعتزلتَ الناس واغتربتَ فى
هذا الوضع؟ فقال: وأنت يا أَخى (٢)، فحيثما(٣) ظننتَ أَنه أقرب
لك إِلى الله عز وجل فابتغ إلى ذلك سبيلاً فلن يجد مبتغوه من غيره
عِوضًا . قال : قلت فالمَطعَم ؟ قال : أَقلُّ ذلك عند الحاجة إليه
إِذا أَرَدْنا ذلك: فنبت الأَرض وقلوب الشجر . قال فقلت : أَلا
أُخرجِك من هذا الموضِع فآتِى بك أَرض الرِّيف والخِصْب ؟ قال : فبكى
ثم قال : إنما الرّف والخِصْب حيث يُطاع الله عز وجل ، وأناشيخ
كبير أَموت الآن ، لاحاجة لى بالناس .
(١) ط : فأومى .
(٢) أى افعل أنت مثلى أيضاً .
(٣) ق : فجئت ما. ورسمت فى ط: فحيث ما .

٣٦٥
٨٩٦ - عابد آخر فى جبل :
أبو حفص عمر بن عبد الله المؤذن قال : قال قاسم الجرعن : خَرَجْتُ
حَاجًّا على طريق الشام . فبينا أَنا أَسير فى الليل إِذ غلطتُ الطريقَ
فسمعت صيحةً فإِذا أَنا بجماعة قد مسّهم من الغلَط. مثل الذى مسّنى ،
وقد وقفوا على رجل من المتعبّدين فى جبل وهو يبكى ويقول فى
بكائه : أَتُرى بكائى نافعِى عِنْدك ومُنقذَ رَقَبَتِى من حُكمك؟ أَثُراك
آخذًا من نفسى بحقِّك وموبِّخَها على رؤوس الأشهاد بما ضيَّعتْ من
أمرك؟ ثم صاح : آوَّهُ(١) لكشفٍ سترك عنى، آوَّه اوقوفى بين يديك
ياسيّداه . فقال له بعض القوم: إِنَّا غلطنا الطريق. فقال: وأَنا أيضًا
قد غاطت الطريق ، فمَن لِ ولكم بالاستقامة على وجهها؟ ثمَّ قال :
يادايل الأَدِلَاءِ دُلَّنى ودُلَّهم ولا تُحيّرنى وإِيَّاهم.
قال : فكُشف لنا عن الطريق فَسَلَكناها وتركناه واقفًا فى صَوْمعته .
٨٩٧ - عابد آخر فى جبل :
بلغنا عن أبى الحارث أحمد بن الحارث الأَولاشى أنه قال :
رأيتُ رَجُلاً على رأسِ جَبَلٍ كَنه شَنَّ (٢) بالٍ شاخصًا ببصره نحو السماءِ
لا يفتُر عن الذكر. فسأَّته المُقَامَ معه. فقال: إِن أَطقتَ ما طُوَقتُ فأَقم
وإِلَّا فامض عنى . قلت : وماهو؟ قال : يكون الذهب والفضة عندك
كالحَصى والمَدر، والسِّباعِ والهَوَامَّ كالطير والأنعام ، وخوفُك من
جِنْسك كخوفك من السّباع ، وخوفُك من صُحْبَتهم على دينك كخوفك
من الشّيطان ، فالك تنال ماتريد ، ومتى كان الذهب والفضة أكبر فى
(١) أوه: بمد أوله وتشديد الواو المفتوحة وسكون الهاء : كلمة معناها التحزن.
وهى اسم فعل مضارع . وفيه لغات ( انظر اللسان : أوه) . ط : أوه .
(٢) الشن : القرية القديمة البالية الصغيرة .

٣٦٦
قلبك فإنك ستميل إلى الأكبر ، ومتى هِبتَ السباع أَوشك(١) أَن
تبعدَ إِلى الأَّمن ، ومتى أَنِسْتَ بالمخلوقين أَوْشك أَن تَهرُب من الوحشة .
وثلاثة أَشياءٍ هنَّ تمام الأَمر : أَنْ تعلم أَنك مُبتلى لا محالة وأَن لك رزقًا
مقسومًاً وكذلك أَجل معلوم، والثالث : أَن تقصر الأَمل . فهنالك
لا تُبالى أين حَلَلْتَ من البلاد؟ ولا مَن شاهدت من العباد؟ فتقدم إِن شئت
على بصيرة وإلَّا فتأخر على علمٍ بضعفٍ وعجز . قلت : صف لى ما يَزيد
فى (٢) صبرى. قال: تعلم (٣) أَن الله عز وجل ناظرٌ إليك، فقد رُوى فى
بعض الأخبار : ((بعينى ما يتحمَّل المتحمّلون من أجلى ، ومایکابد
المكابدون فى طلب مَرْضانى)) فإذا علمت أَن صَبْرك يُرضى مولاك صبرتَ .
قلت : فما السّبيل إلى الرّضَاءِ؟ قال: عِلْم القلب بأَن المولى عادل
فى قَضَائه غير متَّهم فيما حكم . قلت : فما معنى الرضاء؟ قال : سُرور
القلب بِمُرّ القضاء؟. ثم قال: لاتنم إِلَّا نوم يقظان، وكيف يأُمن
مَن لم يأَتِهِ الأَمان ؟ وبادِرْ قبل الفوت، واستعِن على تَصْفية الطِّعمة (٤)
بالقلّة والتمس الصّمت بقلَّة الخُلَطاءِ، واتَّبع قول الرسول صلى الله
عليه وسلم وقول السلف ، ولا تميلنَّ إِلى مُحدَثات الأُمور ، فكلّ مُحدثة
بدعة ، واعلم أن الله يراك فاتَّقِهِ، وقُم له بالقِسْط. على نفسك ،
وتفرّد بالفردِ إِذ(٥) كنت له عبدًا، وتجردّ من الهموم الشَّاغلة ، واجعل
الهمّ واحدًا تروَّح(٦) فى العاجلة والآجلة .
(١) كذا فى ط . وكانت فى ق (أو شكت ) ثم أزيلت التاء .
(٢) ط : ما تريد من تصحيف .
(٣) أى اعلم .
(٤) الطعمة ( بكسر الماء): جهة الارتزاق والمكسب.
(٥) ط : إذا .
(٦) روحه: أراحه . وروح قلبه: أنعشه .

٣٦٧
٨٩٨ - عابد آخر فى جبل :
بلغنا عن بعض السلف أنه قال : رأيت فى بعض الجبال شابًا
أصفر اللون غائر العينين، مرتعش الأَعضاء، لا يستقرّ على الأَرض،
كان به وَخْزَ الأَسِنَّة ، ودموعُه تَتَحادر. فقلت: له : من أنت؟ فقال:
آبِقٌ (١) من مولاه. قلت: فَتَعُود وتعتذر. فقال: العذر يحتاج إلى
إقامةٍ حُجّة فكيف يَعتذر المقصّر؟ فقلت : تتعلق بمن يشفع فيك .
فقال : كلّ الشُّفعاء يخافون منه ؟ قلت : فمن هو قال : مولاى ربَّانى
صغيرًا فَعَصَيْتُه كبيرًا، شرَط. لى فوقَّانى، وضمِن لى فأَعطانى، فخُنته
فى ضَمانى، وعَصَيْتُه وهو يرانى، فَوَاحَيَائى من حُسن صُنعه وقَبيح
فِعلى . فقلت : أَين هذا المولى؟ فقال : أَين توجّهت لقيتَ أَعوانه ،
وأين استقرّت قدمُك ففى دارِه . فقلت : ارفُق بنفسك فربما أَحْرَفَك
هذا الخوفُ . فقال : الحريق بنار خوفه - لعله يرضى - أَحقّ وأولى.
ثم أنشأً يقول :
لاشكَّ أَنى بهذا ميّتُ كَمَدا
لم يُبقِ خَوْفُكْ لِى دَمْعًا ولا جَلَدًا
ونارُه تَحرِقُ الأَحْشاء والكَبدا
عبدٌ كثيبٌ أَتَى بالعَجز مُعْتَرِفًا
فَهَبْ له منك لُطفًا إِنْلَقِيك(٢) غدًا
ضاقتْ مَسَاكنه فى الأَرض من وَجَلٍ
فقلت : ياغلام ، الأمر أسهل مما تظن . فقال : هذا من فتنة (٣)
البطَّلين، هَبْهُ تجاوزَ وعفا، أَين آثار(٤) الإِخلاص والصفاء ؟ ثم
صاح صيحةً ، فخرجت عجوز من كهف الجبل ، عليها ثيابُ رئَّة .
(١) أى هارب .
(٢) سكنت الياء لضرورة الوزن .
(٣) ط: فتاوى. وتقرأ فى ق على وجهين: (فتن) و (فتنة) والثانية أقرب فأثبتناها.
(٤) آثار : ليست فى ط .
٠٠ ..

٣٦٨
فقالت : من أَعان على البائس الحَيران ؟ فقلت : يا أمة الله دعوتِه
إلى الرجاء ؟ فقالت : قد دعوتُه إلى ذلك فقال : الرجاء بلاصفاء
شِرْك. قلت : مَن أَنتِ منه؟ قالت : والدته . فقلت : أُقيم عندك
أعينك/ عليه ؟ فقالت: خَلَّه ذايلاً بين يدىْ قاتِله عساه يَراه بعينٍ مُعين
فيرحمه . فلم أَدر مما ذا أُعجب؟ من صدق الغلام فى خوفه أَو من قول
العجوز وصِدقها . انتهى ذِكر عبَّاد الجبال بحمد الله ومنّه (١) .
ذكر المصطفين من عباد الجزائر
٨٩٩ - عابد :
عبيد الله بن أبى نوح قال: لقيت رجلاً من العبّاد فى بعض الجزائر (٢)
منفردًا فقلت : يا أَخى ما تصنع هاهنا وحدك ؟ أَما تستوحش ؟ قال :
الوحشة فى غير هذا الموضع أَعمّ . قلت : مذكم أنت هاهنا؟ قال :
منذ ثلاثون سنة . قلت : فمن أين المطعَم؟ قال : من عند المُنعِم .
قلت : فهاهنا فى القرب منك شىء(٣) تعوّل عليه إذا احتجت إليه
من المطعَم رجعتَ إِليه . قال: ما أَكرتَك (٤) بما قد كُفِيتَه وضُمِن لك .
قلت : أَخبرنى بأَمرك . قال : مالٍ أَمر غير ماترى ، غير أنى أَظل فى
هذا الليل والنهار متّكلا على كرَم من لاتأخذه سنة ولانوم .
قال : ثم صاح صيحةً أَفزعنى فوثبتُ وسقط. مغشيًّا عليه .
فتركته على تلك الحال ومضيت .
(١) الكلمات الثلاث الأخيرة ليست فى ط .
(٢) ق : السواحل . وأثبت ما فى ط .
(٣) ط : بالقرب شىء.
(٤) أى ما أشد إهتمامك وغمك. وفى هامش ق: (فى نسخة: أما أكرمك).
:

٣٦٩
٩٠٠ - عابد آخر :
بلغنا عن عبد الواحد بن زيد أنه قال : ركبنا فى مركبٍ
فطرحَتْنا الرّيح إلى جزيرة ، فإِذا فيها رجل يعبد صنمًا . فقلنا له :
مَن تعبد ؟ فأَوماً (١) إِلى الصنم، فقلنا : إِن معنا فى المركب من يُسَوِّى
مثل هذا . ليس هذا بإِلّه يُعبد . قال: فأنتم لمن تعبدون؟ قلنا : الله
عز وجل (٢) قال: وما الله؟ قلنا. الذى فى السماءِ عرشُه، وفى الأَرض
سلطانُه، وفى الأَحياءِ والأَموات قَضاؤه . فقال، كيف علمتم به؟ قلنا :
وجّه هذا الملِك إلينا رسولاً كريماً فأَخيرَنا بذلك . قال : فما فعل
الرسول ؟ قلنا : لمَّا أَدّى الرسالة قبضهُ الله . قال : فما ترك عندكم
علامة؟ قلنا : بلى ترك عندنا كتابَ الملِك . قال: أَرُونِى كتابَ الملك،
فينبغى أن تكون كتب الملوك (٣) حِسانًا. فأَتيناه بالمصحف فقال :
ما أعرف هذا . فقرأنا عليه سورة من القرآن فلم نزل نقرأُ ويبكى
حتى ختمنا السورة . فقال : ينبغى لصاحب هذا الكلام أَن لا يُعصى .
ثم أَسلم وحملناه معنا وعلَّمناه شرائع الإسلام وسُوَرًا من القرآن .
فلما جَنَّ علينا الليل وصلَّينا العِشاءَ أخذنا مضاجعنا . فقال لنا : ياقوم
هذا الإِلّه الذى دَللتُمونى عليه إِذا جَنَّ عليه الليل ينام؟ قلنا لايا عبد الله،
هو عظيمٌ قيّومٌ لاينام . قال : بئس العبيد أَنتم ، تنامون ومولاكم
لاينام. فأَعجبنا كلامه. فلما قدمنا عَبَّادان (٤) قلت لأَصحابى : هذا
قريب عهدٍ بالإِسلام فجمعنا له دراهم وأعطيناه فقال : ماهذه؟ قلنا :
تُنفِقِها. قال لا إِلّ إِلَّ الله، دَالتُمونى على طريق ما سَلَكْتُموها، أَنا
(١) ط : فأومى .
(٣) ق : الملك . وأثبت ما فى ط .
(٢) ط: لله.
(٤) مدينة على الخليج العربى . وهى اليوم مركز تكرير النفط الإيرانى ومرفأ تصديره.

٣٧٠
كنت فى جزائر البحر أَعبدُ صنمًا من دونه ولم يضيّعنى - يضيّغنى
وأَنا أَعرفه . فلما كان بعد أيام قيل لى : إنه فى الموت . فأُتيته فقلت :
هل من حاجة؟ فقال : قَضى حوائجِى من جاءَ بكم إلى جزيرتى . قال
عبد الواحد : فحملَتنى عينى فنمتُ عنده . فرأيت مقابر عَبّادان
روضةً وفيها قبة وفى القبة سرير عليه جارية لم نر أَحْسنَ منها . فقالت :
سألتك بالله إِلَّ ما عجَّلت به فقد اشتدَّ شوقى إليه . فانتبهتُ فإذا به
قد فارق الدنيا فغسّلتُه وكفَّنته وَوَارَيتُه . فلما جَنَّ الليل نمتُ فرأيته
فى القبة مع الجارية وهو يقرأ ((والملائكةُ يَدخُلون عليهم من كل بابٍ .
سلامٌ عليكم بما صَبَرْتُمْ فنِعِمَ عُقْبَى الدَّار))(١) .
ذكر المصطفين من عباد السواحل
٩٠١ - عابد بسيراف (٢):
سعيد بن ثَعْلَبَةَ الوَرَّاق قال : بينا أَنا ذاتَ ليلةٍ مع رجلٍ من
العابدينَ على الساحل بسيراف فأَخذ فى البكاء ، فلم يَزَلْ يبكى حتى
خِفِنا طُوعَ الفجر ، ولم يتكلم بشىء. ثم قال: جُرمى عظيم ، وعفوكَ
كَثِيرٌ ، فاجمع بين جُرُمِى وعفوك ياكريم . قال : فتصارخ الناس
من كل ناحية .
٩٠٢ - عابد آخر :
أَحمد بن فارس قال: حدّثنى أبو بَكْر الكَّتانى قال : كنت أَنا
وأبو سعيد الخرّاز، وعباسُ بن المهتدى ، وآخر ، نَسير بالشام على
ساحل البحر . إِذا شابًّ يمشى معه مِحبَرةُ ظننا أنه من أصحاب الحديث.
(١) الرعد : ٢٣ - ٢٤.
(٢) سيراف (بكسر السين) : مدينة عظيمة تبعد عن البصرة سبعة أيام، وتقع
على ساحل بحر فارس .

٣٧١
فقال له أبو سعيد: يافتىّ على أَىّ طريقٍ تَسير؟ فقال: ليس(١) أَعرِفِ إِلا
طريقين : طريقَ الخاصّة وطريقَ العامّة . فأَما طريق العامة الذى أنتم عليه.
وأَما طريقُ الخاصة فياسْم الله. وتقدم إلى البَحْرِ ومَشَى حِيالَنا على الماءِ
فلم نَزَلَ نَراه حتى غاب عَنْ أَبصارنا ،
٩٠٣ - عابد آخر :
عبّاد ، أَبو عتبة الخوَّاص ، قال : حدثنى رجل من الزهّاد ممن
يَسيحُ فى الجبال قال : لم تكن لى همّة فى شىءٍ من الدنيا ولا لِذَّةٌ
إِلا فى لُقياهم ، يعنى الأَبْدال والزّهّاد . قال فبينا أنا ذات يوم على
ساحل من سواحل البحرِ ليس يَسْكنه الناس ولا تَرْقَى إليه السّفنَ إِذا
أَنا برجلٍ قد خرجَ من تِلْكَ الجبال . فلمَّا رآنى هَرَبَ وجعل يسعى
واتّبعته أَسعى خلفه فسقط. على وجهه وأَدركته ، فقلت . ممن تَهرب
رحمك الله ؟ فلَم يكلّمنى . فقلت: إِنّى أُريد الخير فعلّمنى . فقال:
عليك بلزوم الحقّ حيث كنتُ ، فوالله ما أَنا بحامد لنفسى فأَدعوك
إِلى مثلٍ عملها . ثم صاح صيحةٌ فسقط ميتاً فمكنْتُ لا أدرى كيف
أُصنع به ؟ قال : وهجَمّ الليل علينا فتنحَّيتُ فنِمْتُ ناحيةً عنه .
فرأيت (٢) فى منامِى أَربعةً نفر هَبَطوا عليه من السماءِ على خيلٍ فحفروا له
وكَفّنوه وصلّوا عليه ثم دفنوه . فاسْتَيَقَفْت فَزِعاً للذى رأَيت . فذهبت
عنى وَسْنه النوم (٤) بقّةَ الليل. فلما أَصبحتُ انطلقت إلى موضِعه فلم
(١) ليس: هنا حرف نفى بمعنى (لا). أى لا أعرف .
(٢) ط: فأريت . وأشير إلى هذه الرواية فى هامش ق على أنها فى نسخة أخرى .
(٣) كذا فى ط. وأثير فى هامش ق إلى أنها كذلك فى نسخة أخرى. والمثبت فى ق: هبوط.
(٤) الوسنة ( بفتح فسكون ) : شدة النوم وثقله . وقد جاءت كذلك فى طبعة حيدر آباد.
إلا أن أصحابها ذهبوا فى جدول الخطأ والصواب إلى أنها (سنة) بكسر السيز، وهما بمعنى .
فلا ندرى أهى كذلك فى الأصلين الذين اعتمدوا عليهما أم وهموا فى أن (الوسنة) لا وجود لها
فى اللغة ؟ ! .

٣٧٢
أَره فيه. فلم أزل أَطلب أثره وأَنظره (١) حتى رأيت قبرًا جديداً فظننت
أنه القبر الذى رأيت فى منامى .
٩٠٤ - عابد آخر :
أبو عبد الرحمن المغازلى قال : قال رجل ببلاد الشام فى بعض تلك
السواحل : لو بَكَى العابدون على الإِشفاق حتى لم يبقَ فى أَجْسادهم
جارحةٌ إِلا أَدّت ما فيها من الدّم والودَك (٢) دموعاً جارية، وبقيَت
الأَبدان يُبَّساً (٣) خالية تتردّد فيها الأرواح إشفاقاً ووَجلاً من يومٍ
تَذهل كلُّ مرضعة عما أرضعت. لكانوا مَحقُوقين بذلك. ثم غُشِىَ
عليه .
٩٠٥ - عابد آخر :
إِسرافيل قال سمعتُ ذا النون يقول : سمعت بعض المتعبِّدين
بساحل بحر الشام يقول : إن الله تعالى عِبادًا عَرَفوه بِيقِين من معرفتِهِ
فَشَمروا وقَصْدًا إِليه ، احتملوا فيه المصائب لِما يَرْجون عنده من
الرّغائب ، صحِبوا الدنيا بالأَشجان، وتنعَّموا فيها بطول الأحزان ، فما
نظروا إليها بعينِ راغبٍ ، ولا تزوّدوا منها إِلاَ كزادٍ الراكب ، خافوا
البَياتَ فأَسرعوا، ورجَوْا النجاة فَأَزْمَعوا، بذلوا مُهَجَ أَنفسهم فى
رضا سيّدهم ، نَصبوا الآخرة نُصْباً أعينهم، واصغوا إِليها بآذان
قلوبهم ، فلو رأيتهم رأيت قوماً ذُبلاً شِفاههم، خُمْصاً بطونُهم ، حَزِينةً
قلوبُهم ، ناحِلةً أجسامهم، باكيةً أَعينهم ، لم يَصْحِبوا التعليل والتسويف
وقنعوا من الدنيا بقُواتٍ طفيف ، لبسوا من اللّاس أَطمارًا بالية ،
(١) ط : وانظر .
(٢) الورك ( بفتحتين) : الدسم من اللحم والشحم .
(٣) بضم الياء وتشديد الباء المفتوحة. أو بفتح الياء وسكون الياء : جمع ، ومفرده
يابس .

٣٧٣
وسكنوا من البلاد قُفرا خالية، وهَربوا من الأوطان، وَاستبدلوا (١)
الوحدة من الأَخْدان ، فلو رأيتهم لرأيت قوماً قد ذبحهم الليل بسكاكين
السّهر ، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التّعب ، خُمصًا (٢) لطُول السُّرى.
شُعثاً (٣) لفقدِ الكَرى، قد وصلوا الكلالَ بالكَلال، وتأَّهبوا للنُّقلة
والارتحال .
٩٠٦ - عابد آخر :
محمد بن إبراهيم الأخرم قال : خرجت من مصر وأنا (٤) علىساحل
البحر ، فرأيت امرأة خرجت من برّيّة . فقلت: إِلى أَين يا أَمةَ الله ؟
قالت : إِلى صَومعةِ ها هنا ، لى فيها ابنٌ . فمشيت معها فسمعت صوتاً
من صومعة [ يقول ] .
نَفُورٌ ليسَ (٥) يملكُهُ العِذارُ(٦)
ومشتاقٍ وليس له قرارُ
يَلَذُ به (٧) ويُوحِثُه النّهارُ
وَمُؤْنِسُ قلبه ليلٌ طويلٌ
فنَهمتُه (٨) التعبّد والفِرار
فَضَى وَطَرًا بِه فَأَّفَادَ عِلْماً
فكلّ أُمورِها فيها اعتبارُ(٩)
أَلاَ صَبْرًا على دُنياكَ صَبْرًا
فقلت لها : منذ كم صار ابنك هاهنا ؟ قالت : منذ وهبته منه
وقبله منّى .
(١) ط : فاستبدلوا .
(٢) ق : خمص. وأثبت ما فى ط .
(٣) ق : شعث . وأثبت ما فى ط .
(٤) ق : فأنا . وأثبت ما فى ط .
(٥) ق: يفور وليس . وأثبت ما فى ط .
(٦) العذار، فى الأصل: ما سأل من اللجام على خد الفرس. يريد أنه لا يثبت على حال
ولا يبالى بشىء ، كالدابة بلا رسن .
(٧) ق : ( يلذذه) . أى يجعله يلتذ .
(٨) أى شهوته . ط : فهمته .
(٩) ط : اغترار .

٣٧٤
٩٠٧ - جماعة من العباد فى ساحل :
عن عبدالرحمن بن زيد قال: لم أَر مِثْلَ قومٍ رَأَيْتُهُم. هَجْمنا مرّةً
على نَفر من العبّاد فى بعض سواحل البحر ، فتفرَّقوا حين رأَونا
فبتْنا تِلْكَ الليلةِ وارفينا (١) فى تلك الجزيرة ، فما كنت أسمع
عامّةً الليل إلاّ الصّراخ والتعوّذ من النار . فلما أصبحنا طلبناهم وانَّبعنا
آثارهم فلم نَر منهم أَحدًا .
ذكر المصطفيات من عابدات السواحل
٩٠٨ - عابدة :
محمد بن جعفر القَنطرىّ قال : قال ذو النون : بينا أنا أسير
على ساحل البحر إِذ بَصْرتُ بجارية عليها أَطْمارُ شعرٍ وإِذا هى ذابِلة
ناحِلة . فَدَنَوت منها لأَسمع ما تقول . فرأيتها متّصله الأحزان بالأشجان،
وعصفت الرياح فاضطربت الأَمْواج فصرخت ، ثم سقطت إلى الأَرض
فلما أَفاقت نحَبتْ (٢) ثم قالت: ياسيدى بك تفرّد المتفرّدون فى الخلَوات،
ولعظمتك سبّحت النينانُ (٣) فى البحار الزاخرات ، ولجلال قُدْسك
اصْطَفَقَتْ الأمواج المتلاطمات ، أَنت الذى سجَد لك سوادُ الليل
وضوءُ النهار والفلكُ الدّوار ، والبحر الزخّار ، والقمر النّوار ، وكل
شىء عندك عقدار .
يامؤنسَ الأَبْرَار فى خَلْوتهم ياخَيْر من حَطّت به النُّزالُ
فقلت : زيدينا من هذا . فقالت : إليك عنى . ثم رفعت طرفها
نحو السماء وقالت :
(١) يقال: أرفى إلى كذا: التجأ ..
(٢) نحب الرجل : بكى أشد البكاء ، أو رفع صوته بالبكاء .
(٣) مفردها (نون) وهو الحوت .

٣٧٥
وحبّاً لأَنك أَهلُ لِذَاكا
أُحبك حُبَّنْ حُبِّ الوِدادِ
فحبُّ شُغلتُ به عن ◌ِوا كا
فأَمَّا الذى هو حُبّ الوِدادِ
فَگشْفُك للحُجْب حتى أُراكا
وأَمَّ الذى أَنْتَ أَهلٌ لَهُ
ولكنْ لكَ الحمدُ فی ذا وَذا كا
فما الحمدُ فی ذا ولا ذاكلی
ثم شهقَت شهقةً فإذا هى قد فارقت الدنيا. فبقيتُ أَتعجَّبُ مما رأيت
منها فإِذا أَنَا بِنِسْوَةٍ قد أَقبلن عليهن مَدَارِعِ الشَّعر فاحتَملْنَها فِنَّيْنَها
غنى فغسلنَها ثم أقبلن بها فى أكفانها فقلن لى: تقدَّم فصِّل عليها .
فتقدّمُت فصلَّيت عليها وهنَّ خلفى ثم احتملْنها ومضَيْن .
٩٠٩ - عابدة أخرى :
محمد بن أحمد [ السَّوسىِ ] الشمشاطى . قال : سمعت ذا النون
المصرى يقول : بينا أَنا أَسير على شاطىء النيل إِذا أَنا بجاريةٍ تَدْعُو
وتقول : يامَنْ هُوَ عِنْدَ أَلْسَنِ النّاطِقِين. ويامَن هُوَ عِنْدَ قُلوبِ الذاكرين،
ويامَنْ هو عِنْدَ فِكر الجامدين ، قد علمتَ ما كان منّى يا أَمَلَ المؤمِّين .
ثم صرخت وخرَّت مغشِيّاً عليها .
ذكر المصطفين من عباد البوادى والفلوات
٩١٠ - أبو حبيب البدوى :
عن الثورى قال : أتيت أبا حَبيب البدوى أُسلِّم عليه ، ولم أكن
رأيته ، فقال لى أَنت سفيان الثورىّ الذى يقال (١) ؟ قال : قلت نعم
نسأل الله تعالى (٢) بركةَ ما يُقال . قال : فقال لى : ياسفيان ما رأينا
خيرًا قطَّ. إِلَّا من ربنا. قلت: أَجل . قال: فما لنا نكره لقاءً من لم
نَر خيرًا قط. إِلا (٣) منه، ثم قال: ياسفيان مَنْعُ الله عز وجل إيّاك
(٢) ق : عزوجل .
(١) أى يقال عنه ما يقال .
(٣) قط : ساقطة من ط .

٣٧٦
عطاءٌ منه لك ، وذاك أَنه لم يمنعك من بُخل ولا عَدم ، وإِنما منعُه نظرٌ
منه واختبار (١) . ياسفيان إِنَّ فيك لأُنْساً ومَعَك شُغل .
قال : ثم أَقبل على غُنَيمتهِ (٢) وتركنى.
٩١١ - شيبان الراعى:
عن محمد بن حَمَزَةَ الرَبضى قال: كان شَيْبَان الرّاعى إِذا أَجْنب
وليس عنده ماءٌ دَعَا ربَّه فجاءَت سحابةٌ فأَظلَّتْهُ فاغتسل منها . وكان
يذهب إِلى الجُمعة فيخُط. على غَنَمِهِ فيجِئُ فيجدها على حالتها لم
تتحرك .
زيد بن العباس قال : لما حجّ هارون الرشيد قيل له : يا أمير
المؤمنين قد حج شيبانُ العامَ . قال : اطلبُوه لى . فطلبوه فأَتوه به فقال
له : ياشيبان عِظنى. قال: ياأمير المؤْمِنِين أَنا رجل أَلْكَنُ لا أُفصِح
بالعربية فجئنى بمنَ يَفهم كلامى حتى أُكلّمه . فأَتِىَ برجلٍ يَفهم كلامه
فقال له بالنّبطية : قل له : يا أمير المؤمنين إِنّ الذِى يخوّفك قبل أن
تبلغ المأُمَنَ أَنصحُ لك من الذى يؤمّنك قبل أن تبلغ الخوف .
فقال : قل له : أَىّ شىءٍ تفسير هذا ؟ قال : قل له : الذى يقول لك :
ياهذا اتَّق الله عز وجل فإِنك رجل من هذه الأُمة ، استَرْعاك الله عليها
وقلّدك أُمُورها وأَنت مسئول عنها فاعْدِل فى الرْعية واقسِم بالسويّة ،
وانفرْ (٣) فى السَّرية، واتّق الله فى نفسك . هذا الذى يخوّفك فإِذا بلغت
المأُمَنَ أَمنت ، هو أَنصح لك ممن يقول: أَنتم أَهل بيتٍ مغفورٌ لكم،
وأَنتم قَرابةُ نبيّكم وفى شفاعته ، فلا يزال يؤمّنك حتى إذا بلغت
(١) ط : نظراً منه وأختباراً .
(٢) مصغر غنمة .
(٣) ط : وانفر ، تصحيف .

.٣٧٧
٠
الخوف عَطِبْتَ . قال : فبكى هارونُ حتى رحمه مَن حوله . ثم قال :
زِدنى . قال : حسبك . ثم خرج .
عبد الله بن عبد الرحمن قال : حج سفيان الثورىّ مع شيبان الراعى
فعرض لهم سَبُع . فقال له سفيان الثورى : أَما ترى هذا السَّبُع ؟
قال : فقال : لا تخف . قال : فلما سمع السبع كلام شيبان
بَصْبَصَ (١). فأَخذَ شيبانُ أُذُنه فعرَكها فَبِصْبَصَ وَحَركُ ذَنَبَه .
قال سفيان : ما هذه الشهرة ؟ قال : أَوَهذِهِ شُهرة ? لولا مكان
الشهرة ما وضعتُ زادِى إِلا على ظهره .
سيّار قال : قرأ رجل على شيبان الراعى: ((فمن يَعملْ مِثْقالَ ذرةٍ
خيرًا يَرهُ ومن يَعمِلْ مثقالَ ذرّةٍ شرًّا يَرهُ (٢) قال : فذهب على وجهه
فلم يُرَ سنةً . فلما كان بعد الحَوْل لقيه رجل فقال له : من أين ؟ فقال
من ذلك الحساب الدقيق ((فمنْ يَعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يَرَه . ومن
يَعمل مثقالَ ذرّةٍ شرَّا يَره) (٣).
ذكر المصطفين من عباد البوادى والفلوات
المجهولين الأسماء
٩١٢ - عابد (٣) :
عن سعيد بن أبى عروبة قال: حجّ الحَجَّاج (٤) فنزل بعض المياه
بين مكة والمدينة ودعا بالغَداءِ فقال لحاجبه : انظر مَن يتغذّى معى
(١) حرك ذنبه .
(٢) الزلزلة : ٧ - ٨ .
(٣) العنوان ساقط من ط .
(٤) الحجاج بن يوسف الثقفى والى العراق ط: لما حج الحجاج

٣٧٨
وأسأله عن بعض الأمر . فنظر نحو الجبل فإذا هو بأعرابىّ بين
شملتَين من شَعرٍ ، نائم ، فضربه برِجله وقال : إيت الأمير . فأَناه
فقال له الحَجّاج : اغسل يدَيْكَ (١) وتغدَّ معى. فقال: إِنه دعَانى
من هو خيرٌ منك فأَجبتُه . قال : ومَن هو ؟ قال : الله تبارك وتعالى،
دعانى إلى الصوم فصُمت . قال : فى هذا الحرّ الشديد ؟ قال : نعم
صُمت ليومٍ أَشدّ حرًا من هذا اليوم. قال: فأَفطِرِ وصُمْ (٢) غدًا.
قال : إِن ضَمِنتَ لى البقاء إلى غدٍ . قال : ليس ذاك إِلَّ. قال : فكيف
تسألنى عاجلاً بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : إنه طعام طيّب قال : لم
تطيّبه أَنت ولا الطباخ ، إنما طيبته العافية .
٩١٣ - عابد آخر :
سعيد بن سالم قال : نزل رَوْح بن زِنْباع (٣) منزلاً بين مكَّة
والمدينة فى حَرِّ شديد. فانقض عليه راع من جبل . فقال : ياراعِى
هلّمَ إِلى الغداء . قال: إنى صائم . قال : وإنك لتصوم فى هذا الحرّ
الشديد ؟ قال : أَفأَّدَع أيامى تَذهب باطلا ؟ قال روح: لقد ضننت (٤)
بأَيّامك ياراع (٥) إِذ جادَ بها رَوح بن زِنباع .
٩١٤ - عابد آخر :
السّرِىّ بن يحيى قال : حدثنا عبد الله بن عُبيد بن عُمير قال :
خرجت مع أبى فكنا فى أرضٍ فلاة . فُرُفع لنا سَواد فظنناه شَجرةَ .
فلما دنونا إذا رجلْ قائم يصليّ . فانتظرناه لينصرِف فيرشِدنا إلى
القرية التى نُريد. فلما لم ينصرف قال له أبى : إِنّا نريد قرية كذا وكذا
(٢) ط : وتصوم .
(١) ط : يدك .
(٣) أمير فلسطين وسيد اليمانية فى الشام وقائدها وخطيبها وشجاعها. توفى سنة ٨٤ ه.
(٤) ق : ظننت والتصويب من ط .
(٥) ط : يا راعى.

٣٧٩
فأُوْمِ لنا قِبَلَهَا بيدِك. قال ففعل. قال: فإذا له حوض مُحَوَّض (١)
يابس ليس فيه ماء وإِذا قِرِبة يابسة. فقال له أَبى: إِنّا نراك بأَرضٍ
فلاة وليس عِنْدَك ماء ، أَفنجعل فى قِرِبتك من هذا الماء الذى عندنا ؟
فأَوماً أَنْ لا ، فلم نبرَح حتى جاءَت سحابةٌ فمطرتْ فامتلاً حَوْضَهَ ذلك.
فلما أن دخلنا القرية ذكرناه لهم فقالوا : نَعم ذاك فلان لا يكون فى
موضعٍ إِلا سُقِى . قال : فقال أَبى : كم من عبدٍ (٢) لله عز وجل
صالحٍ لا نعرفه .
٩١٥ - عابد آخر :
أحمد بن أبى الحَوارِىّ قال: حججت أَنا وأَبو سليمان (٣) فبينا
نحن نسير إذ سقطت السَطِيحة (٤) منى . وكان بَرد عظيم . فلما افتقدتُ
السطيحة قلت : بقينا بلا ماء . فأخبرت أبا سليمان . فقال سلّم
وصلّ على محمد صلى الله عليه وسلم وقل يارادّ الضالّة وياهادياً من
الضلالة رُدِّ الضالة فإِذا بواحد يُنادى : مَن ذهبت له سطيحة فأخذتها
[ منه ] فقال ◌ِی أبو سليمان لا یترکنا (٥) بلا ماء فبینا نحن نسير إذا
برجلٍ .(٦) عليه طِمْران رثّان وقد تَدَرعنا بالفِراءِ من شدّة البرد ، وهو
يرشحُ عرقاً. فقال له أَبو سليمان : أَلا ندثّرك ببعض ما مَعنا ؟ فقال
الرجل : يادارانىّ (٧) الحرُّ والبردُ خَلْقان لله تعالى (٨) إِن أَمَرهما
(١) صنعته يد الإنسان وأبرزت حدوده، وليس حوضاً طبيعياً.
(٢) ط: عبد اللّه. والتصويب من ق .
(٣) هو أبو سليمان الدارانى، وقد مرت ترجمته فى هذا الجزء ربرقم (٧٥٧) .
(٤) المزاءة يشرب منها وتكون من جلدين لا غير .
(٥) أى اللّه تعالى. ط : لا تتركنا.
(٦) ق : إذا أنا برجل . وأثبت ما فى ط .
(٧) نسبة إلى داريا، قرية فى محافظة دمشق .
(٨) ق : عز وجل .

٣٨٠
أَن يغشَيانى أصابانى وإِن أَمرَهما أَن يترُ كانى تَركانى، يادارَانّى تَصف
الزهد وتَخاف من البرد ؟ أَنا أَسيحُ فى (١) هذه البريّة منذ ثلاثين سنة
ما انتفضتُ ولا ارتعدتُ، يُلْبِسُنِى فى البَرد فَيْحاً (٢) من محبّته ،
ويُلْبِسُنِى فى الصيف مَذاقَ بَردٍ محّبته . ثم ولىّ وهو يقول : يادارانيّ
تبكى وتَصيح وتَستريح إلى الترويح (٣) ؟ فكان أَبو سليمان يقول :
لم يَعرفنى غيرُه .
٩١٦ - عابد آخر :
قال الأَصمعى : حدّثنا شَبيب بن شَيْبَة (٤) قال: كنَّا بِطَريق
مكةً وبين أيدينا سُفْرَةٌ لنا نتغدَّى فى يوم قائظِ . . فوقف علينا أَعرابى
ومعه جارية له زِنجيَّةٌ . فقال: يا قوم أَفيكم أَحدُ يقرأ كلام الله
عز وجل حتى يكتبَ لنا (٥) كِتابًا ؟ قال : قلت له : أَصِب من غَدائنا
حتى نكتب لك ما تُريد . قال : إنى صائم ، فعجِبنا من صَومه فى
البرّيَّة. فلما فرغنا من غَدائنا دعَونا به (٦) فقلنا : ما تريد؟ فقال : أيها
الرَّجل إِن الدنيا قد كانت ولم أَكُنْ فيها ، وستكون ولا أَكون فيها .
وإِنى أردت أن أُعْتِق جاريتى هذه لوجه الله عز وجل ثم ليوم العقبة ،
تَدرى مايومُ العقبة؟ قول الله تعالى(٧) ((فلا اقتَحم العقّبة. وما أدراك
ما العَقبة؟ فكُّ رقَبة))(٨) اكتب ما أَقول لك، ولا تزيدَنَّ علىَّ حرفًا:
هذه فلانة خادمُ فلان قد أَعتَقها لوجه اللهعز وجل(٩) ليوم العقبة.
(٢) فاح الحر فيحاً : اشتد .
(١) ط: وأنا شيخ لى فى .
(٣) الراحة .
(٤) ق : شبه، تحريف . والتصويب من ط وتقريب التهذيب.
(٥) ط : لى .
(٦) ط : دعيناه .
(٧) ط : عز وجل .
(٩) ط : تعالى .
(٨) البلد : ١١ - ١٣.