النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
أَبو بكر المروزِى قال سمعت أبا عبد الله أَحْمَد بن حنبل ، وذكر
ورَع عيسى بن يونس ، قال : قدِمٍ فَأُمِر له بمائة ألف، أَو قال بمال،
فلم يقبل وتدرى ابنَ كَمْ كان عيسى ؟ أَراد أَنه كان حَدَثَ السن .
محمد بن المنكدر قال: حجّ الرشيد فدخل الكوفة فركب الأمين
والمأمون إلى عيسى بن يونس فحدّثهما. فأَمر له المأمون بعشرة آلاف
درهم . فأَبِى أَن يَقْبَلها فَظُنّ أَنه استقلَّها . فأَمر له بعشرين ألفاً .
فقال عيسى : لا والله ولا إِهليلجة (١) ولا شربة ماء على حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم ولو ملأَّتَ لى هذا المسجد ذهباً إلى السّقف .
الحُدّانى (٢) قال: قال ابن المبارك لرجل: اكتب نَفَسَ هذا
الشيخ ، يعنى عيسى بن يونس .
رأَى عيسى بن يونس جدَّ أَبا إسحاق إلا أنه لَمْ يَسْمَع منه
شيئاً . وسمع من إِسمعيل بن أبى خالد ، وهشام بن عُروة ، والأَعمش
وخلقٍ كثير . وتوفى بالحدَث من أرض الثّغر فى شعبان سنة سبع
وثمانين ، وقيل ثمان وثمانين ومائة . وقيل إِحدى وتسعين .
٧٩٣ - يوسف بن أسباط من قرية يقال لها شيح :
عبد الله بن حُبَيق قال : قال لى يوسف بن أَسباط . : عجبت
كيف تنام عين مع المخافة ، أَو يغفل قلبٌ مع اليقين بالمحاسبة ؟
من عَرف وُجوب حق الله عز وجل على عباده لم تستحل (٣) عيناه
أبداً إلا باعطاء المجهود من نفسه ، خَلق الله تعالى القلوب مساكن
الذكرْ فصارت مَسَاكن للشهوات ، الشهواتُ مَفسَدةٌ للقلوب وتَلَفٌ
(١) كذا وردت هنا بهمزة مكسورة فى أ.". (راجع الحاشية السابقة).
(٢) قط : الحناى .
(٣) قط : لم تسابل.

/
٢٦٢
للأّموال ، وإِخْلاق للوجوه ، ولا بمحو الشهوات من القلوب إِلا خوفٌ
مُزْعج أَو شوقٌ مُقْلق .
شعيب بن حرب قال : سمعت يوسف بن أسباط. يقول : الزهد
فى الرياسة أَشد من الزّهد فى الدنيا .
موسى بن طريف قال : سمعت يوسف بن أَسباط. يقول :
لى أربعون سنة ما حكَّ فى صدرى شىءٍ (١) إِلا تركته.
قال ابن حُبَيق : وقال ابن بشار : قال لى يوسف بن أسباط . :
تعلَّموا صحة العمل من سَقَمه فانىِّ تعلمته فى اثنتين وعشرين سنة .
قال ابن حبيق : وقال يوسف : خرجت من شِيح راجلاً حتى
أَتيت المَصيّصة، وجِرَابى على عُنقى. فقام ذا من حانوته يُسَلم على ،
وذا يسلِّم . فطرحتُ جِرابى ودخلت المسجِد أُصلِّ ركعتين
فأَحْدَ قُوابِى ، واطَّع رجل فى وَجْهى . فقلت فى نفسى : كم
بقاءُ قلبى على هذا ؟ فأَخذتُ جِرابى ورجعتُ بعَرقى وعَنائى إِلى شِيح فما
رجع إلىّ قلبى إلى سنتين .
بعبد الله بن حُبيق قال : قال يوسف بن أسباط . : إنى أَخاف أن
يعذب الله الناس بذنوب العلماء . وقال : الأَشياءُ ثلاثة ، حلال بيّن،
وحرام بيّن، وشُبهات بَيْن ذلك ، فالمؤمن إذا لم يجد الحلال تَنَاول
من الشّبهات ما يُقِيمُه .
قال ابن حُبيق : وسمعت يوسف بن أسباط. يقول : كان يقال :
اعمَلْ عَمَل رجلٍ لايُنجيه إِلَّا عَملُه، وتوكّل توكِّل رجل لا يُصيبه
إلا ما كُتب له .
(١) يقال: (ما حك فى صدرى كذا) أى لم أنشرح له.

٢٦٣
وسمعت يوسف يقول: لى أربعون سنة ماملكتُ قميصَين .
وسمعته يقول: لا يقبل الله عز وجلَّ عملاً فيه مثقالُ حبةٍ من رِئاءٍ(١) .
وكان يوسف يقول : اللهم عرّفنى نفسى، ولا تقطَع رَجَاءَك من
قلبى .
قال ابن حُبيق : وقال أبوجعفر الحذَّاء : كتبت إلى يوسف بن
أَسباط. أَشاوره فى التَّحْويل إلى الحجاز . فكتب إلىّ: أَمَّا ماذكرتَ من
تحويلك (٢) إلى الحجاز فليكن همّك خُبزك، وما أَرى مَوْضِعك إِلَّا
أَضبط. للخُبْز من غيره، وما أحسب أَحدًا يفرّ من شرّ إلا وقَع فى
أَشرّ منه، وإِنما يَطِيب الموضع بأهله، فقد ذهب من يؤنس به ويُستراح
إليه ، وإذا علم الله منك الصّدق رَجَوْتُ أَن لايُضيع لك ، وإن كان
الصدق قد رُفع من الأَرض .
قال حذيفة المَرعَشى: كتب إِلىّ يوسف بن أَسباط . : أَمَّا بَعد
فإِنِّى أُوصيك بتقوى الله، والعمل بما علَّمك الله عز وجل، والمراقبة
حيث لايراك أحد إلَّ الله عز وجل، والاستعدادٍ لما ليس لأحدٍ فيه
حيلة ، ولا تنفع النّدامة عند نُزوله ، فاحسِر عن رأسك قِناع الغافلين،
وانتبِه من رَقْدة الموتى ، وشمَّر للسّباق غدًا فإن الدنيا ميدان المسابقين ،
ولا تغتَرَّ بمن أَظهر النُّسك، وتَشَاغَل بالوصف ، وتَرك العمل بالموصوف
واعلم يا أخى أنه لابدّ لى ولك من المقام بين يدى الله عز وجل ، يسألنا
فيه عن الدقيق الخفيّ وعن الجليل الجافى (٣)، ولست آمن أَن يسألنى
وإياك عن وَسَاوس الصّدور ، ولحظات العيون ، وإصغاء الأسماع ،
(١) يقال: (فعل ذلك رئاء) : أى تظاهراً بخلاف ما فى باطنه . ق : رياء.
(٢) ب : من التحول .
(٢) الثقيل الغليظ. ق . الخافى .

٢٦٤
وماعسى أَن يَعْجز مثلى عن صِفته، واعلم أنه مما وُصف به منافقو هذه
الأُمة أنهم خالطوا أهل الدنيا بأَبدانِهم وطابَقوهم عليها بأَهْوائهم،
وخَضَعوا لِما طَمِعوا من نائلهم، وداهَن بعضُهم [بعضًا] فى القول
والفعل، فأَشِرُ وبَطِرٌ قولُهم ،ومُرُّ(١) خبيثٌ فِعلُهم، تَركوا باطِنَ العمل
بالتَّصْحِيحِ (٢) فحرَمهم الله تعالى بذلك الثمنَ الرَّبيح . واعلم يا أخى
أَنه (٣) لايَجزى من العمل القولُ، ولا من البَذل العِدَةُ، ولا من التَّقْوى
ولامن التوقّى التّلاوُم ، وقد صِرْنا فى زَمانِ هذه صفة أَهله فمن كان
كذلك فقد تعرّض للمقْت وصُدّ عن سَوَاءِ السبيل. وفقنا الله عزَّ وجلّ
وإياك لما يحب ويرضى .
عبد الله بن حُبيق قال : سمعت يُوسُف بن أَسباط. يَقول :
يُرزَق الصّادقُ ثلاثَ خصال : الحلاوة والملاحة والمَهَابة .
المسيّب بن واضح قال : قدم ابن المبارك فَاسْتَأُذَن على يوسف
فلم يأْذَن له . فقلت له : مالكَ لم تأَذَنْ له ؟ قال : إِنِّى إِن أَذِنتُ
له أردت أن أَقوم بحقُّه ولا أَفِىَ به .
ابن حُبيق قال : قال يوسف بن أَسباط . : إذا رأيت الرجل قد
أَشِرَ وَبِطِرَ فلاتَعِظْه فليس للعِظَة فيه موضع .
القَرقَسانى قال : أُتِىَ يوسف بن أَسْباط بباكورة ثمرةٍ فقبّلها
ثم وضعها بين يديه وقال : إنَّ الدنيا لم تُخلق ليُنظَر إِليها وإِنما خُلقت
ليُنظر بها إلى الآخرة .
(١) ط ومن ، تحريف.
(٢) ط : بالصحيح .
(٣) ق : أنه يا أخى.

٢٦٥
أبو جعفر الحذَّاءِ قال : سأَلت شُعيب بن حرب عن يوسف بن
أَسباط فقال: ما أُقدِّم عليه أَحدًا من هذه الأُمة . البِرُّ عشرة أجزاء
تسعةٌ منها فى طلب الحلال وسائر البِرّ فى جُزءٍ واحدٍ ، وقد أخذ يوسف
التّسعة وشَركَ الناسَ فى العاشر .
تميم بن سَلْم قال : قلت ليوسف بن أسباط . : ماغاية الزّهد ؟ قال :
لا تَفْرح بما أقبل. ولا تأسف على ما أدبر. قلت : فما غاية. التواضع؟
قال : أَن تخرج مِن بيتك فلا تلقَى أَحدًا إلا رأيت أنه خير منك .
عبدالله بن حُبيق عن أبيه قال : قال لى يُوسُف بن أَسْباط . :
خرجْت سَحرًا لأُوَّذِّن، فإِذا علىّ ليلُ(١). فقعدت فإذا أَسودُ مقبِلٌ
وفى بده حجَرُ يريد أَن يَضْربَنِى ووراءَهُ ثَنْىٌ أَبْيَضُ ، بيده حجر یرید
أَن يَصرفه عنى فصَرفه . فقلت: هذان شَيْطانان يُريدان أَن يُريانى أَنِّى
رجل صالح . فقلت : كلاكما شيطانان . فَطارا .
أَدرك يوسف بن أَسباط. حبيب بن حسّان ومُحلّ بن خليفة،
والسّرىّ بن إسماعيل، وعابد بن شُريح والثَّورى فى آخرين . وقالت
زَوْجته : كان يقول : أَشتَهى من رَبِى ثلاثَ خصالٍ . قلت : وما هُنَّ؟
قال : أَشْتَهى أَن أَموتَ حين أَموتُ وليس فى مِلْكی درهم، ولا يكون
علىِّ دَيْن ، ولا على عَظمِى لحم . قالت : فأُعطِىَ ذلك كلَّه. ولَقَدْ قالَ
لى فى مرضه : أَبقَى عندكِ نَفقة ؟ فقلت : لا. قال : فماذا تَرَيْن ؟
قلت : أَخرِج هذه الخابية للبيع . فقال : يعلم الناس بحالنا ويقولون
ما باعوها إلَّا وَثَمَّ حاجة شديدة . فأُخرَجَ إِلى شيئًا كان أهداه إليه
(١) أى لم يحن موعد أذان الفجر بعد ، وبقيت قطعة من الليل.

٢٦٦
بعض إخوانه فباعه بعشرة دراهم ، وقالٍ : اعزِلى منها درهمًا لِحُنُوطِى،
وأَنْفِقِى باقيها ، فمات وما بقىَ غيرُ الدرهم .
وتوفى يوسف بن أسباط. قبل المائتين بسنة .
٧٩٤ - مخلد (١) بن الحسين :
يكنى أبا محمد . كان من أهل البصرة فتحوّل فنزل المصّيصة .
عبدَة (٢) بن عبد الله قال: قال مخلَد بن الحسين: ما تكلَّمت
بكلمة أُريد أن أعتذر منها ، منذ خمسين سنة .
محمد بن بشير الدّعاءِ قال : ذُكر عِندَ مَخلَد بن الحسين أخلاقٌ
من (٣) أَخلاق الصالحين فقال :
ليس الصَّحِيحُ إِذا مشى كالمُقْعَد
لاتعرضنّ للِکْرنا فی ذِكْرهم
سنيد بن داو قال : ثنا مَخلَد بن الحسين قال : مانَدب الله
تعالى(٤) العباد إلى شىءٍ إِلَّ اعترض فيه إبليس بأَمْرين ما يُبالى بأَيّهما
ظفِرِ: إِمَّا غلُوًّا فيه وإما تقصيراً عنه .
أَسند مَخلدٌ عن هشام بن حسّان وتوفىّ بالمَصّيصة سنة إِحدى وتسعين
ومائة . (والله أعلم ) .
٧٩٥ - على بن بكار البصرى :
يكنى أبا الحسن(٥). سكن المَصّيصة مرابطًا وكان فقيهًا.
موسى بن طَرِيف قال : كانت الجارية تَفرشُ لعلىّ بن بكار ،
فيلمسُه بيده ويقول: والله إنك لطيّب، والله إِنَّك لبارِد، والله لا علَوْتُك
الليلة . فكان يصلِّى الغداة بوضوءِ العتمة .
(١) بفتح الميم واللام ، وسكون الخاء .
(٣) العبارة فى ط محرفة تحريفاً شديداً .
(٤) ق : عز وجل .
(٢) قط : عبيدة .
(٥) ط : أبا الحسين.

٢٦٧
أبو الحسن بن أبى الورد قال : قال رجل : أُتينا على بن بَكَّار
فقلنا له : حُذيفة المرعَشى يقرأُ عليك السلام . فقال : عليكم وعليه
السلام، إِنِّى لأعرفه بأكل الحلال منذ ثلاثين سنة، ولأَنْ أَلقَى
الشَّيطان أَحبّ إِلىّ من أَن أَلقاه. قلت له فى ذلك(١)، فقال: أَخاف
أَن أَنصنَّع له فأَنزيّن لغير الله فأَسقُطَ مِن عَين الله عزَّ وجل .
يوسف بن مسلم قال : بكى علىّ بن بكار حتى عَمِىَ . وكان قد
أَثَّرت الدموع فى خدّيه (٢) .
فيض بن إسحاق قال : جئت إلى علىٍّ بن بكار وأَنا أُريد الخروج
فقلت : أَوصِنى فقال: اتَّقِ الله وَالْزَم بيتك، وأَمسِك لِسَانك، واترُك
مخالطةَ الناس تنزِلْ عليك الحِكْمة من فَوْقك .
يحيى زكريا قال : كنَّا عند علىّ بن بكار فمرّت سحابة .
فسألتُه عن شىءٍ ؟ فقال اسكت أَما تَخْشَى أن تكون فيها حجارة .
أَبوعبد الله قال : خرج أبو إسحاق الفَزارى وعلىّ بن بكاريَحْتَطِبَان .
فأَبطأً علىّ بن بكَّار على أبى إسحاق فَدَار أبوإسحاق فى الجبل خلفه
فجاءَ فنظر إليه وهو مُتَربّع وفى حجْره رأْسُ سَبْعٍ وهو نائم يذبّ
عنه . فقال له أبو إسحاق : ما قُعودك ههنا ؟ فقال : لجأً إِلىّ فرحمتُه
فأَنا أَنتظره لِيَنْتَبِّهَ فَأَلْحَقَك .
وقد بلغنا عن على بن بكار أَنه ◌ُعِن فى بعض مَغَازِيه فخرجتْ
أَمعاؤُه على قَرَبوس سَرجه فردَّها إلى بَطْنه وَشَدّها بالعمامة وقائل حتى
قَتل ثلاثة عشر علْجًا .
(١) راجعته واستوضحته الأمر .
(٢) ط : على حد.».

٢٦٨
أُسند علىّ بن بكار عن هشام بن حسان وأبى إسحاق الفزارى ،
وأنى خلدة فى آخرين .
وصحب إبراهيم بن أدهم . وتوفى بالمَصيصة سنة تسع وتسعين
ومائة .
٧٩٦ - حذيفة بن قتادة المرعشى :
عبد الله بن حُبيق قال : قال حذيفة : إن لم تخش أن يعدّبك
الله على أفضل عملك فأَنت هَالِكٌ .
وقال حذيفة : لو نزل علىَّ ملَكٌ من السماء يخبرنى أَنى لاأَرى النَّار
بعينى ، وأنى أَصير إلى الجنة إلَّا أَنّ أَقف بين يدَىْ رَبِّى تعالى (١)
يسائلى (٢) ثم أَصير إلى الجنة، لقلتُ(٣): لاأُريد الجنَّة ولا أَقف ذلك
ذلك الموقف ، ولوجاءنى رجل فقال لى : والله الذى لا إله إلَّا هو ،
ما عَملُك عَمَلُ مَن يؤمن بيوم الحساب لقلت له : ياهذا لاتكفّر عن
يمينك فإنك لم تَحنث .
وسمعت حذيفة يقول: إنى لأَّستغفر الله من كَلامكم إذا خَرَجْتُم من
عِنْدى خمسين مرة .
قال ابن خُبيق : وقال لى حذيفة: إنَّما هى أربعة ، عَيناك ،
ولسانك، وهَوَاك، وقلبك . فانظر عَيْنيك لاتنظر بهما إلى ما لايحلّ
لك ، وانظُر لسانك لاتقُل به شيئًا يعلم الله خلافه من قلبك ، وانظر
قلبك لايكُن فيه غِلّ ولا دغل على أحد من المسلمين ، وانظر هواك لاتهوى
شيئًا، فما لم تكن فيك هذه الأربع (٤) الخصال فالرّماد على رأسك .
(١) ق : يدى الله عز وجل.
(٢) ط : يسألى.
(٣) جواب لو .
(٤) ط : الأربعة .

٢٦٩
موسى بن المعلِّى قال : قال حذيفة : ياموسى ، ثلاث خِصَال إِن
كُنّ فيك لم ينزل من السماءِ خيرٌ إلَّا كان لك فيه نصيب : يكون عَملك
لله عز وجل وتحبّ للناس ما تحب لنفسك، وهذه الكِسْرةُ تَحرَّ فيها
ما قدرت (١)
عن عبد الله بن عيسى الرقْى قال : قال لى حذيفة : هل لك أن
أجمع لك الخير كلَّه فى حرفين ؟ قلت : ومَن لى بذلك ؟ قال: مُدَاراة
الخبز من حِلّه وإخلاص العمل لله عز وجل حسبُك.
يوسف بن أسباط. قال : سمعت حذيفة بن قتادة المرعشى يقول :
لو أَصبت من يَبْغَضُنِى على حقيقةٍ فى الله لِأَوْجَبْتُ على نفسى حُبَّه.
يوسف بن أسباط. قال : قال لى حذيفة المرعشى : ما أُصيب أحد
بمصيبةٍ أَعظم من قَسَاوة قلبه .
قال يوسف : وقال حذيفة : كان يقال : إذا رأيتم الرجل قد
جلس وحده فَانْظُروا لأَّىّ شىءٍ جلس ؟ فإن كان جلس ليُجلَس إليه
فلا تجلِسوا إليه .
عن بشر بن الحارث قال: سمعت المعافَى بن عمران يقول :
كان عشرة ممن مضى من أَهْل العلم ينظُرُون فى الحَلال النظرَ الشديدَ
لا يُدخلون بُطونهم إِلَّ ما يَعْرِفون من الحلال، وإلَّ اسْتَفَّوْا التراب،
منهم حُذيفة المرعشى .
الفيْض بن إسحاق قال : ذُكِرٍ عند حذيفة المرعشى الوحدةُ
وما يُكرهُ منها . فقال: إنما يُكره ذلك للجاهل، فأما عالمٌ يَعرف ما يأتى
(١) يريد بالكسرة: الطعام أو الخبز، أى فليكن طعامك حلالا، ولا تدخل جوفك
ما ليس كذلك .

٢٧٠
فلا . وقال : ما أعلم من أعمال البر أفضل من لزومك بيتكَ ، ولو
كانت لك حيلة لهذه الفرائض لكان يَنْبغى لك أن تحتال لها .
عبد الله بن حبيق قال : قال حذيفة المرعشى إياكم وهدايا الفجّار
والسّفهاءِ فإِنكم إِن قَبِلْتُمُوها ظنّوا أَنكم قد رَضِيتم فِعلهم .
بشر بن الحارث قال : كتب حذيفة إلى يوسف بن أسباط . :
يا أخى إنى أخاف أن يكون بعض مَحاسننا أَضرّ علينا فى القيامة من
مساوئنا(١) .
قال: وكتب إليه أيضًا : لاحتَّى تكون فى موضع إذا جئت إلى
البقَّال فقلتَ أَعطنى مِطَهِرَتك (٢) قال: هات كساءَك.
ابن أبى الدرداء قال: قلت لحذيفة : أَوْصنى . قال : انظر خُبزك
من أَيْنِ تأُكل ، ولا تجالس مَن يُرخص لك ويُعْطيك ، ثم قال : إِنْ
أَطَعْت الله فى السرّ أَصلح قلبك، شِئتَ أَوْ أَبيتَ .
نبهان بن المغلّس قال : أخبرنى حذيفة بن قتادة المرعشى قال :
كنت فى المركب فكُسِربنا ، فوقعتُ أَنا وامرأة على لوح من ألواح
المركب فمكثْنا سبعة أيام . فقالت المرأة : أَنا عطشى . فسأَلت الله
تعالى أن يسقينا . فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كُوز معلّق فيه
ماءُ . فشربت . فرفعتُ رأسى إلى السّلسلة فرأيت رجلاً جالسًا فى الهواء
متربعًا فقلت : مَن أَنت ؟ قال : من الإِنس . قلت : فما الذى بلَّغك
هذه المنزلة ؟ قال: آثرت مُرادَ الله عز وجل على هَواىَ فأَجلسنى كما
تَرانى. لانحفظ. لحذيفة مسندًا، وكان مشغولاً بالرّعاية عن الرّواية.
وقد صَحب الثورى . وتوفى سنة سبع ومائتين .
(١) فى النسخ : مساوينا .
(٢) إناء يتطهر به . وهو بفتح الميم وكسرها. والفتح أجود .

٢٧١
٧٩٧ - أبو معاوية الأسود :
واسمه اليمان . نزل طرَسُوس. أحمد بن وديع قال: قال أبو معاوية
الأَّسود : إِخوانى كلِّهم خيرٌ منى . قيل له : وكيف ذلك يا أَبا معاوية؟
قال : كلّهم يرى الفضل لى على نفسه ، ومن فضَّلنى على نفسه فهو
خير منى .
أحمد بن فضيل العتكى قال : غزا أبو معاوية الأسود . فحصرَ
المسلمون حِصِنًا فيه عِلْج لايَرمِى بحجَر ولانشَّاب إِلا أَصاب . فشكَوا
إلى أبى معاوية فقراً ((وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكنّ اللهَ رَفَى)) (١) . ثم قال:
اسْتُرونى منه. فلما وقف قال: أَيْن تريدون بإِذن الله ؟ قالوا: المذاكير (٢)
قال : يارب (٣) سمعتَ ما سَأَلونى فأَعطِى ما سأَلَونى. بسم الله. ثم
رقّ فمرّ السهم حتى إِذا قَرُبَ مِنَ الحائِطِ. ارْتَفَعَ حتى أَخذ العِلج
مَذاكيره فوقَع . فقال : شأنَكم به .
جعفر بن محمد بن الحسين بن زيد بن مسلم الرامَهُرْمُزِى قال :
سمعت أبى يقول : سمعت أبا معاوية الأسود يقول ، وهو على سُور
طرَسوس ، من جوف الليل ، يبكى ويقول : أَلا مَن كانت الدنيا مِن
أكبر همِّه طال فى القيامة غدًا همّه . ومن خاف ما بين يديه ضاق فى
الدنيا (٤) ذَرعُه. ومن خاف الوعيد، لَهِىَ(٥) من الدنيا عمَّا يريد،
يا مِسْكين إن كنت تريد لنفسك الجزيل ، فأَقْلِلْ نومَك بالليل إِلا
القليل، اقبَل من اللَّبيب الناصح، إِذا أَتَاك بأَمر وَاضِح، لاتَهْتَمْن
بأَرْزاق من تخلَّف ، فلستَ أَرزاقَهم تُكلَّف، وَطُّن نفسك للمقال ،
(١) الأنفال : ١٧ .
(٣) ق : أى رب .
(٢) قط : مذاكيره.
(٤) ب : القيامة .
(٥) لهى عن الشىء ( بفتح فكسر فياء مفتوحة): سلا وغفل وترك ذكره وأعرض عنه .
وهو فى معنى إلها) أيضاً .

٢٧٢
إذا وقَفْتَ بين يدى ربّ العزة للسؤال ، قَدِّم صالحَ الأعمال ، ودَع
عنك كثرة الأشغال ، بادِرْ ثم بادر ، قبل نزول ما تُحَاذِر ، إذا بلغ
رُوحك التَّراقى ، وانقطَع عنك من أحببت أن تُلاقِى ، كأنى بها وقد
بلغَت الحُلقوم، وأَنت فى سَكَراتِ الموْت مَغْموم ، وقد انْقَطَعت حاجتُك
إِلى أُهلك، وأنت تَراهم حولك . وبقيت مُرتَهِنّا بعملك ، الصبر
مِلاك الأَمر ، وفيه أَعظم الأجر ، فاجعل ذِكْر الله مِن جُلِّ شأنك ،
واملِك فيما سوَى ذلك لِسانَك. ثم بكى أبو معاوية بكاءً شديداً . ثم
قال : أَوِّه من يومٍ يتغيَّر فيه لونى ، ويتلجلَج فيه لسانى ، ويجفّ فيه
ريقى ، ويَقِلّ فيه زَادِى . فقيل له : يا أبا معاوية مَن قال هذا الكلام؟
فقال لحكيمٍ (١).
أبو حمزة، نصير بن الفرج الأَسْلمى، وكانَ خادمًا (٢) لأبى
معاوية الأُسْود . قال : كان أبو معاوية قد ذهب بصره ، فكان إِذا أراد
أن يقرأَ فَتَّش المُصحف وفتحه فيردّ الله عليه بصره ، وإِذا أَطبق
المصحف ذهَب بَصره .
عن أبى الزاهريّة قال : قدِمت طَرسوس ، فدخلت على أَبى مُعاوية
الأَسْود وهو مكفوف البصر ، وفى منزله مُصْحف معلَّق . فقلت :
رَحِمك الله مُصحَفُ وأَنت (٣) لاتُبصر ؟ قال: تكتُم علىّ يا أخى حتى
أَموت ؟ قال : قلت . نعم . قال: إِنِّى إذا أردت أن أَقرأ القرآن فُتِح
لى بَصَرِى.
(١) ط : الحكيم.
(٢) ب : خدناً.
(٣) يرحمك الله مصحف أنت.

٢٧٣
عبد الرحمن بن عبد الله قال : استطال رجل على أبى معاوية الأسود
فقال له رجل: مَهْ . فقال أبو معاوية: دعه يَشْتَفى . ثم قال : اللهم
اغْفِرِ الذنب الذى سلّطتَ علىَّ به هذا .
أبو موسى المغازلى قال : كنت أَسمع أَبا معاوية الأسود إذا قامَ
مِنَ الليل يَستقى الماءَ، يقول: ما ضرّهم ما أصابهم فى الدنيا. جَبَرَ الله
لهم كلَّ مصيبة بالجنّة .
يحيى بن معين قال : رأيت معاوية الأسود وهو يلتقط. الخِرَق من
المزابل ، فيلفقها ويغسلها . فقيل له : ياأَبا معاوية إِنك تكسى . فقال:
ما ضرّهم ما أصابهم فى الدنيا ، جَبر الله عز وجل لهم بالجنة كلّ مصيبة .
قال أبو علىّ فرأيت يحيى يبكى -. لانعرف (١) لأبى معاوية مسندا.
٧٩٨ - سليمان الخواص :
مَضاء بن عيسى قال : منّ سليمان الخّواص بابراهيم بن أَذْهَم ،
وهُوَ عِنْدَ قَوْمٍ قد أَضافوه وأكرموه فقال. نعم الشَّيُ هذا يا أَبَراهيم
إِن لم تکن تکرمةً علی دین .
أحمد بن وديع قال: قال سليمان الخّواص. من وَعظ. أَخاه فيما بينه
وبينه فهى نصيحة . ومن وعظه على رءُوس الناس فإِنما وبّخه .
يزيد بن سعيد قال : دخل سعيد بن عبد العزيز على سليمان
الخّواص فقال له : أَراك فى ظُلمة . قال : ظُلمة القبر أَشدّ من هذا ،
قال: أَراك وحدك . قال: إن للصّاحب على الصاحب حَقًّا فخِفتُ أَن لا
أقوم بحقّ صاحبى . قال : فأخرج سعيد صُرّة فيها شىءٍ ، فقال له :
تُنفق هذا وأَنا أَحلف لك بين يدى الله تعالى أَنه حَلال . قال : لا حاجة
(١) ق : لا يعرف.
( م ١٨ - صفة الصفوة جـ ٤)
٠

٢٧٤
لى فيها. فقال له يَرحمك الله (١) ما ترى ما الناس فيه دَعْوَة! قال:
فصرخ سليْمان صرخة ثم قال : مالَك ياسعيد فَتَنْتَنِى بالدنيا وتَفْتِنْنِى
بالدّين؟ مالى والدعاءَ ؟ من أَنا ؟ فَخَرَجَ سعيد فأَخبرَ بما كان الأوزاعى.
فقال الأوزاعى : دعُوا سليمان ، لو كان سليمان من الصّحابة
كان مثلاً .
لا نعلم لسليمان مسندًا ، كان مشغولاً بالعبادة .
٧٩٩ - سلم بن ميمون الخواص :
من أهل طبرية . وبها مات .
إسماعيل بن أبى سلمة قال : رأيتُ فى المنام كأن القيامة قد قامت ،
وكأَن مناديًا ينادى: أَلا لِيقُم السّابقون . فقام سفيان الثورى ثم نادى
الثانية : أَلا لَيُم السابقون فقام سَلم الخواص . ثم نادى الثالثة :
أَلا لِيقُم السابقون. فقام إبراهيم بن أَذْهَم .
أحمد بن ثعلبة قال : سَمِعْتُ سَلمًا الخواص يقول: كُنْتُ أَقرأ
القُرْآن فلا أجدُ لَهُ حَلاوة. فقلت لنفسى: اقْرِئِيه كأَنك سَمعتِه (٢)
من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجاءَت حلاوةٌ قليلة. ثم
بهـ
قلت لنفسى: اقرئِيه كأنك سمعتِه(٢) من جبريل(٣) يخبر به النبى
صلى الله عليه وسلم . فَازْدَدت الحلاوة . قال : ثم قلت لها اقرئية كأَنك
سمعتِه (٤) منه حين يتكلم به . فجاءت الحلاوة كلّها .
قاسم الجوعى قال : جئت سلمًا الخوّاص فقدّم إِلىّ نصف بطيّخة
ونصف رغيفٍ وقال لى: كُل ياقاسم ، نزلَت على أَخ لى فقدّم لى
(١) ط : رحمك الله.
(٢) فى النسخ : سمعتيه. والصواب ما أثبت .
(٣) ط : جبرئيل.
(٤) فى النسخ : سمعتيه .

٢٧٥
نصف خيارة ونصفَ رغيف وقال لى: كُل ياسَلم فإِنّ الحلال لا يحتمل
السّرَف ، ومن دَرى من أَيْنَ يكسِب دَرى كيف يُنفق.
أَسند سَلم عن مالك بن أنس وابن عُيينة وأَقرانهما .
٨٠٠ - أبو عبيدة الخواص واسمه عباد بن عباد :
وقد اشتهر بأبى عبيدة وإنما هو أبو عُتبة. كذلك ذكره البخارى
وغيره .
أبو موسى الصّورى قال كتَب عباد بن عبّاد الخوّاص إلى إخوانه
يَعْظُهم : إِنكّم فى زمانٍ قد رَقّ فيه الْوَرَعِ وقالّ فيه الخُشُوع، وحَمَلَ
العِلِمَ مَفُسدوه فأَحبوًا أَن يُعرفوا بحَمْله، وكرهوا أَن يُعرفوا بإِضَاعِة
العمل به ، فَنَطَقُوا فيه بالهوى ليزيِّنوا ما دخلوا فيه من الخطرِّ،
فذنوبهم ذنوبٌ لا يُستغْفَرُ منها ، وتَقصيرُهم تقصيرٌ لا يعترَف به .
أحبّو الدنيا وكرهوا منزلة أهلها فشاركوهم فى العيش وزايَلوهم (١)
بالقول .
أبو عبيد العَسقلانى قال: رأيت أبا عبيدة الساحلى لم يَضْحك
أَرْبعين سنة . فقيل له : لِم لا تَضحك ؟ فقال : كيف أضحك أَنا وفى
أيدى المشركين من المسلمين أحد .
عبد الأَعلى بن سليمان قال : رأيت أبا عبيدة الخوّاص على سُرّته
خِرقة ، وعلى رقبته خِرقة وهو يَمشى فى طريق البصرة . وهو يقول
وَاشَوْقَاه إِلى مَن يَرَانى ولا أَراه .
أحمد بن الحَوارىّ قال: دخل عبّاد الخوّاص على إبراهيم بن صالح
وهو أمير فلسطين، فقال له: ياشيخ عِظْنى. فقال: بما (٢) أَعظك
(١) فارقوهم وابتعدوا عنهم .
(٢) كذا، وينبغى حذف ألف (ما) الاستفهامية (بم؟).

٢٧٦
أصلحك الله ؟ بلغنى أن أعمال الأحياء تُعرض على أقاربهم من الموتى،
فانظُر ما يُعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عَملك . فَبَكَى(١)
حتى سالت الدّموع على لِحْيَتِه .
عن بشر بن الحارث قال : رأيت على جبال عرفة رجلاً قد وَلِع به
الولَهُ وهو يقول .
علىَ شبَا الشَّوك والمُحْمَى منَ الإِبر
سُبحانَ مَن سَجَدْنا بالعُيون له
ولا العُشَيرِ (٢) ولا عُشْرًا من العُشَر
لم نَبلغ العُشرَ من مِعْشَار نِعْمَته
سُبحانَهُ من مليكِ نَافِذ القدَر
هو الرفيعُ فَسلا الأَبْصَارُ تُدر كه
سُبحان مَن هو أُنسى إِذْ خلَوتُ به
أنت الحَبيب وأَنت الحِبّ (٤) یاأَمَلِی
ثم أنشد أيضاً :
فى جَوْف ليلى، وفى الظَّلماء والسحر (٣)
مَنْ لى ◌ِواك ومن أَرجُوه یاذُخَری
وأُنت یاسیدی فی الغیْب تذكرنى
كم قد زَلَلتُ فلم أَذْكُرْك فى زَلِلی
وأَنتَ تَلْطُفُ بِ حَقّاً وتستُرنى
كم أكشِفُ السّترجَهْلًاعندمَعْصِیتی
لأَبْكينّ بُكَاءَ الْوَلِهِ الحَزِنِ
لِأَبْكِيَنّ بدمْع العين مِنْ أَسَفٍ
قال : ثم غاص فى خلال الناس فلم أُره فسألت عنه فقيل : هذا
أبو عبيدة الخوّاص منذ سبعين سنةً لم يَرفع رأسه إلى السماء حياءً من
الله عز وجل .
عُقبة بن فُضالة قال : سمعت أبا عبيدة الخواص بعدَ ما كبروا هو
آخِذُ بلحْيته يَبْکی ویقول: قد كبرتُ فأَعتقنی .
(١) ق ، ب : فبكى.
(٢) ضبطت فى ق بفتح العين وكسر الشين، فتكون بمعنى العشر (بضم فسكون)
وكلاهما جزء من عشرة . والأحسن أن تكون تصغير العشر كما شكلناها .
(٣) ط : فى السحر .
(٤) بكسر الحاء : المحبوب.

٢٧٧
أَسند عبّاد الأوزاعى ، وأبى بكر بن أبى مريم ، وغيرهما .
٨٠١ - أبو يوسف الغسولى (١) :
جُنيد قال : سمعت سَريّاً يذكر أَن أَبا يوسف الغَسولىّ كان يلزم
الثّغر ويغزو ، وكان إذا غزا مع الناس ودخلوا بلاد الروم أَكَل أصحابه
من ذبائح الروم ومن فَوَاكههم، وكان أبو يوسف لا يأكل فيقال له :
يا أبا يوسف تشكّ أَنه حَلال ؟ فيقول هو حلال . فيقال له : فكُلْ من
الحلال . فيقولُ : إِنما الزُّهد فى الحلال .
حَرَمّى بن يونس قال : سمعت أبا يوسف الغَسولى يقولُ : أَنا
أَتفقّه فى مَطعمی من ستين سنة .
قال المَرْوزى : وسمعت بعض المَشْيَخة يقول : سمعت أبا يوسف
الغَسولىّ يقول : إنه ليكفينى فى السنة إثنا عشر درهمًا. فى كل شَهْرِ
دِرْهِمٌ . وما يُحملنى على العَمل إِلا أَلسِنة هؤلاء القرّاء . يقولون: أَبو
يوسف من أين يأكل ؟
قال المروزى : وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : أَبو
يوسف الغَسولى قد خَلفَ ابنَ إدريس (٢). يعنى فى الورَع.
٨٠٢ - أحمد بن عاصم الأنطاكى :
يكنى أبا علىّ . ويقال أبا عبد الله. من مُتَقَدّمى مشائخ الّغور
وكان يقال له جاسوس القلوب .
أحمد بن أبى الحَوارىّ قال: أَنا أحمد بن عاصم الأنطاكى قال :
إذا صارت المعاملة إلى القلب اسْتَرَاحت الجوارح .
(١) بعدها فى ط: رضى الله عنه. والغسولى: نسبة إلى (الغسولة)، بلدة قرب حمص ،
أو قرية من قرى دمشق . وقد ضبطها صاحب القاموس بكسر الغين وسكون السين وفتح الواو
وتشديد اللام . أما فى معجم البلدان فقد شكلت بفتح الغين وضم السين . وفى ق شكلت (الغسولى )
(٢) هو الإمام الشافعى ، محمد بن إدريس .
بفتح الغين وتشديد السين .

٢٧٨
قال : وسمعته يقول : هاه غنيمة باردة أصلح فيما بقى يُغْفُر لك
ما قد مضى .
وسمعته يقول: ما أَغْبط. أَحدًا إلا من عَرف مولاه وأَشتَهى أَن لا
أموت حتى أعرفه معرفَة العارفين الذين يَسْتَحِبّونه لا معرفة التصديق .
أَحمد بن عبد الله قال : سمعت أبى يقول : سمعت خالى عثمان
ابن محمد بن يوسف يقول : سمعت أبى يقول : قال أَحمد
ابن عاصم : أَنفَعُ اليقين ما عَظَّمَ فى عَيْنَيْك ما به أيقنتَ وأَنفعُ الخوفِ
ما حجَزَك عن المعاصى ، وأَطال منك الحزن على ما فات، وأَلزمك الفِكُرَ
فى بقيّة عُمرك وخاتمة أمرك، وأَنفعُ الصّدقِ أَن تُقر الله عز وجل بعيوب
نفسك ، وأَنفَعُ الحياءِ أَن تَسْتَحِى أَن تسأَلَه ما تحِبّ وتأتى ما يكره ،
وأَنفعُ الصبر ما قوّاك على خلاف هَوَاك وأَفضلُ الجهادِ مُجاهَدتُك نفسَك
لتردّها إلى قبول الحق، وأَوجَبُ الأَعداءِ منك مجاهدةً أَقربهُم منك
دُنُوَّا وأخفاهم عنك شخصاً وأعظم لك عداوة وهو أَبليس . قلت :
فما ترى فى الأُنس بالناس ؟ قال : إِن وجدت عاقلا مأمونًا فأُنَسْ
به واهُرُب من سائرهم كهرَبَك من السّباع . قلت : فما أَفضل ما أَتقرّب
به إلى الله عزّ وجل ؟ قال : تركُ معاصيه الباطنة - قلت : فما بال
الباطنة أولى من الظاهرة ؟ قال: لأَّنك إِذا أَجتنبتَ الباطنة بَطَلَتْ
الظاهرة والباطنة ، قلت : فما أَضَرُّ الطاعاتِ لى ؟ قال : ما نسِيتَ بها
مَسَاوئك (١)، وجعلتها نُصبَ عينيك إِذْلالاً بها وأَمنًا.
قال : وسمعته يقول : استكثر من الله عزّ وجلَ لنفسك قليلَ الرزق
تخلُّصًا إلى الشكر ، واستقلِل من نفسك لله عزّ وجلّ كثير الطاعة إزراء على
(١) فى النسخ : مساويك .

٢٧٩
النفس وتعرّضاً للعفو، واستجلِب شدّة التيقظ. بشدّة الخوف؛
وادفَع عَظِيم الحِرص بإِيثار القناعة ، واقطع أسباب الطمع بصِحّة اليأس؛
وسُدّ سَبيل(١) العجب بمعرفة النفس ، واطلب راحة البَدن باجْمام
القلب ، وتخلص إلى إِجمام القلب بقلَّة الخُلطاء ، وتعرض لرقّة القلب
بدوام مجالسة أهل الذكر ، وبادر بانتهاز البُغية عِندَ إِمكان الفرصة ،
وأَحذّرك ((سوفَ)) (٢).
قلت: لأحمد بن عاصم كلام كثيرٌ انتخبنا منه(٣) ما ذكرنا ولا
نعلم له مسنداً .
٨٠٣ - أبو عبد الله النباجى واسمه سعيد بن يزيد :
قال محمد بن أبى الوَرد : قال أبو عبد الله النَباجى من خطرت
الدنيا بباله لغير القيام بأمر الله حُجبَ عن الله(٤).
وقال (٥) ابن أبى الورد صلَّى أَبو عبد الله (٦) النِباجى يومًا بأَهل
طَرْسوس فَصِيح النّفير (٧) ، فلم يخفّف الصلاة . فلما فرغوا قالوا :
أَنت جاسوس . قال : ولمَ ؟ قالوا : صيح بالنغير وأنت فى الصلاة فلم
تخفّف. قال : ما حسبت أَن أَحَدًا يكونُ فى الصَلاة فيقع فى سمعه غيرُ
ما يخاطبه الله عز وجل .
الحسين بن عبد الرحمن ، عن أبى عبد الله التباجى قال : قال لى
قائل فى منامى: أَو يحسن بالحُرّ المُريد ، أَن يتذّلل للعبيد ، وهو
واجدٌ عند مولاه كلّ ما يريد ؟ .
(٢) أى أحذرك التسويف والتأخير إذا أمكنتك الفرصة .
(١) ب : سبل .
(٣) ب : له .
(٤) فى ق زيادة ((عز وجل)) فى الموضعين بعد لفظ الجلالة .
(٥) ق : قال .
(٦) ط: أبو عبيدة، خطأ.
(٧) القوم ينفرون إلى الجهاد .

٢٨٠
أحمد بن أبى الحَوارىّ عن أبى عبد الله النِباجى قال : إِن فى خلق
الله عز وجل خَلْقًا يَسْتَحْيُون من الصّبر لو يعلمون أَقداره تلقَّفوها تلقّفًا .
أحمد بن محمد بن بكر القرشى قال : سمعت أبا عبد الله النباجى
يقول : اطلبوا النظر فى الرّضا عن الله عز وجل وتَسَاءَلُوا عنه بينكم
إنكم إِن ظفرتم منه بشىءٍ عَلَوْتُم به الأعمال كلها .
قال: وسمعته يقول ، لا تَستكثروا الجنة للمؤمن، فإِنّه قَدْ وافى
بأعظم قدرٍ عنده من الجنة: معرفة الله والإيمان به . وسمعته يقول :
الذى جعل الله عز وجل المعرفةَ عنده يتنعم مع الله عز وجل فی کل أحواله.
أبو عُبيد الله (١) الإِمام قال: سمعت أبا عبد الله النِباجِى يقول :
إذا كان عندك (٢) ما أعطى الله عز وجل نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى
ومحمداً صلى الله عليهم لا تراه شيئاً وإِنما (٣) تريد ما أعطى الله نمرودَ(٤)
وفِرْعَون وهامان فمتى تُفلح ؟ .
لا نعرفْ(٥) للنِباچِى مُسنداً، وإنما كان مشغولاً بالزّهد والتعبّد .
وقد حكى عن الثّورِىّ والفُضيل وغيرهما .
٨٠٤ - عبد الله بن خبيق (٦) بن سابق :
أبو محمد . أَصله من الكوفة . ثم سكن أَنطاكيّة واستفادمن يوسف
ابن أسباط .
محمد بن المسيّب الارغيانى قال: أَنا عبد الله بن خُبيق قال : أَنت
لا تُطيع من يُحسن إليك فكيف تُحسن إلى من يسيء إليك .
(١) ط : أبو عبد الله.
(٢) أى فى نظرك واعتقادك أو ظنك .
(٣) ق : إنما . وأثبت ما فى ط .
(٤) جبار من القدماء .
(٥) ط : ولا نعرف.
(٦) بضم الخاء وفتح الباء. ط: خبيق، تصحيف.