النص المفهرس
صفحات 281-300
- ٢٨١ = فأخذ مالك بن دينار بطرف كسائة وقال هَلك أصحاب الأثقال(١). مجالد بن عبيد الله قال : حدثنى عمر عن مالك بن دينار أنه كان يقول: إن الله عز وجل إذا أحب عبداً انتقصه من دنياه وكفّ عنه(٢) ضيعته ، ويقول: لا تبرح من بين يدى قال : فهو متفرّغ لخدمة ربه عز وجل ، وإذا أبغض عبداً دفع فى نحره شيئاً من الدنيا ويقول: أعزُبْ من بين يدىّ فلا أراك بين يدىّ فتراه معلّق القلب بأرض كذا وبتجارة كذا . الحسين بن زياد قال: سمعت منيعاً يقول: مَرّ تاجر بشّار خبسوا عليه سفينته فجاء إلى مالك بن دينار فذكر ذلك له . قال: فقام مالك فشى إلى العشار فلما رأوه قالوا: يا أبا يحنى ألا تبعث إلينا حاجتك؟ قال: حاجتى أن تحلّوا سفينة هذا الرجل. قالوا: قد فعلنا. قال : وكان عندمَ كُوز يحملون فيه ما يأخذون من الناس من الدرام فقالوا : ادع الله لنا يا أبا يحيى. قال: قولوا للمكوز يدعو لكم، كيف أدعو لنكم وألْفٌ يَدعون عليكم؟ أترى يُستجاب لواحد ولا يُستجاب لألف؟ محمد بن عبدالله، عن أبى قدامة الحارث بن عبيد قال: سمعت مالكاً يقول: لو أن القوم كلفوا الصُحف(٣) لأقلوا المنطق: ١.٠٠٠ السرىّ بن يجى، عن مالك بن دينار قال: والله لو وقف مَلَكٌ (١) يريد بالأثقال : متاع البيت وأثاثه الثمين . (٢) ط : عليه. (٣) أى تعلقوا بالقراء والتلاوة . - ٢٨٢ - بباب المسجد وقال: يخرج شرّ مَن فى المسجد، لبادر تُكم إليه . رياح بن عمرو القيسى قال : سمعت مالك بن دينار يقول : دخل علىّ جابر بن زيد وأنا أكتب فقال: يا مالك مالَك عَمل إلا هذا؟ تنقل كتاب الله عز وجل من ورقة إلى ورقة ؟ هذا والله الكسبُ الحلال. جعفربن سليمان قال: سمعت المغيرة بن حبيب أبا صالح ختّ مالك ابن دينار يقول: قلت لنفسى: يموت مالك بن دينار وأنا معه فى الدار لا أدى ما عمله؟ قال: فصليت معه العشاء الآخر ثم جئت فلبست قطيفة فى أطول ما يكون من الليل. قال: وجاه مالك فدخل فقرّب رغيفه فأكل ثم قام إلى الصلاة فاستفتح ، ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: ياربّ إذا جمعتَ الأوّلين والآخرين خرّم شيبة مالك بن دينار على النار . قال: فوالله مازال كذلك حتى غلبتنى عينى، ثم انتبهت فإذا هواقائم على تلك الحال يقدّم رجْلاً ويؤخرّ رجْلاً ويقول: ياربّ إذا جمعتَ الأوّلين والآخرين خرّمْ شيبة مالك بن دينار على النار . فازال كذلك حتى طلع الفجر . فقلت فى نفسى: والله لئن خرج مالك بن دينار فرآ نى لا تبلّنى عنده بالة أبداً. فجئت إلى المنزل وتركته . جعفر بن سليمان قال : سمعت مالك بن دينار يقول : كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخَوَنة ، وكفى بالمرء شراً أن لا يكون صالحاً ويقع فى الصالحين. - ٢٨٣ - سلم الخواص قال: قال مالك بن دينار: خرج أهلُ الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيبَ شىْءٍ فيها. قالوا: وما هو؟ قال معرفة الله عز وجلّ. فطر بن حماد بن واقد قال: أنبأ أبى قال: سمعت مالك بن دينار يقول: قولوا لمن لم يكن(١) صادقاً لا يتعنى. جعفر قال : سمعت مالك بن دينار يقول : إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرِبَ كما أن البيت إذا لم يُسكّن خَرِبَ. جعفر قال: سمعت مالكاً يقول: اتقوا السحارة، اتقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء. قال: وسمعته يقول : لو أعلم أن قلبى يصلح على كُناسةٍ لذهبت حتى أجلس عليها . وسمعته يقول: وددت أن الله عز وجل أذن لى يوم القيامه إذا وقفت بين يديه أن أسجد سجدةً فأعلم أنه قد رضىَ عنى ، ثم يقول لى: يامالك كن تُرابًاً. وسمعته يقول: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما نزلّ القطرة عن الصفا(٢). وسمعته يقول : إنك إذا طلبت العلم لتعمل به كسرك العلم وإذا طلبته لغير العمل به لم يزدك إلا فخراً. قال: وكانت الغيوم تجيء وتذهب ولا تمطر فيقول مالك: أنّم (١) ط : لا يكون. (٢) الصخر الأماس . - ٢٨٤ - تستبطئون وإنما أستبطىء الحجارة، إن لم ◌ُطر حجارة فنحن بخير. جعفر قال : أنبأ مالك بن دينار قال: لما وقعت الفتنة أتيت الحسن ثلاثة أيام أسأله: يا أباسعيد ما تأمنى، فلا يجيدنى. قال: فقلت يا أباسعيد أتيتك ثلاثة أيام أسألك وأنت معلمى فلا تجيبنى، فوالله لقد هممت أن آخذ الأرض بقدمى(١) وأشرب من أفواه الأنهار وآكل من بَقل البرية حتى يحكم الله عز وجل بين عباده. قال: فأرسل الحسن عينيه باكيا ثم قال: يا مالك ومَن يطيق ما تطيق، ولكنا والله ما نُطيق هذا قال جعفر : وكنت عند مالك بن دينار فجاء هشام بن حسان، وكان يأتيه هشام بن حسان وسعيد بن أبى عروبة وحوشب يطلبون قلوبهم، فجاء هشام فقال: أين أبو يحيى؟ قلنا: عند البقّال. قال : قوموا بنا إليه. قال: فحانت منه نظرة إلى هشام فقال: يا هشام إنى أعطى هذا البقال كل شهر درهماً ودائقيْن فآخذ منه كل شهر ستين رغيفًاً كل ليلة رغيفين فإذا أصبتهما سخناً فهو ادمهما، يا هشام إنى قرأت فى زَبوز داوُدُ إِلَهَى رأيت ◌ُمومى وأنت من فوق العُلى » فانظر ماهمومك ياهشام. عن السرئّ بن يحيي عن مالك بن دينار قال: أخذ السبع صبيّاً لامرأة فتصدقت بلقمة . فألقاه، فنوديت: لقمةٌ بلقمة. جعفر بن سلمان عن مالك بن دينار قال: إن الله جعل الدنيا دار (١) كناية عن السفر والانتقال فى أخرالى الأرض. - ٢٨٥ - مفرّ والآخرة دار مقر فخذُوا لمقرَّكُم من مفرَّكُم وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ولا تهتكوا أستاركم عند مَن يعلم أسراركم، ففى الدنيا حَيَقِيم ولغيرها خُلقتم، إنما مثل الدنيا كالسم أكله مَن لا يعرفه واجتنبه من عَرَفه(١) ومثل الدنيا مثل الحية منسها لِنٌ وفى جَوَفها السمّ القاتل بحذّرها ذوو العقول ويهوى إليها الصبيان بأيديهم . د الحارث بن نبهان قال: قدمتُ من مكة فأهديت إلى مالك بن دينار رَ كْوةَ . قال: فكانت عنده فجئت يوماً فجلستُ فى مجلسه . فلما قضاه قال لى: يا حارث تعالَ خذ تلك الركوة ، فقد شغلت علىّ قلبى. فقلت : يا أبايحيى إنما اشتريتها لك تتوضأ فيها وتشرب. فقال: ياحارت إنى إذا دخلت المسجد جاءنى الشيطان فقال لى: يا مالك إِن الركوة قد سُرقت(٢) فقد شغلتْ علىّ قلبيٍ. جعفر قال: قلنا لمالك بن دينار، ألا تدعو قارئاً؟ قال : إن الشكلى لا تحتاج إلى نائحة. فقلنا له ألانستحقى؟ فقال: أنتم تستبطئون المطر لكنى أستبطىء الحجارة . جعفر قال: رأيت مالك بن دينار يتقنّع بعباء ، أو قال بكساء، ثم يقول: إلىُ مالك، قد علمتَ ساكنَ الجنّة من ساكن النار فأىّ (١) إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء . (٢) ب : قد سرقت الركوة . - ٢٨٦ - الدارين دارُ مالكٍ وأيُّ الرجلين مالك؟ ثم يبكى. وسمعته يقول: لو استطعت أن لا أنام لم أنم مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعواناً لفرقتهم ينادون فى منار الدنيا كلها يا أيها الناس النار النار . وسمعته يقول : لو كان لأحد أن يتمنى لمتَيْتُ أن يكون لى فى الآخرة خصّ من قصب فأروَى من الماء وأنجو من النار. وسمعته يقول المغيرة بن حبيب، وكان ختَنه، يامغيرة كل أخ وجليس وصاحب لا تستفيد منه فى دينك خيراً فانبذ عنك صحبته. وسمعته يقول: يا إخوتاه بحقِّ أقول لكم : لولا البول ماخرجتُ من المسجد. وسمعته بقول: إنما العالم الذى إذا أتيته فى بيته فلم يجده قصّ عليك بيته : رأيتَ حصيره للصلاة، ومصحفه ومظهرته فى جانب البيت، ترى أثر الآخرة. وسمعته يقول: إنّ الأبرار لتغلى قلوبهم بأعمال البرّ ، وإن الفُجّار تغلى قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ماهمومكم(١) رحمكم اله. وسمعته يقول: إن الصّدّيقين إذا قُرِىء عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة. (١) ط: فانظروا همومكم. - ٢٨٧ - وسمعته يقول : ماضُرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب(١). وسمعته يقول: إن لله تعالى عقوباتٍ فتماهَدوهنّ من أنفسكم فى القلوب والأبدان وضنك(٣) فى المعيشة ووهن فى العبادة وسخطة(٢) فى الرزق. جعفر عن مالك بن دينار قال : خرج سليمان بن داود عليه السلام فى موكبه فمرّ يبلبل على غصن شوك يصفر ويضرب بذنبه فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فانه يقول: قد أصبت اليوم نصف مرةٍ فعلى الدنيا العَفاء. فضيل بن عياض قال: رأى مالك بن دينار رجلاً يسىء صلاته فقال: ما أرحمنى لعياله. فقيل له : يسىء هذا صلاته وترحم عياله؟ قال : إنه كبيرم ومنه يتعلمون . الحسن بن عمرو قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: قال رجل لمالك بن دينار: يامرائى قال متى عرفت اسمى؟ ما عرف اسمى غيرُك. الحسين بن على الحلوانى قال: دخل اللصوص إلى بيت مالك بن دينار فلم يجدوا فى البيت شيئاً فأرادوا الخروج من داره فقال مالك : ما عليكم لو صلّيْم ركعتين. حزم القطيعى قال دخلنا على مالك بن دينار فى مرضه الذى مات (١) ق : قلب . وأثبتنا ما فى ط . (٢) كذا. ولعل الصواب حذف الواو، لتكون ( ضنكٍ ) بدلا من وبات. (٣) ق: وسخط . - ٢٨٨ - فيه وهو يَكيد بنفسه(١) فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحبَ البقاء فى الدنيا ليطن ولا لفرْج. أبو عيسى قال دخلنا على مالك بن دينار عند الموت فجعل يقول: لمثل هذا اليوم كان دُؤْوبُ أبى يحيى. عمارة بن زاذان: أن مالك بن دينار لما حضره الموت قال : لولا أنى أكره أن أصنع شيئاً لم يصنعه أحدٌ كان قبلى لأوصيت أهلى إذا أنا مت أن يقيّدونى وأن يجمعوا يدى إلى عنقى فينطلقوا بى على تلك الحال حتى أُدفَن كما يُصنع بالعبد الآبق . وقال غير أحمد بن محمد فإذا سألنى ربى تعالى أىْ رَبّ لم أرض لك نفسى طرفة عين قط . حصين بن القاسم قال : قلت لعبد الواحد بن زيد ما كان سبب موت مالك بن دينار؟قال: أنا كنت سببه، سألته عن رؤيا رأى فيها مسلم بن يسار فقصّها علىّ فانتفضت فجعل يشهق ويضطرب حتى ظننت أن كبده قد تقطعت فى جوفه ثم هدأ فحملناه إلى بيته فلم يزل مريضاً يعوده إخوانه حتى مات منها . فهذا كان سببُ موته . أسند مالك بن دينار عن أنس بن مالك وعن جماعة من كبار التابعين: كالحسن وابن سيرين والقاسم بن محمد وسالم بن عبيد الله. وتوفى قبل الطاعون بيسير. وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثون ومائة .. (١) أى يجور بها. ق: ((يكيدته)) تحريف ٠ ط: يكهد بهمه. والصواب ما أثبت . - ٢٨٩ - ٥٢٣ - هارون بن رئاب یکنی أبا الحسن ان عيينة قال: کانهارون بنرئاب يخفى الزهد، وکان یلبس الصوف تحت ثيابه . سفيان بن عيينة قال: رأيت هارون بن رئاب وكأن النور على وجهه. عن إن شوذب قال: كنت إذا رأيت هارون بن رئاب فكأما أقلع عن البكاء. أسند هارون عن أنس وغيره. ٥٢٤ - يزيد بن أبان الى قاشى عن أشعث بن سوار قال: دخلت على يزيد الرقاشى فقال: يا أشعث تعالَ نبكى على الماء البارد فى يوم الظمأ. قال: وجعل يقول: سبقَنى العابدون وقُطع بى والهفاه. وقد صام اثنتين وأربعين سنة . عن هشام قال: قال لى ثابت البناني: مارأيت أحداً أصبر على طول القیام والسهر من یزید بن أبان. عن عبد الخالق بن موسى اللقيطى قال: جَوَّع يزيد نفسه لله عز وجل ستين عاماً حتى ذبُل جسمه ونُهِك بدنه وتغيرلونه. وكان يقول: غلَبنى بطنى فما أقدر له على حيلة . عن أبى اسحاق الخميسى قال: كان تزيد يقول فى قصصه: ويحك يا يزيد مَن يترضى عنك رَّبك؟ ومَن يصوم لك أو يعلى لك؟ ثم ( م ١٩ - صفة الصفوة - = ٣) - ٢٩٠ - يقول: يا معشر مَن القبرُ بيته والموت موعده ألا تبكون؟ قال: فبكى حتى سقطت أشفار عينيه . زهير الساولى قال: كان يزيد الرقاشى قد بكى حتى تناثرت أشفاره وأحرقت الدموع مجاريها من وجهه . سلمة بن سعيد قال: قالوا ليزيد الرقاشى: أما تسأم من كثرة البكاء؟ فبكى وقال : واللهِ لوددتُ أن أبكى بعد الدموع الدماء وبعد الدماء الصديد . وكان يقول : ابك يايزيد على نفسك قبل حين البكاء. يايزيد مَن يصلّى لك بعدك؟ أو مَن يصوم؟ يا يزيد من يضْرَع لك إلى ربك بعدك ومن يدعو ؟ وكان يقول: يا إخْوتاء ابكوا فإنْ لم تجدوا بكاء فارحموا كلّ بَكّاءٍ . أبو محمد على بن الحسن قال: قيل لابن يزيد الرقاشى: أ كان أبوك يتمثل من الشعر شيئاً؟ قال: كان يتمثل: إذا لَتفرح بالأيام نقطّعها وكلُّ يوم مضى يُدْبِيِ من الأجَلِ أسند يزيد عن أنس بن مالك، وروى عن الحسن وغيره إلا أن التعبد شغله عن حفظ الحديث فأعرضتِ النَّقَةُ عما يَرَوِى. - ٢٩١ - ٥٢٥ - الأسود بن كلثوم عن حميدبن هلال قال: كان مِنّا(١) رجل يقال له الأسود بن كلثوم. وكان إذا مشى لايجاوز بَصرُه قدميه، فكان يمرّ بالنسوة، وفى الجدُر يومئذٍ قَصَرٌ، ولعل إحداهن أن تكون واضعه ثوبها أو خمارها ، فإِذا رأينه راعهنّ ثم يقلن: كلا إنه الأسود بن كلثوم. فلما قرب غازيًا قال: إن نفسى هذه تزعم فى الرخاء أنها تحب لقاءك، فإن كانت صادقة فارزقها ذلك، وإن كانت كارهة فاحملها عليه، وإن كرهتْ، وأطعم لحى سباعاً وطيراً . فانطلق فى خيل فدخلوا حائطاً فنذر بهم العدو فجاءوا فأخذوا يتامة الحائط ، فنزل الأسود عن فرسه فضربها حتى عادت فخرج وأتى المله فتوضأ ثم صلّى . قال: يقول العجم : هكذا استسلام العرب إذا استسلموا ثم تقدم فقاتل حتى قُتل. قال: فرّ عُظْمُ الجيش بعد ذلك بذلك(٣) الحائط فقيل لأخيه لو دخلت فنظرت ما بقى من عظام أخيك ولحمه قال لا ، دما آخی بدماءٍ فاستجيب له فلست أعرض فى شىء من ذلك ومن الطبقة الىامعة ٥٢٦ - أيوب بن أبى تميمة السختهانى يكنى أبا بكر، مولا المتزة، وإسم أبى تميمة كيهان (١) ب : عندنا . (٢) ط : بتلك . - ٢٩٢ - حماد بن زيد قال : قال أيوب : إن قومًا يريدون أن يرتفعوا فيأبى الله إلا أن يضعهم واخرين يريدون أن يتواضعوا ويأبى الله إلا أن يرفعهم. قال: وكان النسّاك يومئذ يشمّرون ثيابهم وكان أيوب لا يفعل. حماد بن زيد قال: كنت أمشى مع أيوب فيأخذ فى طُرقٍ إنى لأعجب له كيف يهتدى لها فراراً من الناس أن يقال هذا أيوب . ميمون الغزال قال: كنا عند الحسن فجاء أيوب فسلم عليه فلما مضى، وكان حيث لا يسمع ، قال: أنا الحسن : هذا سيد الفتيان . رفى رواية أخرى: قال الحسن : أيوب سيد شباب أهل البصرة. حجاج قال : سمعت شعبة يقول : ربما ذهبت مع أيوب فى الحاجة أمشى معه فلا يدعنى ، فيخرج ههنا وههنا لكى لا يفطن له . وقال شعبة: قال أيوب: ذكرت وما أحب أن أذكر. الحميدى قال: لقى سفيان بن عيينة ستة وثمانين من التابعين، وكان يقول : مارأيت مثل أيوب . سلام بن أبى مطيع قال: كان أيوب يقوم الليل يُخفى ذلك فإذا كان قبيل الصبح رفع صوته كأنه إنما قام تلك الساعة. عن وهيب بن خالد قال: قال أيوب السختياني: إذا ذكر الصالحون كنت منهم بمعزل. بشر بن منصور قال: كنا عند أبوب فلغَطْنَا وتكلّمنا. فقال لنا - ٢٩٣ - أيوب: كُفُوا، لو أردت أن أخبركم بكل شىء تكلمتُ به اليوم لفعات. عن معمر قال : كان فى قميص أيوب بعض التذييل فقيل له ، فقال : الشهرة اليوم فى التشمير . صالح بن أبى الأخضر قال: قلت لأيوب : أوصنى ، قال : أقلّ الكلام(١). عبد الله بن بشر قال: إن الرجل ربما جلس إلى أيوب السختيانى فيكون لما يرى منه أشدّ اتّباعً منه لو سمع حديثه. حماد بن زيد قال: لو رأيتم أيوب ثم استسقاكم شربة من ماء على النسك لما سقيتموه،له شعر وافر وشارب وافر وقميص جيّد مَروى يشم الأرض، وقلنسوة جيدة وطيلسان جيّد ورداء عَدنى. حماد بن زيد قال : سمعت أيوب يقول : إذا لم يكن ما تريد فأرد مايكون . عبيد الله بن شميط قال: سمعت أيوب السختياني يقول: لا يَنْبُل الرجل حتى تكون فيه خصلتان : بالعقّة عما فى أيدى الناس والتجاوز مما يكون منهم. عن المبارك بن إسماعيل قال : آذى رجل أيوب السختياني وأصحابه أذىً شديداً . فلما تفرقوا قال أيوب. إنى لأرحمه أنّا نفارقه وخلقه معه . (١) هذه العبارة عن ابن أبى الأخضر ساقطة من ط . - ٢٩٤ - حماد قال : رأيت أيوب لا ينصرف عن سُوقه إلا معه شىء يحمله لعياله حتى رأيت قارورة الدهن بيده يحملها . فقلت له فى ذلك فقال: إنى سمعت الحسن يقول: إن المؤمن أخذ عن الله عز وجل أدباً حسناً فإذا أوسَع عليه أوسَع وإذا أمسّك عنه أمسّك. حماد بن زيد قال: مارأيت رجلاً قط أشدّ تبسما فى وجوه الرجال من أيوب . إسحاق بن محمد قال : سمعت مالك بن أنس يقول : كنا ندخل على أيوب السختيانى فإذا ذكرنا له حديث(١) رسول الله عَ ل بكى حتې نرحمه. عن هشام بن حسان قال: حجّ أيوب السختيانى أربعين حجة . عبد الواحد بن زيد قال: كنت مع أيوب على (حِراء) فعطشت عطشاً شديداً حتى رأى ذلك فى وجهى فقال : ما الذى أرى بك ؟ قلت: العطش، قد خفت على نفسى: قال تَسْتُرُ علىَّ ؟ قلت: نعم. فاستحلفنى خلفت له أن لاأخبر عنه مادام حياً. قال: فغمز برجله على جراء فنبع الماء فشربت حتى رَويت وحملت معى من الماء. قال : فما حدَّثت به أحداً حتى مات . عن أبى بكر بن المفضّل قال: سمعت أيوب يقول: والله ماصدق عَبْد إلا سرّه أن لا يشعر بمكانه. (١) ب : حديثاً عن . - ٢٩٥ - عن سلام بن أبى مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لأيوب : ألا أ كلّك بكلمة؟ قال لا. ولا نصف كلمة . عن هشام بن حسان عن أيوب السختيانى قال : ما ازداد صاحبُ بدعة اجتهاداً إلا زاد من الله عز وجل بُعداً. محمد بن عمر الباهلى قال : سمعت ابن عيينة يقول : قال أيوب: إنه ليبلغنى موت الرجل من أهل السنة فكأنما يسقط عضو من أعضائى. حماد بن زيد قال: كان أيوب ربما حُدِّث بالحديث فيرقّ فيلتفت فيمتخط ويقول: ما أشد الزكام(١). الحسن بن عمرو قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : دخل بديل على أيوب السختيانى ، أظنه قال : يعوده، وقد مدّ على فراشه سَبَنَّةَ(١) حمراء يدفع بها الرثاء، فقال له بديل: ما هذا ؟ فقال أيوب: هذا خير من هذا الصوف الذى عليك . يحيي العبدی قال : سمعت حماد بن زيد يقول : كان أيوب يطلب العلم حتى مات . (١) يفعل ذلك ليخفى بكاءه . (٢) فى القاموس المحيط: ((الثياب السبنية. أزر سود للنساء .. وقال أبو بردة: الثياب السبنية: هى القسمة، وهى من حرير فيها أمثال الأرج)» وهى نسبة إلى سبن محملة ببغداد . - ٢٩٦ - أسند أيوب عن أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الجرمى وروى عن أبى عثمان النهدى وأبى رجاء العطاردى وأبى العالية والحسن وابن سيرين وأبى قلابة . وتوفى فى الطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة . حنبل قال : سمعت سليمان بن حرب يقول: مات أيوب وهو ابن ثلاث وستين . ٥٢٧ -یحیی بن سليم أبو مسلم البكاء . ويقال يحيى بن مسلم . عن معاذ بن زياد قال: كان يحي بن مسلم البكاء قد اعتمَ بعمامة فأدارها على حلقه وجعل لها طرفين. فكان يبكى حتى يبلّ هذا الطرف ثم يبكى حتى يبلّ الطرف الآخر، ثم يحلّها من رأسه ويبكى وينتحب حتى يبلّ العمامة بأسرها ثم يبكى وينتحب حتى يبلّ أردانه . ٥٢٨ - سليمان بن طر خان التيمى يكنى أبا المعتمر. محمد بن سعد قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: ليس سليمان بنيمىّ ولكنه مُرَىّ ومنزله فى الّيم فنُسب إليهم. وكان من العبّاد المجتهدين يصلى الغداة بوضوء العشاء الآخرة. وكان هو وابنه المعتمر يدوران بالليل فى المساجد فيصليان مرة فى هذا المسجد ومرّة فى هذا حتى يُصبحا . حنبل قال: أنبأنا علىّ يعنى ابن المدينى قال: سمعت يحيى يعنى - ٢٩٧ - ان سعيد، وذكرْنا التيمى، فقال: ماجلست إلى رجل أُخْوَفَ ڤ منه . محمد بن عبد الأعلى قال: سمعت معتمر بن سلمان التيمى يقول : لولا أنك من أهلى ماحدّتك عن أبى بهذا، مكث أبى أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً ويصلى الصبح بوضوء العشاء وربما أحدث الوضوء من غير نوم. الهيثم أبو على المفلوج قال: صلى سليمان التيمى الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة . حماد بن سلمة قال: ما أتينا سلمان التيمى فى ساعة يُطاع الله عز وجل فيها إلا وجدناه مطيعاً فإن كان فى ساعة صلاة وجدناه مصلياً ، فإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئًاً أو عائداً مريضاً أو مشيّعاً لجنازةٍ أو قاعداً يسبح فى المسجد. قال : فكنا نرى أنه لا تحسن أن يعصى الله عز وجل . قال السّراج: وسمعت سوّار بن عبد الله يقول: سمعت المعتمر يقول: مات صاحبٌ لى كان يطلب الحديث ◌ُزِعتُ عليه فرأى أبى جزَعى عليه فقال: يا معتمر كان صاحبك هذا على السنة؟ قلت : نعم. قال. فلا تجزَع عليه ولا محزن عليه . أسود بن سالم قال : سمعت معتمر بن سليمان التيمى قال : سقط بيت لنا كان أبى يكون فيه فضرب فسطاطاً فكان فيه حتى مات. فقيل - ٢٩٨ - له: لو بنَيته. فقال: الأمر أعجل من ذاك، غداً الموتُ. عن يحيى بن سعيد القطّان قال: مكث سلمان التيمى فى قبّة لُبود ثلاثين سنة أو نحواً من ثلاثين سنة . محمد بن عبد الله الأنصارى قال : كان التيمى عامّة زمانه يصلى العشاء والصبحَ بوضوء واحدٍ وليس فى وقت صلاة إلا وهو يصلى، وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب، ويصوم الدهر . أبو على البصرى عن معمر ، مؤذن التيمى ، قال: صلى إلى جنبى. سليمان التيمى العشاء الآخرة وسمعته يقرأ (تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ)(١) قال: فلما أتى على هذه الآية: ( فَلَّا رَأَوْهُ زُلْفَةٌ سِيئَتْ وُجُوهُ الذينَ كَفَرُوا) (٢) جعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا. قال: فخرجت وتركتُه . قال . وعدت لأذان الفجر فإذا هو فى مقامه . قال: فتسمّعت فإذا هو لم يَجُزْهَا (٣) وهو يقول: ((فلما رأَوْهُ زُلْفَةَ سِيئَتْ وُجُوهُ الّذِينَ كَفَرُوا». الفضيل بن عياض قال : قيل لسلمان التيمى أنت أنت من مثلك؟ قال: لا تقولوا هكذا، لا أدرى مايبدو لى من ربى عز وجل؟ سمعت الله (٤) تعالى(٥) يقول: ((وَبَدَا لَهُمْ من الله مَا لَمْ يَكونوا يَحْسِبُونَ (١). (١) الملك: ١. (٢) الملك: ٢٧ (٣) أى مازال عندنا، لم يتجاوزها. (٤) ب: ربى. (٥) ط: عز وجل. (٦) الزمر : ٤٧ ٠ - ٢٩٩ - عن إبراهيم بن إسماعيل قال : كان بين سليمان التيمى وبين رجلٍ شىءٌفنازعه، فتناول الرجل سلمان فغمَز بَطنهُ فَجَفَتْ يَدُ الرجل. الأصمعى عن معتمر عن أبيه قال : إن الرجل ليذنب الذَّنْب فيصبح وعليه مذلته . ضمرة قال: السرىّ بن يحيى حدثناه قال: قدَّح(١) سليمان التيمى عينَه قال: فنهاه الطبيب أن يمس ماءَ قال: فمسّ فَرْجَهَ قال: وكان يرى الوضوء من مس الفرج. قال: فنزع القطنة عن عينه وتوضأ وأعاد القطنة على حالها . قال: جاء الطبيب فنظر فلم ير شيئاً يُنْكَر: قال: انظر هل ترى شيئاً ؟ قال: ما أرى شيئاً أنكره . قال : فإنى قد توضأت . قال : فإن الله قد رزقك العافية . سوار بن عبد الله قال: سمعت المعتمر يقول: قال لى أبى حين حضره الموت يامعتمر حدّثنى بالرُّخَص لعلى ألقى الله عزّ وجلّ وأنا حسن الظن به . عن رقبة قال : رأيت رب العزة فى المنام فقال : وعزتى لأكرمن متوی سلمان يعنى التيمى . وبلغنا من طريق آخر عن رقبة أنه قال : رأيت رب العزة تبارك وتعالى فى النوم فقال : يارقبة وعزتى وجلالى لأ كرمنّ مثوى سليمان التيمى فإنه صلى أربعين سنة على طُهرِ العَتَمة . (١) قدحت عين فلان: غارت وصارت كالقدح. وقدحها هو. - ٣٠٠ - قال : نجئت إلى سلمان فحدثته فقال: أنت رأيتَ هذا؟ قلت : نعم، قال: لأحدثنك بمائة حديث عن رسول اللهعَ ل بما جِئْتَنِى به من البشارة. قال: فلما كان بعد مُدْيَدَةٍ مات فرأيته فى المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال : غفر لى وأد نانى وقرّبنى وغلفى بيده وقال: هكذا أفعل بأبناء ثلاث وثمانين . أسند سليمان التيمى عن أنس بن مالك وعن أبى مالك النهدى وأبى مجلز والحسن وابن سيرين وأبى العالية فى آخرين وتوفى بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة . ٢٩٥ - داود بن أبى هند يكنى أبا بكر، مولى لآل الأعلم القُشَيْرِبين(١) وكان يُفتى فى زمان الحسن . واسم أبى هند : دينار . عن عمرو بن على قال : سمعت ابن أبى عدى يقول: صام داود أربعين سنة لا يعلم به أهله. وكان خزازاً يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به فى الطريق ويرجع عشياً فيفطر معهم(٢). سفيان قال: سمعت داود بن أبى هند يقول: أصابنى يعنى الطاعون فأُغى علىّ فكأن اثنين أتيانى فغمز أحدهما عَكَدة لسانى(٣) وغمز (١) ط: القسريين، تصحيف. (٢) ط: عشاء. والمثبت من ق وب. (٣) عكدة اللسان (بفتح العين والكاف، بعدهما دال) أصله. كذا صححت فى هامش ق. وفى ط: ( عكوة ) بالواو، وهما بمعنى .