النص المفهرس

صفحات 161-180

- ١٦١ -
٤٤٩ - وزاد العجلى
عمرو بن حفص بن غياث، عن أبيه قال: كنا ذات يوم عند "
ابن ذروهو يتكلم فذكر رواجف القيامة وَزَلْز الها (١). فوثب رجل
من بنى عجل، يقال له ورّاد ، فجعل يبكى ويصرخ ويضطرب
فحُمل من بين القوم صريعاً : فقال ابن ذر: ما الذى قصّر بنا وكُلَم
فلبه حتى أبكاه ؟ والله إن هذا يا أخا بنى عجل إلا من صفاء قلبك وتراكم
الذنوب على قلوبنا .
قال عمر: قال أبى: وكنت أرى ورّاداً هذا العجلى يأتى إلى المسجد
مقنّع الرأس فيمنزل ناحية فلا يزال مصلياً وباكيا وداعياً ماشاء الله من
النهار ثم يخرج فيعود فيصلى الظهر ، فهو كذلك بين صلاة وبكاء حتى
يعلّى العشاء ثم يخرج لا يكلم أحداً ولا يجلس إلى أحد، فسألت عنه
رجلا من حيّه ووصفته له قلت: شاب من صفته، من هيئته (٢). فقال:
◌َخ يا أبا ممر، أتدرى عمن تسأل؟ ذاك وزاد العجلى ، ذاك الذى عاهد
الله ألا يضحك حتى ينظر إلى وجه رب العالمين . قال أبى: وكنت
إذا رأيته بعدُ هِبْتُه .
قال عمر: وحدثنى سُكّيْن بن مسكين، رجل من بنى عجل،
(١) ط: وتزلزلها. ب. وزلازلها.
(٢) أى صفته كذا : وهيئته کذا .
(م١١ - صفة الصفوة - =٢)

- ١٦٢ -
قال : كانت بيننا وبين ورّاد قرابة، فسألت أختاً كانت له أصغر منه
فقلت: كيف كان ليله؟ قالت: يبكى عامة الليل ويصرخ. قلت: فما
كان مُمْمُه؟ (١) قالت : قرصاً فى أول الليل وقرصاً فى آخره ، عند
السحر . قلت . فتحفظين من دعائه (شيئاً؟) قالت: نعم ، كان إذا
كان السحرُ أو قريب(٢) من طلوع الفجر سجد ثم بكى ثم قال:
مولاى عبدُك يحبّ الاتصال بطاعتك فأعِنْه عليها بتوفيقك يا أيها
المنال(٣) ، مولاى عبدك يحب اجتناب سخطك فأعِنْه على ذلك منّك
أيها المنان ، مولاى عبدك عظيم الرجاء لغيرك فلا تقطع رجاءه يوم
يفرح الفائزون.
قالت : فلا يزال على هذا ونحوه حتى يصبح .
قال: وكان قد گَلَّ من الاجتهاد جداً وتغير لونه .
قال سُكَين: فلما مات ورّاد حمل إلى حفرته نزلوا إم
ليدفنوه(٤) فى حفرته فإذا اللّحد مفروش بالريحان، فأخذ بعض القوم
الذين نزلوا إلى القبر من ذلك الريحان شيئاً فمكث سبعين يوماً طرياً
لا يتغيّر. يغدو الناس ويروحون وينظرون إليه قال: فكثر الناس
فى ذلك حتى خاف الأمير أن يفتّن الناس، فأرسل إلى الرجل فأخذ
ذلك الريحان وفرق الناس.
(١) الطعم ( بضم الطاء) الطعام.
(٣) ط : البارى.
(٢) ب : قريباً.
(٤) نزلوا لهداره.

- ١٦٣ -
قال: وفقده الأميرُ من منزله لا يدرى كيف ذهب؟
٤٥٠ - أسید الضبى
عبد الرحمن بن مالك بن مغول قال: بكى أسيد الضبى حتى
حمىَ ، وكان إذا عُوتب على البكاء قال: الآن حينَ لا أهدا وأنا
أموت غداً ؟ واله لأ بكينّ ثم لأبكين ثم لأبكين، فإن أدركت
بالبكاء خيراً فيمنّ الله وفضله علىّ ، وإن تكن الأخرى فما
بكائى فى جنب ما ألقى غداً ؟ قال: فكان ربما بكى حتى يتأذِّى به
جیرانه من کثرة بكائه(١).
(١) هنا فى هامش ب: آخر الجزء الثالث وأول الجزء الرابع (عن حاشيةط).

ومن الطبقة السابعة
(من أهل الكوفة)
٤٥١ - أبو بكر بن عياش
مولى واصل بن حيان الأحدب الأسدى، وقد اختلفوا فى إسمه :
فقيل شعبة. وقيل محمد . وقيل مطرف. والصحيح أنه لا يعرف
إلاَّ بَكُنْيَتِهِ.
-
رستم بن أسامة قال: حدثني إبراهيم بن رستم الخياط، عن أبى بكر
ابن عياش قال : قال لى رجل مرة وأنا شاب خلص(١) رقبتك
ما استطعت فى الدنيا من رقِّ الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك
أبداً . قال أبو بكر : فما نسيتها أبداً.
يحيى المانى قال : سمعت أبو بكر بن عياش يقول: أتيت زمزم
فاستسقيت منها عسلا وأتيتها فاستسقيت منها لبناً وأتيتها فاستسقيت
منها ماء.
دلويه قال: سمعت علياً، يعنى ابن محمد بن أخت يعلى بن عبيد،
يقول: مكث أبو بكر بن عياش عشرين سنة قد نزل الماء فى إحدى
عينيه ما يعلم به أهله .
(١) ط، ق: تخاص، وأثبتنا ما فى ب.

- ١٦٥ -
محمد بن الحجاج بن جعفر بن إياس بن نذير الضبى قال : كان
أبو بكر بن عياش يقوم الليل في قباءٍ صوفٍ وسراويل وعكازة
یضعها فى صدره فیتکیء عليها حین گېر فیخیی ليلته.
الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار: سمعت أبا بكر بن عياش
يقول : صمت ثمانين رمضانًاً.
إسحاق بن الحسين قال : كان أبو بكر بن عياش لتا كبر يأخذ
إفطاره ثم يغمسه فى الماء فى جَرّ (١) كانله فى بيت مظلم، ثم يقول:
ياملائكتى طالت صحبتى لكما، فإن كان لكما عند الله شفاعة
فاشفعالی .
عن أبى هشام الرفاعى قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول لى:
غرفةٌ قد عجزتُ عن الصعود إليها وما يمنعنى من النزول منها إلا أنى
أختم فيها القرآن كل يوم وليلة منذ ستون(٧) سنة.
أحمد بن نصر قال: سمعت إبراهيم بن رستم يقول: سمعت
أبا بكر بن عياش يقول: من لم يطلب العلم لم يُرزق عقلا(٣).
(١) كذا فى النسخ، بصيغة الجميع، والجر: مفرده جرة ( وهى إناء معروف،
من خزف له بطن كبير ، وعروتان وفم واسع ، ويجمع أيضاً على جرار .
(٢) كذا فى النسخ وهو جائز ، وتكون (ستون) فاعلا لفعل ماض محذوف
تقديره ( استقر ، كان ) والجملة الفعلية فى محل جر ، وفى ذلك أوجه أخرى ( انظر
الغنى لابن هشام ٤٤/٢ أمير).
(٣) ق : عملا.

- ١٦٦ -
يزيد بن هارون، وذَ كر عنده أبو بكر بن عياش، فقال : کان .
أبو بكر بن عياش غيّراً فاضلا لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة .
أبو عيسى النخعى قال: لم يفرش لأبى بكر بن عياش فراش
خمسين سنة .
أحمد بن محمد بن مسروق قال: سمعت الحدّانى يقول: لما حضرت
أبا بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال لها: ما يبكيك؟ أنظرى
إلى تلك الزواية التى فى البيت قد ختم أخوك فى هذه الزواية ثمانية
عشر ألف ختمة.
إبراهيم بن أبى بكر بن عياش قال : بكيت عند أبى حين حضرته
الوفاة فقال: ما يبكيك؟ أتُرى الله يضيع لأبيك أربعين سنة، يختم
القرآن كل ليلة ؟
الهيثم بن خارجة قال: رأيت أبا بكر بن عياش فى النوم، قُدّامَه طبقُ
رُطَبٍ مسكّر. فقلت له : يا أبا بكر ألا تدعونا وقد كنتَ سخياً
على الطعام ؟ فقال لى: يا ميثم هذا طعام أهل الجنة لا يأ كله أهل
الدنيا . قال قلت : ويم نلت؟ قال تسألنى عن هذا وقد مضت علىّ
ست وثمانون سنة أختم فى كل ليلة منها القرآن ؟
أسند أبو بكر بن عياش عن الأعمش ومن فى طبقته ، وتوفى
(١) ب : حبراً.

- ١٦٧ -
بالكوفة فى جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وقد جاوز
التسعین بثلاث سنين ، وقيل بست .
٤٥٢ - عبد الله بن إدريس
ابن يزيد بن عبد الرحمن أبو محمد الأودى. عبد الله بن أحمد بن
حنبل قال : سمعت أبی ذ کر بن إدريس فقال : کان نسيج وحده .
وفى رواية أخرى عن أحمد أنه قال : رأيت عبد الله بن إدريس
وعليه جبة لُبُودُ (١) وقد أتى عليها الدهور والسنون.
الحسن بن الربيع قال: كنت عند عبد الله بن إدريس فلما قمت قال
لى : سل عن سعر الأسنان(٢). فلما مشبت ردّنى وقال لى: لا تسأل
فإنك تكتب عنى الحديث وأنا أكره أن أسأل من يسمع عنى
الحديث حاجةً .
حماد بن المؤمّل قال : حدثنى شيخ على باب بعض المحدّثين قال:
سألت وكيماً من مقْدَمه هو وابن إدريس وحفظ على هارون الرشيد
فقال: كان أول من دعا به أنا . فقال لى هارون: يا وكيع إن أهل
بلدك طلبوا منى قاضيًا وسمّوك لى فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك
فى أمانتى فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وإحدى عينىّ ذاهبة
والأخرى ضعيفة. فقال: هارون: اللهم غفراً. خُذْ عهدك أيها الرجل
(١) البود ( بضم اللام): مفردها لبدة وهى الشعر أو الصوف المتلبد.
(٢) الأشنان ( بضم الهمزة وكسرها) ما تغسل به الأيدى.
(٣) هو وكيع بن الجراح ، وترجمته هي التالية .
(٤) هو حفص بن غياث النخعي، فقيه محدث ، توفي سنة ١٩٤ هـ.

- ١٦٨ -
وامض. فقلت: يا أمير المؤمنين . والله لئن كنت صادقاً إنه لينبغى
أن يقبل منى ، ولكن كنت كاذبًا فما ينبغى أن تولى القضاءَ كَذَابًا.
فقال : اخرج. فخرجت.
ودخل ابن إدريس فسمعنا وقع ركبقيه على الأرض حين برك ،
وما سعنا يسلّ إلا سلاماً خفياً. فقال له هارون: أتدرى لم دعوتك؟
قال: لا . قال: إن أهل بلدك طلبوا منى قاضياً، وإنهم سموك لى فيمن
ستوا . وقد رأيت أن أشركك فى أمانتى وأدخلك فى صالح ما أَدخُل
فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض ، فقال له ابن إدريس :
وأنا وددت أنى لم أَكُنْ رأيتك فخرج .
ثم دخل حفص فقبل عهده، فأتى خادم معه ثلاثة أكياس فى كل
كيس خمسة آلاف فقال لى: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول
لم: قد لزمتُكم فى شخوصكم(١) مؤونةٌ فاستعينوا بهذه فى سفركم.
قال وكيع: فقلت له أقرئ* أمير المؤمنين السلام وقل له : قد
وقعت منى بحيث يحب أمير المؤمنين وأنا مستغنٍ عنها . وأما ابن
إدريس فصاح به: مرّ من هاهنا . وقبلها حفص .
وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا : عافانا الله وإياك،
سألناك أن تدخل فى أعمالنا فلم تفعل، ووصلناك من أموالنا فلم تقبل،
فإذا جاءك إبنى المأمون حدّته إن شاء الله.
(١) أى فى سفركم وذهابكم. والمؤونة : الكلفة والمشقة.
:

- ١٦٩ -
فقال الرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدّثناه إن شاء الله.
ثم مضينا فلما صرنا إلى الياسِرّية(١) التفت ابن ادريس إلى حفص
فقال : قد علمت أنك ستّبلى، والله لا أكلمك حتى تموت فما كلمه
حتى مات .
أبو بكر المروزى قال: سمعت علىّ بن شعيب يقول : لما قدم
شعيب بن حرب على يوسف بن اسباط رأى عنده شابًا يكلّم يوسف
ويُغلظ له ، أو قال: رفع صوته، فقال له شعيب: ترفع صوتك ؟
فقال له يوسف : يا أبا صالح إنه ابن ادريس ، إنه يَدرى من
أن يأكل؟.
أحمد بن ابراهيم قال: حدثنى سهل بن محمود، عن عبداله بن ادريس
قال: لو أن رجلا انقطع إلى رجل لعرف ذلك له ، فكيف بمن له
السموات والأرض.
محمد بن المنذرقال: حج الرشيد ومعه الأمين والمأمون ، فدخل
الكوفة فقال لأبى يوسف : قل المحدّثين يأتونا يحدّثونا. فلم
يتخلّف عنه من شيوخ الكوفة إلا اثنان : عبدالله بن إدريس ،
وعیسی بن يونس.
فركب الأمين والمأمون إلى عبدالله بن إدريس حدّتهما بمائة
حديث . فقال المأمون لعبداله بن إدريس: ياعمّ أتأذن لى أن أعيدها
(١) قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى، بينها وبين بغداد ميلان.

٠
- ١٧٠ -
عليك من حِفْظى؟ قال: افعل. فأعادها عليه. فعجب عبدالله. فقال
المأمون: ياعمّ: إلى جانب مسجدك دارٌ إن أذنتَ لنا اشتَريْناها
ووسّعنا بها المسجد. فقال: مالى إلى هذا حاجة، قد أُجزا(١) مَن كان
قَبلى وهو يُجزئى فنظر إلى قَرْح(٣) فى ذراع الشيخ، فقال: إن معنا
متطبّبين وأدوية، أتأذن أن يجيئك من يعالجك؟ قال . لا ، قد ظهرَ بى
مثل هذا وبرا . فأمر له بمال فأبى أَن يقبله .
حسين بن عمرو العنقزى قال: لما نزل بابن ادريس الموت بكت
ابنته فقال: لا تَبكى فقد ختمت القرآن فى هذا البيت أربعة
آلاف ختمة .
سمع عبدالله بن إدريس من الأعمش وأبى أسحاق الشيبانى وخلق
كثير، وجمع بين العلم والزهد ، ومولده سنة خمس عشرة ومائة .
وتوفى فى سنة اثنتين وتسعين ومائة .
٤٥٣ - وكيع بن الجرّاح بن مليح
يكنى أبا سفيان الرّواسى عبيد الله بن ثابت الجزرى قال :
سمعت عباساً الدورى يقول: قال لى أحمد بن حنبل: لو رأيت وكيما
لعلمت أنك مارأيتَ مثله.
محمد بن أيوب بن المعافى قال : سمعت إبراهيم الحربى يقول :
سمعت أحمد بن حنبل ذكر يوماً وكيفاً فقال: مارأت عيناىَ مثله
(١) أجزأ: كفى. (٢) القرح: الجرح أو البثر إذا ترامى إلى الفساد.

- ١٧١ -
قط، يحفظ الحديث جيداً ويذاكر بالفقه فيُحِسن، مع ورع واجتهاد،
ولا يتكلم فى أحد.
بشر بن موسى قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول: مارأيت
رجلاً مثل وكيع فى العلم والحفظ والحلم مع خشوع وورع.
يحي بن أكثم قال: صحبت وكيماً فى السفر والحضر ، وكان
يصوم الدهر ويختم القرآن كلّ لية.
يحيى بن معين قال: مارأيت أفضل من وكيع بن الجراح ، كان
يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل ، ويسرد الصوم.
يحيى بن أيوب قال: حدثنى بعض أصحاب وكيع الذين كانوا
يلزمونه قالوا(١): كان وكيع لاينام حتى يقرأ ثلث القرآن، ثم يقوم
فى آخر الليل فيقرأ المفصَّل(٢)، ثم يجلس(٣) فيأخذ فى الاستغفار حتى
يطلع الفجر فيصلّى ركعتين .
ابراهيم بن وكيع قال: كان أبى يصلى الليل فلا يبقى فى دارنا أحد
إلا صلّى (٤) حتى إن جارية لنا سوداء لَتَّصلّى.
أحمد بن محمد قال : أخبرنى بعض أصحابنا عن وكيع قال : أغلظ
رجل لوكيع بن الجرّاح، فدخل وكيع بيتاَ فعفر وجهه فى التراب ثم
(١) ب: قال. (٢) المفصل (بتشديد الصاد المفتوحة) ما يلى المثانى من
قصار السور فى القرآن الكريم ، وهى : الطول ( بضم الطاء وفتح الواو ) ، ثم
المثانى ، ثم المفصل . ( أساس البلاغة).
(٣) ب : فيجلس.
(٤) ب : يصلى .

- ١٧٢ -
خرج إلى الرجل فقال: زدوكيماً بذنبه فلولاه ما سُلّطَتَ عليه.
سلم بن جنادة قال: جالست وكيع بن الجرّاح سبع سنين فمارأيته
برق ولا رأيته مسّ حصاةً بيده، وما رأيته جلس مجلسه فتحرّك،
وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله.
الحسين بن أبى زيد قال: صاحبتُ وكيع بن الجراح إلى مكة فا
رأ يته متكئاولا رأ يته نائماً فى محمله.
علىّ بن خشرم قال : سمعت وكيع بن الجراح يقول : زكاة الفطر
لشهر رمضان كسجدتي السهو الصلاة تجبر نقصان الصوم كما يجبر
السهو نقصانَ الصَّلاة.
أسند وكيع عن الأئمة الأعلام: كاسماعيل بن أبى خالد ، وهشام
ابن عروة، والأعمش، وابن عون ، وابن جريج ، والأوزاعى ،
وشعبة ، وسفيان .
وحدّث و کیع وھو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وجلس بعد موت
الثورى فى مكانه . وصنف التصانيف الكثيرة. وكان مولده فى سنة
تسع وعشرين ، وقيل ثمان وعشرين ومائة ، وحج سنة ست وتسعين،
فلما رجع توفى بِفَيْد (١) فى محرم سنة سبع وتسعين ، وهو ابن ست
وستين سنة .
(١) فيد : بلدة صغيرة فى نصف طريق مكة من الكوفة.
۔

- ١٧٣ -
٤٥٤ - حسين بن على الجعفى
يكنى أبا عبدالله كان من العلماء العباد، و کان سفيان الثوری إذا
رآه عانقه وقال: هذا راهب جعفى. وكان سفيان بن عيينة يعظمه .
وقال أحمد بن حنبل: مارأيت بالكوفة أفضل من حسين الجمفى
كان يشبه بالراهب .
محمد بن عبيد الرحى قال سمعت أبا بكر بن سماعة قال : كنا عند
ابن أبى عمر العدّنى بمكة فسمعناه يقول: قدم علينا هارون قَدْمةً إلى
هذا المسجد فأخبر نى الخادم الذى كان معه قال : كنت معه ومعه جعفر
ابن يحيى فرجنا جميعاً حتى صرنا إلى الثنيّة ، فقال لى: سل عن حسين
ابن على الجعفي. فلقيت رجلاً فقلت: حسين بن على الجعفي. فقال: ماهو
ذا يطلع عليك راكباً حماراً وخلفه أسود يقودُ أجمالاً له، فإذا هو قد
طَلَع فقلت: هذا هو يا أمير المؤمنين. فلما حاذاه قام إليه فقبّل يده،
أو قال: رجله، فقال له جعفر بن يحيى: ياشيخ تدرى من المسلّم عليك؟
أمير المؤمنين هارون. فالتفت إليه حسين فقال له أنت ياحسن الوجه ،
أنت مسئول عن هذا الخلق كلهم فقعد يبكى.
وأتانا آت ونحن عند ابن عيينة فقال لسفيان : قدم حسين بن على
الجعنى فقام إليه يتلقاه وخرجنا معه . فلما صار فى الطريق إلى باب بنى
لقيه فضيل بن عياض فقال له: أين تريد يا أبا محمد ؟. فقال: قدم
حسين الجمفى فأردت لقاءه. فقال : أنا معك. فخرجا يمشيان جميعاً

- ١٧٤ -
ونحن خلفهما . فلما صرنا فى أصحاب اللؤلؤ(١) ذا حسين راكب حماراً
فتقدّم إليه فضيل، فقبّل رجله وتقدمسفيان فقبل يده ، أو قبل سفيان
رجله، وقبّل فضيل يده. فقال له فضيل: بأبى رجلٌ (١) تعلمتُ
القرآن على يديه ، أو علمنى الله القرآن على يده ، ثم دخل المسجد
فطاف بالكنية وجاء إلى الاسطوانة الحمراء فقعد عندها فأكر
الناس عليه .
سمع حسين الجعفى من القاسم بن الوليد وزائدة وغيرهما . وتوفى
فی ذى القعدة سنة ثلاث وماٹین.
٤٠٥ - محمد بن صيح بن السماك
يكنى أبا العباس أحمد بن حماد قال : كان ابن السماك يقول : يابن
آدم إنما تغدو فى كسب الأرباح فاجعل نفسك فيما تكسبه فإنك لم
تکسب مثلها .
. أبو المغيرة بن شعيب قال: حضرتُ يحيى بن خالد البرمكى يقول
لابن السماك : إذا دخلت على هارون أمير المؤمنين فأوجز ولا تكثر
عليه . قال: فلما دخل عليه وقام بين يديه قال: يا أمير المؤمنين إن لك
بين يدى الله تعالى مقامًاً وإن لك من مقامك منصرفاً، فانظر إلى
أين منصرفك ، إلى الجنة أم إلى النار ؟ قال: فبكى هارون حتى
كاديموت .
(١) ق . أصحاب اللواء.
(٢) ط : رجلا.

- ١٧٥ -
إبراهيم بن سلمة الشعبى قال : سمعت ابن السماك يقول : من
امتطى الصبر قوىَ على العبادة، ومن أجمع اليأس استغنى عن الناس،
ومن أهمّته نفسه لم يُولَ مَرَمَّتَها (١) غيرُه ومن أحب الخير وُفِّق له ،
ومن كره الشرّ جُنّبه، ومن رضىَ الدنيا من الآخرة حظاً فقد أخطأ
حظ نفسه .
عبدالله بن صالح قال: سمعت ابن السماك. وكتب إلى آخ له:
((أما بعد، أوصيك بتقوى الله الذى هو نجيّك فى سريرتك ورقييك
فى علانيتك ، فاجعله من بالك على حالك ، وخَفْهُ بَقَدْر قُربه منك
وقدرته عليك، واعلم أنك بعينِهِ (٣) ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان
غيره فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجَلك، واعلم أن الذنب من العاقل
أعظم منه من الأحمق (ومن العالم أعظم من الجاهل) وقد أصبحنا
أدلاء بزعمنا (٣) والدليل لا ينام فى البحر، وقد كان عيسى عَ اله يقول:
حتى متى تَصفون الطريق الدالجين وأنتم مقيمون فى محلة المتحيّين؟
تصفون البعوض من شرابك وتسَتَرطُون(٤) الجمال بأحمالها . أَىْ أخى كم
من مذكِّر بالله ناسٍ لله، وكم من مخوّف بالله جَرى على الله وكم من داعٍ
(١) أى لم يتول إصلاحها أحد غيره.
(٢) أى تحت مراقبته ونظره.
(٣) كذا فى ط: وهى غير معجمة فى ق، ولعلها: برغمتا.
(٤) سرط الشىء واسترطه: ابتلعه.

- ١٧٦ -
إلى الله فارٌّ من الله، وكم تالٍ لكتاب الله منسلخّ من آيات الله.
والسلام)» .
عباية بن كليب قال: سمعت ابن السماك يقول: سَبعك بين حييك
تأكل به كل من مرّ عليك، قد آذيت أهل الدور فى الدور حتى
تعاطيت أهل القبور، فما ترفى لهم وقد جرى البلى عليهم ، وأنت هاهنا
تنبشهم، إنما نرى أن نبشهم أخْذُ الخِرق عنهم، إذا ذكرتَ مساويهم
فقد نبشتهم ، إنه ينبغى لك أن يدلك على ترك القول فى أخيك ثلاثُ
خلال : أما واحدة فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك فماظنك بربك
إذا ذكرتَ أخاك بأمر هو فيك؟ ولعلك تذكّره بأمرٍ ، فيك أعظم
منه، فذلك أشدّ استحكامًا لمقته إياك، ولملك تذكره بأمر قد عافاك
الله منه فهذا جزاؤه إذ عافاك. أما سمعت : ارحم أخاك واحمد
الذى عافاك؟.
الحسين بن عبد الرحمن قال : كان ابن السماك يقول: من أذاقته
لذانيا حلاوتها لميْله إليها جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها.
أبو الحسين على بن الحسين الفقيه قال: سمعت عبد الله بن محمد
بن السماك يقول: سمعت أبى يقول: إن استطعت أن تكون كرجل
ذاق الموت وعاش ما بعده فسأَل الرّجعة فأسعِف بطَابَه وأُعْطِىَ
حاجته فهو متأهب مبادر، فافعل فإن المغبون من لم يقدّم من ماله شيئاً
ومن نفسه لنفسه .

- ١٧٧ -
أبو جعفر الربعى قال: لما حضرت ابن السماك الوفاة قال: اللهم
إنى وإن كنت أعصيك لقد كنت أحب فيك من يطيعك.
أسد ابن السماك عن عدة من التابعين منهم: اسمعيل بن أبى خالد،
والأعمش، وهشام بن عروة .
وروى عنه من الأعة حسين الجمفى، ويحي بن يحيى النيسابورى،
وأحمد بن حنبل .
وهو كوفىّ لكنه قدم بغداد فمكت بها مدة ثم عاد إلى الكوفة
فتوفى فيها سنة ثلاث وثمانين ومائة .
(م ١٢ - صفة الصفوة - جـ٣)

ومن الطبقة الثامنة
(من أهل الكوفة)
٤٥٦ - أبو داود الحفرى
وإسمه عمر بن سعد. أبو بكر المروزى قال: سمعت أحمد بن حنبل
يقول: رأيت أبا داود الْحَقَرِىّ وعليه جبّة مخرقة وقد خرج القطن منها
يصلّى بين المغرب والعشاء وهو يترجح من الجوع.
الحسين بن على الصدائى قال: جئت إلى أبى داود الحَفَرِىّ فدفقت
الباب عليه فقال من هذا ؟ فقلت : رجل من أصحاب الحديث. فقال
لى: اصبر علىّ. فاطّلعت من كَوَّة فى الباب فإذا هو متزز بمثزر وهو
يغزل صوفاً يتعيّش منه. فأخذ الصوف فوضعه فى كوّة وأخذ عليه
ثوباً وأدخلنى الدار إلى مسجد له فقعد معى ولم يكن فى الدار سقف
غير سقف رأيته على الدهليز فأعلى علىّ حتى فَتِىَ ورَقى . وقال لى :
ألك حاجة ؟ أو تكتب شيئاً آخر؟ فما رأيت رجلا يحدث لله عز
وجل مثله .
قال ابن عبدويه : وسمعت عباسًاً الدورى يقول : حدثنا أبو داود
الْخَفَرِىّ ، ولو رأيت أبا داود لرأيت رجلا كأنه اطلع إلى النار
فرأىمافيها .

- ١٧٩ -
أسند أبو داود الحفرى عن الثورى وغيره . وتوفى سنة
ثلاث ومائتين .
٤٥٧ - هيم العجلى
يكنى أبا بكر . روى عن أبى إسحاق الفزارى.
داود بن يحي بن يمان عن أبيه قال: قال بهم: إنما أخاف أن
ـر
تدفق على الدنيا دفقة فتعرينى .
معاوية بن عمرو قال: كان بهيم رجلا ◌ُطُوالا شديد الأدمة إذا
رأيته رأيت رجلا حزيناً .
-
شهاببن عباد قال: رأيت بهماً العجلی وکان قد بكى حتى سقطت
أشفاره(١)، وكان رطب العينين جداً. فقلت لابن أخ له ، ماشأنه
يمس عينيه كثيراً ؟ قال: قد فسدت من كثرة مايبكى، فهى تحكه
وتَضرب عليه .
معاذ بن زياد قال: لما اتُخِذَتْ عَبَادانُ(٣) سكَنَهَا قوم نُّك فيهم
رجل يقال له بهم وكان رجلا حزيناً يزفر الزفرة فتسمع زفيره.
محرَّل (٣) قال: جاءنى بهيم يوماً فقال لى: تعلم لى رجلا من جيرانك
(١) الأشفار : مفردها شفير وشفر وهو أصل منبت الجفن . ويطلق على شعر
الجفن نفسه أيضاً .
(٢) مدينة على الخليج الفارسى شرقاً. وهى اليوم مركز نكرير القط
الإيرانى ومرفأ تصديره .
(٣) بوزن محمد، أو بوزن منبر: كوفى ثقة، مات بعد صنة (١٤٠) هـ.

- ١٨٠ -
أو إخوانك يريد الحج ترضاه يرافقنى؟ قلت نعم فذهبت إلى رجل
من الحىّ له صلاح ودين جمعت بينهما وتواطيًا (١) على المرافقة. ثم
انطلق بهيم إلى أهله، فلما كان بعدُ أتانى الرجل فقال: يا هذا أحب
أن تروىّ عنى صاحبك وتطلب رفيقاً غيرى. فقلت: ويحك قَلِمَ ؟
فوالله ما أعلم فى الكوفة له نظيراً فى حُسن الخلق والاحتمال ، ولقد
ركبت معه البحر فلم أر إلا خيراً . قال: ويحك حُدّثت أنه طويل
البكاء لا يكاد يَفتر، فهذا ينغّص علينا العيش سفّرنا كله . قال:
قلت ويحك إنما يكون البكاء أحياناً عند التذكرة(٢) بَرَقّ انقلبُ
فيبكى الرجل، أو ما تبكى أنت أحياناً؟ قال: بلى ولكنه قد بلغنى عنه
أمر عظيم جداً من كثرة بكائه . قال: قلت اصحبه فلعلك أن تنتفع به.
قال : أستخير الله .
فلما كان اليوم الذى أرادا أن يخرجا فيه جىء بالإبل ووُطِّى.(٢)
لهما نجلس بهيم فى ظل حائط فوضع يده تحت لحيته وجعلت دموعه
تسيل على خدّيه ، ثم على لحيته ثم على صدره حتى والله رأيت دموعه
على الأرض.
قال: فقال(٤ لى صاحبى: يا ◌ُوَّل قد ابتدأ صاحبك ، ليس هذا
(١) تواطأ القوم على الأمر: اتفقوا.
(٢) ط : ٦ تذكر .
(٣) ودأ الفراش أو الموضع: مهده وسهله وصيره وطيئاً.
٤١ ط : بقول .