النص المفهرس

صفحات 501-520

- ٥٠١ -
فجئت إليه وقلت له: تقوم رحمك الله؟ فقال: أو نصلى عشاء
الآخرة. فقلت فى نفسى هذه ثانية. يريد أن فيه خيراً.
، فلما صّلينا جئت به إلى منزلى ولنا ثلاثة أبيات : بيت فيه أنا
وأهلى، وبيت فيه صبيّة مقعدة ولدتْ كذلك، لها فوق العشرين
سنة ، وبيت كان فيه ضيفنا .
فبينا أنا مع أهلى إذ دَقَّ داقٌ الباب فى آخر الليل، فقلت : مَن
بدقّ الباب؟ فقالت: أنا فلانة. فقلت: فلانة قطعة لحم مطروحة فى
البيت، كيف يستوى لها أن تمشى؟ فقالت : أنا هى، افتحوا لى
ففتحنا لها فاذاهىَ. فقلت: أىُّ شىء الخبر ؟ فقالت: سمعتكم تذكرون
ضيفنا هذا بخير فوقع فى نفسى أن أتوسل إلى الله عز وجل به فقلت:
اللهم بحق صيفنا هذا ويجاهه عندك إلا أطلقت أسْرى: فاستويتُ
وقمت وأنا فى عافية كما ترونی.
فقمت إليه أطلبه فى البيت فاذا البيت خالٍ ليس فيه أحد فجئت
إلى الباب فوجدته مغلقاً بحاله فقال معروف : نعم ، فيهم صغار وكبار.
یعنی الأولیاء.
٣٤٥- عابد آخر مجزوم
أبو عبدالله البرائى قال: قال خلف البرزالى : أتيت برجل
مجذوم ذاهب اليدين والرجلينْ أعمى، فجعلته مع الجذومين. فغفلت

%
- ٥٠٢ -
عنه أياماً ثم ذكرته فقلت: يا هذا إنى غفلت عنك فكيف حالك ؟
فقال لى حبيبى ومن أنا أحبه فقد أحاطت محبّته بأحشائى فلا أجد ما
أنا فيه من ألم مع محبته لا يغفل عنى.
فقلت له : إنى نسيت. فقال: إنّ لى من يذكرنى ، وكيف
لا يذكر الحبيب حبيبه وهو نصب عينيه تائه العقل واللب ؟ قلت له:
ألا أزوّجك امرأة تنظفك من هذه الاقذار؟ قال: فبكى ثم تنفس
ورمى ببصره نحو السماء وقال: يا حبيب قلبي. ثم أُغمى عليه.
فأفاق فقلت: ما تقول ؟ فقال: كيف تزوّجنى وأنا مالك (١)
الدنيا وعَروسها ؟ قلت : أىّ شىء الذى عندك من ملك الدنيا وأنت
ذاهب اليدين والرجلين ، أعمى ، تأكل كماتأ كل البهائم ؟
قال: رَضِىَ(٣) عنى سيدى إذا إلى جوارحى وأطلق لسانى بذكره.
قال: فوقع منّى بكل موقع(٣) فالبث إلا يسيراً حتى مات .
فأخرجت له كفنا فيه طولٌ، فقطعت منه. فأتيت فى منامى فقيل لى:
ياخلف بخلتَ على وليّ ومجيّ بكفن(٤) طويل ؟ قد رددنا عليك
كفنك وكفّناه(٥) عندنا بالسندس والاستبرق . قال : فصرتُ إلى
بيت الأكفان فاذا الكفن مُلقَى .
(٣) ق، قط: منزة
(١) ق، قط: ملك (٢) ط : رضاى، غلط.
(٥) ق : كفناه.
(٤) صف: (( بخلت وجئتنى بكفن .. ))

- ٥٠٣ -
٣٤٦ - عابد آخر
قال إبراهيم الآجرى الكبير: كنت يوماً قاعداً على باب
المسجد فى يوم شاتٍ إذ مرّ بى رجل عليه خرقتان فظننت أنه من
هؤلاء الذين يسألون. فقلت فى نفسى: لو عمل هذا بيده كان خيراً
له . قال : ومضى الرجل .
فلما كان الليل أتانى ملكان فأخذا بضْعى (١) ثم أدخلافى المسجد
الذى كنت على بابه قاعداً، فإذا رجل نائم عليه خرقتان . فكشف
إلى] عن وجهه فاذا هو الذى مربى. فقالالى: كَلْ لحمه . فقلت :
ما اغتبتُه. قالالى : بلى حدثت نفسك بغيبته، ومثلك لايرضى منه
مثل هذا .
قال: فانتبهت فزعاً فمكثت ثلاثين يوماً أقعد على باب المسجد
لا أقوم إلا لفرْض ، أنتظر أنْ يِّبِى فأستحلّه .
فلما كان بعد الثلاثين مربى على حاله والخر قتان عليه . فوثبت
إليه فغمز وغمزت خلفه ، فلما خفت أن يفوتنى قلت : ياهذا قف
أكلّك. قال: فالتفت إلىّ ثم قال: يا إبراهيم وأنت أيضاً ممن يغتاب
المؤمنين بقلبه ؟ قال : فسقطت مغشياً علىّ. قال : فأفقت وهو عند
رأسى فقال: أتعود ؟ قلت : لا . ثم غاب عن عينى فلم أره بعد ذلك .
(١) الضبع : العضد، أو وسطها .

- ٥٠٤ -
٣٤٧ - عابد آخر
قال الجنيد: أرقت ليلة فرمتُ السكون فما وجدته، ثم اجتهدت
فى قضاء وردٍ كان لى فلم أقدر. ثم حرصت على دراسة شىء من
القرآن فلم أقدر ، فوقع(١) بى انزعاج شديد فأخذت ثوبى على كتفى
ثم انصرفت(٣) وذاك آخر الليل .
فاما توسطت الدرب عثرت بإنسان ملتفّ فى عباء فرفع رأسه
وقال: إلى الساعة؟ فقلت: سيدى عن موعد تقدم؟ فقال: لا، ولكن
سألت محرّك القلوب أن يحرّك لى قلبك. فقلت : قد فعل حاجة؟ قال:
نعم قلت: ماهى؟ قال يا أبا القاسم متى يكون الداء دواء ؟ فقلت:
إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها . قال : فتنفس وقال :
قد أجبتها بهذا الجواب الليلة(٣) سبع مرات . فقالت: لا أو أسمعه
من جنيد، ها قد سمعت منه . ثم مضى فما رأيته بعد ذلك:
٣٤٨ - عابد آخر
عبيد الله بن عبد الله قال: كنت عند الجنيد يوم قدِمَ أبو حفص
النيسابورى فوثب إليه الجنيد وعانقه، فقال الجنيد: دعنى من المعانقة،
عندك شىء تطعمنى؟ فقال له: أيّ شيء تومى؟ فعّن له على شيء يطبخ
(١) ط: وقع.
(٢) ق : وخرجت .
(٣) فى حاشية ط: ((ههنا انتهى الموجود من النسخة الآصفية)).

~ ... -
فالتفت الجنيد إلى بن زيرى فقال: قد سمعت: فمضى ابن زيرى فغاب
ساعة ثم عاد ومعه ما أراد. فقال الجنيد لأبى حفص: قد حضر
ما ذكرتَ . فقال: يا أخى قد أخببت أن أوثر به، أتساعدنى ؟ فقال
له : أحب ما تحب. فقال الجنيد لابن زيرى: قد سمعت فأنفذ.
إلى مستحق فأقبل ابن زيرى إلى الحمال فقال :
امش بين يدىّ وحيث أعييتَ فقف. فمشى الجمال ساعة ووقف
بين دارين فدق ابن زیری أقرب الدارين إلی الحال فاذا نداء من داخل
الدار : ادخُل إن كان معك كذا كذا وإلا فلا، وعين (٢) على ما كان
مع الجمال . قال: ففتحت الباب فاذا شيخ قاعد وخيش مرسل على باب،
فوضعت ما كان مع الجمال بين يدى الشيخ وصرفت
الحمّال وقعدت .
فقال لى : وراء هذا الخيش صبيان وبنات يحتاجون إلى هذا الطعام.
فقلت له : لا أنصرف أو تخبرَ فى بالحال. فقال: هؤلاء الصبيان يسألونى
هذا الطعام منذ مدّة ولم تسامح نفسى أن أَسأل الله تعالى، فوجدت
البارحة مسامحةً أن أسأل فجعلت علامة إجابة الله إياى وجود المسامحة
من السؤال، فلما دققتَ الباب علمت ما معك .
(١) ط : عين.

- ٥٠٦ -
٣٤٩ - عابد اخر
من بعض قرى بغداد
بلغنا عن جنيد قال: سمعت السرىّ بن المغلس يقول: إن فى قرى
بغداد لأولياء لا يعرفهم الخلق. قال: وكنت أدور فى القرى لعلى
أحد منهم واحداً فبينا أنا يوماً فى بعض القرى دخلت مسجداً فرأيت
فيه شاباً ساكتاً فتقدّم إلىّ وقال [لى ] أتأذن أن أسألك مسألة؟
فقلت: هات . (فقال: مسألة) فسأل مسألة من أحوال القلب دقيقة
فأجبته فقلت له : يقع لك مثل هذه المسألة؟ فقال: كثير. فقلت:
كيف تعمل؟ قال : أنا إنسان قد لازمت هذا الموضع فإذا وقع لى مثل
هذه المسألة قيض الله لى ولياً مثلك فيجيبنى . فعلمت صدق
قول السرى .
٣٥٠ - عابد آخر
أبو جعفر السقّاء قال: خرجت يوماً من بيتى فى يوم مطير فإذا
أسْود مطروح على المزبلة مريض فجررته فأدخلته إلى بيتى . فلما
أمسينا دعانى فقال : يا أبا جعفر لا تفسد ما صنعت، اقعد عندى.
قال : وفاح البيت بريح المسك وصار ريح جبتى وكسائى وجرتى
وكوزى وكل شىء فى البيت ريح المسك .
قال: فقال أقعد عندى. قال: ثم قال بيده: هكذا، لا تضّق

- ٥٠٧ -
على جلساتى. قال: فسمعته يقول)» :. ( آندَك آندَك يا بارْ خُداه(١)،
ارفُقْ بى يا مولاى) . قال ثم خرجت نفسه .
قال: قلت: أبيع كسائی، أبيع جبتیفأشترى له كفناً. قال: فطرق
بابى قريب من سبعين إنساناً ، كل يقول : يا أبا جعفرمات عندك
إنسان يحتاج إلى كفن.
٣٥١ - عابد آخر
عن أبى الحسن بن خيرون صاحب أبى بكر عبد العزيز قال: قال لى
أبو بكر عبد العزيز:
كنت مع أستاذى ، يعنى أبا بكر الخلال، وأنا غلام مشتدً.
فاجتمع جماعة يتذاكرون بعد عشاء الآخرة . فقال بعضهم لبعض :
أليس مقبل يعنى رجلا أسود كان ناطوراً بباب حرب لنا مدة مارأ يناه؟
فقاموا يقصدونه . وقال لى أستاذى ، يعنى الخلال : لا تبرح ،
احفظ الباب .
فتركتهم حتى مضوا وأغلقت الباب وتبعتهم فلما بلغنا بعض
الطريق قال أستاذى: هو ذا أرى وراءنا شخصاً آخر ، قفوا فقالوا
(١) العبارة فارسية، تقوله: ((أندك أندك)) معناه: قليلا قليلا، والمراد:
ارفق. وقوله: (( يا بار خداه)، معناه يا الله، أو: يامولاى. فـ((بار خدا)»:
الله جل شأنه ، والسيد ، والمولى .

- ٥٠٨ -
لى : من أنت؟ فامسكت فزعاً من أستاذى. فقال أحدم لأستاذى:
بالله عليك إلا تركته فتركنى، ومضيت معه فدخلنا إلى قَراح فيها
باذنجان مملوء(١) والأسود قائم يصلّى فسلموا وجلسوا إلى أن سلم
وأخرج كيسا فيه كِتَر يابسة وملح جَريش(٢). قال: كلوا فأكلوا
وتحدثوا وأخذوا يذكرون كرامات الأولياء وهو ساكت.
فقال واحد من الجماعة : يامقبل قد زرناك فما تحدّثنا بشىء ؟
فقال: أيّ شيء أنا وأىّ شىء عندى أحدثك؟ أنا أعرف رجلا لو
سأل الله تعالى أن يجعل هذا القراح الباذنجان ذهبًا لفعل .
فوالله ما استم الكلام حتى رأينا القراح يتقد ذهباً فقال له
أستاذى، يعنى الخلال: يامقبل، لاحد سبيلٌ أن يأخذ من هذا
القَراح أصلا واحداً ؟ فقال له: خذ وكان القراح مسقّياً. فأخذ أستاذى
الاصل فقلعه بعروقه وجميع ما فيه ذهباً . فوقعتْ من الاصل باذنجانة
صغيرة وشىْء من الورق ، فأخذتهُ وبقاياه معى إلى يومى.
قال: ثم صلّى ركعتين وسأل الله تعالى فعاد القراح كما كان، وعاد
مكان ذلك الأصل أصل باذنجان آخر .
(١) فى النسخ: مملوا. ق: «فيه باذنجان)). والقراح: الأرض لا ماء
فيها ولا شجر .
(٢) الجريش، من الحب والملح ونحوهما: ما طحنته غير ناعم.

-"-
٣٠٢ - عابدآخر
محمد بن داود الرقيّ قال: كنت ماراً ببغداد وإذا بعض الفقراء
يمر فى الطريق وإذا مغنّ يغنى ويقول :
أمتكفى بالخضوع
إلى الذى جاد بالصنيع
قال فشهق الفقير شهقة خرّميتاً .
قال المؤلف : وقد رويت لنا عن الرقى عن غيره .
الحسين بن محمد قال: سمعت الرقى يقول: سمعت العسقلانى يقول:
كنت ماراً ببغداد فإذا أنا ببعض الفقراء ماراً فى الطرق ومغن
يغنى ويقول -:
أمدّكفىّ بالخضوع إلى الذى جاد بالصنيع
قال : فشهق الفقير شهقةً خرّميتاً .
٣٥٣ - عابد آخر
بلغنا عن أبى الصوفى قال : دخلت فى يوم عيد على بعض مشايخنا
فرأيت عنده خلاّ وِهْنَدباء (١) فاشتغل قلبى وخرجت فدخلت على
بعض أهل الدنيا فأخبرته فدفع إلىّ صرّة فيها درام وقال: احملها إليه.
فقلت: جئت بها لتستعين بها على وقتك. قال : وما الذى رأيت من
(١) الهندبا : نوع من البقول، يؤ كل .

- ٥١٠ -
حالى؟ قلت : له : رأيت عندك خلاً وهندبا فقال: كأنّك افتقدت
ذلك لو كان فى بيتى أمرأة كنت تفتقدها قم فوالله لاكلّمتك (١)
شهراً .
فخرجت فضرب الباب فى وجهى فسال الدم . فأتيت الشبلى
فقلت له يا أبا بكر: رجل مشى فى طاعة الله فانفتح وجهه ما سبب
هذا؟ فقال: لعله أراد أن يأتى إلى شىء صاف يكدّره .
٣٥٤ - عابد اخر
عن أبى الحسين بن سمعون قال: اجتزت يوماً على الصّراة (٢)
فرأيت امرأة تلتقط ورق البقل الذى يأتى على الماء، فقلت : لا شك
أن هذه امرأة فقيرة. فوقفتُ حتى رجعتْ. فتبعتها، فأنت إلى دار
فدخلت مرحعت إلى يدى ، فما استقرفى المنزل حتى أتانى خادم معه
دنانير ودراهم فقال: أدفع هذا إلى محتاج .
فأخذته وقمت فأتيت بيت المرأة فطرقت الباب فخرج رجل من
خواص مجلسى ومن الملازمين لى فلما رآنى قال : مالك هكذا ؟
فقلت : جئتكم بهذه الدنانير تستعينون بها على الوقت . فنظر إلى
(١) ط : قال.
(٢) ط : لاأ كلمك .
(٣) الصراة نهر ببغداد .

- ٠١١ -
مغضباً وقال: ياشيخ تحذّرنا من الدنيا وتأتينا بها. ثم ردّ الباب فى
وچھی ودخل فرجعت منکسراً إلى بيتى .
ثم قلت فى نفسى : لابد أن أعود إليه فأعتذر فأتيته فى اليوم .
الثانى فطرقت الباب مراراً فلم يحبنى أحد، وإذا امرأة من الجيران
تقول: مالك يارجل ؟ فقلت لها : ما فعل أهل هذه الدار؟ فقالت:
كان فى هذه الدار رجل مع والدته وكنا نتبرك بهم فجاء بالامس شيطان
فكلّمهم بماكرهوا فانتقلوا عنا .
قال: فعدت وأناشديد الحزن على ما فعلت وجعلت أتفقد مجلسى
ولا أرى الرجل .
فلما كان يوم عرفة وأنا أتكلم على الناس رأيته فى أواخرم .
فلما انقضى المجلس مضيت إليه وسلّمت عليه فرد على وقال : لا تَعِدْ
ءُ
ما فات، ولا تقل شيئاً، فلولا أنى أعتقد كلامك دواء لقلبى لم أحضر
وإنما غبتُ عنك لانا انتقلنا إلى مكان آخر حتى لا نعرف. فقلت :
ما أتيتُ إلا معتذرا وما أعود. ثم فارقته(١).
(١) إلى هنا ينتهى الجزء الثانى من نسخة مكتبة الأوقاف بحلب، وهى التى
نرمز لها :(ق). وجاء فى آخر صفحة منها: « وافق الفراغ من نساخته يوم الخميس
الثالث من شهر ذى الحجة من شهور سنة أحد ثمانين وسمائه من الهجرة النبويه
صلوات الله على صاحبها واله وسلم تسليماً كثيراً. ويبدأ بعد ذلك الجزء الثالث
وهو مجهول التاريخ، لأنه نقص صفحات من أوله واخره، كتبها ناسخ متأخر

ذكر المصطفين من عقلاء المجانين ببغداد
٣٥٥ - سعدون المجنون
قال يحيى بن أيوب : خرجت يوماً إلى مقابر باب خراسان، ثم
جلست فى موضع أرى منه مَن يدخل المقابر . فنظرت إلى رجل دخل
المقابر مقتّعاً فجعل يجول فى المقابر كلما رأى قبراً محفوراً أو منخسفاً
وقف عليه وبکی .
فقمت رجاءأن أنتفع به، فلماصرت إليه إذا هو سعدون المعتوه
وكان يكون فى كوخ مقابر عبدالله بن مالك. فقلت له : يا سعدون
أى شىء تصنع؟ فقال: يا يحى هل لك فى أن تجلس فنبكى على يلىّ
هذه الابدان قبل أن تبلى فلا يبكى عليها باك ؟ ثم قال: يا يحى البكاء
من القدوم على الله عز وجل أولى بنا من البكاء على ◌ِلىَ الابدان ثم
قال: يا يحيى: ((وإذا الصُّحُف ◌ُشْرَت(١))» ثم صاح صيحة شديدة
وقال: واغو ثاء بالله مما يقابلنى في الصحف . قال يحيى: فعشى على
فأفقت وهو جالس يمسح وجهى بكمّه وهو يقول : يا يحيى من
أشرف منك لومتّ - ؟
قال الفتح بن شخرف: كان سعدون صاحب محبة لله ، صام ستين
(١) التكوير: ١٠

- ٠١٣ -
سنة حتى خف (١) دماغه فسماه الناس مجنوناً لتردد قوله فى المحبة فغاب
عنا زماناً فبينا أنا قائم على حلقة ذى النون رأيته عليه جية صوف وعليها
مكتوب: لاتباع ولا تشيرى (٢) فسمع كلام ذى النون فصرخ وأنشأ
يقول :
ولاخيرَ فى شكوى إلى غير مشتكى ولابدمن سلوى إذا لم يكن صبر
أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت ذا النون المصرى يقول : خرج
الناس إلى الاستسقاء بالبصرة فخرجت فيمن خرج فبينا أنا مارّ بين
الناس إذا بيدين قبضَتنا على رجلى فقلت من أنت؟ خَلّ عنى. فقال : أنا
سعدون المجنون أين تريد يا أبا الفيض؟ قلت أريد المصلى أدعو الله
تعالى [ فقال: بقلب سماوىّ أو بقلب جاف؟ (١) فقلت] بقلب
سماوى. قال: أنظر [ ياذا النون] لأُ تَبَهْرِج، فان الناقد بصير . وقال
تدعو الله وأؤمّن على دعائك أو أدعو الله وتؤمّن على دعائى؟ فقلت .
تدعو أنت وأؤمن عليه .
قال : فصفّ قدميه ثم قال إلهى بحق البارحة إلا أمطرْ تَنَا قال ذو
النون : لقد رأيت الغيوم قد ارتفعت عن المين والشمال حتى التقت،
(٣) ق : جف ..
(٤) ط: لا يباع ولا يشترى .
(٣) فى حاشية ط: (ب: خاو. ((تنبيه)): جعلنا حرف (ب)) علامة النسخة
المحفوظة بدار حكومة الهند بلندرة ((برتش ميوزيم - لندن)))
(٢) بهرج: عدل عن الصواب إلى غيره.
(م ٣٣ - صفة الصفوة- ٢)

- ٥١٤-
فجاءنا المطر كأفواه العزالى (١) فقلت له: بحق معبودك أى شىء كان
بينك وبين الله البارحة ؟ فقال لى لا تدخل بينى وبين قُرّة عينى قلت لابد
أن تخبرنى فأنشأ يقول :
مخافةً أن أضلّ فلا أراهُ
أنستُ بهِ فلا أبنى سواءٌ
بطرْدك عن مجالس أولياء
فحسبكَ حصرةً وَضَى وَسُقْماً
قال ذو النون: رأيت سعدونا فى المقبرة فى يوم حارّ، وهو يناجى
ربه عز وجل بصوت عال ويقول أحد أحد فاًتبعته فسلمت عليه فرد
على السلام فقلت له بحق من تناجيه إلا وقفت لى وقفة .. فوقف وقال
لى قُل وأوجز فقلت: أومنى بوصيه أحفظها عنك أو تدعولى بدعوة
فقال :
ومَعدنُ العلم بين جنبيكا
ياطالبَ العلم ههنا وهنا
فأذرف الدمعَ فوق خديكا
إن كنت تبغى الجنانَ تدخلها
وأدع لكما يقول : لبيكا
وقَمْ إذا قام كل مجتهد
قال: ثم مضى فقال: ياغياث المستغيثين أغثنى. قلت له: ارفق
بنفسك، فلعله يلحظك بلحظة فيغفر لك . فنفض يدة من يدى وعدا
يقول :
(١) العزالى: مفردها عزلاء، وهو مصب الماء من القربة ونحوها. إشارة
الشدة وقع المطر .

- ٥١٥ -
أنسْتُ به فلا أبغى سواءُ مخافَةً أن أضَلَّ فلا أراهُ
بطردكَ عن مجالس أولياءُ
فحسبك حسرةً وضىّ وسُقْماً
قال الأصمعى: مررت بسعدون المجنون فإذا هو جالس عند رأس
شيخ سكران يذبّ عنه. فقلت له: سعدون مالى أراك جالسًاً عند
رأس هذا الشيخ؟ فقال: أنه مجنون فقلت له أنت المجنون أو هو ؟
قال لابل هو قلت: من أين قلتَ ذلك .؟ قال: لأنى صليت الظهر
والعصر جماعة وهو لم (١) يصل جماعة ولافرادى. فقلت له : فهل قلت
في ذلك شيئاً فأنشأ يقول:
وأصبحتُ أشرب ماءٍ قَراحا
تركت النبيذ لأهل النبيذ
ويكسو الوجوه التضار الصباحا
لأن النبيذَ يذلُّ العزيزَ
فما المدْر فيه إذا الشيب لاحا؟
فإن كان ذا جائزاً للشبابِ
فقلت له : صدقت وانصرفت .
قال صالح المرى: قرأت بين يدى سعدون المجنون ((كأنهن"
الياقوت والمرجان)) (٢) فصرخ ثم قال ملاح واللهِ. ثم أنشأ يقول.
هىَ حسن كما هيه
إن فى الخلد جارية
رق بالَغَنْجِ ماشيه
لو تراها على النما
لك ماعشتَ باقيه
أنها
لمنّت
(١) ط: فلم. والتصويب من ق :
(٢) الرحمن : ٥٨

__ ٥١٦ _
كتبت فى شقائق الخدّ سطراً بغاليه :
أنا للزّاهد الذى عينهُ الدهرَ باكيَهْ
٣٥٦- بهایل
سرىّ السقطى قال: اجهزت يوماً بالمقابر فإذا أنا يُبهلول (١) قدولى
رجليْه فى قبر وهو يلعب بالتراب. فقلت: أنت ههنا؟ قال: نعم أنا
عند قوم لا يؤذونى، وإن غبت عنهم لايغتابونى . فقلت: يا بهلول،
الخبز قد غلا. فقال: والله ما أبالى ولو حبة بمثقال: إنّ علينا أن نعبده
كما أمرَ نا وعليه أن يرزقنا كما وعدنا ثم ولىّ عنى وهو يقول :
ولاتنامُ عن الذّات عيناه
يا مَن عَنَّع بالدنيا وزينتها
تقول لله ماذا ؟ حين تلقاه
أفنيت عَمَرَك فيما لستَ تُدركه
[ عن سرى السقطى قال: خرجت يومًا إلى المقابر فرأيتُ بهاولاً
قددلى رجليه فى قبر وهو يعبث بالتراب ، فقلت له: أيَّ شىء تصنع
ههنا؟ فقال: أنا عند قوم لا يؤذونى، وإن غبتُ عنهم لا يغتابونى.
فقلت (٣) ]لا تكون جائعاً؟ فولى وأنشأ يقول -:
نجوعُ فإن الجوع من علم التقىَ
وإن طويلَ الجوع يوماً سيشبعَ
(١) تطلق هذه الكلمه على السيد الجامع لكل خير . ولكن ابن الجوزى
يريد بها المجنون أو الأبله أو الغبى . والكلمه بهذا المعنى عامية .
(٢) ما بين قوسين ليس فى ق. وفيها بدل: ((وفى رواية: قلت له)

- ٠١٧ -
فقلت له: إنّ الخبز قد غلا. فقال: والله ما أبالى ولو بلغت
حبةٌ بمثقال، علينا أن نعبده كما أمرَ وعليه أن يرزقنا كما وعد. ثم ولىّ
وهو يقول](٣).
إنما الراحة فى دار القرار
أفّ الدنيا فليست لى بدار
فی لی جسمی بليل ونهار
أبتِ الساعاتَ إلّ سرعةً
عن الفضل بن الربيع قال حججت مع هارون الرشيد، فررنابالكوفة
فاذا بهلولٌ المجنون بهذى، فقلت: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين.
فسكت : فلما حاذاه الهودج قال: يا أمير المؤمنين حدَّثنى أيمن بن
نابل قال: أنبأنا قدامة بن عبد الله العامرى قال: رأيت النى على الله
عليه وسلم بنى على جمل وتحته دخل رث قلم يكن ثَمَّ طرد ولا ضرب
ولا إليك إليك. قلت ياأمير المؤمنين إنه بهلول المجنون. قال: قد
عرفته، قل يا بهلول فقال: يا أمير المؤمنين.
هَب اذّك قد ملكت الأرضَ مُرّاً ودانَ لك البلاد فكان ماذا؟
أليس غداً مصيرُك ◌ُتُرْبِ ويُحَتَو الْتَرْبَ هذاُ ثُمَ هذا؟
قال: أجدْت يأُبهلول، أفغيره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، مَن
(١) مابين قؤسين ساقط من ق، وفيها بدله: ((وقال أيضاً)).

- ٥١٨ -
رزقه الله جمالاً ومالاً فعففى جماله،واتّقی فی ماله، گُتب فیدیوان
الابرار .
قال: فظن أنه يريد شيئاً. قال فاناً قد أمرنا بقضاء ذينك. قال
لا تفعل يا أمير المؤمنين، لاتقض ديناً بدَ بِن، اردُد الحق إلى أهله واقض
دین نفسك من تفسك .
قال: انا قد أمرنا أن تُجرى عليك جراية. قال: لا تفعل يا أمير
المؤمنين، لا يعطيك وينسانى، أجرى على الذى أجرى عليك لا حاجة
لی فی جراتك.
٣٥٧ - مجنون آخر يقال له
أبو على (المعتوه)
خلف بن سالم قال: قلت لأبى على | المعتوه، وكان ينزل فى
اُلْخَرَّمَ (١): يا أبا على] ألك مأوى؟ قال: نعم. قلت: وأين. مأواث؟
قال فى دار يستوى فيها العزيز والذليل. قال: قلت له: وأين هذه الدار
قال: المقابر. قلت ياأبا علىّ ما تستوحش فى تُلم الليل؟ قال : إنى
(١) المخرم (بضم أوله وتشديد الراء المكسورة ): محلة كانت ببغداد ، وفيها
كانت الدار التى يسكنها السلاطين البويهيه والسلجوفيه.

-٥١٩ -
أُكثرذَكْر كُلَ اللّد ووحشته، فهَّنَ عَلَى ظُلَمَ الليل. قلت له: فربما
رأيت فى المقابر شيءما تنكره: قال: ربما، ولكن فى هول الآخر ما يشغل
عن هول المقابر .
قال الأشهلى : قلت لأبى: ياأبة مثل هذا الكلام الجيد الصحيح
يتكلم به مجنون؟ قال: يابنى هؤلاء قوم كان لهم فضل وِدين ومعرفة ،
فزالت عقولهم وبقىَ ذلك الفضل، فلم يختلط فيما اختلط.
٣٥٨ - مجنون آخر
أبو بكر الشبلى قال: رأيت يوم الجمعة معتوهاً عند جامع الرصافة
قائماً عُريانً وهو يقول: أنا مجنونُ الله، أنا مجنونُ الله. فقلت له: لم
لا تدخل الجامع وتتَوارى وتعلى؟ فأنشد:
وقد أسقطت حالى حقوقَهم عنى
يقولون زرنا واقض واجب حقنا
ولم يأنفوا منها أنفتُ لهمْ منىّ
إذا هَمْ رأوْا حالى ولم يأَنَفوا لها
٢٥٩ - مجنون آخر
قال لى ابن القصاب الصوفى البغدادى دخلنا جماعة إلى المارستان
فرأينا فيه فتى مصابًا شديد الهوَس، فولمنابه، وزدنافى الوَع فأتعبنا.
فصاح وقال: أنظر إلى شعور مطرَّرة وأجسادِ معطّرة، قد جعلوا

- ١٢٠ -
الولع بضاعة، والسخف صناعة، جانبوا العلم رأساً. فقلنا له محسن
العلم؟ نسألك. فقال، أى والله إنىّ لأحسن علماً جماً فسلونى.
فقلت له: مَن السخىُّ فى الحقيقة؟ فقال. الذى رزق أمثالكم وأنّم
لا تساوون قُوتَ يومٍ فضحكنا وقلنا: مَن اقل الناس شكراً؟ قال من
◌ُوفىَ من بليه فرآها فى غيره فترك المبرة والشكر إلى الطنز(١) واللهو
فكسرَ قلوبنا بذلك.
فقال له آخر: ما الَّطْرِف؟ قال: خلافُ ما أنتم عليه. ثم بكى وقال
ياربّ إن لم تردّ عَلّى عقلى فَرُدَّ علىَّ يدى لعلى كنت أصفع واحداً
من هؤلاء.
فتركناه وانصرفنا .
(١) الخبر: السخرية والاستهزاء.