النص المفهرس

صفحات 41-60

- ٤١ -
عن أبى حيان التيمىّ قال: أنا أبى قال: كان شريح إذا مات لأهله
سِنِّور أَمر بها فألقيت فى جوف داره [ ولم يكن لها مَثْعَب شارع إلا
فى جوف داره(١)] اتقاء لأذى المسلمين.
. قال أبو نعيم: خرج شريح من عند زياد فلقيه رجل فقال : كبرتْ
سنّك (٢) وَرَقّ عظمك وارتشى ابنك. قال: فرجع إليه(٣) فأخبره فقال:
من قال لك؟ قال: لا أعرفه فأعفِنى. قال: لا أعفيك حتى تشير علىّ
برجل. فأشار عليه بأبى بُردة فولآه القضاء .
[ قال المؤلف]: أسند شريح عن عمر بن الخطاب وعلىّ بن أبى
طالب وغيرهما .(4) وتوفى سنة ستٍ وسبعين(*) وقيل ثمانٍ وسبعين،
وقد بلغ مائة ومان سنين .
-= ما فى الحلية. هذا. وإلى هنا ينتهى القسم الذى أضافه الفاسخ المتأخر إلى أول
هذا الجزء وذلك فى آخر الوجه الثانى من الورقة (١٠).
(١) زيادة من ط، والحلية - المثقب: مسيل الماء فى الحوض أو السطح.
شارع : فأخذ إلى الطريق .
(٢) ق : كبر سنك .
(٣) أی رجع شریح إلی زیاد .
(٤) ق : وغيرهم .
(٥) ق: (وتسعين ) وهو تحريف.
١

- ٤٢ -
٣٩٥ - شبیك بن عوف بن أبی حیة
أبو الطفيل الأحمسي من بجيلة أدرك الجاهلية
عن اسمعيل بن أبى خالد ، عن شبيل بن عوف قال : ما اغبرّت
رجلاىَ فى طلب دنيا قطّ .
قال المؤلف: شبيل من عمر بن الخطاب وزيد بن أرقم (٣) وغيرهما.
٣٩٦ - سويد بن شُعبة اليربوعى
من بني تميم وكان من الذين اختطوا بالكوفة أيام
عمر بن الخطاب .
عن أبى حيان التيمىّ عن أبيه قال : دخلت على سويد بن شعبة،
وكان من أصحاب الخطط الذين خطّ لهم عمر [ بن الخطاب]
بالكوفة فإذا هو منكبّ على وجهه مسجى بثوب، فلولا أن امرأته
قالت: أهلى فداؤك، ما نُطعمك ؟ ما نَسقيك؟ ما ظننت أن تحت
الثوب شيئاً - فلما رآنى قال: يابن أخى (١) دبرت الحرافف والصلب
فما من ضجعة غير ماترى، والله ما أحب أنى نقصت منه فُلامة غُفْ.
قال الأسمى: الحُرْقَفَة : مجتمع رأس الورِك ورأس الفخذين
(١) ق : أسلم.
(٢) ط: يا أخى.

- ٤٣ -
٣٩٧ - معضل بن يزيد العجلى
يُكنى أبا ذر
عن بلال بن سعد عن معضد قال: لولا ثلاثٌ: ظمأ الهواجر،
وطول ليل الشتاء ، ولذاذة التهجد بكتاب الله عز وجل ، ما بالبيت
أن أكون يعسوبا .
عن ابراهيم ، عن همام قال : انتهيت إلى معضد وهو ساجد،
فأتيته وهو يقول : اللهم اشْفني من النوم باليسير . ثم مضى
فی صلاته .
[ قال المؤلف]: لم يحفظ لمعضد حديثٌ مسند، وإنما كان
مشغولاً بالتعبّد .
٣٩٨ - أَوَّيْس بن عامر بن جرير(١)
بن مالك القرنی
وقال علقمة بن مرثد: أويس بن أنيس : وقيل أويس بن الحليس(٢)
عن أُسَيْرِ بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتت عليه أمداد
أهل اليمن سألهم: هل فيكم أويس بن عامر ؟ حتى أتى على أويس
فقال : أنت أويس بن عامر ؟ قال : نعم .
قال : من مراد ثم قَرَن؟ قال: نعم. قال: كان بف برص فبرأت
(١) ق: جرو. وفي الأعلام: جزء.
(٢) ق : الحليص .
.

- ٤٤ -
منه إلا موضعَ درهم؟ قال نعم] قال: لك والدة؟ قال نعم . قال :
سمعت رسول الله صَ ل يقول: ((يأتى عليكم أويس بن عامر مع
امداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به بَرص فبرأ منه إلا موضع
درهم ، له والدة هو بها بارٌ لو أقسم على الله عز وجل الأبرّه ، فان
استطعتَ أن يستغفر لك فافعل)). فاستغفرْ لى. فاستغفرَ له.
فقال عمر رضى الله عنه (ورحمه الله): أين تريد؟ قال : الكوفة.
فقال: ألا أكتب لك إلى عاملها فيستومِى(١) بك قال: لأن أكون
فى غُبْر(٢) الناس أحبّ إلىّ .
قال : فلما كان من(٢) العام المقبل حجّ رجل من أشرافهم فوافق
حمرَ فسأله عن أويس: كيف تركته؟ قال: تركته رث الهيئة قليلَ
المتاع. فقال: سمعت رسول الله عَ الهم يقول: ((يأتى عليك أويس
بن عامر مع امداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن ، كان به برص
فبرأ إلا موضع درهم ، له والدة هو بها بَرّ لو أقسم على الله عز وجل
الأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعلْ)).
فلما قدم الكوفة أتى أويساً فقال: استغفرلى. فقال: أنت أحدث
(١) ق : فيسترضى لك .
(٢) الغير: مفردها أغبر، مالونه الغيرة. يريد أن يكون أشوت وأغن
غيره من الناس .
(٣) ط : فى .

- ٤٥ -
عهداً بسفر صالح، فاستغفرلى، لقيتَ عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له.
ففطن له الناس فانطلق على وجهه .
قال أُسَيْرٍ وكَوتُه برداً فكان إذا رآه انسان عليه قال: من أين
لأويس هذا البُرد؟ انفرد باخراج هذا الحديث مسلم (٢).
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إن الله عز وجل
يحبّ من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الشمئةَ رؤوسهم المغبرة
وجوهُهم، الخاصة بطونُهم ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن
لهم، وإن خطبوا المتنّمات لم يُنكّحوا، وإن غابوا لم يُفْتَقَدوا،
وإن طَلعوا لم يُفْرَح بطلعتهم ، وإن مرضوا لم يُعادوا ، وإن ماتوا
لم يُشْهَدَوا )).
قالوا: يارسول الله كيف لنا برجل منهم؟ قال: ((ذاك أويس
القَرنى)). قالوا: وما أويس القرنى؟ قال: ((أشهل ذو صُهوبة، بعيد
ما بين المنكبين معتدل القامة آدم شديد الأدمة ضارب بذقنه إلى
صدره، رامٍ ببصره إلى موضع سجوده، واضعٌ مينه على شماله يتلو
القرآن، يبكى على نفسه، ذو طِمْ ن لا يؤبَّهُ له متزر بازارصوف ورداء
صوف ، مجهولٌ فى أهل الأرض، معروفٌ فى السماء، لو أقسم على
الله لأبرّ قسَمه، ألا وإن تحت منكبه الأ يسر لمعةً بيضاء، ألا وإنه
(١) ط: البيت .
٤ (٢) الحديث صحيح أخرجه ميه فى فضائل أوين القرنى.

- ٤٦ -
إذا كان يوم القيامة قيل للعباد : ادخلو الجنة ، ويقال لأويس: قف
فاشْفَع ، فيشفعه الله عز وجل فى مثل ربيعة ومضر ، ياعمر، ياعلى إذا
أنّما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما غفر الله لكما.
قال: فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه. فلما كان فى
آخر السنة التى هلك فيها عمر قام على أبى قبيس فنادى بأعلى صوته:
يا أهل الحجيج من اليمن أفيكم أويس ؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية
فقال: إنا لا ندرى(١) ما أويس؟ ولكن ابن أخ لى يقال له أويس
وهو أخمل ذكراً وأقل مالا (٢) وأهون أمراً من أن نرفعه اليك، وإنه
ليرعى إبلنا ، حقيرٌ بين أظهرنا. فتمّى عليه عمر كأنه لا يريده وقال :
بن اخيك هذا أبجَرَمنا هو ! قال نعم. قال: أَين يُصاب ؟ قال:
اأَرَاكِ عرفات.
قال: فركب عمر وعلى سراعاً إلى عرفات فإذا هو قائم يصلىّ
إلى شجرة والابل حوله ترعى . فشدا خماريهما ثم أقبلا إليه فقالا:
السلام عليك ورحمة الله فخَفّف أويس الصلاة ثم قال: السلام عيلكما
ورحمة الله . قالا: مَن الرجل؟ قال: راعى ابل وأجير قوم. قالا :
لسنا نسألك عن الرعاية ولا عن الاجارة مااسمك؟ قال: عبدالله. قالا:
قد علمنا أن أهل السموات والأرض كلهم عبيد الله ما اسمك الذى
سّمتك أمّك؟ قال ياهذان ما تريدان إلىّ؟ قالا: وصف لنا محمد
(١) ط : أنا لا أدرى.
(٢) ط : حالا .

- ٤٧ -
مَّهِ أويسًا القَرَنى فقد عرفنا الصهوبة والشهولة وأخبرنا أن تحت
منكبك الا يسر لمعةً بيضاء فأوضحْها لنا ، فإن كانت بك فأنت هو .
فأوضح منكبه فإذا اللهعة فابتدراه يقبّلانه وقالا : نشهد أنك أويس
القرنى. فاستغفر لنا يغفر الله لك قال ما أخص باستغفارى نفسى
ولا أحداًمن ولد آدم ولكنه فى البروالبحر من(١). المؤمنين والمؤمنات
والمسلمين والمسلمات(٢). ياهذان قد شهر الله لكما حالى وعرّفكما
أمرى فمن انتما؟ قال على عليه السلام: أما هذا فعمر أمير المؤمنين، وأما
أنا فعلىّ بن أبى طالب فاستوى أويس قائماً وقال: السلام عليك يا أمير
المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، وأنت يا علىّ بن ابى طالب، فجزاكما الله
عن هذه الأمة خيراً. قالا: وأنت فجزاك الله عن نفسك خيراً. فقال
له عمر: مكانك يرحمك الله حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائى
وفضْل كسوةٍ من ثيابى، هذا المكان ميعادٌ بينى وبينك. قال ميعادَ
بينى وبينك لاأراك بعد اليوم ، فعرْفِنى ما أصنع بالنفقة وما أصنع
بالكسوة؟ أما ترى على إزاراً من صوف ورداءً من صوف ؟ متى
ترانى أخرقها؟ أ. ترى أن نعلىّ مخصوفتان؟ متى ترانى أبليهما؟ إنى
قد أخذت من رعايت(٣) أربعة درام متى ترانى آ كلها ؟يا أمير المؤمنين
(١) ط : فى
(٢) من هنا حتى قبيل نهاية ترجمة أويس . ساقط من ق. وقد اعتمدنا ما فى ط
(٣) يريد إجرة رعية الغنم .

- ٤٨ -
إن بين يدى ويديك عقَبة كؤوداً لا يجاوزها إلا صامر مخفّ
مهزول فأخفف رحمك الله .
فلما سمع عمر ذلك ضرب بدرّته الأرض ثم نادى بأعلى صوته :
ألا ليت عمر لم تلده أمه، ياليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها، ألا مَن
يأخذها بما فيها ولها ؟ ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت هاهناحتى آخذ
أنا هاهنا: فولى عمر ناحية مكة وساق أويس إبله فوا فى القوم بابلهم
وخلّى عن الرعاية(١) وأقبل على العبادة حتى لحق بالله عز وجل .
عن علقمة بن مرئد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية منهم أويس القرنى،
ظن أهله أنه مجنون فبنوا له بيتاً على باب دارهم ، فكانت تأتى عليه
السنة والسنون لايرون له وجهاً، وكان طعامه مما يلتقط من النَّوى
فإذا أمسى باعه لإفطاره فإن أصاب حشفة(٢) حبسها لإفطاره.
فلما ولى عمر بن الخطاب قال بالموسم: أيها الناس قوموا . فقاموا.
فقال: اجلسوا، إلّ من كان من اليمين: فجلسوا فقال: اجلسوا إلا
من كان من مُراد. فجلسوا . فقال: اجلسوا إلا من كان من قَرن.
فجلسوا إلا رجلاً، وكانعم أويس القرّنى. فقال له عمر: أقرفىّ أنت؟
قال: نعم قال أتعرف أويساً؟ قال: وما تسأل عن ذلك يا أمير المؤمنين؟
(١) خلى الأمر وعنه تخلية: تركه.
(٢) الحشف: أراداً التمر، واحدته حشفة.

٤٩٠ -
فوالله مافينا أحقُ ولا أجَنُّ ولا أحْوَجُ منه . فَبكي عمر ثم قال : بك
لابه ، سمعت رسول الله ◌َّ اللّ ينول: ((يدخل الجنة بشفاعته مثل
ربيعةَ ومُضَر (١))).
قال هَرِم بن حيّان: فلما بلغنى ذلك قدمت الكوفة فلم يكن لى
هم إلا طلبه ، حتى سقطت عليه جالساً على شاطىء الفراتُ نصفَ
النهار، يتوضأ. فعرفته بالنعت الذى نُمت ◌ِ: فإذا رجل نحيل آدم
شديد الأدمة أشعث مخلوق الرأس مهيب المنظر ، فسلمت عليه فرد
على ونظر إلىّ، ومددت يدى لأصافحه فأبى أن يصافحنى، فقلت رحمك
الله يا أويس وغفرلك، كيف أنت ؟و خنقتنى العبرة من حى إياه ورقتى
علیه ، لما رأيتمن حاله ، حتى بكيت وبكى .
قال: وأنت ، حياك الله ياهرم بن حيان، كيف أنت يا أخى؟
من دلّك علىّ؟ قلت: الله. قال. لا إله إلا الله، ((سبحان ربّا إن كان
وعدربنا لمفعولا))(٢) فقلت: ومن أين عرفتَ إسمى وإسم أبى وما رأيتك
قبل اليوم ولا رأيتنى؟ قال: نبأنى العليم الخبير، عرفتْ روحى روحَك
حين كلمتْ نفسى نفسَك، إن المؤمنين يعرف بعضهم بعضًاً ويتحابون
بروح اللهعز وجل ، وإن لم يلتقوا، إن نأت بهم الدار وتفرّقت
بهم المنازل .
(١) لم أجده بطوله. وذكر طرفاً منه الحافظ الذهبى فى ميزان الاعتدال فى
(٢) من الآية (١٠٨) من سورة الإسراء.
ترجمة أويس القرنى .
( م ٤ - صفة الصفوة - = ٣)

- ٥٠ -
قلت: حدّثنى رحمك الله عن رسول الله عٍَّ قال: إنى لم أدرك
رسول الله عَليه، ولم يكن لى معه صحبة بأبى وأمى رسول الله،
ولكني قد رأيت رجلا (١) قد رأوه ولست أحب أن أفتح على نفسى
هذا الباب، أن أكون محدّثماً أو قاضياً أو مفتياً، فى نفسى شغلٌ عن
الناس. فقلت : أىْ أخى أقرأ علىّ آياتٍ من كتاب الله عز وجل
أسمعها منك، وأوصنى بوصية أحفظها عنك ، فأتى أحبك فى الله . فأخذ
بيدى فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال ربى، وأحقّ
القول قولُ ربى عز وجل ، وأصدق الحديث حديث ربى عز وجل،
ثم قرأ: ((ومَاخَلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما
إلا بالحقّ)) إلى قوله (العزيز الرّحيم(٣))) فشهق شهقة فنظرتُ إليه
وأنا أحسبه قد غشى عليه. ثم قال: يا هَرِم بن حيان مات أبوك حيّان
ويوشك أن تموت أنت فإما إلى الجنة وإما إلى النار، ومات أبوك آدم
وماتت أمك حواء يابن حيّان، ومات نوح فىّ الله، ومات ابراهيم
خليل الله، ومات موسى نجىّ الله ، ومات داود خليفة الرحمن ، ومات
محمد عَّ اله، وعلى جميع الانبياء، ومات أبو بكر خليفة رسول الله،
ومات أخی وصدیقی عمر بن الخطابرضى الله عنه .
فقلت له: يرحمك الله إن عمر لم يمت. قال: بلى قد نعاه إلىّ ربىعز
وجل، ونَعى إلى نفسى، وأنا وأنت فى الموتى.
(١) كذا فى النسخ. (٢) الدخان: الآيات (٣٨ - ٤٢).
1

- ٥١ -
ثم صلى على النبى معٍَّ ودعا بدعوات خفافٍ ثم قال : هذه وصيتى
إياك: كتاب الله ونغى المرسلين ونعى صالح المؤمنين ، فعليك بذكر
الموت ولا يفارقنّ قلبك طرفةَ عين مابقيت، وأنذر قومك إذا
رجعتَ إليهم وانصح للأمة جميعاً ، وإياك أن تفارق الجماعة فتفارق
دينك وأنت لا تعلم ، فتدخل النار ، وادع لى ولنفسك .
ثم قال: اللهم إن هذا زعَم أنه يحبّنى فيك وزارنى من أجلك
فعرفنى وجهه فى الجنة وأدخله على دارك ، دار السلام، واحفظه مادام
حيًّا، وأرضه من الدنيا باليسير، واجعله لما أعطيتَه من نِعَمِك من
الشاكرين واجْزهِ عنى خيراً .
ثم قال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته، لا أراك بعد اليوم
إن شاء الله تعالى رحمك الله فإِّى أكره الشهرة، والوحدةُ أحبّ إلىّ
لأفى كثيرُ الْغَمَ مادمتُ مع هؤلاء الناس، فلا تسأل عنّى ولا تطلبنى،
واعلم أنك منى على بال وإن لم أرك وترانى(١). واذكرنى وادعُ لى
فإنى سأدعو لك وأذكرك إن شاء الله، فانطلقْ أنت هاهنا حتى آخذ
أنا ههنا .
فحرصت على أن أمشى معه ساعةً فأبى علىّ ففارقته أبكى ويبكي:
فجعلت أنظر إليه حتى دخل بعض السِّكك، ثم سألت بعد ذلك
(١) كذا فى النسخ ، والصواب حذف الألف ، لأنه معطوف على مجزوم.

- ٥٢ -
وطلبته فلم أجد أحداً يخبر نى عنه بشىء، وما أتت علىّ جمعة إلا وأراه
فى منامى مرة أو مرتين .
عن أُسير بن جابر أن أويسً القرنى كان إذا حدّث يقع حديثُه فى
قلوبنا موقعاً ما يَقع حديث غيره.
عن أسير" بن جابر قال: كان محدّث بالكوفة يحدثنا، فإذا فرغ
من حديثه يقول: تفرّقوا. ويبقى رهطٌ فيهم رجل يتكلم بكلام
لا أسمع أحد يتكلم بكلام (٣) فأحيبته. ففقدتُه، فقلت لأصحابى: هل
تعرفون رجلاً كان يجالسنا؟ فقال رجل من القوم: نعم أنا أعرفه
وذاك أويس القَرَنى . قلت : وتعرف منزله؟ قال نعم
قال: انطلقت معه حتى جئت حُجرته فخرج إلىّ فقلت : ياأخى
ماحبسك عنا ؟ قال المرى قال: وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه.
قال قلت خذ هذ البَرْد فالبسه. قال لا تفعل فإنهم يؤذوننى إذا رأوه .
قال: فلم أزل به حتى لبسه. فخرج عليهم فقالوا مَن تروْن خُدع عن
برد هذا فجاء فوضعه؟ فقال: أترى؟ قال فأتيت المجلس فقلت ،
ماتريدون من هذا الرجل؟ قد آذ يتموه، الرجل يَعَرى مرةً ويكتسى
بَرة. فأخذُتهم بلسانى أخذاً شديداً.
قال: فُقُضى (٣) أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر بن الخطاب رضى
الله عنه ، فوفد رجل ممن كان يسخر به ، فقال عمر: قدِم علينا أويس
(١) في تقريب التهذيب: يسير، تابعي له رؤية، مات سنة ٨٥ هـ.
(٢) كذا في النسخ ولعل المراد ((بكلام مثله)) (٣) اي صادف واتفق .

- ٥٣ -
فقلت: أنت أخى لا تفارقنى. فانماس(١) منى فأنبئت أنه قدِم عليكم الكوفة.
فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه فقال : سمعت عمر يقول فيك
كذا وكذا فاستغفرلى ياأويس. قال لا أفعل حتى تجعل لى عليك ألاَّ
تسخر بى فيما بعد، وألاً تذكر الذى سمعته عن عمر لأحد .
قال أسير: فما لبثنا أن فشا أمره بالكوفة فالس منهم فذهب .
عمرو بنُ مَرّة قال: لمّ لقى عُمر أويسا وظهر عليه هرب فما رُئى
حتى مات .
عن الشعبى قال: مررجل من مُراد على أويس القرنى فقال كيف
أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد الله عز وجل . قال : كيف الزمان
عليك؟ قال: كيف الزمان على رجلٍ إن أصبح ظن أنه لا يمسى، وإن
أمسى ظن أنه لا يُصبح؟ فبشر بالجنة أو مبشّر بالنار.
يا أخاُ مُراد إن الموت وذِكْرُه لم يتركلؤ من فرحً، وإنّ علمه بحقوق
الله لم يترك له فضةً ولا ذهبًا، وإن قيامه الله بالحق لم يترك له صديقاً .
عَمَّار بن سيف الضتى قال: لحق رجل بأويس القرنى فسمعه يقول:
اللهم إنى أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة ، فإنه ليس فى ينى من
الطعام إلا مافى بطنى، وليس فى بيتى شىء من الرّياع إلا ما على ظهرى.
قال: وعلى ظهره خرقة قد تردّى بها . قال: فأتاه رجل فقال له :
كيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ فقال: أصبحت أحب الله،
(١) الس من الأمر واملس : تخلص وأفات .
٠

- ٥٤ -
وأمسيت أحمد الله ، وما تسأل عن حال رجلٍ إذا هو أصبح ظن
ألاّ يُمِى، وإذا أمسى ظن أنه لا يُصبح؟ إنّ الموت وذَكْره لم يدَعلمؤمنٍ
فرحاً ، وإن حق الله فى مال المسلم ، لم يدّع له من ماله فضةً ولا ذهباً،
وإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لم يدَع للمؤمن صديقاً ،
نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ، ويحدون على ذلك أعواناً من
الفاسقين ، حتى والله لقد رمونى بالعظائم، وايم الله لا أدَع أن أقوم
له فيهم بحقّه، ثم أخذ الطريق.
عن قيس بن بشر(١) بن عمرو ، عن أبيه قال: كسوت أويساً
القَرَّنى ثوبين، من العُرى .
عن مغيرة قال: إِن كان أويس القرّنى لَيتصدَّق بثيابه حتى يجلس
◌ُرياناً لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة .
عن أصبغ بن زيد قال: إنما مَنع أو يسا أن يقدمَ على النبيّ ◌َّه
برُّهُ بأمّه .
عن أصبغ بن زيد قال: كان أويس القرّنى إذا أمسى يقول: هذه
ليلة السجود فيسجدحتى يصبح، وكان إذا أمسى تصدّق بما فى بيته من
الفضْل من الطعام والثياب ، ثم يقول: اللهم من مات جوعاً فلا
تؤاخذنی به ، ومن مات مُریاناً فلا تؤاخذنى به .
(١) قط : بشير.

- ٥٥ -
الحسن بن عَمرو ، قال: سمعت بشراً يقول: بَلَغ من عُرْى
أويس أنه جلس في قَوْصرة(١).
النضر بن إسماعيل قال: كان أويسُ القَرَنى يلتقط الكسْر من
المزابل فيغسلها ويتصدق ببعضها ويا كل بعضها، ويقول: اللهم إنى
أبرأ إليك من كبدٍ جائع .
قال هَرم بن حيان لأويس القرنى: أَوْصِنى قال: توسَّد الموت إذا
مت، واجعله نصْبَ عينيك، وإذا قمت فادع الله أن يُصلِح لك قلبك
ونتتك، فلن تعالج شيئاً أشدّ عليك منهما ، بينا قلبك معك ونتتك إذا
هو مُدير، وبيْنا هو مدْبر إذا هو مُقْبِل، ولا تنظر فى صِغَر الخطيئة
ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
أبو عبد الله البناجى قال: زار هَرِمُ بن حيان أويساً ، فقال له
هرم: يا أويس واصلْنا بالزيارة . فقال أويس: قد وصلتك بما هو
أنفع لك من الزيارة واللقاء: الدعاء بظهر الغيب، لأن الزيارة واللقاء
قد يَعرض فيهما التزيّن والرِّعَاءِ.
قلت : كان أويس مشغولا بالعبادة عن الرواية ، غير أنه قد
أرسل الحديث عن النبى معَ له.
حميد بن صالح قال : سمعت أويسا القرنى يقول : قال رسول الله
وَّه ((احفظونى فى أصحابى، فإن من أشراط الساعة أن يَلَعَن آخرُ
(١) القوصرة : وعاء من قصب يجعل فيه التمر ونحوه.

- ٥٦ -
هذه الأمّة أوّلها، وعند ذلك يقع المقت على الأرض وأهلها ، فمن
أدرك ذلك فليضَع سيفه على عاتقه ثم ليلْقَ ربه عز وجل شهيداً فإن لم
يفعل فلا يلومن إلا نفسه(١) )).
ذكر وفاة أويس القرنى
قال المصنف : قد اختلف فى وقت موته .
عن عبد الله بن سالم قال: غزونا آذريجان زمن عمر بن الخطاب
رضى الله عنه ومعنا أويس القَرَنى. فلما رجعنا مرض علينا حملناه فلم
يستمسك فات، فنزلنا فإذا قبر محفور وماء مسكوب وكفَن
وحَنوط(٢) . فغسلناه وكفّناه وصلينا عليه. فقال بعضنا لبعض :
لو رجعنا فعلَّمنا قبره، فَرُحنا فإذا لاَ قَبر ولا أثر.
قال المؤلف : وقد روى أنه عاش بعد ذلك طويلاً .
عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: نادى رجلٌ من أهل الشام يوم
صفين : أفيكم أو يس القَرَنى؟ قال: قلنا نعم ، وما تريد منه؟ قال إنى
سمعت رسول الله عَ التي يقول: (أويس القر فى خير التابعين بإحسان))(٢)
(١) الحديث مرسل، وذكر البخارى أويساً فى الضعفاء، وقال الذهبى فى
الميزان ((ولولا أن البخارى ذكر أويسا فى الضعفاء لما ذكرته أصلا، فإنه من
أولياء الله الصادقين ، وما روى الرجل شيئا فيضعف أو يوثق من أجله)).
وحميد بن صالح غير معروف بالرواية .
(٢) الحنوط ( بفتح الحاء ) : ما يطيب به الميت
(٣) الحديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند بلفظ ((من خير التابعين
أويس » .

- ٥٧ -
وعطَف دابته فدخل مع أصحاب على عليه السلام (١).
عن عبد الرحمن بن أبى للى قال : نادى منادٍ يوم صفين ، أفى
القوم أويس القرنى؟ فوُجد فى قتلى على عليه السلام . (قال المؤلف:
هذا هو الصحيح) .
٣٩٩ - عبدة بن هلال الثقفى
عن عطاء بن السائب قال : قال عبدة بن هلال الثقفي: لله على
أن لا يشهد علىّ ليل بنوم ولا شمسٌ بأكل. قال: فأقسم عليه عمر
ابن الخطاب أن يفطر العيدين.
٤٠٠ - الحارث بن سويد التيمى
عن إبراهيم قال: كان الرجل يأتى الحارث بن سويد فيشتمه ،
فإذا فرغ قال الحارث ((فَمَنْ يَعَمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهْ، ومن يعملْ
مِثْقَالَ ذرّةٍ شَرَّا يرَهْ)) (٢) كفى هذا إحصاء .
عن أبى حيّان التميمى عن أبيه قال : صحب عبد الله بن مسعودمن
التيم سبعون رجلاً ، وكان الحارث بن سويد من أعلام نفساً.
(قال المؤلف): أسند الحارث عن على بن أبى طالب وابن مسعود،
و توفی بالكوفة فى آخر أيام ابن الزبير .
(١) إلى هذا ينتهى الساقط من ق .
(٢) الزلزلة : ٧ ٠- ٨ .

- ٥٨ -
٤٠١ - أبو عبد الر حمن السلمى
وإسمه عبد الله بن حبيب، أبو إسحاق السبيعى قال : أقرأ
أبو عبد الرحمن السلمى القرآنَ فى المسجد أربعين سنة.
عن شَمَر قال : أخذ بيدى أبو عبد الرحمن السلمّى فقال: كيف
قوَّتك على الصلاة ؟ فذكرت ما شاء الله أن أذكره ، فقال
أبو عبد الرحمن: كنت مثلك أصلّى العشاء، ثم أقوم أصلّى، فأنا حين
أصلى الفجر أنشط منى أول ما بدأت به
عن أبى عبد الرحمن أنه كان يؤنى بالطعام إلى المسجد . فربما
استقبلوه به فى الطريق فيطعمه المساكين، فيقولون : بارك الله فيكم.
فيقول: وبارك الله فيكم. ويقول: قالت عائشة: إذا تصدقتم فردّوا
حتى يبقى لكم أجر ماتصدقتم.
عن عطاء بن السائب قال: دخلنا على أبى عبد الرحمن فى مرضه
الذى مات فيه . قال: فذهب بعض القوم يرجيه. فقال: أنا لا أرجو
ربی وقد صمت له عانين رمضان؟ .
( قال المؤلف): أسند أبوعبد الرحمن عن عمر وعثمان وعلى وابن
مسعود وأبى الدرداء وغيرم ، وكان يُقرىء القرآن بالكوفة من
خلافة عثمان إلى إمرة (١) الحجاج، وقدم المدائن فى حياة حذيفة.
و توفى فى سنة خمس ومائة وله تسعون سنة .
(١) ط : إمارة.

- ٥٩ -
٤٠٢ - زاذان، أبو عمر ومولى كندة
سالم بن أبى حفصة، عن زاذان . أنه كان يبيع الثياب، فإذا
عرض الثوبَ ناول شرّ الطرفين(١).
عن زيد قال: رأيت زاذان يصلى كأنه جذع قد حُفر له(٢)
ابن نمير قال: قال زاذان: ياربّ إلى جائع. فسقط عليه من الرَوْزَنة(٢)
رغيف مثل الرَّحا. (قال المصنف): أسند زاذان عن علىّ ( عليه
السلام ) وابن مسعود وابن عمر وجرير وسلمان والبراء بن عازب ،
فى آخر ين، وتوفى بالكوفة أيام الحجاج بعد الجماجم.
٤٠٣ - الربيع بن خثيم الثوری
يكنى أبا يزيد
عن سعيد بن مسروق قال : قال عبدالله
الربيع(٤) بن خثيم: لورآك رسول الله صَ لّ لأحبك
عن أبى عبيدة قال: كان عبدالله يقول الربيع: ما رأيتك إلا
ذكرت المُخْبِتِين(٨). وكان الربيع إذا أتى عبد الله لم يكن عليه إذن
حتى يفرغ كل واحد منهما من صاحبه. وكان الربيع إذا جاء إلى باب
(١) أى طرفى الثوب ليرى الشارى ما فيه من عيب.
(٢) الطول قيامه فى الصلاة .
(٣) الروزنة . الكوة (.مربة).
(٥) لعل الصواب عبيدة، هو السلماني
(٤) ط : كان عبد الله فقول للربيع.
(٦) الخاشعين امام ربهم .

- ٦٠ -
عبد الله يقول للجارية : مَن بالباب ؟ فتقول الجارية : ذاك
الشيخ الأعمى .
عن حماد بن أبى سلمان قال: كان عبد الله بن مسعود إذا نظر
٠٠
إلى الربيع بن خثيم قال: مرحباً قال: أبا يزيد لوراك رسول الله تظليل
الأحبّك ولأوسع لك إلى جنبه. ثم يقول ((وبشر المخبتين)) (١)
عن علقمة بن مرتد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين،
منهم الربيع بن خثيم.
وكان يقول: أما بعد فأعدّ زادك وخُذ فى جهازك، وكن
وصی نفسك .
وقيل له : ألا تذكر الناس ؟فقال: ما أنا عن نفسى براضٍ فأتفرّغَ
من ذمها إلى أن أذمّ الناس ، إن الناس خافوا الله فى ذنوب الناس
وأمِنوه على ذنوبهم.
وقيل له حين أصابه الفالح: لو تداوَيت. فقال: لقد عرفت
أن الدواء حق ولكنى ذكرت عاداً ومود وقروناً بين ذلك كثيراً
كانت فيهم الأوجاع وكان لهم الأطباء، فما بقى المدواى ولا المدوّاى
أبو حيان، عن أبيه قال: ماسمعت الربيع بن خثيم يذكر شيئاً
من أمر الدنيا ، إلا أنى سمعته يقول: كم للتيم مسجد .
عن إبراهيم التيمى قال: أخبرنى مَن صّحِبَ(٢) الربيع بن
خثيم عشرين عاماً(٣) ما سمع منه كلمةٌ ◌ُعاب.
(١) الحج : ٣٤.
(٣) ق: سنة.
(٢) ق : سمع .