النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ ٨٦٤ - عابد آخر : جعفرُ بن محمد سَهل السامِرِىُّ قال : سمعتُ ذا النّون يقول : بينا أَنا سائر فى جبل اللُّدّام مَرَرْتُ على وادٍ كثير الأشجار والنباتِ . فبينا أَنا واقف أَتعجَّب من حُسن زهرته ومن خُضرةِ العُشبْ فى جَنَبَاته إِذ سمعت صوتاً أَهطَل مدامِعِى وهيَّج بلابِل حزنى(١) . فاتَّبعت الصوتَ حتى وَقَفَى بباب مغارٍ فى سفح ذلك الوادى ، فإذا الكلام يخرج من جَوف المغار فأَطَّلِعْتُ فيه فإِذا أَنا برجلٍ من أَهل التعبد والاجْتهادِ. فسمعته يقول : سُبحَان من أَخرج قلوبَ المشتاقين فى رياضٍ الطاعة بين يديه ، سبحان من أَوْصَلَ الفَهْمَ إِلى عُقول ذوى البصائر فهى لا تعْتَمدُ إِلا عليه ، سُبْحَانَ من أَوْرَد حِيَاض المودّة نفوسَ أَهل المحبة فهى لا تحنّ إِلَّ إليه. ثم أَمسك فقلت السّلام عَلَيْكَ ياحَليف الأَحزان وقرينَ الأَشْجان . فقال: وعليك السلام ، ما الذى أَوصلك إِلى مَن قد أَفرده خَوف المَسَأَّلة عن الأنام ، واشتغل بمحاسبة نفسه من التَّنطَّعِ فى الكلام ؟ قلت : أَوصَلنى إليك الرغبة فى التصفح والاعتبار. فقال: يافتى إِن لله عزَّ وجلَّ عبَّادًا قَدَحَ فى قلوبهم زَنْدَا الشغَف نارُ الوَمْقِ(٢) فَأَرواحهم لشدة الاشتياق تَسْرَح فى الملكوت، وتنظر إلى ما ذُخِر لها فى حُجب الجَبروت. قلت : صِفْهُم لى . قال: أَولئك قومٌ آوَوْا إِلى كَنَفٍ رحمته . ثم قال: ياسيّدى(٣) بهم فأَلحِقنى، ولأَعمالهم فوفقنى. قلت : أَلا تُوصينى (٤) بوصيّة ؟ قال: أَحب الله عز وجل شوقاً إلى لقائه فإِنّ له يوماً يتجلَّ فيه لأوليائه . وأَنشأً يقول : (١) قط: بلابلى. والبلابل: مفردها بلبال، وهو شدة الهم . (٢) الومق بفتح فسكون : الحب . (٤) ق : ألا توصيف. (٣) ق: سیدی. وأثبت ما فى ط . ٣٤٢ وكان لى جَمْنٌ فَأَدْمَيَتَهُ قد كان لِى دَمْعٌ فَأَمنيتَهُ وكان لى قَلْبٌ فَأَضْنَيْتَه وكانَ لَى جِسْمٌ فَأَبْلَيْتَه أَرى به الجوّ فأَعْمَيْتَه وكان لى ياسيِّدِى نَاظِرٌ لو شئتٌ قبل اليوم دَاوَيْتَه عَبدُك أَضحى سيِّدى مُوثَقاً ٨٦٥ - عابد آخر : يوسف(١) بن الحسين قال: سمعت ذا النّون يقول: مَرَرْتُ برجلٍ بجبل اللّكام وهو ساجد يقول فى سجوده : إِلّهى ، بك عرفتُك فما حاجَتِى إِلى غيرك . ٨٦٦ - عابد آخر : أَبو إِبراهيم الزَهْرى قال : كنت جائياً من المَصّيصة . فمررت باللُّكّام فأحببت أن أراهم ، يعنى المتعبِّدين ، هناك فقصدتُهم ووافيت صلاة الظهر ، وأحسبه رآنى فيهم إنسان عرفنى : فقلت له : فيكم رجل تدلُّونى عليه؟ فقالوا اهذا الشيخ الذى يصلّى بنا . فحضرت معهم صلاةَ الظُّهْرِ والعصر. فقال له ذلك الرجل هذا رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف وجدُّهُ أَبو أُمه سَعْدُ بن معاذ. قال: فبشَّ بى وسلَّم علىّ كأَنه قد(٢) كان يعرفنى قال : فقلت له : من أين تأْكُلْ ؟ فقال لى : أَنت مقيم عندنا قلت : أَما الليلة فأَنا عندكم . قال : ثم مضيْتُ معه فجعل يحدِّثُنِى ويُؤانسنى حتى جاءَ إلى كهف جبل فقعدتُ(٣) ودخل فأخرج قَعباً يسع (٤) (١) من هنا إلى قبيل نهاية الترجمة (٨٦٨) هو فى صفحتى الورقة (١٦٨) التى وضعت فى ق قبيل الآخر، خطأ. وإنما مكانها هنا بين الورقة (١١٩) والورقة (١٢٠) وقد أدى الخطأ فى التجليد إلى خطأ فى الترقيم . (٢) ق : مذ. وأثبت ما فى ط . (٣) ط : فقعد . (٤) إناء ضخم . ٣٤٣ رطلاً ونصفاً ، قد أتى عليه الدُهورُ . فوضَعَهُ وقَعد يحدِّثْنى حتى إِذا كادت الشمس تَغْرُبُ اجتمعت حواليه ظباءٌ فاعتقل منْها ظبية فحلبها حتى ملاًّ ذلك القَدح، ثم أرسلها . فلما سقط القُرص حَساه(١). ثم قال : ما هو غير ما ترى ، وربما احتجتُ إِلى الشىءٍ من هذا فتَجْتَمِعُ حَوْلى هذه الظباءُ فآخذُ حاجتى وأرسلها . قلت : أبو إبراهيم اسمه أحمد ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، معروفٌ بالعلم والزُهْدِ ، وكان أحمد بن حنبل إذا رآه قام قائماً . ٨٦٧ - عابد آخر : أبو صالح الدِمَشُفى قال : كنت أَدورُ فى جبل اللُّكّام أَطلب الزهَّاد والعبَّاد فرأيت رجلا عليه مُرَقَّعةٌ جالساً على حجَر مُطرِقاً إِلى الأَرض، فقلت له : ياشيخ ما تَصْنع ها هنا ؟ قال أنظر وأَرعَي . فقلت له : ما أَرى بين يديك إلا الحجارة ، فما الذى تنظُر وتَرعى . قال : فتغير لونه ثم نظر إِلىَّ مُغْضَبًا وقال: أَنظر خواطر قلبى ، وأرعى أَوَامِر ربى وبحقِّ الذى أَظهرك علىّ إِلَّ جُزْتَ عنّى. فقلت: كلّمنى بشىءٍ أَنتفع به حتى أمضى . فقال : من لزم الباب أُثُبت فى الخدم ، ومن أكثر ذِكر الذنوب أكثر من الندم، ومن استغنى باللّه أَمِنَ العَدَم(٢). ثم ترکنی ومضى . ٨٦٨ - عابد آخر : سَرىُّ السُّقطى قال : مكثتُ أربعين سنة أَسأَّل الله عز وجل أن يُرينى ولياً من أوليائه، قال: فلم أَرَ أَحَدا . فخرجْتُ إِلى النَّغْرِ وصَعَدْتُ جَبَل اللَّكام فبينما أَنا أَمشى فى المحجّة إِذ رأَيت قوماً جُلُوساً نحو ثلاثين (١) أى لما غابت الشمس شرب الحليب . (٢) العدم ( يفتحتين أو يضم نسكون ) : الفقر ، الفقدان . ٣٤٤ نفساً ، مَرْضَى ، عليهم ثيابُ خُلْقان . فسلّمت عليهم ووقفتُ فقات : لأَّىِّ شىءٍ أَنتم جلوس فى هذا القفر ؟ قالوا : نحن من هذه المدينة التى (فى ) أَسْفَل الجَبَلِ، إِذ كان رأْسُ(١) كلِّ شَهْرٍ فى مثلِ هذا اليوم ، فى مثلٍ هذا الموضع (٢) نَجلس، فإِذا كان الظهر أَقبلَ علينا رجلٌ من هذا الموضع فنقومُ إليه فيدعُو الله لنا . فقعدتُ معهم . قال : فلما أَن كان الظهر أَقبل رجلٌ أَسمرُ شديدُ السُمْرَةِ عليه مِئزر صوف ، فقرأَ على كل واحد قال: فلحقته فقلتُ له قف علىّ (٣) يرحمك الله أَكلِّمك. فالتفت إِلىَّ وقال : ياسَرىّ لا تُعامِلْ غيره فتسقط. من عَينه . ٨٦٩ - عابد آخر : بلغنا عن بعض السلف أَنه قال : مَضَيْتُ إِلى جبل اللُّكام فما رأَيت أَعبدَ من شابٍّ أَصفرَ اللون ، كان يصفُّ قدميه فيصلِّى ركعتين من أولِ الليل إلى آخره فيختم فيها القرآن ثم يجلس فيعْتَذِرُ إِلى الصباح. ٨٧٠ - ومن عقلاء المجانين بجبل اللكام : بلغنا عن ذى النون المصرى قال: وُصِف لى رجل من أهل المعرفة فى جبل اللّكَّامِ ، فقصدته . فَلَقِيَنى جماعةٌ من المتعبَّدين فسأَلْتُهم عنه؟ فقالوا : ياذا النون تسأل عن المجانين؟ فقلت : وما الذى رأيتم من جُنُونِه؟ قالوا : نراه فى أَكثر أَوقاتِهِ هائمًا ساهيًا يُكلَّم فلا يُجيب، ويتكلَّم فلا نَفْقه مايقول، وينوح فى أكثر أوقاته على نفسه ويبكى فقلت فى نفسى : ما أحسِن أَوصاف هذا المجنون . ثم قلت لهم : (١) ق: ((فى)) بدل ((رأس)). وأثبت ما فى ط . (٢) فى مثل هذا الموضع : هذه العبارة سقطت من ب . (٣) إلى هنا نهاية الورقة (١٦٨) التى وضعت فى غير مكانها من نسخة ق ، كما ذكرنا فى أول الترجمة (٨٦٥). ٣٤٥ دلّونى عليه. فقالوا: إِنَّه يأْوِى فى الوادى الفلانى. فانطلقت إلى الوادى فأَشرفتُ(١) على وادٍ وَعِرٍ ، فجعلت أنظر يمينًا وشمالاً فإِذا أَنا بصوت محزون شَجٍ من وَجْد قلبٍ وهو يقول : ياذا الذى أَنِسَ الفؤاد بذكره أَنت الذى ما إِن سواه (٢) أُريدُ وَهَوَاك غضَّ فى الفؤاد جديدُ تَفنَى الليالى والزَّمانُ بأسره قال ذو النون : فاتبعث الصوت فإِذا أَنا بفتی حسن الوجه حسن الصوت ، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رسومُها، نحيل قد اصفرٌ واحترق(٣) وهو شبيهٌ بالوالِهِ الحيران. فسلمت عليه فردّ السلام وبقى شاخصًا يقول : فأَنت والرّوح شىءٌ غيرُ مفتَرِق أعمیتَ عینی عن الدنيا وزينتها من أول الليل حتى مطلعِ الفَلق إِذا ذكرتُك وافىَ مقلى أَرَقُ إِلَّا رأيتك بين الجَفن والحدَق وما تَطَابِقَتِ الأَجفانُ عن سِنِةٍ ثم قال : ياذا النون مالَك وطلبَ المجانين؟ : قلت. أَوَ مجنون أَنت ؟ قال . قد سُميّتُ به . فقلت . مسألة ؟ فقال . سل . قلت : أَخبرنى . ما الذى حبّب إليك الانفراد وقطَعك عن المؤانسين وَهَيّمك فى الأَوْدِية؟ فقال: حبِّى له هيّمنى، وشوقى إِليه هَيّجنى ، ووجدى به أَفردنى . ثم قال : ياليت شعرى يافتى إلى متى تَتْرکنی مُقَلْقَلاً فى محبّتى؟ فقلت : أَخبرنى أَين محل الحبّ منك؟ وأين مَسْكن الشَّوق فيك؟ فقال : مسكن الحبِّ سَوادُ الفؤاد . قُلتُ : فَما الذِى (٤) تجد فى خَلوتك؟ قال : الحقَّ سبحانه . قلت : كيف تجده ؟ قال : (١) ط : وأشرفت . (٢) ب : سواك . (٣) قط : قد احترق . (٤) ط: ((فقلت: ما الذى)) . ٣٤٦ بحيث لاحيث . ثم قال : ياذا النون أعجبَك كلام المجانين؟ قلت : إِى والله وأَشْجانى، ثم قلت له : ما صِدْقُ وِجدانك للحقِّ تعالى؟(١) فصرخ صَرْخة ارتجَّ لها الجبل . ثم قال : ياذا النون هكذا موت الصَّادقين (٢). ثم سقط. إِلى الأَرض ميتًا فتحيّرتُ فى أَمره، لاأدرى ما أصنع به ، وإِذا به قد غاب عنِّى فلا أَدرى أين ذهب . ذكر المصطفين من عباد جبل لبنان وهم على ضربين : معروف ومجهول فنبدأ بالمعروف ٨٧١ - على الجرجرائى (٢): كان من أُستاذِى (٤) بشر الحافى . وكان ينزل جبل لبنان القاسم بن القاسم قال: بلغنى أَن بِشرًا(٥) الحافِى لقىَ عليًّا الجرجرائى (٦) بجبل لبنان على عين ماءٍ. قال: فلما أَبصرنى قال: بِذَنْبٍ مِنِّى لقيتُ اليومِ إِنسيًّا. فعدَوتُ خلفه وقلت : أَوصنى . فالتفت إِلىّ وقال : أَمُسْتَوْصِ أَنتْ؟ عانقِ الفقر ، وعاشِر الصّبر ، وعادِ الهوى ، وعاف (٧) الشهوات ، واجعل بيتَك أَحلى من لَحدِك يوم تُنقل إليه ، على هذا طاب المسير إِلى اللهعز وجل . ذكر المصطفين من المجهولين الأسماء من عباد جبل لبنان ٨٧٢ - عابد (٨): محمد بن حسان قال: بَينا أَنا أَدور فى جبل لبنان إِذ خرج على شابٌّ قد أَحرقته السّموم والرياح ، عليه طِمْرُ رَثُّ، وقد سقط. شعر (٢) ب : الصالحين. (١) قط: الحق تعالى. ب: لله تعالى. (٣) بفتح الجيمين وسكون الراء ، نسبة إلى جرجرايا: بلد بين واسط وبغداد من الجانب الشرقى ، خرج منها جماعة من العلماء والشعراء والكتاب والوزراء . ق : الجرجراى . ط : الجرجانى . (٤) جمع مذكر مفرده : أستاذ . (٥) فى النسخ: بشر. والصواب ما أثبت. (٧) كذا فى النسخ جميعاً . (٦) ق: الجرجراى. ق ط: الجرجانى. (٨) ط : رضى الله عنه. ٣٤٧ رأسه على حاجبيه . فلما نظر إلىّولىَّ هاربًا مستوحشًا . فقلت له : يا أَخى، موعظةً(١) لعل الله عز وجل أن ينفعنى بها. فالتفت إلىّ وهو •ارّ فقال: يا أَخى، احذر الحق (٢) فإنَّه غَيور، ولا يحبّ أَن يرى فى قلب عیدِه ◌ِواه . ٨٧٣ - عابد آخر : ابراهيم بن الجُنَيد قال : حدثنى أبوفروة السائح قال : بينا أَنا أَسِح فى جبل لبنان إِذ جَنَّ الليل علىّ وأَنا فى بعض أَوديته ، فإِذا بصوت محزون وهو يقول : يامَن آنَسَنِى بقربه ، وأَوحشنى من خَلْقه، وكان عند مَسَرّتِى (٣) ارحَم اليومَ عَبْرتى. فدنوت منه فإذا شيخ قد سَقَط. حاجباه على عينيه . فلما أَحسّ بِى نفَر وقال : إِنسيّ 93 أَنت ؟ قلت : إِنسِيّ . قال : إِليك عنِّى، فمنكم فَررتُ. ٨٧٤ - عابد آخر : يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أَنا أَسير على جبل لبنان فى جوف الليل إِذا أَنا بعَريش(٤) من وَرَق البلَّوط.، وإِذا شاب قد أَخرج رأسه من العَريش بوجه أحسن من القمر. فقال : شهِدلكَ قلبى فى النَّوازل بمعرفة درجة الفضل (٥) لك، وكيف لا يشهدُلك قلبى بذلك ولا يَحْسُنُ بقلبى (٦) أَن يألف غيرك؟ هيهات لقد خاب لديك المقصّرون عنك. ثم أدخل رأسه فى عَريشه وفاتنى كلامه ، فلم أزل واقفًا إلى أن طلع الفجر ثم أخرج رأسه فنظر إلى القمر فقال إِلهى أَشرقت(٧) (٢) كلمة ((الحق)) ساقطة من ط . (١) أى أسألك موعظة . (٣) ط : مسيرى . (٤) العريش : البيت الذى يستظل به أو شبه الخيمة من خشب ونحوه مما ينصب ويظلل عليه. (٦) ط : ولا يحس قلبى . (٥) ق : التفضيل، وأثبت ما فى ط . (٧) كلمة ((الهى)) ساقطة من ط . ٣٤٨ بنورك السموات ، وأَنارَت بنورك الظُّلمات ، وحَجبتَ جَلالَكَ عن العيون فوصلتَ به معارف القلوب . ثم قال : بالْتِجائى إليكَ فى حزنى(١) انظُر (٢) إِلىّ نظرةَ مَن ناديتَه فأَجاب. فوثبتُ إِليه فسلَّمت عليه فرد علىّ السلام . فقلت : رحمك الله أَسأَّلك عن مسألة ؟ قال : لا . قلت : ولمَ ذاك؟ قال : ما خرج رَوعُك من قلبى . قلت : حبيبى وما الذى أَفزعك منِّى؟ قال: بَطالتك فى يوم تُغلك، وتركُك الزادَ ليوم مَعادك ، ووقوفك على الظَّنون ياذا النون . فوقعتُ مغشيًا علىّ. فما أَفقت إِلَّ بحرّ الشمس. ثم رفعت رأسى فلم أَره ولا العَريشَ. فقمت فسِرت وفىّ (٣) منه منه حَسْرةٍ (٤) . ٨٧٥ - عابد آخر : عن أبى الحارث الأولاسى (٥) قال : بلغنى أَن بجبل لبنان رجلاً تُطوى له الأَرض من يومه(٦) إلى بيت المقدس. ووُصِف لى مكانه فصِرت إليه فإذا هو رجل قد أُلبِس ملامة . فسألته من أين المطعَم؟ فَدَعا بظِبْيَة كانت قريبًا منه فى الجبل فجاءَ بها إلى صخرةٍ فيها نُقرة (٧) فحلبها وسَقانى من اللبن (٨) ومن عقلاء المجانين بجبل لبنان ٨٧٦ - شيبان المصاب (٦) : محمد بن أحمد بن سلمة قال : حدّثنى سالم قال : بينا أَنا سائر مع ذى النون فى جبل لبنان إذ قال لى : مكانك ياسالم حتى أعود إليك. (١) قط : وحزنى . (٢) ق: ((لتنظر)) مضارع مقرون بلام الأمر . وأثبت ما فى ط . (٣) قط : وبقى . ب : وبقلبى . (٤) بعدها فى ط : والسلام . (٥) سبقت ترجمته فى هذا الجزء برقم (٨٠٥). وفى ط : الأولاشى، تصحيف . (٧) حفيرة . (٦) ب : فوقه . (٨) ط : والسلام. (٩) بعدها فى ط : رضى الله عنه . ٣٤٩ فغاب عنِّى فى الجبل ثلاثة أيام وأنا أنتظره ، إذا هاجت علىّ النفس أَطعمتُها من نبات الأَرض وسقيتُها من ماءِ (١) الغُدْران. فلما كان بعد الثالث رجع إلىّ متغيِّر اللون ذاهب العقل. فقلت له بعد أن رجعَت إليه نفسُه : يا أَبا الفيض أَسَبُعُ عارضَك؟ فقال : لا ، دَعنِى من تخويف البشرية ، إِنى دخلت كهفًا من كهوف هذا الجبل فرأَيْتُ رجلاً أبيض الرأس واللحية أَشْعث أَغْبر نَحِيفًا نحيلاً كأَّمَا أُخرج من قبره ، ذا منظرٍ مهولٍ وهو يصلِى. فسلَّمت عليه بعد ما سلَّم . فردَّ علىَّ السلام وقام إلى الصلاة فمازال راكعًا وساجدًا حتى صلَّى العصر واستَند إِلى حَجٍ حذاءَ المحراب يسبّح ، لايكلِّمنى . فبدأته بالكلام فقلت له : رحمك الله توصينى بشىءٍ؟ ادعُ الله عزَّوجل لى بدَعْوة . فقال : يابنىّ آنسك الله تعالى بقُربه. ثم سكتَ . فقلت: زِدنى : فقال : يا بنىَّ مَن آنسه الله بقُربه أعطاه أَربعَ خِصَال: عزَّا من غير عَشِيرة، وعلمًا من غيرِ طلَب ، وغِنَّى من غير مال ، وأُنسًا من غير جماعة . ثم شهق شهقة فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام حتى توهمت أنه مَيّت . فلما كان بعد ثلاثة أيام قام فَتَوَضَّأَ من عين ماءٍ إِلى جنب الكهف وقال لى : يابنى كم فاتنى من الفرائض؟ صلاةٌ أَوَصَلاتان أَو ثلاث؟ قلت : قد فَاتَتْك صلاة ثلاثة أيام بلياليهنّ فقال : ثم حب الحَبيبِ أَذهبَ(٢) عَقْلِ إِنَّ ذِكْر الحبيب هيَّجَ شَوقِ وقد استوحشتُ من ملاقاة المخلوقين ، وقد أَنست بذِكْر رب العالمين ، انصرِف عنى بسلام . فقلت له : يرحمك الله وقفت عليك (١) ط : وسقيتها ماء. (٢) ب : أذهل . ٣٥٠ ثلاثةً أيام رجاءَ الزيادة . وبكيت فقال : أَحبِب مولاك ولا تُرد بحبّه بدلاً ، فالمحبّون لله تعالى هُم تِيجان العبّاد وعَلَم الزهّاد ، وهم أَصفياءُ الله وأَحبّاوُه . ثم صرخ صرخةً فحرّكته فإِذا هو قد فارق الدنيا . فما كان إِلاهُنيَّةٌ وإذا بجماعة من العبّاد مُنحدرِين من الجبل حتى وارَوْهُ تحت التراب. فسأَلتُ : ما اسم هذا الشيخ ؟ قالوا : شَيبانُ المُصابُ . قال سالم : فسأَلَت أَهل الشام عنه فقالوا : كان مجنونًا خرج من أَذى الصبْيان . قلت : تعرفون من كلامه شيئًا؟ قالوا نعم ، كلمةً واحدةً كان يغنِّی بها إذا ضَجِر: (إذا بك لم أُجَنّ يا حَبيبى فيمَن(١)؟) قال سالم : فقلت عُمَِّ والله عليكم .. ٨٧٧ - عباس المجنون : عن ابن المبارك قال : صعدت جبل لبنان فإذا برجل عليه جُبَّةُ صوفٍ مفتَّقَةً الأكمام، عليها مكتوبٌ، ( لاتُباع ولاتُشتَرِى )، قد انتزَر بمِئزر الخشوع، واتَّشَحَ برداءِ القنوع . فلما رآنى اختفى وراءَ شجرةٍ. فناشئْتُهُ بالله فظهر فقلت . إِنكم معاشرَ العبّاد تصبرون على الوحدة ، وتُقاسُون هذه القِفَار المُوحشة. فضحك ووضع كُمَّهُ على رأسِهِ وأَنشأً يقول : ارحَمِ اليومَ مُذنبًا قد أَتَاكا ياحَبِيبَ القلوب مَن لى سِوَاكما؟ قد أَبى القلب أَن يحبّ ◌ِواكا أَنت سؤلى ومُنْیتی وسُرورى غيرَ أَنِّى أُريدُها لِأَراكا ليس سُؤْلى من الجِنان نَعِيمٌ قال : ثم غاب عنِّى فتعاهدت ذلك الموضع سنةً لِأَفْعَ عليه فلم (١) ط : فن . ٣٥١ أُره . فلقِيَنى غلامُ أَبى سليمان الدارانى فسألته عنه وأعطيتُه صِفته فبكى وقال : واشَوقاه إِلى نظرةٍ أُخرى منه . فقلت : مَن هو؟ قال : ذاك عبَّاس المجنون، يأكل فى كل شهرٍ أَكلَتِيْن(١) من ثمار الشجر ونبات الأَرض ، يتعبد منذ ستين سنة . ومن عباد جبل الطور ٨٧٨ - عابد : سهل بن عيسى الجبلى قال : كنت عند إِبراهيم بن شيبان فَسَأَلُوه عن وصْفِ العارف؟ فقال: كنت على جبل الطُّور مع شيخى أبى عبد الله المغربى ومَعنا نحو من سبعين رجلاً، أَقلَّ أَو أَكثر . فأَنانا ذاتَ يوم شابًّ علية أَثَرُ الخشوع فكنا إِذا صَلَّينا قام فصلَّ معنا، وإِذا تَجَارَيْنا العِلم قعد يستمع إلينا فبينا نحن ذات يوم قُعودٌ تحت شجرة فى مكان فيه عُشب ، وكانت أيام الربيع ، فتكلم الشيخ علينا فى عُلُوم المعارف فرأَيتُ الشاب يتنفَّس ، فاحترقَ مابين يديه من العشب . ثم غاب فلم أره بعد ذلك . فقال الشيخ : هذا هو العارف ، وهذا وَصفه . ومن عباد جبال بيت المقدس ٨٧٩ - عابد : محمد بن أحمد النيسابورى قال : سمعت ذالنون يقول : بينا أنا فى بعض جبال بيت المقدس سمعت صوتًا وهو يقول: ذَهَبَتْ الآلام عن أبدان الخُدّام وَوَلِهَتْ بالطاعة عن الشراب والطعام ، وأَلْفِت أَبدانهم طُول القيام بين يدى الملِك العلَّام. فتبعت الصوت فإِذا شابًّ أَمْرُدُ قد علا وجهَه اصفرارٌ يميل مَيل الغصن إِذا ميَّتْه الريح، وعليه شَمْلة قد اتَّزر (٢) بها، وأُخرى قد اتَّشَح بها. فلما رآنى تَوارَى عنى بالشجر (٢) ق : ایتزر . وأثبت ما فى ط . (١) قط : مرتين . ٣٥٢ فقلت له : أيها العالمُ ، الجَفاءُ ليس من أخلاق المؤمنين . فكلِّمنى وأَوصنى . فخرّ ساجدًا وجعل يقول: هذا مقامُ من لاذَ بك واستجارَ بمعرفتك ، وأَلِفَ محبَّتك فيا إِلّه القلوب وما تحويه من جَلال عظمتِك احجُبنى عن القاطِعِين لى عنك . قال ذو النون: ثمَّ غاب عنَّى فلم أَره . ومن عابدات جبال بيت المقدس ٨٨٠ - عابدة: محمد المبارك الصورى(١) قال: بينما أَنا أَجُولُ فى بعضٍ جِبِالٍ بيت المقدسِ إِذا أَنا بشخصٍ مُنْحدر من جيلٍ ، فإذا هى امرأةٌ عليها مِدْرعة من صوف وخِمارٌ من صوف . فسلَّمْتُ فردَّت فقالت : ياهذا من أين أَقبلت؟ فقلت : رَجُلٌ غريبٌ . قالت : ياسبحان الله ، وهل تَجِدُ مع سيِّدك وَحْشَةَ الغُربَةِ وهو مُؤْنِسُ الغُربَاءِ ومحدِّث الفقراءِ؟ فبكيت . فقالت مِمَّ بكاؤُك؟ ما أَسرع ما وَجدت طَعم الدواءِ؟ فقلت أَولا يبكى العليل إذا وَجِد طَعْم العافية؟ قالت: لا قلت : لم ؟ قالت لأَّنه ما خَدم القلبَ خادمٌ هو أَحبَّ إِليه من البكاء، ولاخَدم البكاءَ خادمٌ هو أَحبَّ إِليه من الشَّهيق والزفير فى البكاءِ . قلت : علِّمينى رحمك الله فإِنِّى أَراك حكيمةً . فأَنشأَتْ تقول : ر فإِنَّها مَرَكبُ جَمسوحُ دُنياك غَرَّارَةٌ فِذَرْها مُنْيَتَهِ ، نَفْسُه تَطِيحُ دون بُلوغ الجَهولِ منها فإِنَّه فاحشٌ قَبِيحُ لاَتَركب الشرَّ واجتَنبهُ فإِنَّه واسع فَسيحُ والخيرَ فاقْدم عليه تَرْشُدْ (١) قط: الصوفى. تحريف. والصورى هذا يعرف أيضاً بالقلانسى القرشى. كان نزيل دمشق، ثقة. مات سنة (٢١٥) «وله أثنان وستون عاماً. (تقريب التهذيب ٢٠٤/٢). ٣٥٣ فقلت : زيدينى . فقالت : أَحبِبْ ربَّك شوقًا إلى لقائه، فإِنَّ له يومًا يتجلّى فيه لأَوايائِه(١). ٨٨١ - زهراء الوالهة (٢) : ومن عقلاء المجانين مجنونة فى جبل من جبال بيت المقدس يقال لها زهراء الوالهة (٣) محمد بن سلمة قال : سمعت ذالنون المِصرىّ يقول : بينا أَنا فى بعض أودية بيت المقدس إذسمعت صوتًا يقول : ياذا الأَیادِى التى لاتُحصى، وياذا الجُودِ والبقاءِ مَتِّعْ بصَر قلبى من (٤) الجَوَلان فى بساتين جَبروتك، واجْعَلْ هِمَّتِى (٥) متصلةً بِجُودٍ لُطْفِكَ يالطيف، وأَعِذْنى من مَسَالك المتحيِّرين بجلال بَهَائِك يارءوف، واجعانى لك فى جميع الحالات خادمًا وطالبًا، وكن لى يا مُنْوِّرَ قَلْبِى وغايَةً طَلَبِ فى الفضل صاحبًا . قال ذو النون : فطلبت الصَوْتَ حتى ظهرلى ، فإِذا امْرَأَةٌ كأَنَّها الْعُود المحترق ، وعليها دِرع من الصوف ، وخِمار من الشعر أسود(٦) قد أَضناها الجهد وأَفناها (٧) الكَمد وذَوّبها الحبّ، وقتلها الوَجد . فقلت لها : السلام عليك . فقالت : وعليك السلام ياذا النون فقلت : لا إله إلا الله كيف عرفت اسمِى ولم تَرَيْنِى؟ قالت : كَشف عن سرِّى الحبيبُ فرفع عن قلبى حجابَ العمى فعرَّفْنِ اسْمك . فقلت : ارجعى إِلى مُناجاتك . فقالت : أَسأَلَك ياذا البهاءِ أَن تَصرف عنِّى (١) بعدها فى ط : والسلام. (٢) العنوان زيادة من عندنا وليست فى النسخ . (٣) بعدها فى ط : رضى اللّه عنها . (٤) ق : فى ، وأثبت ما فى ط . (٥) قط : ثقتى. (٦) أسود : ساقطة من ط . (٧) قط : وقتلها . (م ٢٣ - صفة الصفوة جـ ٤) ٣٥٤ شرّ ما أَجد فقد اسْتَوْحشتُ من الحياة. ثم خرَّت ميتةً. فبقيتُ مُتَحَيّرًا متفكِّرًا . فأقبلت عجوزٌ كالوالِهِة فنظرت إليها ثم قالت : الحمدُ لله الذى كرمها . قلت : مَن هذه؟ فقالت: ألم تَسمع بزَهراءَ الوالِهة ؟ هذه ابنتى تَوهَّم الناس منذ عشرين سنة أنها مجنونة وإنما قتلها الشوق إلى ربِّها . ومن عباد جبال المغرب ٨٨٢ - عليه : عن ذى الكِفِل أَخى ذى النون قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أَنا فى جبال المغرب إِذوقعتُ على رَجل عابدٍ فى رأْس جبل، فَسَلَّمْتُ عليه ، فأَطرقَ إِلى الأَرض ثم رفع رأسه وقال : وعليكم السلام . قال ذو النون: فقلت له : ما مَقَامُك فى هذا المكان؟ فقال: معى بُضَيِّعة (١) قد هرَبتُ بها من الأَّمواق وقد جئت بها لأَدفنَها فى هذا المكان . قلت : وما بِضاعَتُكَ هذه؟ قال : عِقدُ توحيدى وخالِصُ ضميرٍ مكنونى قاتٍ : لوأَنِستَ بالناس . قال : منهم هربت ، وقد قصَدتُ إِلى مَن قَصده غَيرِى من الرّاجين . فوجدوه مؤنساً . ثم رفع طَرْفه نحو السماءِ ثم قال : أَنت أَنت . قال ذو النون: فرفعت طَرْفىِ فىِ موضعِ رَفْع طَرِفِه وردَدتُ طَرْفى فلم أَره . ومن عباد جبال الاسكندرية ٨٨٣ - عابد : جعفر بن النعمان الرّازى قال : قال ابراهيم بن أدهم ذات يوم : يا أهل الشام تعجَبون منِّى؟ وإِنما العجَب من الرّجل الإِسكندرانى، فإِنِّى طلبته فى جبال الاسكندرية حتى وقعتُ عليه بعد ثمانية أيام وهو (١) بضم الباء وتشديد الياء: مصغر بضاعة. ٣٥٥ يصلِّى كأَنّه مَدْهوش. ثم حانت منه التفاتَةُ إِلىَّ فقال لى : مَن أَنت ؟ قلت : رجل أَعرابى . قال : هلْ عندك حديث تحدِّثُنابه؟ قال فحدَّثْته بخمسةِ أَخْرُفٍ فَغُشِىَ عليه وأَنا أَنظُرُ . ثم أَفاق فقال: خُذ أَنت هاهنا حتى آخذَ أَنا ههنا . فطلبته بعدُ فلم أَقدر عليه . ومن عباد جبل المقطم(١) ٨٨٤ - عابد : يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون المصرىّ يقول: وُصِف لى رجل فى جبل المقطَّم فقصدتُه فرأيت رجلاً متعبِّدًا فمكثت معه أربعين يومًا لا أُكلِّمه: ثم استخرت (٢) الله تعالى يومًا فى كلامه، وسألت الله أن يوفقه لى . فقلت أيها الشيخ فيمَ النجاة؟ فقال : فى التقوى والمراقبة. فقلت : زِدْنى . فقال : فِرّ من الخَلق ولاتستأُنِس بهم . فقلت له : زِدنى . فقال: إِنَّ الله عبادًا نظَروا إلى باطن الدنيا لما نظر الخَلْقُ إِلى ظاهرها، فأَماتُوا منها ماخَشُوا أَن يُميتَهم ؟ إنهم قوم صافَوْه بالعقول ودقّقوا له الفِطَن فسَقاهم كأُسّا من محبَّته فهم فى عطَشهم أَروِياءُ ، وفى رِيِّهم عِطاش . قال : فقلت له : زدنى . فقال ٢٠٠٥ إِنَّهُمْ أَقْوِياءُ فى توكُلهم . ومن عباد جبل الأقرع(٣) ٨٨٥ - عابد : قال بشر بن الحارث : كنت مارًّا فى جبال الشام فأَتيتُ على يقال له الأقرع ، فإِذا أَنا بشابٌ قد نَحُلَ جسمه ورقَّ جلده ، وعليه ثوب من صوف ، فسلَّمت عليه فردّ علىّ . فقلت فى نفسى : أَقول له (١) جبل: يشرف على مقبرة مدينة القاهرة فى مصر. ط : المقطن، هنا وفى الموضع الآتى بعد قليل ، وهو تحريف . (٢) ق : فاستخرت . وأثبت ما فى ط . (٣) جبل فى بلاد الشام . ٣٥٦ عِظْنى وأَبَلِغْ . فقال لى ، قبل أن أُكلِّمه فأَجاب عن سرّى: عِظْ. نفسك بنفسك ، وفُكَّ نفسك من حَبسك ، ولاتَشتغل بموعظةٍ غيرك من جنسك ، واذكر الله فى الخَلوات يَقِكَ السَّيِّئات ، وعليك بالجد والاجتهاد . ثم بكى وجعل يقول: شُغات النفوس بالقليل الفانى ونحَبت (١) الأَبدان بالتسويف والأَّمانى. ثم قال: يابشر، وما (٢) رآنى وما عَرفنى قبل ذلك، إِنَّ لله عباداً خالَط. قلوبَهم الحزنُ ، فأَسهر (٣) ليلَهم وأَظماً نهارَهم، وأبكى عيونَهم، كما وصَفهم ربّهم فى كتابه ( كانُوا قليلاً من الَّيلِ ما يَهجعُون. وبالأسحارِ هُم يَستغفِرون (٤) ذكر المصطفين من عباد جبال الشام المجهولة (٥) الأسماء ٨٨٦ - حميد (٦) بن جابر، الأمير الشامى : ابراهيم بن بشار قال : كنت يوماً ماًّا مع ابراهيم بن أدهم فى صحراءٍ إِذْ أَتينا على قبر مُسَنَّم (٧). فترجَّم عَلَيْهِ وبكى . فقلت : مَن هذا ؟ فقال : هذا قبرُ حميد بن جابر أَمير هذه المدن كلِّها ، كان غَرِقًا فى بحار الدنيا ثم أخرجه الله عزَّ وجلَّ منها فاستنقذَه. لقد بلغنى أنه سُرّ ذات يوم بشىءٍ من مَلاهى مُلكِهِ ودُنْياه وغُروره وفِتْنته . قال : ثم نام فى مجلسه ذلك مع من يخصِّه من أهله . قال : فرأى رجلا (١) نحب القوم فى سيرهم: جدوا . ونحبه السير : أجهده . (٢) كذا ، ولعل الواو زائدة . (٣) ط : وأسهر . (٤) الذاريات : ١٧ - ١٨. (٥) ط : المجهولين . (٦) بضم الخاء ، مصغراً. (٧) مرتفع فوق الأرض ، عكس مسطح . ٣٥٧ واقفًا على سريره وبيده كتاب فناولَه فَفَتحه فإِذا فيه كتاب بالذَّهب مكتوب : لا تؤثرنَّ فانيًا على باقٍ ، ولا تغترّنَّ بملكك وقُدرتك وسلطانك وخدَمك وعَبيدك ولذَّاتك وشَهواتك ، فإِنَّ الذى أَنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو مُلْك لولا أَنَّ بعده هُلْكٌ(١) وهو فَرَح وسُرور أولا أَنه لَهوٌ وغُرور، وهو يومٌ لو كان (٢) يُوثَق له بغدٍ ، فسارِعْ إِلى أَمر الله عزّ وجل فإِنَّ اللّه قال: (وسارِعُوا إِلى مَغفرةٍ من ربِّكم وجَنَّةٍ عَرضُها السّمواتُ والأَرْضُ أُعِدَّت للمُتَّقِين) (٣). قال: فانتبه فزعًا وقال : هذا تَنْبيهٌ من الله عز وجل وموعظة . فخرج من مُلكه لا يُعلَم به ، وقصَد هذا الجبلَ فتعبّد فيه، فلمَّا بلغَتنى قصته وحُدِّثت بأمره قَصَدْتُه فسألته فحدّثنى بِبَدْوِ (٤) أَمره وحدّثته بِبَدْوِ أَمرِى، فمازلت أُقصِده حتى مات ودفن ههنا . فهذا قبره رحمه الله . ٨٨٧ - عابد آخر : بِشْرُ بن الحارث قال : استقبلنى رجلٌ فى طريق الشام وعليهِ عَبَاءَةٌ قد عَقَدَها مُسْتَوْفرًا كأَنه وحشىّ . فقلت له : رحِمَكَ الله من أَين جئت ؟ قال لى : جئت من عنده . فقلت وإلى أين تذهب ؟ فقال: إِليه فقلت له : ففيم النجاةُ رَحِمَك الله ؟ قال : فى التقوى والمراقبة لمن أَنت لهُ مبتغ . قلت: فأَوَصِنِى. قال: لاأَراك تَقبَل . قلت : أَرجو أَن أَقبَل إِن شاءَ الله . قال : فِرَّ منهم ولاتأُنس بهم واستوحش من (١) كذا بالرفع فى النسخ جميعاً. وكان ينبغى نصب (هلكاً) اسما لأن. إلا إذا جعلنا اسمها ضمير شأن محذوفاً وخبرها الجملة الاسمية (بعده هلك) ليلتمُ السجع. (٢) لو: حرف للتمنى . (٣) آل عمران : ١٣٣. (٤) يقال : بدا الأمر بدواً (بفتح فسكون) وبدواً (بضمتين وتشديد الواو) وبداء وبداءة ( بفتح الباء فيهما) : أى ظهر . ٣٥٨ الدنيا فإنها تُعرِّضُكَ للعَطَبِ . ثم قال : من عرَف الدنيا لم يَطْمَئِنَّ إِليها ومَنْ أَبصر ضررها أَعدَّ لها دواءَها ، ومن عرف الآخرة أَلِحّ فى طابها ، ومن تَوَهَّمها اشتاق إلى مافيها فهان عليه العمل . ثم قال : فكيف أو توهّمت من يملكها ومن زَخرفها ومن قال لها : كُونى فكانت وتزّينى فتزيّنت؟ والتشوّقُ إلى مالكها أولى بقلوب المشتاقين ، وأَطيب لعيش المستأنسين . ثم قال : قد أَنِسوا بربّهم فالأَمر فيما بينهم وبينه سليم ، صافَوْهُ بالعقول ، ودقَّقوا له الفِطَن، فسقاهم من كأس حبَّة شَربةً فظلوا فى عطَشهم أَروِباءَ ، وفى ريّهم عِطاشًا . ثم قال : ياهذا أَتفهم ما أقول وإلا فلا تتبعنى؟ قلت : بلى رحمك الله إنى أَفهم جميع ماقلت . قال : الحمد لله الذى فهَّمك. قال(١): ورأيت فى وجهه السرور ثم قال : خذ إليك(٢) نعم هم الذين لا يملون كاسَاتِهِ من تُحفِه ، فالحكمة إلى قلوبهم سائلة(٣) متواصلة، لأَنهم الأكياس (٤) الذين لم تدنسهم المطامع ولم تقطعهم عن الله عز وجل القواطع ، ليوث فى تَعزِّزهم ، أَغنياءُ فى توكُّلهم ، أَقوياءٌ فى تقلبهم ، قد قطعتهم الخشية وولهتهم الغربه (٥) ، نَعيمهم اليقينُ، ورُوحهم السكون . أَلْين الخلقِ عريكةً وأَشده حياءً، وأَشرفه مطلبًا . لايركّنون إلى الدنيا جزءًا. ولا يتطاولون ولايتماوَتون، فهم صفوة الله عزوجل من خلقه ، وضنائن (٦) من خالص عباده . ثم قال لى ان القلوب (١) قال : سقطت من ط . (٢) أى اسمع ما ألقيه على أذنك من القول ، وخذه منى . (٣) ط : مائلة . (٤) المتصفون بالكياسة وهى الفطانة . (٥) قط : العزة. (٦) الضنائن: الأشياء التى يضن بها لنفاستها، وضنائن اللّه : خواص خلقه. ے ٣٥٩ الحيّة من دون هذا لها مَقْنَع. نفعنا الله وإِيَّاك بما علّمنا وسلَّمنا وإِيَّاك بما علمنا ، السلام عليك ورحمة الله . قال بشر : فطلبتُ(١) إِليه . فأَبِى علىّ وقال : لستُ أَنساك فلا تَنسَنِى. ثم مضى وتركتی . قال بشر : فلقيت عيسى بن يونس فِحدّثته بقصته فقال (٢) لى: لقد أَنس بك ذلك الرجل الصالح ، إنه رجل من خِيَار الناس يَأْوى فى الجبل وإِنما يدخل إلى المدينة فى كلّ جُمعة لصلاة الجمعة ويبيع فى ذلك اليوم حَطَبًا يكفيه إلى الجمعة الأُخرى ، وعجبًا له كيف كلَّمك؟ لقد حفِظتَ عنه كلامًا حسنًا . ٨٨٨ - عابد آخر : ابن مسروق قال : سمعت سرّيًا يقول : بينا نحن نسير فى بلاد الشام مِلنا عن الطريق ناحيةَ جملٍ عليه عابد، فقال رجل من القوم : إِنَّا قد مِلنا عن الطريق، وهاهنا عابد فمِيلوا بنا إليه نَسأَلَه ، لعل الله عز وجل يوفقه يكلمنا . فملنا إليه فوجدناه يبكى . قال سَرِى : فقلت له ما أَبكى العابدَ ؟ قال : مالى لا أَبكى ؟ وقد توعَّرت الطريق وقلَّ الّالكون فيها، وهُجِرت الأعمال وقلَّ الراغبون فيها ، وقلَّ الحق ودَرَس هذا الأَمرُ فلا أَراه إِلَّ فى لسان كلَّ بطَّل ينطق بالحكمة ، ويفارق الأعمال، قد افترش الرُّخصة، وتمهَّد التأويل ، واعتلَّ بِزَلل العاصين . ثم صاح صيحة وقال : كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدنيا، وانقطعتْ عن روح مَلَكوت السماء ؟ ثم جعل يقول : واغمَّاه من فتنة العلماءِ ، واكَرباه من حَيْرة الأَدِلَاءِ. وجال جولةً ثم قال: أَين الأبرار من العلماء ؟ بل أين الأخيار من الزهاد ؟ ثم بكى وقال : شغَلهم والله (١) طلبت المزيد من مواعظه . (٢) ق : وقال : وأثبت ما فى ط . ٣٦٠ ذِكْرُ طولِ الوقوف ، وهَمُّ الجوابِ عن ذِكْر الجنة والنار والثواب . ثم قال : أَنا أَستغفر الله من شهوة الكلام . تَنَحَّوْا عِنِّى. فخلَّيناه يبكى وقد مُلثنا منه غمًّا وهمًّا . ٨٨٩ - عابد آخر : محمد بن أحمد الشَّمشاطِىّ قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أنا سائر بين جبال الشام إِذا بشيخٍ على تَلْعةٍ من الأَرض قد تساقطت(١) حاجباه على عينيه كِبَرًا . فتقدمت إليه فسلمت عليه فرد علىّ السلام ثم جعل يقول: يا من دَعَاه المذنبون فَوَجدوه قريبًا، ويامن قَصَدَه الزَّاهدون فوجدوه حَبِيبًا ، ويامَن استأنس به المجتهدون فوجدوه مُجيبًا ثم أنشأ يقول : اختارهُم فى سالفِ الأَزمانِ وله خَصَائص مُصْطَفَوْن لحبّه فهمُ ودَائعُ حكمةٍ وبيانٍ اختارهم من قَبل فِطرة خَلْقِهِ ٨٩٠ - عابد آخر : أبو عثمان سَعيد (٢) بن الحكم قال: سمعت ذا النون يقول : بينا أَنا أَسير فى بلاد الشام فإِذا أَنا بعابدٍ قد خرج من بعض الكهوف فلما نظر إِلَّ اسْتَتَرِ بَيْنَ تلك الأشجار . ثم قال : أَعوذ بك سيدى ممن يشغَلنى عنكَ ، ياحبيب التوَّابين ، ومعين الصادقين ، وغاية أَمل المحبّين. ثم صاح: واغمَّاه من طول البكاءِ [وطُول الحزن] (٣) واكَرْباه من طول المكثِ فى الدنيا . ثم قال : سبحانَ من أَذاق قلوب العارفين به حَلاوة الانقطاع إليه، فلا شىء أَلَذَّ عندهم (٤) من ذِكره (١) كذا جاء الفعل فى النسخ جميعاً . (٣) زيادة من ب . (٢) ط : سعد . (٤) ط : عندم ألذ.