النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ فكان من بركة دعائه أَنِّى حجَجتُ مِنْ حَلَبَ ماشيًا على قدمىّ أربعين عامًا. وكان يُعَدُّ من الأَبدال . أَسْند الغَضائِرىّ الحديث عن سَوَّار بن عبد الله . ٧٦٩ - جابر الرحبى(١) : أَبو جعفر الخصّاف قال: حدثنى جابرُ الرَّحَبِىّ قال: أَكثَر علىّ أَهلُ الرّحِبَة يُنكرون عَلَىَّ ما يُعطِى الله عزَّ وجل أَولياءَه، فخرجْتُ إِلى خارج فركبتِ السَّبُعَ ودخلتُ إِلى الرَّحبَة وأَنا أَقول : أَين الذين يُكذِّبون أَولياءَ الله عز وجل؟ فَكَفَّوا عنِّى بعد ذلك . وقال أبو جعفر الخصّاف : قال لى جابر يومًا وأَنا أُماشيهُ مُرَّ بنا نَتسابَقُ، مُرّ أَنت هكذا حتى أَمُرّ أَنا هكذا . قال : فمررتُ (٢) أَنا على الجسر . فلما حصلت على الجسر التفتّ فإذا هو يَمشى على الماءِ . فلما التقينا قلت: من لا يُحسِنُ (٣) مثل هذا ؟ أَمشى أَنا على الجسر وتمشى أَنت على الماء . قال : فقال: وقد (٤) رأَيتَنى ؟ قلت : نعم . قال : أَنت رجل صالح . ٧٧٠ - أبو عبيد البسرى (٥) : وبسرى (٦) فوقَ دمشق . (١) بفتح الراء والحاء وكسر الباء، نسبة إلى الرحبة وهى مدينة على شاطىءالفرات بين الرقة وبغداد، بناهامالك بن طوق، أحد ندماءهارون الرشيد، فنسبت إليه. وهناك مدن أخرى تحمل هذا الاسم. (٣) قط : لا يحسب . ب : لا يحسبن. (٢) ق : مررت . وأثبت ما فى ط . (٥) بضم الياء وسكون السين، نسبة إلى (بسر ) قرية بجوران (٤) ط : قد . من سورية . وزعم بعضهم أنه منسوب إلى ( بصرى ) قصبة حوران ، من أعمال دمشق ، وأن صادها أبدلت سيناً . وقيل غير ذلك. والصواب الأول. ( انظر القاموس، والتاج ، ومعجم البلدان : بسر ) . وأبو عبيد اليسرى : اسمه محمد بن حسان ، من قدماء مشايخ الشام ومشاهير الصوفية . صحب أبا تراب النخشبى المتوفى سنة (٢٤٥ هـ) وذكره ابن عساكر فى تاريخ دمشق . (٦) كذا فى النسخ الثلاث هنا. إلا أنها جاءت فى الموضعين التاليين بعد بالسين (بسرى) فى ( قط، ب ) وبالصاد ( بصرى) فى (ق)، مع أن النسبة وردت بالسين (البرى) فى النسخ جميعاً وفى كل المواضع من ترجمة هنا ، وفى المصادر التى ترجمت له أيضاً . ( ٢ ١٦ - صفة الصفوة جـ ٤ ) ٢٤٢ عن محمد ، غلام أبى عُبيد ، قال : ودّعت أَبا عبيد حين أردت الحج . فقال لى : معك شىءٌ ؟ قلتُ لا ، ليْسَ معى غير هذه الرّكْوة . فقال: إِذا أَرَدْت شيئًا أو جُعتَ أَوعطشتَ فَصلّ ركعتين واجعَلها على يمينك ، فإِذا سلَّمت رأَيت كلّ ما تحبّ . قال : فجئت إلى بعض المنازل وليْسَ فيه ماء، والناس يصيحون: العطَشَ . فقلت فى نفسى: قدقال أَبو عُبيد ما قال وهو صادق. فأَخذتُ الرّكوة فرميت بها فى مَصنع (١) وصلَّيت ركعتين ، فما (٢) سلَّمت إِلَّ والرياح تَذهب بها وتجىءُ على رَأْسِ الماء . فنزلت فأَخذتُ الرّكوة ثم صِحتُ بالناس فجائُوا واستَقَوْا حتى رَؤُوا . أَبو بكر بن معمر قال : سمعت ابن أبى عبيد البُسرىّ يُحدِّثُ عن أبيه أنه غزا سنةً من السّنين ، فخرج فى السَّريّة. فمات المُهر الذى كان تحته وهو فى السُّرِية فقال : ياربّ (٣) أَعرنا إياه حتى نَرجع إِلى بُسرى (٤) يعنى قَرْيته . فإِذا المهر قائم . قال : فلما غزا ورَجع إِلى بُسرى (٤) ، قال: يا بنىّ خذ السّرج عن المُهر. قال: قُلْت يا أَبَهْ هو عَرِقٌ . فقال لى: يا بنىّ هو عاريّة فلما أَخذت السَّرج وقع المُهر ميتًا. أبو زرعة قال : كان أبو عبيد البُسرىّ بعرفة وإلى جانبه ابنه. فقال له : يُهنِئِك (٥) الفارس .. فقال له يا أَبَهْ وأَىّ فارس ؟ فقال له : وُلِدَ لَك الساعةَ غلام. فلما صِرنا إلى بسرى (٦) وجدتُ زوجتى قد ولدت غلامًا يوم عرفة . (١) المصنع کالحوض يجمع فيه ماء المطر. (٢) ق : فلما . وأثبت ما فى ط . (٣) ق : أى يارب. ب : أى رب . وأثبت ما فى قط. (٤) ق : بصرى . (٦) ق : بصرى. (٥) ق : يهنيك. ٢٤٣ عبدُ الله غلامٌ لأَّبِى عُبيد ، قال : كنت معه يومًا قاعدًا بدمشق أنا وجماعة من إِخوانهَ، إِذْ مَرَّ رجل على دابَّة وخلفه غلامٌ له يَعْدُو، وقُدَّامَه بيده (١) غاشيةٌ (٢). فلما حاذى أَبا عُبيد قال: اللهم أَعتِقِنى وأَرِحْنى منه . ثم قال : ادْعُ الله عزَّ وجل ◌ِ . فقال أبو عبيد: اللَّهم أَعْتِقِه من النار ومن الرقِّ. فعثرت الدابَّةُ بمولاه فَسَقَطَ. إِلى الأَرْض . فالتفت إلى الغلام وقال له : أَنت حرّ لوجه الله عزوجل . قال : فرمى بالغاشية إِليه وقال : يامَوْلاى أَنْتَ لم تُعْتِقْنى وإِنما أَعتَقنِى هؤلاء . فصحب أصحابنا وتُوفِّى بينهم . ابن أبى حسان قال : قال لى أَبو عُبيد البُسرىّ يومًا: يا أَبا حسان ما غمِّى ولا أَسَفِى إِلَّا أَن يجعلنى ممَّنَ عَفا عنه. فقلت: يا أخى، الخَلْقِ على العفْو تَذابحوا . فقال : أَجل ، ولكن أَىّ شىءٍ أَقبح بشيخٍ (٣) مثلى يُوقَف غدًا بين يَدِى الله عز وجل، فيقال له : شيخَ سُوءٍ كُنْتَ، اذهب فقد عَفَوْتُ عنك؟ [إِنما] أَنا أَملى فى (٤) الله عزَّ وجل أَن يَهَبَ لى كُلَّ من أَحَبَّنِى. ٧٧١ - ابو بكر الهلالی: محمد بن على الصورى قال : سمعت أبا القاسم الحسن بن عبد الله ابن أحمد بن هاشم الشيخ الصالح قال : سمعت أبابكر الهلالى يقول : من عُنى بمجاهَدَة الأَسرار اشْتَغَلَ عن الحكايات والأخبار . وسمعته يقول، رمَوا بِهِمَمهم إلى أُعلى الفَضَائل، وَضَيَّعوا الفرائض ، فلا إِلى هِمَمهم وصَلوا، ولا قاموا بقليل ما بِهِ وُكَّلوا، ومَن قام بقليل (١) ق : وبيده. (٢) الغاشية: الغطاء ، وجلد ألبس جفن السيف من أسفل شاربه إلى فعله . (٣) ب : من شيخ . (٤) ق : من الله. ٢٤٤ ما وُّل به أُوْتُمن على الكثير، ومن لم يقم بتقليلٍ ما وُكّل به لم يؤْتَمن على قليلٍ ولا كثير . وسمعته يقول : وأشار إلى شجرةٍ فى منزله فقال : هذه الشجرة ما نظرتُ إليها نظرةً فرجَع طَرْفى إِلَّ بعقوبة أَو تَوْبيخ فى سِرِّى، يقال لى : تكون بين أَيْدينا وتنظر إلى سِوانا ؟ وسمعته يقول : كنت أتمنَّى على الله أَن يُرينى أَبا العباسى الخَضِر عليه السلام . فلما كان بعد مدّةٍ إِذا أَنا بالباب يُدَفُّ علىّ . فقلت : مَن هذا ؟ فقال لى: أَنا الذى تَتَمنَّانى على الله عز وجل أَنا الخَضِر . فقات له : الذى طَلَبْنَاكَ له قد وَجَدْناه . ارْجَع إلى حال سبيلك . ذكر المصطفين من عباد بيت المقدس ٧٧٢ - ادريس بن أبى خولة الأنطاكى : عمر بن واصل ، عن سهل بن عبد الله قال : مرض رجل من أولياء الله عزوجل مَرضًا مُشْكِلاً. فكان الناس إِذا رأوه قالوا . به جِنَّة فأُكثِرِ عليه القول (١) فلما عظُم كلامُ مَن تكلّم فى أمره قالوا له : نُعالجك ؟ فقال لهم : ياقوم اعلموا أَنَّ لى طبيبًا إِنْ سأَلْتُه داوَى كلّ عليل ، لكنِّى أَنا لاأَسأَله أَن يُدَاوِيَنى . فقيل له ولم ذاك وأنت تحتاج إِلى الدواءِ ؟ فقال : أَخشى إِن بَرَأْتُ من هذه العلَّة طفَيتُ . فقيل له : فإِنَّ لنا مجنونًا فسَل طبيبك هذا أَن يُداوِيهُ . فقال: نعم إِيتونى به ، فأَتَوه برجل فى عنقه غُلُّ عظيم ويَداه مَشْدودةٌ (٢) إِلى عنقه فى قيد ثقيل، قد اسْتَمْكَنَت منه العِلَّة. فقال لهم: خلّونى (٣) معه . (١) القول : ليست فى ط . (٢) به : ساقطة من ط . (٣) كذا والصواب تثنيتها لأن المبتدأ كذلك . ٢٤٥ فعمدَ جُهَّال القوم إِلى يده فحلَّوها وأدخَلوه معه فى البيت الذى كان فيه، وأغلقوا عليه الباب، وهم يظنّون أَن سيُفْضِى إِليه بمكْروه. فلما كان بعد ساعة صاحوا به فأجابهم وخرج إليهم وكلَّمهم كلام عَاقِلٍ وهو يبكى بكاءً شديداً . فقالوا له : خبرنا بقصتك وما كان . فقال : دخلت على هذا الرجل وأَنا على ما قد علمتم من علَّتى لا أَعقل شيئًا كما رأيتمونى، فقرَّبنى منه وأَدْنانى وجعل يدَه على صدرى والأُخرى على رأسى ، فأَحست بطعم البُرءِ يدبّ فى جِسمى حتى زال مابى . فقالوا له : ادخُل معنا إليه فسَله يدعو اللهَ عزَّ وجل لنا . فدخل مع القوم إليه فلم يجدوه فى البيت وَستره الله عز وجل عنهم . فمن عقَل منهم عَظُمت نَدَامته وكثر أَسَفه . قال سهل : وهذا الرجل(١) من بيت المقدس يقال له إدريس بن أبى خولة [الأنطاكى. ٧٧٣ - عبد العزيز المقدسى : أبو بكر بن شاذان قال : سمعت عبد العزيز المقدسى يقول ، وكان من الأَبدال (٢): لما بلغت الحُلم أَخذت على نفسى أَن أُروضَهَا وأَمنعها من الآثام واسْتَوْفَقْتُ الله تعالى (٣) فوقَّقنى، واستعنتُ به فأَعاننى . ولقد حاسبتُ نفسى من يوم بلوغى إلى يومى هذا فإِذا زلَّاتى لا تجاوز ستةً وثلاثين زلَّة . ولقد استغفرت الله عز وجل لكل زلَّة مائة ألف مرّة ، وصلَّيت لكل زلَّة أَلف ركعة، ختمت فى كل ركعةٍ منها ختمةً، وإِنِّى مع ذلك غير آمنٍ سطوةَ ربى عز وجل أَن يأُخذنى بها وأَنا على خطر قبول التوبة . (١) ق : رجل . وأثبت ما فى ط . (٢) الأبدال : قوم من الصالحين ، قيل لا تخلو الدنيا منهم ، إذا مات واحد أبدل الله (٣) طلبت منه التوفيق . مكانه آخر ، والمفرد : بديل . ٢٤٦ ذكر المصطفين من العباد المقدسيين المجهولين الأسماء ٧٧٤ - عباد ثلاثة : بشر بن بشَّار المجاشعى ، وكان من العابدين ، قال : لقيت عُبَّادًا ثلاثة ببيت المقدس، فقلت لأَحدهم : أَوصِنى قال : أَلقٍ نفسك مع الْقَدَر حيث ألقاك ، فهو أَحرى أَن يُفرِغ قلبك ويُقِلّ همَّك، وإِيَّاك أَن تَسخط. ذلك فيحلّ بك السّخط. وأَنت منه فى غفلة لا تشعر به. وقلت (١) للآخر : أَوصِنى، قال: ما أَنا بمستَوصٍ فأوصيك - قلت : على ذاك عسى الله عز وجل أن ينفع بوصيّتك . قال : أَمَا إِذْ أَبيت إِلَّ الوصية فاحفظ. عنى : التمس رضوانه فى تَرك مناهِيه فهو أَوْصَل لك إِلى الزَّْفَى لديه. قال: فقلت للآخر : أَوصِنى فبكى واستحرّ سفحًا للدّموع ثم قال: أَىْ أَخى لا تَبْتَغِ مِن أَمْرِ كَ(٢) تدبيرًا غير تدبيره فتَهلِك فيمن هَلَك ، وتَضِلّ فيمن ضلّ . ٧٧٥ - عباد سبعة : أحمد بن محمد الصوفى قال : قال لى أُستاذى أبوعبد الله بن أَبِي شَيْبة (٣): كنت ببيت المقدس وكنت أحبّ أَن أَبّيت فى المسجد وما كنت أترك . فلما كان فى بعض الأَيام بَصُرتُ فى الرِّواق بحُصْرٍ قائمة. فلما أَن صَلَّيْتِ العَتَمَةَ وراءَ الإِمامِ أَتيت الحُصْرَ فاختبأتُ وراءها . وانصرف الناس والقُوّام . ثم خرجت إلى الصَّحن فلما سمعت غلقَ الأَبواب وقعَتْ عينى على المحراب فنظرتُ إليه وقد انشقَّ ودخَل منه رجل وثانى (٤) وثالث إِلى أَن تمَّ سبعة واصْطَفَّ القوم وزال عقلى ، (١) ق : فقلت . (٢) ط : لا تتبع فى أمورك . (٣) ط : بن شيبة . (٤) أثبتت الياء فى النسخ . ٢٤٧ ٠ فلم أَزل واقفًا فى موضعى شَاخِصًا زائلَ العقل إِلى أَن انفجر الصبح فخَرج القوم على الطريق الذى دخلوا . ٧٧٦ - عابد آخر : كلاب بن جُرىّ قال : رأيت شابًا ببيت المقدس قد عَمِش من طول البكاء ، فقلت له : يافتى كم تكون العين سليمةً على هذا البكاء؟ قال : فبكى ثم قال : كما شاءَ ربى فلتكن (١)، وَإِذا شاءَ(٢) سيدى فلتذْهب فليست أَكرم علىّ من بَدنى ، إنما أَبكى رجاءً السرور والفرح فى الآخرة، وإِنْ تكن الأُخرى فهو والله شَقاءُ الدهر وحُزن الأَبد والأَمر الذى كنت أَخافه وأَحذره على نفسى، وإِنِّى احتسبتُ (٣) على الله عز وجلّ غفلتى عن نفسى وتقصيرى عن حظى . ثم غُشِىَ عليه . ٧٧٧ - عابد آخر : عَبَّاد بن عَبَّاد، أَبوعُتبة الخوّاص، قال: رأيت شيخًا فى مسجد بيت المقدس كأَنه قد احترق بالنار ، عليه مِدْرَعة سوداءُ ، وعِمامة سَوْداءُ، طويلَ الصَّمت ، كَرِيةَ المنظرِ ، كثير الشَّعر، شديدٌ الكابةِ. فقلت: رَحِمَكَ اللَّهَ لو غَيَّرْتَ لباسُك هذا، فقد علمْتَ ما فى البياض. فبكى ثم قال : هذا أَشبه بلباس أَهل المصيبة ، فإِنما أَنا وأَنت فى الدنيا فى حِداد، وكأنى بى وبِك قد دُعينا . قال: فما تمَّ كلامُه حتى غُشِىَ عليه . ٧٧٨ - عابد آخر : أَبو مُدرك عثمان بن وكيع العبدى قال : جاء رجل إلى بيت المقدس فمدّ كِسَاءَه فى ناحية المسجد فكان فيه اللَّيل والنهار، طُعَيِّمه(٤) (١) ق : فليكن . (٣) ط : أحتسب. (٢) ط : فإذا شاء. (٤) تصغير طعام . ٢٤٨ خلف ذلك الكساء (١) الذى قد مدّه. قال: فيبيت ليلَه أَجمع يصلِّ فإِذا طلع الفجر مدّ بصوتٍ له: ( عِنْد الصَّباحِ يَغْبِط. القومُ السّرى) (٢) قال : وكان يقال له : أَلا تَرفُق بنفسك ؟ فيقول : إِنما هى نفسى أَبادِرِها أَن تخرج . ٧٧٩ - عابد آخر : ذو النون قال : نظرت إلى رجل فى بيت المقدس قد استفرغَه الوَلَهُ فقلت له : ما الذى أَثار منك ما أَرى ؟ قال : ذهب الزهّاد والعبّاد بصفو الإِخلاص وبقيت فى كَدر الانتقاص ، فهل من دليلٍ مُرشدٍ أَومن حكيمٍ مُوقِظٍ. ؟ ٧٨٠ - عابد آخر: سمنون قال : كنت ببيت المقدس فى بَرد شديد ، وعلىّ جبّة وكساءُ، وأَنا أَجد البَرد والثلج يَسْقط.، فرأيت شابًا عليه خِرْقَتان فى الصّحن يمشى ، فقلت : ياحبيبى لو اسْتَتَرْتَ ببعض هذه الأَرْوِقة فيكنَّك من البرد . فقال لى : يا أَخى سمنون : ويُحْسِن ظَنِّى أَنِنِى فى فِنائه وهل أَحدُ فى كنِّه يجد البَرْدا (٣) ومن عقلاء المجانين ببيت المقدس ٧٨١ - شاب (٤): بلغنا عن أبى الجوّال المغربى قال : كنتُ ببيت المقدس جالسًا مع رجل صالحٍ وإِذا قد طلع علينا شابّ والصّبْيان حوله يَقذِفونه (١) ط : ذاك الكساء. (٢) السرى: السير ليلا. يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة. والرواية ((يحمد)) بدل ((يغبط)). وهو عجز بيت خالد بن الوليد (انظر مجمع الأمثال ٣/٢). (٣) ط: ((القرا)) بدل ((البردا)). وهى كذلك فى نسخة أخرى كما فى هامش ق. (٤) زيادة ليست فى النسخ . ٢٤٩ بالحجارة ويقولون : مجنون فدخل المسجد وهو ينادى (١) اللهم أُرِحِى من هذه الدار . فقلت له : هذا كلام حكيم فمن أين لك هذه الحِكمة ؟ فقال : مَن أَخلص له فى الخدمة أورثه طَرَائف الحكمة وأَيّده بأَسباب العِصْمة، وليس بى جُنون وَوَلَق ؛ بل قَلق وفرَق . ثم جعل يقول : هَجَرتُ الوَرَى (٢) فى حُبّ من جَادَبالنِّعَمْ وعِفْتُ الكَرَى شَوْقًا إِليه فلم أَنَمْ لأَكتُم مابى من هَواه فما انْكتَمْ كَشَفْتُ قِنَاعی ثم قُلت : نَعم نعمْ وإِنْ قيل مِسقامٌ فما بِىَ مِن سَقَمْ وحُرمة رُوح الأُنسِ فى حِندِس الظُلَمْ فقلتُ لطَرْفى أَفصِحِ العُذر فَاحْتَشَمْ وأَخبرهم أَن الهوى يُورِثِ السّقَمْ وقَرّب مَزارى منك يابارِىءَ النَّسَمْ ومرّهْت دَهْرِى(٣) بالجنون عن الوَرَى فلما رأَيتُ الشَّوقَ والحبّ بائحًا فإِن قيل مجنونٌ فقد جَنَّى الهوى وحقّ (٤) الهوى والحبِّ والعهدِ بَيْنَنَا لقد لامَنِى الواشُون فيك جَهَالةٌ فعاتَبهم طَرْفى بغير تَكلَّم فَبِالْحِلْمِ يا ذا المنّ لاتُبعِدَنَّنِ فقلت له : أَحسنت لقد غلطَ. من سمَّاك مجنونًا. فنظر إِلىّ وبكَى وقال: أَوَ لا تسألنى عن القوم كيف وصلوا فاتَّصلوا ؟ فقلت . بلى أَخبرنى. فقال: طهّروا له الأخلاق، ورضُوا منه بيسير الأَّرزاق، وهاموا من محبَّته فى الآفاق، وانتزَرُوا بالصّدق ، وارتدَوا بالإِشفاق، وباعُوا العاجل الفانى بالآجل الباقى ، وركضوا فى ميدان السباق ، وشمَّروا تشمير الجهابذة الحُذَّاق ، حتى اتصلوا بالواحد الرزّاق ، فشرّدهم فى الشَّواهِقِ وغيّبهم عن الخلائق، لاتُؤْويهم دارٌ ولا يُقِّهم (٥) (١) ط : يقول. (٢) ب : الكرى . (٣) قط : ذكرى. (٤) من هنا ساقط من ب . (٥) أقره: ثبته وسكنه . ٢٥٠ قَرار ، فالنَّظر إليهم اعتبار ، ومحبّتهم افتخار ، وهم صفوة الأبرار ، ورهبان أَخيار ، مدَحهم الجبَّار ووصفَهم النبىّ المختار، إِن حضَروا لم يُعرفوا ، وإِن غابوا لم يُفتقَدوا ، وإِن ماتوا لم يُشهَدوا . ثم أنشأً يقول : من الوَرَى تسري (١) إلى الحق كُن من جميع الخلق مُسْتوحشًا وارضَ بما يجرى من الرّزْقِ واصيِر فبِالصَّبر تَنال المُنِى فَآفَةُ المُؤمنِ فِى النُّطْقِ واحذَرْ من النَّطق وآفاته شَمَّرَ أَهلُ السَّبق لِلسَّبقِ (٣) وجِدَّ فى السَّير مُمِرًّا (٢) كَمَا أُولئك الصَّفْوَة مَمَّن سَمَا وخيرةُ الله مِنَ الخَلْقِ قال: فأَنسيت الدنيا عند حديثه . ثم ولىّ هاربًا فأَنا متأَسّف عليه. ذكر المصطفيات من عابدات بيت المقدس ٧٨٢ - طافية (٤) : عن عطاءِ الخراسانى قال : كانت امرأة عابدة يقال لها طافية تأتى بيت المقدس تتعبّد فيه . وكان وَهْب بن منبه يقول : ياطافية ما أَشدّ العمل عليك . فتقول ما أَجِدُنى أَجِد شيئًا أَشدّ علىّ من طُول الفكر .. قال : وكيف ذلك ؟ قالت: إِنِّى إِذا تفكّرت فى عَظَمةِ الله عزَّ وجل وأَمْرِ الآخرة طاشَ عَقْلى وأَظْلَم علىَّ بَصرِى، واسْتَرْخَت لذلك مَفَاصِلى. فقال لها وَهْب بن منبه: إِذا أَنتِ وجدتٍ ذاك فافزَعى إلى قِراءَة القرآنِ فى المصحف . (١) قط : تسر ، خطأ. (٢) اسم فاعل من قولهم: أمر فلان الحبل: فتله فتلا شديداً. وفلان ذو نقض وإمرار ، أى صاحب حل وعقد. ق : مجداً . وأثبت ما فى نسخة قط . (٣) قط : فى السبق. (٤) سقط اسمها من قط . ٢٥١ ٧٨٣ - لبابة : محمد بن روح قال : قالت لُبابة المتعبّدة فى بيت المقدس : إِنىّ لأَستحى منه أَن يَرانى مشتغلة بغيره(١). محمد بن روح قال : قالت لُبابة المتعبّدة : مازلتُ مُجْتهدةً فى العبادة حَتَّى صِرْتُ أَسْتَرْوِح بها ، وإذا تعبتُ من لقاءِ الخَلق آنسنى بذِكْره ، وإِذا أَعيانى الخَلق رَوّحنى التفرّغ لعبادة الله عز وجل والقيامُ إلى خدمته . وقال لها رجل : هو ذا أُريد الحج فماذا أَدعو بالمَوْسِمِ ؟ فقالت : سَل الله تعالى شيئين: أَن يرضَى عنك ويُبَلِّغك منزِل الرّاضين عنه، وأَن يَجعل ذِكْرك فيما بين أَوْليائه . ذكر المصطفيات من المجهولات الأسماء ٧٨٤ - عابدة (٢) : عن أبى جعفر السّائح قال : رأيت عجوزاً فى بيت المقدس تقول : حَجَجْتُ ماشية إثنى عشرة حَجّة ما ركبتُ فيها ، أَشتَرى كل سنة (٣) بأربعة دراهم سقطاً فيكون ذلك زادى فى ذهابى ومُنْصَرفى. قال : فقلت لها : فى بيت المقدس مثلك من المتعبدات ؟ [قال] فَذَكَرَتْ نسوةً يفعلن مثل ما تفعل . قالت : فإذا رجعنا حملنا مَغَازِلنا إِلى المسجد فلا نخرج منه إِلاَّ لحدث أو لحاجة . قلت : وكم بقى اليوم من هذه الصّفة ؟ قالت : نحوٌ مِن عشرة . قلت : فمن أَعبدُكُنّ ؟ قالت : امرأة من قريش ما نراها تكلِّم أَحداً إِنما هى فى الصلاة قائمة وراكعة وساجدة يأتيها أَهلها بما يُصلحها . (١) انتهى الساقط من ب . (٣) قط : فى كل حجة . (٢) ق، ب : منهن عابدة. ٢٥٢ ٧٨٥ - عابدة أخرى : عن أبى سليمان الدّارانى قال : حدثنى سعيد الافريقى قال : كنت ببيت المقدس مع أصحاب لى فى المسجد فإِذا أَنا بجارية عليها دِرْع شعر وخمارٌ من صوف ، فإذا هى تقول : إلهى وسيدى ما أَضْيق الطّريق على مَن لم تكن دليله وأَوحش خلوةً من لم تكن أَنيسه . فقلت : يا جارية ما قطع الخلقَ عن الله عز وجل ؟ قالت حب الدنيا إِلا أَن لله عز وجل عباداً أَسقاهم من حبه شربةً فولَهَت قلوبهم فلم يُحبّوا مع الله عز وجل غيره . ثم قالت ((تنشد)) : تَزوَّدَ قَرِيناً من فِعَالك إنّما قَرين الفتى فى القبر ما كان يَعْمَلُ يُقيم قليلا عندهم ثم يرحل أَلا إِنما الانسان ضيفٌ لأَهلِه ٧٨٦ - عابدة أخرى : عن أبى جعفر السائح قال : رأيت امرأة فى بيت المقدس فى متعبد لها عليها مدرعةٌ من شعر وخمارٌ من شعر ، وسوار من حديد . وكان لها سلسلة تعلق بها نفسها بالليل . فقلت لها : منذ متى أَخذت فيما أنت فيه ؟ قالت منذ ثمانى سنين . قال : ورأيت نسوة كثيرة ، عليهن مدارع صوف وخمر ، معتكفات فى المسجد لا يتكلِّمن بالنهار . ٧٨٧ - عابدة أخرى : عثمان الرجانى (١) قال : خرجت من بيت المقدس أُريد بعض القُرى فى حاجة فلقيتْنى عجوز عليها جبة صوف وخمار صوف . فسلمت عليها فردّت على السلام . ثم قالت : يا فتى من أين أَقبلت ؟ فقلت : من هذه القرية . قالت : وأين تريد ؟ قلت : إِلى بعض القرى فى حاجة . قالت : كم بينك وبين أَهلك ومنزلك ؟ قلت : ثمانية عشر (١) الرحانى . ٢٥٣ ميلاً . قالت ثمانية عشر ميلاً فى حاجة ؟ إِن هذه لحاجة مُهِمة ، قلت : أَجل . قالت : فما اسمك ؟ قلت : عثمان . فقالت : يا عثمان أَلا سأَلت صاحب القرية أن يوجّه إِليك بحاجتك ولا تتعنّى ؟ قال : ولم أعلم الذى أرادت . قلت : ياعجوز ليس بينى وبين صاحب القرية معرفة . قالت : يا عثمان وما الذى أوحش بينك وبين معرفته وقطع بينك وبين الاتصال به ؟ فعرفت الذى أرادت فبكيت . فقالت : من أى شىءٍ تبكى ؟ من شىءٍ كنت فعلته ونسيته أو من شىءٍ أُنسيته وذكرته ؟ قلت : لابل من شىءٍ كنت أُنسيته وذكرته . قالت: يا عثمان احمد الله عز وجل الذى لم يتركك فى حيرتك ، أَتحب الله عز وجل ؟ قلت : نعم . قالت : فاصدقنى . قلت : إِى والله إِنِّى لأَحب الله عز وجل . قالت : فما الذى أَفادك من طرائف حكمته إِذ أَوصلك إلى محبته ؟ قال : فبقيت لا أدرى ما أقول ؟ قالت : يا عثمان لعلك ممن يحب أن يكتم المحبة . قال : فبقيت بين يديها لا أدرى ما أقول ؟ فقالت : يأبى الله عز وجل أن يدنس طرائف حكمته وخَّ معرفته ومكنونَ محبّته بممارسة قلوب البطالين . قلت : رحمك الله أو دَعَوْت الله عز وجل أن يشغلنى من محبته . فنفضتْ يديها فى وجهى. فاعدت القول أَقتضى (١) الدعاءَ. فقالت : يا عبد الله امض لحاجتك ، فقد علم المحبوب ما ناجاه الضمير من أجلك . ثم ولت وقالت : لولا خوفُ السلب لبحت بالعجب. ثم قالت أَوَّهْ (٢) من شوق لا يبرأُ إِلا بك، ومن حنين لا يسكن إِلا (١) أطلب وأسأل . (٢) بفتح الهمزة وتشديد الواو المفتوحة وسكون الهاء . وقد تسكن الواو وتكسر الهاء : وهى كلمة تقال عند الشكوى أو التوجع وما إلى ذلك . وهى اسم فعل مضارع . ٢٥٤ إليك ، فأين لوجهى الحياءُ منك ؟ وأين لعقلى الرّجوع إليك؟ قال عثمان : فوالله ما ذكرتُ ذلك إِلا بكيت وغُشِىَ علىّ . ذكر المصطفين من أهل جبلة (١) ٧٨٨ - مالك بن القاسم الجبلى : عبد العزير الأهوازى قال : قال لى سهل بن عبد الله : مخالطةٌ الولىّ للناس ذلّ. وتفرُّده عز، قلَّما رأيت ولياً لله إِلا منفرداً . إِن عبد الله بن صالح كان رجلاً له سَابِقة جَلِيلة ومَوْهِبة جزيلة وكان يفر من الناس من بلد إلى بلد حتى أتى مكة فطال مُقامه فيها . فقلت له : لقد طال مُقامك بها . فقال لى: لِمَ لا أَقيم بها ولم أَر بلداً ينزل فيه من الرحمة والبركة أَكثر من هذا البلد ؟ فاحببتُ أَن أَكون فيه مقيماً والملائكة تغدو فيه وتروح وإنى أرى فيه أَعاجيب كبيرة وأرى الملائكة يطوفون به على صور شتى لا يقطعون ذلك . ولو قلت : كل ما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين . فقلت له : أَسأَلك إلا خبرتنى بشىءٍ من ذلك ؟ فقال : ما من ولى الله تعالى صحت ولايته إلا وهو يحضر فى هذا البلد فى كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه ، فمقامى ها هنا لأجل من أَراه منهم ، ولقد رأيت رجلاً يقال له : مالك بن القاسم ، جبلىّ ، وقد جاءً ويده غَمِرة ، فقلت له : إِنك قريب عهد بالأكل ؟ فقال لى : أستغفر الله فإننى منذ أسبوع لم آكل ، ولكن أطعمت والدتى وأسرعت لأَلحق صلاة الفجر . وبينه وبين الموضع الذى جاءً منه سبعمائة فرسخ ، فهل أَنت مؤمن بذلك ؟ فقلت : نعم . فقال : الحمد لله الذى أَرانى مؤمناً موقناً . (١) بفتح الجيم والباء . وهى مدينة ساحلية معروفة جنوبي اللاذقية، فى سورية . ٢٥٥ ٧٨٩ - ابراهيم الجبلى : عبد الواحد بن محمد بن ابان الفارسى قال: لقيت إِبراهيم الجبلى بمكة بعد رجوعه إلى وطنه وتزويجه بابنة عمه وكان قد قطع البادية حافياً . فحدثنى أنه لما رجع إلى بلده وتزوج شغف بابنة عمه شغفاً شديداً حتى ما كان يفارقها لحظة . قال : فتفكرت ليلة فى كثرة ميلى إِليها وشغفى بها فقلت : ما يحسن بى أَن أَرد القيامة وفى قلبى هذه . فتطهرت وصليت ركعتين وقلت : سيدى رد قلبى إلى ما هو أولى. فلما كان من الغد أَخذَتْها الحمى وتوفيت يوم الثالث (١) ونويت الخروج حافياً من وقتى إلى مكة . ذكر المصطفين من أهل العواصم والثغور ٧٩٠ - أبو عمر والأوزاعى واسمه عبد الرحمن بن عمرو (٢): والأَوزاع بطن من هَمْدان . كذلك ذكره محمد بن سعد . وقال البخارى فى تاريخه : الأوزاع : قرية بدمشق إذا خرجت من باب الفراديس . ولد سنة ثمانٍ وثمانين وسكن بيروت وبها مات . يحيى بن عبد الملك بن أبى عتبة ، قال : كتب الأوزاعى إِلى أَخ له : أما بعد ، فإنه قد أُحيط. بك من كل جانب، واعلم أنه يُسارُبك فى كل يوم وليلة فاحذر الله والمقامَ بين يديه ، وأن يكون آخر عهدك به والسلام . عباس بن الوليد قال . أُخبرنى أَبى قال . سمعت الأَوزاعى يقول . ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهى معروضة على العبد يوم القيامة يوماً فيوماً وساعة فساعة ، ولا يمر به ساعة لم يذكر الله فيها إِلا (١) كذا فى ط . وفى ق : الثلثا. (٢) بن عمرو : ساقط من ط . ٢٥٦ وتَقَطعَتْ نفسه عليها حَسَرات ، فكيف إِذا مرت به ساعة مع ساعة ويومٌ إِلى يوم ؟ عن ضمرة عن الأوزاعى قال : الناس عندنا أهل العلم . عن الهقل بن زياد ، عن الأوزاعى أَنه وعظ. فقال فى موعظته : أيها الناس تقوَّوْا بهذه النعم التى أَصْبَحْتُم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التى تطلع على الأفئدة ، فإِنكم فى دارٍ الثواءُ فيها قليل وأنتم فيها مُؤَجّلون خلائف من بعد القرون الذين اسْتَقْبَلوا من الدنيا أَنفها وزهرتها فهم كانوا أَطول منكم أَعماراً وأَمدّ أَجساماً وأَعظم آثاراً فخددُوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا فى البلاد مؤيَّدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الأيام والليالى أَن طَوت مُددهم وعفت آثارهم وأَخْوَت منازلهم وأَنست ذكرهم ، فما تحس منهم من أَحد ولا تسمع لهم ركزًا (١)، كانوا بِلَهْوِ الأَمل آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين ، ثم إنكم قد علمتم الذى نزل بِسَاحتهم بياتاً من عقوبة الله عز وجل فأصبح كثير منهم فى ديارهم جائمين وأصبح الباقون ينظرون فى آثار (٢) نِقْمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وعبرةٌ لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم فى أَجَل منقوص ودينا مقبوضة فى زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم تبق منه إلا حمة (٣) شر وصبابة (٤) (١) اقتباس من قوله تعالى فى الآية (٩٨) من مريم: ((هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً؟)) . (٢) قط : الآثار . (٣) الحمة (بضم الحاء وتخفيف الميم المفتوحة): السم ، أو إبرة الزنبور والعقرب ونحو ذلك مما يلدغ . (٤) الصبابة : البقية . ٢٥٧ كدر، وأَهاويل(١) عبر، وعقوبات غير وأرسال(٢) فتن، وتتابع زلازل ورذالة خلف بهم ظهر الفساد فى البرّ والبحر ، فلا تكونوا أَشباهاً لمن خدعه الأمل وغر بطول الأَجل وتبلَّغ بالأَّمانى. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى نذره وانتهى ، وعقل سُرّاه فمهد لنفسه . عن موسى بن أعين قال : قال لى الأَوزاعى : يا أبا سعيد كنا تمزح ونضحك فأما إذا صرنا يهتدى بنا ما أرى يسعنا التبسم . بشر بن الوليد قال : رأيت الأوزاعى كأنه أعمى من الخشوع . عبد الملك بن محمد قال : كان الأوزاعى لا يكلم أحداً بعد صلاة الفجر حتى يذكر الله فإن كلمه أَحدٌ أَجابه أحمد بن أبى الحوارى قال : بلغنى أن نصرانياً أهدى إلى الأوزاعى جرّة عسلٍ وقال له يا أَبا عمرو ، تكتب لى والى بعلبك : فقال : إن شئت رددت الجرة وكتبت لك وإلا قبلت الجرّة ولم نكتب لك . قال : فردَّ الجرة وكتب له فوضع عنه ثلاثين ديناراً . عن أبى أيوب الزيادى ، عن الأوزاعى . قال : العافية عشرة أجزاءٍ ، تِسْعَةٌ منها صَمْتُ، وجزءٌ منها الهرب(٣) من الناس. مروان بن محمد قال : قال الأَوزاعى : من أطال قيام الليل هُوِّن عليه موقفه يوم القيامة . قال أحمد : قال لى مروان : ما أَحسب الأوزاعى أخذه إلا من (١) الأهاويل: جمع الجمع لأهوال . وهذه مفردها هول . (٢) الأرسال : الجماعات، مفردها: رسل (بفتح الراء والسين) . (٣) ط : هرب . ( م ١٧ - صفة الصفوة جـ ٤) ٢٥٨ هذه الآية: ((ومن اللَّيل فاسجُد له وسبِّحْه ليلاً طويلاً)) إِلى قوله ((يوماً ثقيلاً))(١). أبو حفص عمرو بن أبى سلمة ، عن الأوزاعى قال : من أكثر ذكر الموتِ كفاهُ اليسير، ومن علم أَن منطقه من عمله قلَّ كلامُه . يوسف بن موسى القطان يحدّث أَن الأوزاعى قال : رأيت ربّ العزة فى المنام ، فقال لى : يا عبد الرحمن أنت الذى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ قلت : بفضلك يا رب . فقلت : ياربّ أَمِتْنى على الإِسلام . فقال : وعلى السّنة . المعافى بن عمران ، عن الأوزاعى قال : كان يقال يأتى على الناس زمان أَقلُّ شىءٍ فى ذلك الزمان أَخٌ مؤنس أَو دِرهم من حلال أَو عملٌ فِى سُنّة (٢). مَسلمة بن على، عن الأوزاعى قال : كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله بشىءٍ كأَّما على رءوسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أَنّ حميمًا (٣) لأحدهم غاب عنه حيناً ثم قدم ما التفت اليه. فلايزالون كذلك حتى يكون قريباً من طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتحلقون ، وأول ما يفيضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إِليه ثم يَتَحَلِّقون إِلى الفِقْه والقرآن . أُسند الأوزاعى عن محمد بن على بن الحُسَيْن ، ويحيى بن أبى كثير، والزهرىّ، ومحمد بن المنكدر وأبى الزّبير وغيرهم. وتوفى ببيروت سنة سبع وخمسين ومائة فى خلافة أبى جعفر وهو ابن (١) سورة الإنسان: (٢٦- ٢٧). (٢) ط : السنة . (٣) أى صديقاً أو قريباً تهتم بأمره. ٢٥٩ سبعين سنة . كذلك قال محمد بن سعد . وقال على بن المدينيّ وتوفى (١) الأوزاعىُّ سنة إحدى وخمسين ومائة . عن يزيد بن مذكور قال : رأيت الأوزاعى فى منامى فقلت : يا أبا عمرٍ ودُلَّنى على أمر أَتقرّب به إلى الله تعالى . فقال لى : ما رأيت هناك درجة أرفع من درجة العلم . فقلت : ثم من بعدها ؟ قال : درجة المحزونين . ٧٩١ - ابو اسحاق الفزارى : واسمه إِبراهيم بن محمد بن الحارث . كان صاحب سنّةٍ وغزوٍ . الفضيل بن عياض قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وإلى جنبه فُرجة . فذهبت لأَجلس فيها . فقال : هذا مَجْلِس أبى إسحاق الفَزاريّ. فقلت لأَّبى أسامة: أيهما [ كان] (٢) أَفضل ؟ فقال : كان فُضَيل رجل نفسِه وكان أبو إسحاق رجل عامَةٍ . محمد بن هارون ، أَبو نشيط. ، قال : قال أبو صالح ، يعنى القرّاء: لقيت الفُضَيل بن عياض فعزّانى فى أبى إسحاق وقال : لربما اشتقت إِلى المَصْيصة ما بى فضل الرّباط. إلا أُرى أَبا إِسحاق . أبو صالح قال : سمعت أبا إسحاق الفزارى يقول : إِن من الناس من يَحْسُن عليه الثناءُ، وما يُساوى عند الله جَنَاح بَعوضة . عبّاد الغَنَوِىُ عن أبى إسحاق الفَزارى قال : من قال : الحمد لله على كل حال فإن كانت نعْمة كان لها كِفاءُ وإِنْ كانت مُصيبة كان لها عَزاء . (١) ط : وتوفى . (٢) زيادة من ط . وكانت مثبتة فى ق ثم محيت وكتب مكانها العلامة: صح . ٢٦٠ أبو يحيى قال : سمعت أبا عُبيد يقول لمّا مات أبو إسحاق الفزارى بكى عطاء ثم قال : ما دخل على الاسلام من موت أحدٍ ما دخل عليه من أبى إسحاق . أَسند الفزارى عن عبد الملك بن عمير ، وإسماعيل بن أبى خالد ، وعطاء بن السّائب، والأعمش، وهشام بن عُرْوة فى خلق كثير من التابعين . وحدّث عن الفَزارى سفيان الثورى والأوزاعى . وتوفىّ بالمَصّيصة سنة ثمانٍ وثمانين ومائة ، وقيل خمس وثمانين . ٧٩٢ - عيسى بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى(١): من همْدان . يكنى أبا عمرو وهو من الكوفة تحوّل إلى الثغر فنزل الحديث . عن جعفر بن يحيى بن خالد(٢) قال: ما رأينا فى القِرّاء [أَحداً ] مثل عيسى بن يونس ، أرسلنا إليه فأَتانا بالرقة فاعتل قبل أن يرجع. فقلت: يا أَبا عمرو قد أُمِرٍ لَكَ بعشرة آلاف فقال: هىَ (٣) ، فقلت : هى خمسون ألفاً . قال : لا حاجة لى فيها . فقلت : لِمَ ؟ أما والله لأهنئنكها (٤) هى والله مائة ألف. قال : لا والله لا يتحدّث أَهْل العلم أَنى أَكَلْتُ للسُنّة ثمناً ، أَلا كان هذا قبل أَن تُرْسلوا إِلىّ ؟ فأمّا على الحديث فلا والله ولا شربة ماءٍ ولا هَليلجة (٥). (١) السبيعى: بفتح السين وكسر الباء. ذكر عيسى فى تقريب التهذيب ١٠٣/٢. (٢) هو البرمكى. (٣) فى ق فراغ بمقدار كلمة أو كلمتين بين (فقال) و (هى). (٤) قط : لأهنئنكم . (٥) كذا فى النسخ. وفى أقرب الموارد: ((الإهليلج، وزان افعيلل بفتح اللام الأولى و( هليلج) بلا همزة أيضاً، خلافاً لقوم: عقير من الأدوية معرب هليلة)).