النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٥٨٢ - عابد آخر :
أبو عبد الله الخرزى قال قلت لمحمد بن السَّماك : أَخبرنى عن
أَعجب شىءٍ رأيتَه من الخائفين . قال: اشتقت إلى عُبَّاد المصْرة
فأتيت الرَّبيع بن صُبيح فنزلت عليه ثم قلت له : هل تعرف ههنا
أحدًا من الخائفين ؟ قال : نعم ههنا زاهد يقال إنه من الخائفين
قلت له فَبَكِّر بنا إذا صلَّينا . قال فبكرْنا إلى بعض زوايا البصرة
فدقَّ بابًا فخرجتْ عجوزٌ فسلّم عليها ثم قال : ما فعل ابنُك ؟ قالت
إِن ابنى قد نَسِىَ الدنيا . قال: أَتأَذنين لنا أن ندخلَ عليه ؟ قالت :
بشرط أن لاتذكروا له القيامة . قال : فأَّذنتْ لنا فدخلنا فإِذا شاب
عليه مِدْرَعة شَعر ، فى عنقه طَوْقَ وسِلْسَلة مشدودة بِسارية البيت،
فإِذا قبرٌ محفورٌ وإذا هو جالس على شَفير قبره ينظر فى لحده فقال
الربيع : يا هذا أخوك محمد بن السَّماك المذكِّرِ أَتاك زائرًا . فالتفت
إليه فقال : ما أَنت قائل ؟ فتلجلج لسانى وهبْتُ فجهدت الجهد أَن
أَنطلق فما قَدرْتُ . فخرجنا يومئذ ثم عدت فى اليوم الثانى فإذا هو
على حالته التى رأيناه أمس فاتفتَ إِلىَّ فقال: ما أنت قائل؟ فتلجلج
لسانى. ثم قلت إِن للعباد مقامًا . قال : ويحك عند مَن ؟ قلت:
عند مالِك الملوك . فشهق شهقة فإِذا هو ميت فى قبره .
ومن عقلاء المجانين بالبصرة
٥٨٣ - رجل لم يعرف اسمه (١) :
أبو أحمد بن روح قال حدثنى بعض أصحابنا قال : رأيت
مجنونًا بالبصرة قد نظر إلى جنازة فأَنشأً يقول :
وَصَفَ الطبيبُ فَهُم بما وَصَف الطبيبُ يُعالجونَهُ
(١) العنوان زيادة من عندنا، وليس فى النسخ .

٢٢
يَرْجُونَ صِحَّةَ جِسْمِهِ هَيْهَاتَ مِمَّا يَرْتَجُونَهْ
قال : ثم غلبه البكاء ومَضَى
ذكر المصطفيات من عابدات البصرة
٥٨٤ - معاذة بنت عبد الله العدوية :
وتكنى أم الصهباء محمد بن فضيل قال : حدثنا أبى قال : كانت
معاذة العدويَّة إِذا جاءَ النهار قالت : هذا يومى الذى أَموت فيه ، فما
تنام حتى تُمسى وإِذا جاء الليل قالت : هذه ليلتى التى أَموت فيها
فلاتنام حتى تصبح وإذا جاءَ البرد لبست الثياب الرِّفَاق حتى يَمْنَعها
البردُ من النوم .
الحكم بن سِنَان الباهلى قال : حدّثْتنى امرأةٌ كانت تَخْدُم مُعاذة
العدّوية قالت : كانت تُحيى الليل صلاةً فإِذا غابها النوم قامت فجالَتْ
فى الدّار وهى تقول: يانفسُ، النومُ أَمامَك لو قدمتِ لطالتْ رَقْدتُك
فى القبر على حَسْرة أَوْسُرور . قالت : فهى كذلك حتى تصبح .
قال عبد الرحمن بن عمر والباهلى : وحدثتنا دَلال ابنةُ أَبى المُدِل
قالت : حدثتنى آسية بنت عمرو العدوية قالت : كانت معاذة العدوية
تصلِّى فى كل يوم وليلة ستمائة ركعة وتقرأُ جُزءَها من الليل تقوم به .
وكانت تقول عجِبت لعينٍ تنام وقد عرفتْ طول الرقاد فى ظُلَمِ القبور.
الحسن بن على بن مسلم الباهلى قال : سمعت أبا السّوار العَدوى
يقول : بنو عدى أَشد أَهل هذه البلدة اجتهادًا، هذا أَبو الصهباء
لاينامِ لَيْلَه ولايُفْطر نهارَه، وهذه امرأته مُعَاذة ابنة عبد الله لم ترفع
رأسها إلى السماء أربعين عامًا .
٠

٢٣
عن زهير السلولى ، عن رجل من بنى عدى ، عن امرأة منهم
أَرضعتْها معاذة ابنة عبد الله قالت : قالت لى مُعاذةٍ : يابنية كُونى
من لقاء الله عزوجل على حذَرٍ ورجاءٍ ، وإنى رأيتُ الرَّاجى له محقوقًا
بحسن الزافى لديه يومَ يَلْقاه ، ورأيت الخائفله مؤملاً للأمان يوم
يقوم الناس لرب العالمين ثم بكت حتى غلبها البكاء .
حماد بن سلمة قال : أَنبأَ ثابت البُنَانى أَن صِلة بن أُشَيَمْ كان
فى مغزَّى له ومعه ابن له ، فقال أَىْ بُنى تقدمْ فقاتِلْ حتى أَحْتَسِبُكَ .
فحمل فقاتل حتى قُتل ثم تَقَدَّم فقُتل فاجتمعت النساءِ عند امرأته
مُعاذة العدوية فقالت : مرحبًا ، إِن كنتن جئتن لتهنئْنَنِى ، فمرحباً
يكن وإن كنتُن جئتُن بغير ذلك فارْجِعْن .
سلمة بن حسَّان العدوى قال : أَنبأَ الحسن أَن معاذة لم توسد
فِراشًا بعد أَبى الصهباءَ حتى ماتت .
عمران بن خالد قال : حدثتنى أُم الأَسود بنت زيد العدوية وكانت
معاذة قد أرضعتها قالت : قالت لى مَعاذة لما قتل أَبو الصهاءَ وقُتل
ولدها والله يابنيَّة ما محبتى للبقاء فى الدنيا لِلذِيذِ عيشٍ ولا لَرَوْح نسيم،
ولكنْ واللهِ أَحب البقاءَ لأَتقرب إلى ربى عز وجل بالوسائل لعله يجمع
بينى وبين أبى الصهباءِ وولده فى الجنة.
رَوْح بن سلمة الوراق قال : سمعتُ عُفَيرة العابدة تقول : بلغنى
أن معاذة العدوية لما احتضرها الموت (١) بكت ثم ضحكت . فقيل
لها مِمَّ بكيتِ ثم ضحكتِ ؟ فممَّ البكاءُ ومِمَّ الضحك ؟ قالت أَما البكاءُ
الذى رأيتم فإنى ذكرتُ مُفارقة الصِّيام والصَّلاة والذِّكر فكان البكاءُ
(١) ق : احتضرت الموت . وأثبتنا ما فى قط .

٢٤
لذلك ، وأَما الذى رأيتم من تبسمى وضحكى فإنى نظرت إلى أبى الصهباء
قد أَقبل فى صَحْن الدار وعليه حُلَّتان خَضراوَان وهو فى نَفَر والشعارأَیت
لهم فى الدذا شَبَهًا فضحكتُ إِليه ولا أراني أَدرك بعد ذلك فرضًا.
قال فماتت قبل أن يدخل وقتُ الصلاة .
أدركت مُعَاذة عائشةَ وروَتْ عنها . وروى عن مُعَاذة الحسنُ البصرى
وأبو قلابة ، ويزيد الرّشك .
٥٨٥ - حفصة بنت سیرین :
عن عاصم الأحول قال : كنا ندخل على حفصة بنت سرين وقد
جعلت الجلباب هكذا وتنقَّبتْ به فنقول لها : رحمك الله قال الله
((والقواعدُ من النِّساءِ اللَّاتى لايَرجُون نِكاحًا فليس عليهن جُنَاحٌ أَن
يَضَعْنَ ثيابهنٌ غَيْرَ متبرجاتٍ بِزِينَةً (١)» وهو الجاباب. قال فتقول لنا :
أَىُّ شىءٍ بعد ذلك؟ فنقول: ((وأَن يستعْفِفْن خيرٌ لهن (١))) فتقول هو
إثباتُ الجلباب .
هشام بن حسان قال : كانت حفصة تقول لنا : يا معشر الشباب
خُذوا من أنفسكم وأنتم شباب فإنى ما رأَيْت العمل إلا فى الشباب .
قال : قرأَتْ القرآن وهى ابنة اثنتىْ عَشْرة سنةً وماتت وهى
ابنة تسعين .
عن هشام أَن حَفْصة كانت تدخل فى مَسْجدها فتصلِّى فيه الظهر
والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم لا تزال فيه حتى يرتفع النهارُ
وتركع ثم تخرج فيكون عند ذلك وضوءها ونَوْمها ، حتى إذا حضرت
الصلاةُ عادت إلى مسجدها إلى مثلها .
(١) النور : ٦٠.

٢٥
عن مهدى بن ميمون قال : مكثتْ حفصة فى مصلاها ثلاثين
سنةً لاتخرج إلا لحاجة أَولِقَائِلَةٍ .
عن هشام أن ابن سيرين كان إذا أُشْكل عليه شيء من القراءة قال
اذهبوا فسلوا حفصة كيفَ تقرأ .
هشام بن حسان . قال كان الهُذَيْل بن حَقُصة يَجْمع الحطب
فى الصيف فَيَقْشُرُه ويأَخذ القصب. فيفْلِقِه قالت حفصة وكنت أَجد
قرَّةً فكان إِذا جاء الشتاءُ جاءَ بالكانون فيضعه خلفِى وأَنا فى مُصَلَّاى
ثم يقعد فيو قد بذلك الحطب المقشر وذاك القصب المفلَّق وَقُودًا لا يؤدى
دُخَانه ويُدفئنى. نمكث بذلك ماشاءَ الله . قالت : وعند مَن يكفيه
لو أراد ذلك .
قالت : وربما أَردت أَنصرف إليه فأَقُول يابنى ارجع إلى أَهلك
ثم أذكر ما يريد فأدعه .
قالت حفصة: فلما مات رزق الله عليه من الصبر ماشاءَ أَن يَرْزُقَ
غير أَنَّ كنت أَجد غُصَّةً لاتذهب . قالت فبينا أنا ذات ليلة أقرأ
سورة النحل إذا أتيت على هذه الآية ((ولا تَشْتَروابعهْد الله ثَمَناً قليلاً
إِنَّ مَا عِنْدَ اللّه هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمَ تَعَلَمون، ما عِنْدِكَمُ يَنْفَدُ وَمَا
عِنْدَ اللهِ باقٍ ولنَجْزِين الذينَ صَبَروا أَجرَهم بأَحْسَنِ ما كانوا يعمَاون (١)))
قالت : فأَعدتُها فأَذهبَ الله ماكنت أَجِد .
قال هشام : وكانت له لِقْحة (٢). قالت حفصة: كان يبعث إلى
بحَلْبةٍ بالغداة فأَقُول : يابنىّ إنك لتعلم أَنى لا أَشربه ، أَنا صائمة .
(١) النحل : ٩٥ - ٩٦.
(٢) اللقحة ( يكسر فسكون): الناقة الحلوب الغزيرة اللبن.

٢٦
فيقول : يا أُم الهذيل إِن أَطيب اللَّبن مابات فى ضروع الإِبل ،
اسْقِيه مَن شئتِ .
عن هشام بن حسان قال : اشترت حَفْصة جارية أَظنها سِنْديّة
فقيل لها : كيف رأيتِ مولانَك ؟ فذكر إبراهيم كلامًا بالفارسية
تَفْسيرُه أنها امرأة صالحة إلا أنها أَذنبت ذنبًا عظيمًا فهى الليل كلَّه
تبكى وتصلّى .
عبد الكريم بن معاوية قال : ذُكر لى عن حفصة أنها كانت تقرأ
نصف القرآن فى كل ليلةٍ وكانت تصوم الدهر وتفطر العيدين وأيام
التشريق .
عن هشام بن حسان قال : قد رأيتُ الحسنَ وابن سيرين وما رأَيت
أَحدًا أُرَى أَنه أَعقلُ من حفصة .
عن هشام عن حفصة قال : كان لها كفنٌ مُعَدَّ فإِذا حَجت وأَحرمتْ
لَبِسَتْه وكانت إِذا كانت العَشْرِ الأَواخر من رَمَضَان قامتْ من الليل
فلبسته .
عن هشام قال : حدثتنى أم سليم بنت سِيرين قالت : ربما نَور
لحفصة بنت سيرين بيتُها .
عن هشام قال : كانت حفصة بنت سيرين تُسْرجُ سِراجها من
الليل ثم تقوم فى مصلاها فربما طفِىءَ السراجُ فيُضىءَ لها البيت حتى
تصبح .
٥٨٦ - كريمة بنت سيرين ، اخت حفصة :
عن مهدى بن ميمون قال : مَكَثَتْ كريمةُ بنتُ سیرین أُخت حفصة
بنت سيرين خمسَ عشرة سنة ما تخرج من مُصَلَاها إلا لِقَضَاءِ حاجَةٍ .

٢٧
٥٨٧ - منيبة البصرية وابنتها :
أَبو عَيَّاشِ انقطَّن قال : كانت امرأة بالبصرة متعبِّدَة يقال لها
مُنِيبة ، وكانت لها ابنة أَشد عبادةً منها . فكان الحسن ربَّما رآها
وتعجّب من عبادتها على حداثتها .
فبينا الحسن ذات يوم جالس إذْ أَتاه آتٍ فقال : أَما علمتَ أَن
الجارية قد نزل بها الموت فوثب الحسن فدخل عليها فلما نظرت الجاريةُ
إليه بكتْ . فقال لها يا حبيبتى ما يبكيك ؟ قالت له ، يا أبا سعيد
الترابُ يُحثَى على شبابى ولم أَشْبَعْ من طاعة ربِّى يا أَبا سعيد انظر إلى
والدقى وهى تقول لوالدى : احفر لابنتى قبراً وَاسعًا وكفنها بكفنٍ
حسن، والله لو كنتُ أجهّز إلى مكة لطال بكائى ، كيف وأَنا أَجهَّز
إِلى ظُلْمَة القبور وَوحْشَتِها وبيت الظُّلْمة والدودِ . ؟
٥٨٨ - رابعة العدوية :
عبد الله بن عيسى قال : دخلتُ على رَابعة العدوية بيتَها فرأَيتُ
على وجهها النورَ وكانت كثيرة البكاء فقرأَ رجلٌ عندها آية من
القرآن فيها ذِكر النار فصَاحت ثم سقطتْ .
ودخلتُ عليها وهى جالسة على قطعة بُورى خَلَق فتكلَّم رجل
عندها بشىءٍ فجعلتُ اسمع وقْع دموعها على البُورى مثل الْوَكْف ،
ثم اضطربت وصاحت فقمنا وخرجنا .
مَسْمَع بن عاصم ورِيَاحِ القَيْسِى قالا : شهدنا رابعة وقد أَتاها
رجل بأربعين دينارًا فقال لها : تَسْتعينين بها على بعض حوائِجِكِ .
فبكت ثم رفعت رأسها إلى السماءِ فقالت : هو يعلم أَنى أَستَحْيِى منه
أَن أَسأَّه الدنيا وهو يملكها ، فكيف أُريد أن آخذها ممن لا يملكها ؟

٢٨
محمد بن عمرو قال : دخلت على رابعة وكانت عجوزًا كبيرة
بنت ثمانين سنة كأنّا الشَن (١) تكاد تسقط. ورأيت فى بيتها كَراخَةُ
بوارى (٢) ومِشْجب (٣) قَصب فارسى طوله من الأَرض قدْر ذراعيْن،
وستر البيت جلد(٤) وربما كان بُوريّاً، وحُبِّ(٥) وكوز ولِبْد هو فراشها
وهو مصلاها . وكان لها مِشْجب من قصب عليه أكفانها وكانت إِذا
ذَكرت الموت انتفضت وأَصَابتها رِعْدةٌ وإذا مرت بقوم عَرفوا فيها
العبادة .
وقال لها رجل : ادْعِى . فَالتصقت بالحائط. وقالت: مَن أَنا
يرحمك الله ؟ أَطع ربك وادعُه فإنه يُجيب المضطرين (٦).
سجف بن منظور قال : دخلتُ على رابعة وهى ساجدة فلما أَحَسَّت
بمكانى رفعت رأسها فإِذا موضعُ سجودِها كهيئة الماءِ المسْتَنْقع من
دموعها . فسلَّمت فأقبلت (٧) على فقالت : يابنى أَلك حاجة ؟ فقلت
جئت لأَسلم عليك قال فبكتْ وقالت سَتْرَكَ اللهمَّ سَتْرَك ودعت بدعوات
ثم قامت إلى الصلاة وانصرفتُ .
العباس بن الوليد قال: قالت رابعة : أَستغفر الله مِنْ قلَّةٍ صدق
فى قولى: أَسْتَغْفر الله .
أَزْهر بن مروان قال : دخل على رابعة رِياح القيسىِّ ، وصالح
ابن عبد الجليل ، وكلاب ، فتذاكرو الدنيا فأقبلوا يذمّونها فقالت
(١) القربة البالية الصغيرة. ق: النسر، وأثبت ما فى قط .
(٢) أى قطعة من الحصير شقت مستطيلة .
(٣) ما تعلق عليه الثياب ، ويكون من خشب ونحوه .
(٥) الحب (بضم الماء) : الجرة الكبيرة أو الخابية.
(٤) ط : جله ، تحريف .
(٦) قط : المضطر .
(٧) ط : قو أقبلت .

٢٩
رابعة: إِنِّى لأَّرى الدنيا بترابيعها (١) فى قلوبكم . قالوا : ومن أين
توهَّمتٍ علينا ؟ قالت : إِنَّكم نظرتم إلى أقرب الأشياءِ من قلوبكم
فتكلَّمتم فيه .
أبو جعفر المدينى ، عن شيخ من قريش قال : قيل أرابعة : هل
عملت عملاً ترين أنه يُقبل منك؟ قالت : إن كان فمخافتىٍ (٢) أَن
يرد على .
جعفر بن سليمان قال : أَخذ بيدى سُفيان الثَّورى وقال مُرّ بنا
إلى المؤدبة التى لا أَجد من أَسْتَريح إليه إذا فارقتُها . فلما دخلنا عليها رفع
سُفيان يده وقال : اللهم إنى أَسأَّك السلامةَ فبكت رابعة . فقال لها :
ما يبكيك ؟ قالت : أَنت عرّضْتَنِى للبكاء . فقال : وكيف ؟ قالت :
أَما علمت أَن السلامة من الدنيا تَرْكُ مافيها فكيف وأنت متلطُّخ بها .؟
وقال الثورىّ بين يدى رابعة: واحُزْناه . فقالت: لاتكذب . قل:
وَاقِلَّةِ حُزْناه ، لوكنتَ مَحْزونًا ما هَنَّك العيشُ .
جعفر بن سليمان قال : سمعتُ رابعة تقول لسفيان : إِنما أَنْت
أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضُك ، ويُوشك إِذا ذهب البعض
أن يذهبَ الكلّ وأنت تعلم ، فاعمل .
عبيس بن مرحوم العطار قال : حدثتنى عبْدة بنت أبى شوال ،
وكانت من خيار إماء الله ، وكانت تخدم رابعة . قالت : كانت رابعة
تصلّى الليل كله فإِذا طلع الفجر هجعت فى مُصلاها مَجْعَةً خفيفةً حتى
يُسْفِرَ الفجر ، فكنت أَسمعها تقول ، إِذا وَثَبَتْ من مَرْقِدِها ذلك وهی
(١) بجهاتها الأربع وكل ما فيها .
(٢) قط : مخافى ، خطأ .

٣٠
فزعة : يانفسُ كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن حمامى نومةٌ
لا تقومين منها إِلا لِصَرْخَةِ يومِ النّشُور .
قالت : فكان هذا دَأْبَها دهْرَها حتى ماتت. فلما حَضَرتْها الوفاة
دَعَتْنِى فقالت : ياعبدة لاتُؤْذِنِى (١) بموتى أَحدًا وكفّنينى فى جُبَّى هذه،
جبَّة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون .
قالت : فكفنَّاها فى تلك الجبَّة وخِمارٍ صوف كانت. تلبسه.
قالت عبدة : رأيتها بعد ذلك بسنة أَونحوها فى منامى عليها حلة
إِستبرقٍ خضراءُ وخمارٌ من سُنْدس أخضر لم أرشيئًا قط. أحسن منه .
فقلت : يارابعة ما فعلتْ الجبَّة التى كفنَّك فيها والخمارُ الصوف؟
قالت : إنه والله نُزع عنى وأُبدِلتُ به هذا الذى تَريْنه علىّ. وطُويت
أَكْفانى وخُتم عليها ورُفعتْ فِى عِدِين ليكمل لى بها ثوابها يوم القيامة :
قالت : فقلت لها : لهذا كنت تعملين أيام الدنيا ؟ فقالت :
وما هذا من كرامة الله عزوجل لأوليائه . قالت : فقلت . فما فعلت
عَبْدة بنت أَبِى كلاب ؟ فقالت هيهات هيهات ، سبقتْنا واللهِ إِلى
الدرجات العُلَى. قالت قلت وبم وقد كنت عند الناس ؟ أَىْ أَكثر
منها . قالت : إنها لم تكن تبالى على أى حالةٍ(٢) أصبحت من الدنيا
وأَمست . قالت : فقلت : فما فعل أَبو مالك؟ تعنى ضَيْغمًا. قالت:
يزور الله متى شاء . قالت : قلت : فما فعل بشر بن منصور ؟ قالت :
بخ بَخْ أُعطِىَ واللهِ فوق ما كان يأَمُل .
قالت : قلت فمُرِينى بأمرٍ أَتقرب به إلى الله عزوجل . قالت
عليكٍ بكثرة ذكره ، أوشك أن تغتبطى بذلك فى قبرك .
(١) أى لا تخبرى ولا تعلمى.
(٢) قط : حال .

٣١
قلت(١) : اقتصرت ههنا على هذا القدر من أخبار رابعة لأََّى
قد أفردت لها كتابًا [جمعتُ] فيه كلامها وأخبارها .
٥٨٩ - عجردة العمية :
رجاء بن مسلم العَبدى قال : كنا نكون عند عَجرَدَة العَمِية فى
الدار . قال : فكانت تُحبى الليل صلاةً . وربما قال : تقومٍ من أَول
الليل إلى السحر فإِذا كان السحر نادت بصوت لها محزون : إِليك
قطع العابدون دُجى الليالى بتبكير الدلج إِلى خُلَم الأَسحار يستَبقون
إِلى رحمتك وفضْلٍ مغفرتك ، فبكَ إِلَّهى لابغيرك أَسأَك أن تجعلنى
فى أول زُمرة السّابقين إِليك، وأَن ترفعنى إليك فى درجة المقربين،
وأَن تُلحقنى بعبادك الصالحين، فانت أكرم الكرماء، وأَرحم الرحماءِ ،
وأَعظم العظماءِ ، ياكريم . ثم تَخِر ساجدة فلاتزال تبكى
وتدعو فى سجودها حتى يطلع الفجر فكان ذلك دأَبَها ثلاثين سنة .
عبد الرحمن بن عمروالباهلى قال : حدثتْنِى دَلال بنت أبى المدِلٌ
قالت : حدثتنى أُمى آمنة بنت يَعْلَى بن سُهَيْل قالت : كانت عَجْردة
العُمية تَغْشانا فتظل عندنا اليوم واليومين. قالت: فكانت إِذا جاءً
الليل لَبِست ثيابها وتَقَنَّعت ثم قامت إِلى المحراب فلاتزال تصلّى إِلى
السحر ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر .
قالت : فقلت لها ، أَوقال لها بعضُ أَهل الدار : لوغتٍ من الليل
شيئًا. فبكتْ وقالت : ذِكْرُ الموت لا يدعنى أَنام .
جعفر بن سليمان قال : حدثنى بعض نسائى ، أُمى أو غيرها من
أَهلى ، قالت : رأيت عجردة العَمية فى يوم عيدٍ عليها جُبَّة صوف،
(١) كذا فى قط. وفى ق بدله: ((قال الشيخ صاحب هذا الكتاب رحمه الله)).

٣٢
وقناع صوف ، وكساءً صوف . قالت : فنظرتُ فإذا هى جِلْد وعظم.
قالت : وسمعتهم يذكرون عنها أنها لم تُفطر ستِّين عامًا .
٥٩٠ - حبيبة العدوية (١) :
عن عبد الله المكّى أَبى محمد قال: كانت حَبِيبَة العَدوية إِذا صلَّت
الْعَتَمَةَ قامت على سطح فشدْت عليها دِرْعها وخمارها . فقالت : إلّهى
غارت النجوم ، ونامت العيون وَغَلَّقت الملوكُ أَبوابها ، وبابك مفتوح،
وخلا كل حبيبٍ بحبيبه ، وهذا مَقامى بين يديك .
فإِذا كان السحر قالت : اللهم وهذا الليل قد أدبر ، وهذا النهار
قد أَسفر ، فليت شعرى هل قبلتَ منى ليلتى فَأُهَنَّى أُم رَدَدْتَها علىَّ
فأُعَزَّى، فوعزّتك لهذا دَأَّبِى ودأبك أَبدًا ما أَبقيتنى، وعِزْتِك
لو انتهرْتَنِى ما بَرِحتُ من بابك ولاوقع فى قابى غير جُودك وكرمك .
٥٩١ - أم الأسود بنت زيد العدوية :
أَبو عبد الرحمن السلمى قال : كانت معاذة العدوية أرضعت
أُم الأَسود. وقالت أُم الأسود: قالت لِى معاذة العدوية: لاتفسدی رضاعی
بأَكل الحرام ، فإنى جهدتُ جهدِى حين أَرضعتُك حتى أَكلتِ الحلال
فاجتهدى أَن لأَّناكلى إِلَّ حلالاً لعلك أَن توفَّقى لخدمة سيدك والرضا
بقضائه .
فكانت أُم الأَسود تقول: ما أَكلت شبهةً إِلا فاتَتْنِى فَريضةٌ
أَوْوِرْدٌ من أَوْرَادي .
٥٩٢ - مريم البصرية :
كانت تخدم رابعة العدوية ، وكانت إذا سمعت علوم المحبة طاشت
فحضرت بعض المذكّرين فتكلم فى المحبة . فماتت فى المجلس .
(١) بفتح الحاء والعين والدال .

٣٣
عبد العزيز بن عمير قال : قامت مريم البصرية المتعبدة من أول
الليل فقالت: ((اللهُ لطيفٌ بعباده(١))). ثم لم تجرّه حتى أصبحت.
وقالت مريم : ما اهتَمَمْتُ (٢) بالرزق ولاتعبت فى طلبه منذ سمعت
الله عز وجل يقول ((وفى السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدون (٣)).
٥٩٣ - عغيرة (٤) العابعة:
رَوْح بن سلَمة الورَّاق قال : لعُفَيرة العابدة : بلغنى أَنَّك لاتنامين
بالليل . فبكت ، ثم قلت : ربَّما اشتهيت أَن أَنام فلا أقدر عليه ،
وكيف ينام أَو كيف يقدر على النوم ، من لاينام عنه حافِظاه ليلاً
ولا نهارًا؟ قال: فأَبكنْنى والله، وقلت فى نفسى: أُرَانى فى شىءٍ وَأُرَاكِ
فی شیء .
يحيي بن بسطام قال ؛ دخلت مع نفر من أصحابنا على عُفيرة،
وكانت قد تعبدت وبكت حتى عَمِيَت . فقال بعض أصحابنا لرجل
إلى جنبه : ما أَشدّ العمَى على من كان بصيراً . فسمعت عفيرة فقالت
له : يا عبد الله عَمى القلبِ، والله، عن الله أَشدُّ من عَمى العينِ عن
الدنيا، والله وَدِدْتُ أَنَّ الله وهَب لى كُنْهَ محبَّته وأنه لم تبق منى جَارِحة
إِلا أَخذها .
عبد الوهاب بن صالح قال : سمعت محمد بن عبيد يقول :
دخلنا على امرأة بالبصرة يقال لها عُفيرة ، فقيل لها : يا عُفيرة ادْعِى
الله لنا . فقالت : لوخرِسَ الخاطئون ماتكلَّمت عجوزُكم ، ولكن
المحسن أمر المسىء بالدعاء ، جعل الله قِراكم من بيتى الجنَّة ، وجعل
الموتَ منِّى ومنكم على بَال .
(١) الشورى : ١٩.
(٢) قط : ما هممت ، تحريف .
(٣) الذاريات ٢٢. وأصاب الآية تحريف فى ق. (٤) بضم العين. ق : غفيرة.
( م ٣ - صفة الصفوة جـ ٤)

٣٤
مالك بن ضَيْغم قال : سمعتُ عُفيرة تقول عصيتك بكل جارحة
منى على حدتَها ، والله لئن أَعنْتَ لأَطيعنَّك ما استطعتُ بكل جَارحة
عَصیْتُك بها .
قال محمد بن الحسين : وحدثنى سعيد العَمى قال: قلت العُفيرة :
أَمَا تَسْأَمِين من طول البكاء ؟ قال : فبكتْ ثم قالت : يابنى كيف
يسْأَمُ ذُودَاءٍ من شىءٍ يرجو أَنَّ له فيه من دائه شفاءً ؟ قال ثم بكت .
فقمت فخرجت وتركتها .
بلغنى عن يحيى بن راشد أنه قال : كنا عند عُفيرة العابدة فقدم
ابن أخٍ لها كانت طالت غيبته فبُشِّرَت به . فبكت فقيل لها ما هذا
البكاء ؟ اليوم يوم فرح وسرور ، فازدادت بكاءً ثم قالت : والله
ما أَجد للسرور فى قلبى مسكنًا مع ذكر الآخرة ، ولقد أَذكُرنى قدومه
يومَ القدوم على الله ، فمن بين مسرور ومثبورٍ (١) . ثمْ غُشِىَ عليها .
٥٩٤ - عبيدة(٢) بنت أبى كلاب :
شُعيب بن محرز قال : حدثتنى سَلامة العابدة قالت : بكت
عُبيدة بنت أبى كلاب أربعين سنة حتى ذهَب بصرها .
عن يحيى بن بسطام الأصغر قال : حدثنى سلمة الأَّفقم ، وكان
ينزل الطُّفاوة(٣)، قال: قلت لعُبَيدة بنت أبى كلاب ماتشتهين؟
قالت : الموت . قلت : ولِمَ ؟ قالت : لأَنّى واللهِ فى كل يوم أَصبح
أَخشى أَن أَجْنِىَ على نفسى جنايةً يكون فيها عَطَبِى أَيَّام الآخرة .
عبد العزيز بن سلمان قال : اختلفت عبيدة وأبى إلى مالك بن
دينار عشرين سنة . قال أبى : فما سمعتها تسأل مالكاً عن شىءٍ قط.
(١) هالك أو خاسر .
(٣) قبيلة عربية عدنانية، ينتهى نسبها إلى قيس بن عيلان .
(٢) بضم العين .

٣٥
إلا مرَّة، قالت: يا أبا يحيى متى يبلغ المتَّفى الدرجة العليا التى ليس
فوقها درجة ؟ قال مالك: بَخ بَخ ياعبيدة إِذا بلغ المشَّفى تلك الدرجة
العليا التى ليس فوقها درجة لم يكن شىء أحب إليه من القدوم على الله.
قال : فصرختْ عبيدة صرخةً سقطت مغشيًا عليها .
داود بن المحبَّر قال : سمعت البراءَ الغنَوى يقول يومَ ماتت عبيدة
بنت أبى كلاب : ماخلَّفت بالبصرة أَفضلَ منها .
عبد الله بن رشید السعدى ، و کان قد صحب عبد الواحد بن زيد ،
قال : رأيت الشيوخ والشباب والرجال والنساء من المتعبدين فما
رأَيت امرَأَةً ولا رجلاً أفضل ولا أحسن عقلاً من عُبيدة بنت أبى كلاب
عبيس بن مرحوم قال : حدثتنى عبدة بنت أبى شوال قالت : رأيت
رابعة فى المنام فقلت : ما فعلتْ عبيدة بنت أبى كلاب ؟ فقالت : هيهات
سبقتْنا وَاللهِ إِلى الدرجات العُلى . قلت : وبِمَ وقد كنتِ عند الناس؟
أَى أَكثر منها . قالت: إنها لم تكن تُبالى على ما أَصبحتْ من الدنيا
أَوِ أَمستْ .
٥٩٥ - عمرة، امرأة حبيب العجمى
الحسين بن عبد الرحمن قال : حدثنى بعض أصحابنا قال :
قالت امرأةٌ حَبيب أَبى محمد ، وانتبهت ليلةً وهو نائم ، فأَنْبهْته فى
السحرة وقالت له : قم يارجل فقد ذهب الليل وجاءَ النَّهار وبين يديك
طريقٌ بعيد وزاد قليل ، وقوافل الصالحين قد سارت قُدامنا ونحن
قد بَقينا .
مسلم بن ابراهيم قال : سمعت سهيلا أَخاحَزْم قال : كانت لحبيب
أبى محمد امرأة يقال لها عَمْرة ، فاشتكت عينَها فقيل لها : كيف
تجدينك ؟ قالت : وَجَعُ قلبى أَشدُّ من وجع ◌َينِ .

٣٦
٥٩٦ - بردة (١) العريمية
كانت إِذا قيل لها : كيف أصبحت ؟ تقول : أَصبحنا أَضيافًا
مُنتجِعين بأَرضِ غُربةٍ ننتظر إجابة الداعِى .
أَشرس أَبوشيبان، وكان عابدًا من البكَّائين ، عن ثابت البنانيِ
أن امرأة من الصدر الأول كان يقال لها بردة ، وكانت تُكثر البكاء
حتى فَسد بصرها . فقيل لها : اتَّقَى الله ، أَما تخافين على بصرك أَن
يذهبَ ؟ قالت : دعونى فإِن أَكن من أهل النار فأَبعدنى الله وأَبعَد
بصرى ، وإن أَكن من أَهل الجنَّة فسيُبدِانى الله عينَيْن خيراً من عنى .
عن موسى بن سعيد ، أَو غيره، قال. قيل للحسن : يا أبا سعيد
إن ههنا امرأة يقال لها بَردة قد فسَدت عيناها من البكاء . فدخل
عليها فقال لها : يا بَردة إِن لبدنكِ عليكِ حقًّا، وإن لبصرِك عليك
حقًّا . قالت : يا أبا سعيد إِن أَكن من أهل الجنة فسيُبدلنى الله بصَرًا
خيرًا من بصرى ، وإن أَكن من أَهل النار فأَبعد اللهُ بصرى .
عن عطاء بن المبارك قال : كانت بالبصرة امرأة جليلة متعبدة
يقال لها بردة ، وكانت تقوم الليل ، فإذا سَكَّنَتْ الحركات
وهَدأَت العيون نادت بصوت لها حزين : هدأت العيون وغارت النجوم
وخلا كل حبيب بحبيبه ، وقد خلوت بكَ يامحبوبى أَفَتَراك تعذِّبنى
وحبّك فى قلبى ؟ لاتفعل يا حبيباه.
قال القرشی : وقال محمد بن الحسین حدثنی شاذ بن فیاض قال حدثنى
رجل أَدرك الحسن قال كانت امرأةٌ فى زمن الحسن إذا سمعت القرآنَ صرخت ،
فربَّما تكلمت بما لاتريد . فقيل لها فى ذلك، فقالت ربما سمعتُ القرآن
فِأَرِى مُلك بنى مروان قد حُوِى لى. وكانت تبكى حتى يرحمها من رآها .
(١) ضبطت فى ق بفتح الباء.

٣٧
وذكر محمد بن الحسين أن الحميدى حدثه قال : ذكر سفيان
يومًا بردة فقال : رحمها الله ما كان ههنا من أولئك النساء المجاورات
أشد اجتهادًا منها بكت حتى ذهب بصرها .
قال سفيان : كانت إِذا سمعت صوت الصواعق صرخت ولم
تزل تصيح حتى يغشى عليها .
٥٩٧ - أم طلق
محمد بن سنان الباهلى قال : سمعت شعبة بن دخان يذكر أَنَّ
أُمَّ طَلْق كانت تصلِّى فى كل يوم وليلة أربعمائة ركعةُ ، وتقرأ من
القرآن ماشاء الله .
شَيبة بن الأَرْقم قال : سمعت عاصمًا الجَحدرىّ يقول : كانت
أُم طلق تقول: ما ملكت نفسى ما تَشْتَهِى منذ جعل الله لى عليها
سلطانًا .
عن سفيان بن عيينة قال : قالت أُم طاق لطلق (١): ما أَحسن
صوتَكَ بالقرآن فليته لايكون عليك وَبَالًا يوم القيامة . فبكى حتى
غُشى عليه .
عن سلمة الأبهم قال : سمعت عاصمًا الجحْدرى يقول : كانت
أُم طلق تقول: النفس مَلِك إِن اتَّبعتها ومَملوك إِن أَتْعَبْتَها (٢).
٥٩٨ - أمة الجليل بنت عمرو العدوية
أبو بكر بن عبيد قال : قرأت فى كتاب محمد بن الحسين بخطه :
حدثنى حليم بن جعفر قال : حدثنى مسمع بن عاصم قال : اختلف
العابدون عندنا فى الولاية ، فقال بعضهم إذا استحقّها عبْدٌ لم يهم بشىءٍ
(١) لطلق : ساقطة من ط .
(٢) قط: ((ملك إن منعتها وملوك إن اتبعتها)). ولعل الصواب أيضاً: ((ملك
إن اتبعتها ومملوك إن منعتها)).

٣٨
إلَّ ناله، فى دين كان أو دنيا . وقال الآخر : الولى لايَعصى،
غير أنه لايدرك الشَّيءَ الذى يريده من الدنيا بهمَّته ولا يدركه إِلَّ بطلبه ،
كأنهم يقولون يدعو فيجاب . وقال آخرون : المستحق للولاية لايُعرَّض
لانتقاص حقه من الآخرة .
فتكلَّموا فى ذلك بكلام كثير فأجمعوا على أن يأتوا امرأةً من بنى
عدِىَّ يقال لها أمة الجليل بنت عمرو العدويَّة، وكانت منقطعة جداً
من طول الاجتهاد . فَأَتَوْها . قال مسمع : وأنا يومئذ مع أصحابنا
فاستأذنوا عليها فأَذِنَت ، فعرضوا عليها اختلافهم وما قالوا . فقالت :
ساعات الولىِّ ساعاتُ شُغل عن الدنيا ليس للولىّ فى الدنيا حاجة . ثم
أقبلت على كلاب فقالت : بنفسى أَنتَ ياكلاب من حدثكَ أَو أَخبركَ
أَنَّ وِلِيَّهُ له هَمَّ غَيْرُه فلا تُصلِّقُه .
قال مسمع : فما كنت أَسمع إلا الصارخ من نَواحى البيت .
٥٩٩ - أم حيان السلمية (١) :
عن أبى خلدة قال : مارأيت رجلا قط. ولاامرأة أَقوى ولا أَصبر
على طول انقيام من أم حيَّان السَّلمية، إن كانت لتقوم فى مسجد
الحى كأَّنها نخلة تَصْفقُها الرياح يمينًا وشمالاً .
مكى البصرى قال: حدَّثْنِى سوادةُ السلمية قالت : كانت أُم حيان
تقرأ القرآن فى كل يوم وليلة ، وكانت لاتتكلم إلا بعد العصر فإنها
تأمر بالحاجة والشيء تريده .
٦٠٠ - ام ابراهيم العابدة :
عبد المؤمن بن عبد الله القيسى قال : ضرَبَتْ أُم ابراهيم العابدة
دابَّةً فكسرت رِجلها ، فأَتاها قوم يعزونها . فقالت : لولا مصائب الدنيا
وردنا الآخرة مَفاليس.
(١) بضم السين وفتح اللام .

٣٩
أبوموسى الشَّواء قال : كنت مع أم ابراهيم العابدة . فلما صرنا
عند الجِمار رأت الناس قد أقبلوا على الشراء والبيع ، فرفعت رأسها
إلى السماء وقالت : حبيبى أقبلوا على الدنيا وتركوك . قال : ثم صاحت
واجتمع الناس فغُطيْتَها بثوبى. ثم قلت للناس : أَصابها شىءٌ وأوهمتُهم
أَنَّ بها علةً. قال: ثم أَقمت عليهاحتى أَفاقت فرفعت رأسها فقلت لها:
يا أُم ابراهيم أى شىءٍ هذه الشهرة ؟ فقالت : يابطَّال إِذا كان هو يقسم
الثناءَ فلمن يتصنَّع ؟ .
٦٠١ - بحرية العابدة:
رباح بن أبى الجراح قال: رأيت بحَرِيَّةَ العابدةَ تبكى وتقول
تركتك وأَنا رُطَبة ، وأَتيتك وأَنا حَشَفة فاقْبَل الحشَفة على ما كان منها
وكان بها مِسْحة من جمال، وكان الجوع قد أَضر بها ومكثت أربعين
يومًا لم تأكل فيها شيئًا إِلَّ شيئًا من حِمِّص وكانت مجتهدة وكان لها
مجلس تذكر فيه ، وكانت إِذا تكلمت اضطربت واقْشَعَرت .
أحمد بن أبى الحوارى قال: حدثتنِى عجوز من أهل البصرة قالت
سمعت بحرية تقول : إِذا ترك القلب الشهوات أَلف العِلمَ واتَّبعه
واحتمل كل ما يَرد عليه .
٦٠٢ - أم الحريشي:
رياح بن الجراح قال : رأيت أُم الحريش ، وكانت من عباد
الناس ، وابتُليت بزوجٍ من الجند ، فكانت لا تأكل من طعامه ،
تُعد لنفسها شيئًا تأكله، وكان ربما لم يقبل منها حتى تأكل معه،
فكانت تقعد تُريه أنها تأكل فتضع أَصابعها خارج القَصْعة .
٦٠٣ - حسنة (١) العابدة :
عن محمد بن قدامة قال : بلغنا أن امرأة كان يقال لها حَسنَة
(١) بفتح الحاء والسين.

٠
٤٠
تركت نعيم الدنيا فأقبلت على العبادة فكانت تصوم النهار وتحي الليل
وليس فى بيتها شىءٌ، كلما عَطِشت خرجت إلى النهر فشربت بكفيها :
وكانت جميلة فقالت لها امرأة : تزوجى فقالت : هات رجلا
زاهدًا لايكلفنى من أمر الدنيا شيئًا ما أَظنك تقدرين عليه ، فوالله
ما فى نفسى أَن أَعبد الدنيا ولا أَتنعم مع رجال الدنيا ، فإِن وجدتِ
رجلاً يبكى ويُبكينى، ويصوم ويأمرنى، ويتصدق ويحفُّنى علي،
فيِها ونِعمَتْ ، وإِلَّ فعلى الرجال السلام .
٦٠٤ _ زجلة العابدة مولاة معاوية :
أحمد بن سهل الأَزدى قال : دخل على زجلة العابدة نفر من
القرّاءِ فكلموها فى الرفق بنفسها فقالت : مالي وللرفق بها ؟ فإنما هى
أَيامُ مُبَادرة ، فمن فاته اليوم شىءٌ لم يدركه غدًا. واللهِ يالإِخوتاه
لأُصلِّينَّ؟ ما أَقلَّتنى جوارحى (١)، ولأَصومَنَّ له أيامَ حياتى، ولأَبْكَيَنَّ
له ما حملتِ الماءَ عَینای . ثم قالت : أَيّكم يأمر عبده بأمر فيحب أَن
يُقصِّر فيه ؟
عباد بن عباد ، أَبو عتبة الخَوّاص ، قال : دخلنا على زَجْلة العابدة،
وكانت قد صامت حتى اسودّت ، وبكت حتى عَمِشت، وصلَّت
حتى أُفْعِدت، وكانت صلاتها قاعدة. فسلَّمنا عليها ثم ذكَّرناها شيئًا من
العفو، أَردنا أَن نهوّنَ عليها الأَمر هناك. قشهقت ثم قالت: عِلْمى
بنفسى قرَّح فؤادى، وَكَلم قلبى (٢). واللهِ اودِدت أَن الله لم يخلقْنِى
ولم أَكُ شيئًا مذكورًا . ثم أَقبلت على صلاتها وتركناها فخرجنا من
عندها ..
(١) أى ما دامت أعضائى قادرة على الحمل والتحمل .
(٢) جرحه .