النص المفهرس

صفحات 481-500

- ٤٨١ -
وحكى أبو الوفاء بن عقيل قال: هجم عيد على عبد الصمد
والبيت فارغ من القوت ، فجاءه رجل بدراهم فقال: خذ هذه . فقال:
يا هذا بالله دعنى اليوم أتلذذ (١) بفقرى كما يتلذذ الأغنياء بغنام، وكان
يقول أبداً اوجدهم فى تعذيبه عذوبة. (٢)
(قال المؤلف): بلغنى عن عبد الصمد أنه كان فى دعوة فقيل له :
انبسط وتَمكّنْ فقال: وما يمكّنى؟ من يحتشم ربه فى الخلوة لا ينبسط.
وكان يحرض أصحابه على الجِدّ ويقول: هيه قد فاتتكم الدنيا
فلا تفوتتكم الآخرة .
وقال التنوخى: حدّثى من حضر عبد الصمد وقد احتضر،
فدخلتْ عليه أم الحسن بنت القاضى أبى أحمد بن الا كفانى، وكانت
أحد من يقوم بأمره ويراعيه . فقالت له : أسألك وأقسم عليك
إلا سألتنى حاجة. فقال لها : نعم كونى لهنّة، يعنى ابنته، بعد موتى
كما أنتٍ لها فى حياتى. فقالت: أفعل. ثم أمسك ساعة وقال:
أستغفر الله، وكرّرها، الله لها خيرٌ منكِ .
وحكى ابن عقيل عن بعضَ من حضر عبدالصمد عند الموت قال:
(١) ق : أتلذذ اليوم.
(٢) ق: وعذوبة. قط: ((يقول إذا أوجدهم أبدا أوجدهم تمذيبه)).
(م - ٣١ صفة الصفوة = ٢)

- ٤٨٢ -
حضرُته وهو يقول: يا سيدى لليوم خبّأتك، ولهذه الساعة اقتنيتك،
حقّق حسن ظنى بك .
أسند عبد الصمد عن أحمد بن سلمان النجّاد.
و توفى يوم الثلاثاء لسبع بقین من ذى الحجة . وقيل : فى آخر
يومٍ من ذى الحجة سنة سبع وتسعين وثلاث مائة . وقيل : توفى ليلاً
وكانت وفاته بدرب شماس ، من نهر الغلابين (١) وقبره اليوم ظاهر
◌ُتّبرك به بمقبرة الإمام أحمد .
٣٣٢ - عثمان بن عيسى أبو عمر " الباقلاوى
كان يقال له : العابد الصّموت ، لإمساكه عن الكلام
فيما لا يعنيه.
قال أحمد بن على الحافظ : كان عثمان الباقلاوى أحد الزهاد
المتعبّدين ، منقطعاً عن الخلق، ملازماً للخلوة .
قال: وسمعت بعض الشيوخ الصالحين يقول : سمعت عثمان
البافلاوى يقول : إذا كان وقت غروب الشمس أحسست بروحى
كأنها تخرج، يعنى لاشتغاله فى تلك الساعة بالافطار ، عن الذّكر.
(١) قط: القلابين، ق . العلابين .
(٢) ق ، قط . أبو عمرو.

- ٤٨٣ -
قال: وسمعته يقول: أحب الناس إلىّ من ترك السلام علىّ
لأنه يشغلنی بسلامه عن الذكر.
وقال محمد بن محمد بن عبد العزيز العباسى: حدثنى أبى قال :
مضيت يوماً فى صحبة خالى إلى عثمان بن عيسى الباقلاوى ، فتلقّينا.
خارجاً من المسجد إلى داره وهو يسبح: فقال له خالى: ادع لى فقال:
يا أبا عبد الله شغلتنى انظر ما تظنه فىّ فافعله وادع أنت لى فقلت له
أنا: بالله ادْعُ لى. فقال لى: رفَق الله بك. فاستزدُته . فقال: الزمان
يذهب والصحائف تختم.
وعن أبى الحسين محمد بن محمد بن المهتدى أنه قال : هذا الذى
أنا فيه من بر کة عثمان الباقلا وی، وزنك أننی کنت أصلی به فكان
إذا خلا بى مسح يده على صدرى ودعالى ، فأنا أعتقد أن الذى أنا فيه
أنمن بركة دعائه .
قال: وكان له مغتسل وحارة (١) فى المسجد، فكان يصلى بينهما
وكنت أصلّى به شهرَ رمضان. فقرأت ليلةً سورة الحاقة حتى أتيت
هذه الآية: (فيو مَئذٍ وقَمتِ الواقعةُ)(٢) فصاح وسقط مغشياً
عليه، فما بقى أحد فى المسجد إلا انتحَب.
وكان عثمان يتعمم بشاروفة ، وكان يأكل من كسب
(١) الحارة : مستدار من فضاء.
(٢) الحاقة : ١٥

- ٤٨٤ -
البوازى(١) وكان قد سأله السعيد التركي أن يصل إليه منه شىء، فأبى.
فقال له : اذْ أبيت فتأذنُ لى أن نشترى دُهنا نُشعله فى المسجد؟ وكان
مأواه المسجد، ما كان يخرج منه إلا إلى الجمعة . فأجاب إلى ذلك . فلما
عاد الرسول على أنه يحمل إليه دهنا قال له : لا تجثنى بشىء آخر فقد
أظلم على البيت .
أسند عثمان الباقلاوى عن إبراهيم بن محمد المطوعى، والحسن بن
أبى النجم مؤدّب الطائع لله، وغيرهما وتوفى فى يوم الجمعة لسبع بقين
من رمضان سنة اثنتين وأربع مائة ودفن فى مقبرة جامع المنصور .
عن عرس الخباز قال: لما دفن عثمان الباقلاوى رأيت فى المنام بعض
مَن هو مدفون فى جوار قبره، فقلت له: كيف فَرحكم بجوار عثمان؟
فقال: وأين عثمان؟ لمآ جىء به سمعنا قائلاً يقول: الفردوس الفردوس.
أو كما قال - رحمه الله .
٣٣٣ - بكر بن شاذان بن بكر، أبو القاسم
قرأ القرآن على جماعة ، وسمع الحديث من جعفر الخلدى، وأبى
بكر الشافعى، وغيرهما وكان يقرىء القرآن ویروى الحديث ويعظ
الناس. وكان من قوّام الليل وأهل التقوى .
(١) مفردها البازى وهو طير من الجوارح يصاد به . ويجمع أيضا على
بزاة وبيزان .

- ٤٨٥ -
عن الحسن بن غالب المقرىء أن بكر بن شاذان وأبا الفضل التميمى
جرى بينهما كلام، فبدر من أبى الفضل كلمة ثقلت على بكر وانصرفا.
ثم ندم التميمى فقصد أبا بكر بن يوسف وقال(١) له: قد كلّتُ بكراً
بشىء [قد] خفى عليه(٢) وندمت على ذلك، فأريد أن تجمع بينى
وبينه . فقال له ابن يوسف سيخرج لصلاة العصر. فخرج بكر وجاء
إلى ابن يوسف والتميمى عنده ، فقال له التميمى: أسألك أن تَجعلنى
فى حلّ. فقال بكر: سبحان الله ما فارقتك حتى أحللتك وانصرف .
قال التميمى : قال لى والدى: يا عبد الواحد احذر أن تخاصم مَن إذا
نغتَ كان منتبها .
قال ابن غالب: وكان ليكر وِرْد من الليل لا يُخْلّ به.
توفى فى يوم السبت التاسع من شوّال سنة خمس وأربع مائة،
ودفن بمقبرة باب حرب .
٣٣٤ - أبو أحمد عبد الله بن أحمد
ابن محمد الفرضي(٣)
قال على بن عبد الواحد بن مهدى: اختلفتُ إلى أبى أحمد الفرْضي
(١) ط : فقال.
(٢) ق: ((بشىء خفى عليه))، قط: ((بشىء خفى على)).
(٣) ق، قط: ((أبو أحمد عبيد الله محمد بن أحمد الفرضى)».

- ٤٨٦ -
ثلاث عشرة سنة لم أره ضحك فيها ، غير أنه قرأ علينا يوماً كتاب
الانبساط فأراد أن يضحك فغطى فيه .
وقال عيسى كان أبو أحمد إذا جاء إلى أبى حامد الاسفرائينى قام
أبو حامد من مجلسه ومشى إلى باب مسجده حافياً مستقبلاً له .
قال: وكتب أبو حامد مع رجل خراسانى كتابًا إلى أبى أحمد
يشفع له أن يأخذ عليه القرآن. فظن أبو أحمد أنها مسألة قد استُفَتِىّ
فيها، فلما قرأ الكتاب غضب ورماه عن يده وقال: أنا لا أُقرِي.
القرآن بشفاعة أو كما قال .
وقال أبو القاسم منصور بن عمرو الفقيه: لم أر فى الشيوخ من يسلّم
العلم خالصً لله لا يشوبه شىء من الدنيا غير أبى أحمد الفرْضى، فانه كان
يكره أدنى سببٍ حتى المذح لأجل العلم .
قال: وكان قد اجتمعتْ فيه أدوات الرياسة : من علم وقرآن وإسناد
وحالة متسعة فى الدنيا وغير ذلك، وكان أورع الخلق ، وكان يبتدى.
كل يوم بتدريس القرآن ، ويحضر عند الشيخ الكبير ذو الهيئة
فيقدّم عليه الحدَث لأجل سبقه، فإذا فرغ من إقراء القرآن وَلِيَ قراءة
الحديث علينا بنفسه ، فلا يزال كذلك حتى يستنفد قوته، ثم يضع
الكتاب من يده وينصرف .
قال: وكنت أطيل القعود معه وهو على حالة واحدة لا يتحرّك

- ٤٨٧ -
مصر
ولا يعبث بشىء من أعضائه ولا يغيّر شيئاً من هيئته حتى أفارقه .
وقد بلغنى أنه كان يجلس مع أهله على هذا الوصف ولم أرَ
فى الشيوخ مثله .
سمع أبو أحمد من القاضى المحاملى، ويوسف بن يعقوب بن البهلول.
وحضر مجلس أبى بكر بن الأنبارى .
وتوفى فى يوم الثلاثاء للنصف من شوال سنة ست وأربعمائة
وقد بلغ اثنتين وثمانين سنة . ودفن فى مقبرة جامع المدينة ،
رحمه الله .
٣٣٥ - أبو العباس أحمد بن محمد
ابن عبد الرحمن بن سعد (١) الأبيوردى
كان فقيهاً فصيحاً من أصحاب أبى حامد الاسفر ائينى. توطن(٢)
بغداد ولىَ القضاء بها على الجانب الشرقى ومدينة المنصور ، وكان
مدّرساً مفتياً مناظراً، وكانت له حلقة بجامع المنصور.
ذكر عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصير فى عمن حدثه : أن القاضى
أبا العباس الأبيوَ رْدى كان يصوم الدهر، وأنّ غالبَ إفطاره كان على
(١) ق ، قط ، سعيد .
(٢) قط ، يقطن .

- ٤٨٨ -
الخبز والملح. وكان فقيراً يظهر المروءة . قال: ومكث شتوة لا يملك
جبّة يلبسها .
وكان يقول لأصحابه: فىَّ علّةٌ منعنى عن لبس الحشو. فكانوا
يظنونه يَعنى المرضَ ، وإنما كان يعنى بذلك الفقر ولا يظهره
تصوّناً ومروءةٌ .
وقال ابن ثابت: حدثنى الصّورى أنه سأل الأبيوردى عن مولده
فقال: سنة سبع وخمسين وثلاثمائة .
ومات يوم السبت السادس من جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين
وأربعمائة، ودفن فى مقبرة باب حرب ، والله أعلم.
٣٣٦ - أبو الحسن على بن عمر بن محمد
ان الحسن الحربى المعروف بالقزوينى
وكان من كبار الصالحين ومولده فى محرم سنة ستين وثلاث مائة
ببغداد. وأصل أبيه من قزوين وقرأ القرآن بالقراءات على أبى حفص
الكنانى وغيره .
وسمع الحديث من ابن كيسان النحوى ، والقاضى الجراحى،
وأبى حفص بن الزيات، وأبى عمر بن حيوة، وأبى الحسين مظفر ،
وأبى الحسين بن سمعون، فى جماعة أخرى. وتفقه على أبى القاسم الداركى،
وعلّق النحو على أبى الفتح بن جنى .

- ٤٨٩ -
وكان منذ كان صيّناً (١) حسن الطريقة ، ملازماً للصمت عما
لا يعنيه، وافر العقل. ثم كان يقرأ القرآن ويروى الحديث ولا يخرج
من بيته إلا إلى الصلاة . وله كرامات كثيرة. ولما توفّى غسله أبو محمد
رزق الله بن عبد الوهاب التميمى .
قال أحمد بن على بن ثابت: كان أبو الحسن القزوينى أحد الزهاد
المذكورين ومن عباد الله الصالحين. تولّى فى شعبانسنة اثنتين وأربعين
وأربعمائة. وصُلّى عليه فى الصحراء بين الحربية والعتابين، وحضرتُ
الصلاة عليه. وكان الجمع متوفّراً جداً يفوت الاحصاء لم أرَ جمعاً على
جنازةٍ أعظم منه وغلق جميع البلد فى ذلك اليوم .
وقال أبو الفتح(٢) بن علوس الدينورى: صلى الناس على القزوينى
حيث(٣) توجهوا، ولم يُحطّ إلى الأرض لكثرة الخلق ، إنما كان
على أيدى الرجال حيث اتجه صلَّوا عليه .
وقال أبو الوفاء بن عقيل : شهدت جنازته وكان يوماً لم يُرّ
فى الاسلام بعد جنازة أحمد بن حنبل مثلُه، غُلْقت له المكاتب(٤)
(١) ق، قط: صبياً
(٢) ق ، قط: على بن الفتح .
(٣) قط : كيف .
(٤) قط : الكتاتيب .

- ٤٩٠ -
والحمامات، وبلغت المعبرةُ(١) بباب الطاق مع كون الجسر ممدوداً ربع
دينار ولم يسع الناسَ جامع ولا أمكن أن يصلّى عليه إمام معين، جعل
كلّ قبيل فيه ألوفٌ من الناس يصلّى بهم رجل يصلح للتقدّم. وكانت
الضجة تمنع التبليغ للتكبير فعلى أكثر الناس وحدانا، ورأيت
عِدّة بنانيك، فيها من المداسات(٢) الكثيرة، ينادى(٣) عليها
ليأخذها أربابها .
عبد الله بن محمد البردانى قال: انتبه أخى أبو غالب يوسف بن محمد
فى الليلة التى مات فيها القزوينى ، وهو يبكى، وقد أخذته الرّعْدة
فسكّنه والدُنا وأمسكه وقرأ عليه وقال له: مالكَ يابنى؟ قال: رأيت
فى المنام كأن أبواب السماء قد فُتحت وابن القزوينى يصعد إليها،
فلما كان فى صبيحة تلك الليله سمعنا المنادى ينادى بموته .
وقال أبو الفرج عبد العزيز بن عبد الله الصائغ : صليت على أبى
الحسين القزوينى فهالنى كثرة الخلق الذين حضروا جنازته
واستعظمتهُم، فرأيته تلك الليلة فى المنام وهو يقول لى: استعظمتَ
الخلق الذين صلَّوا على؟ قد صلّى علىّ من الملائكة فى السماء أكثر
من ذلك .
(١) أى العبور ، والمراد أجرة العبور .
(٢) المداس: الحذاء ويريد بالبنانيك صناديق الأحذية. ولم تذكر الكلمة
فى المعاجم .
(٣) ط : وينادى.

- ٤٩١ -
ابو بكر محمد بن عبد الله الدينورى
٣٣٧-
وكان يسكن الرصافة ببغداد. وكان زاهداً حسن العيش .
وكان أبو الحسن القزوينى يقول: عَبر الدّينوَرى قنطرةً خَلَّفَ
مَن بعدَه وراءه .
قال أبو الوفاء بن عقيل الواعظ : كنت شاباً حديث السن
أتردد إلى مجلس ابن بشران الواعظ ، وكان يعتاد عينى الرَّمد
كثيراً . فرآنى ذات يوم فى المجلس رجل كان يبسط لابن بشران
بساطَ المنبر يقال له : بكار ، فقال لى : أراك تدوم على حضور هذا
المجلس ؟ فقلت لعلى استفيد شيئا ينفعنى فى دينى . فقال لى اجلس حتى
ينقضى المجلس فجلست .
فلما انقضى المجلس أخذ بيدى وحملنى إلى الرُّصافة وجاء بى إلى
بابٍ فطرقَهُ فقال قائل مِن داخل الدار: مَن ؟ فقال: أنا بكار. فقال:
يا بكار ألست قد كنتَ هاهنا اليوم؟ فقال: جئت في حاجة مهمّة .
ففتح الباب وهو يقول : لاحول ولا قوة الا بالله .
ثم دخلنا واذا بشيخ جالس مستقبل القبلة على رأسه سطح
كالطّرحة(١) فسلمنا عليه فردّ علينا السلام. فقال بكار ياسيّدى هذا
(١) ق. ((نطع كالطرحة)). والسطح: كل شىء كان مرتفعا وأعلاه
مسطاً والطرحة: غطاء للرأس مستطيل (عامية).

- ٤٩٢ -
صبيّ يداوم حضور المجلس ويحبّ الخير، وقددام مرض عينه فادع
له . قدعانى ، فأتيته، فأدخل خنصَره فى فيه ثم مسح عينى به . فبقيت
بعد ذلك نحو ستين سنة لم ترْمد عيني: فلما خرجت سألت عنه فقيل
لى : هذا أبو بكر الدّينَورى صاحب ابن سمعون .
توفَى الدينورى فى شعبان سنة ثلاثين وأربعمائة .
٣٣٨ - أبو الطيب طاهر بن عبد الله
ابن طاهر الطبرى
ولد باَ مُلَ (١) فى سنة ثمان وأربعين وثلاثمائه. وسافر فى طلب
العلم . سمع من أبى أحمد الفطريفى ، والدار قطى ، والمعافى
بن زكريا وغيرهم. وتفقه على أبى الحسن الماسرْ جسى وبرّع فى الفقه(٣)
وجمع التقوى إلى العلم. وولىَ القضاء بربع الكرخ بعد أبى عبدالله
الصيرى، وقد كان رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم فى المنام، فقال له
يا فقيه فكان يفرح ويقول: سمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقيها . (٣).
(١) آمل: أكبر مدينة فى طبرستان (٢) انظر طبقات الشافعية ١٧٦/٣ وما بعدها.
(٣) من أدلة الوضع فى الحديث ادعاء بعض الصوفية أنه تلقى عن النبى (ص)
بطريق الكشف دون أن يكون له بند متصل صحيح، أو بطريق الرؤيا كذلك إذ
أنه من المتفق عليه بين العلماء أن الرؤيا والكشف لا يقرر بهما حقيقة شرعية لما
يكتنفهما من التخليط وعدم الضبط . اهـ ( الحديث والمحدثون ٤٨٥).

- ٤٩٣ -
قال أحمد بن على بن ثابت : أنشدفى أبو الطيب الطّبرى لنفسه:
ما زلت أطلبُ علم الفقهِ مصطبراً على الشدائد حتى أعقب الغيرًا
وكان ماكرّ من درسٍ ومن سهرٍ فى عظم ما نلتُ من عقباه مفتفرًا
حفظت ما ثوره حفظً وثِقْتُ به وما يقاس على المأثور ◌ُمعتبراً
صّفت فى كل نوعٍ من مسائله غرائبَ الكتب مبسوطً ومختصرا
أقول بالأثرَ المرَّوىّ متْبِعاً وبالقياس إذا لم أعرف الأثراً
حسرتَ عنها قناع اللبس فاتحسراً
إذا انتضیت ییانی عن غوامضه
وإن تحرَّيتُ طُوْقَ الحق(١) مجتهداً وصلتُ منها إلى ما أعجزَ الفكر!
وكنتُ ذا ثروة لماً عنيت به فلم أدَعْ ظاهراً منها ومدخرًاً
وما أبالى اذا ما المسلم صاحبنى ثم التقى فيه أنْ لا أصحب البشراً
ثنتْ عنانىَ عنه همةٌ طمَحَتْ إلى الهوى فاستطابت عندَه الصبرا
أصدىُ فلا أتصدى للثم (٢) ولا أبيت دون الغنى حزنان منكسرا
إذا أضْتُ سألت الله، معتذراً، كفايتى فأطاب الوردَ والَّصدّر!
وقرأت بخط الشيخ أبى الوفاء بن عقيل قال: حكى لى بعض أهل
العلم أن القاضى أبا الطبيب اصعد من سميرية (٣) وقد تم له عشر المائة ،
فقفز منها الى الشط، فقال له بعض من حضر يا سيدنا لا تفعل هذا
(١) قط : وإن نجوت طريق .
(٢) قط : لليسير.
(٣) ق : فى سماريه.

- ٤٩٤ -
فإن أعضاءك تضعف ورما أورث مثلُ هذه الطفرة فْتقاً فى الَمى.
فقال يا هذا إنّ هذه أعضاءنا حفظناها من معاصى الله حفظها الله
علينا.
وقال أبو الحسن محمد بن احمد بن عبد الله الفامى : أبتدأ القاضى
أبو الطيب الطبرى يدرس الفقه ويتعلم العلْم وله أربع عشرة سنة،
فلم يخلّ به(١) يوماً واحداً إلى أن مات .
قال الخطيب: وتولّى فى يوم السبت لعشرٍ بقين من ربيع الأول
سنه خمسين وأربعمائة ، ودفن من الغد فى مقبرة باب حرب، وحضرتُ
الصلاة عليه فى المنصور. وكان إمامنا فى الصلاة عليه أبو الحسين بن
المهتدى، وبلغ من السن مائة سنة وسنتين، وكان صحيح العقل، ثابت
الفهم ، یقضی ویفتی إلی حین وفاته . رحمه الله .
٣٣٩ - أبو الحسن البردانى
كان من الزهّاد المنقطعين بجامع المنصور.
حدثنى أبو محمد عبد الله بن على المقرىء قال: كان أبو الحسن
البردانى صالحاً مقما بدار القطان، وكان الناس يزورونه فيقول: مرى
أىّشىء زاد فىّ حتى أُزارُ ؟أنا كنت أ كاراً (٢) ولباسى اليوم لباسى الذى
(١) قط: فلم يخل منه .
(٢) الأكار: الحرّاث.

- ٤٩٥ -
كان، وأ كلى أ كلى الذى كان، وماتركت شيئاً من الدنيا أحمد على
تركه فلماذا أزار؟.
قال أبو محمد : وكان يجامع المنصور رجل يقال له ابن عبد العزيز،
من القراء ، فسمعه البردانى بقول يوما : هؤلاء الحشوية يقولون فى
القرآن كذا . فبقى مدة لا يصلى خلفه . فلما شاع هذا تعصب له
جماعة وجاؤوا بتوقيع من السلطان بتقديمه ومكينه . فجاء ابن عبد
العزيز والناس معهفباتوا بباب البصرة.فقال خادم البردانی له : یاسیدی
قد جاء القوم وقد عزموا على تقديمه وتمكينه . فقال : ما يجيئون ،
وكيف يجيئون .
فقال ابن عبد العزيز فى بعض الليلة: فؤادى يوجَعُنى ؟. ومات
من ليلته .
٣٤٠ - أبوبكر أحمد بن علي العلبى
كان يُقرىء القرآن ويؤم الناس ويعمل بيده ولا يقبل من أحد
شيئاً ، ويذهب بنفسه فى كل ليلة إلى دجلة فيأخذ فى كوزله ماء يُفُطر
عليه ويمشى فى حوائج نفسه ولا يستعين بأحد.
وكان إذا حج يزور القبور بمكة ويجىء إلى قبر الفضيل بن عياض
ويخطّ بعصاه ويقول: يارَب ها هنا، يارَب ها هنا .
(١) ق، قط: يؤلمنى.

- ٤٩٦-
فاتفق أنه خرج للحج فى سنة ثلاث وخمس مائة ، فشهد عرفه
محرماً ، وتوفى عشية ذلك اليوم فى أرض عرفات حمل الى مكة وطيف
به حول البيت، ودفن يوم منحر الى جانب الفضيل بن عياض.
٣٤١ - أبو المعالى الرجل (١) الصالح
ساكن باب الطاق. (٢) قال أبو الحسن بن مالان: وكان ثقة .
حدثنى أبو المعالى الصالح قال : ضاق بي الأمر فى رمضان حتى أكلت
فيه رُبعين باقلى . فعزمت على المضى إلى رجل من ذوى قرابتى أطلبُ
منه شيئاً. فنزل طائر فجلس على منكبى وقال: يا أبا المعالى أنا الملك
الفلانى، لاَ تمض إليه، نحن نأتيك به فبكر الرجل إلىّ .
وحدثنى أبو محمد عبد الله بن على المقْرى- قال: كنت عند أبى المعالى
الصالح فقيل له: قد جاء سعد الدولة شْحَنَةُ (١) بغداد فقال: أغلقوا
الباب فجاء فطرق الباب وقال: ها أنا قدْ نزلت عن دابتى وما أبرح
حتى تَفتح لى. ففتح له فدخل، فجعل يوبخه على ما هو فيه وسعد
الدولة يبكى بكاء كثيراً. فانفرد بمص أصحابه وتاب على يده. وقال لى
أبو محمد: كان أبو المعالى لا يام إلا جالساً ولا يلبس إلا ثوباً واحداً وشتاء
كان أو صيفاً، وكان إذا اشتد البرد عليه يشد المنزر بين كتفيه.
(١) الرجل : ساقطة من ط .
(٢) ق: سكن .
(٣) شحنة البلد. من أقامهم السلطان لضبطها، وهم المعروفون بالشرطة .

= ٤٩٧ -
حدثنى أبو محمد أن رجلاً توفّى وسَلّم إلى ابن عقيل مالاً وأمره
أن يدفعه إلى أبى المعالى الصالح ليقسمه بعد موته . فلما مات الرجل
بعث ابن عقيل إلى أبى المعالى بالمال وأخبره بالقصة . فقال: ما أقبل
هذه الوصية فعاودَه فأتى. فبينما هم على ذلك جاء ولد الميّت فقال: إن
أبى أوصى بما لا يخرج من الثلث . فقال ابن عقيل: والله لقد أُوشف
ذاك الرجل، فهو يقبل خمسة أرطال من الخبز ، ولولا أنه كوشفبهذا
مارده- رحمه الله -.
٣٤٢ - أخو جمادی
كان منقطعاً بباب الطاق، والناس يزورونه ويتبرَّكون به .
حدثنى أبو محمد عبد الله بن على المقرىء عن أخى جمادى قال:
خرجتْ فى يدى عيون(١) وانتفختْ فأجمع الأطباء على قطعها . فبتّ
ليلة على سطْح قد رَقِيتُ إليه فقلت فى الليل: ياصاحب هذا المُلْك
الذى لا ينبغى لغيره، هَبْ لی شيئاً بلا شىء فنمت فرأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى المنام فقلت: يا رسول الله يدى، انظُرْ إليها.
فقال: مُدَّها. فددتها فأمرَّ يده عليها وأعادها وقال: قم . فقمتُ
وانتبهت والحرق التى شُدّت بها مخانق(٢).
(١) العيون: دوائر رقيقة على الجلد .
(٢) مفردها مخفقه، وهى القلادة. ق: ((شددت بها مخافق)).
(م ٣٢ - صفة الصفوة = ٢)

- ٤٩٨ -
فقمت فى الليل وذهبت(١) إلى باب الأزج إلى قرابة لى، فطرقت
الباب فقالت المرأة لزوجها : قد مات فلان، تَعنينى، وظنّت أن مخبراً
قد جاء يخبرها بذلك. فلما فتحت الباب ورأتْنى تعجّيتْ.
ورجعتُ إلى باب الطاق فرأيت الناس من عند دار السلطان
إلى منزلى خلقاً لا يُحصى، معهم الجِرار والأباريق، فقلت: مالكم؟
فقالوا : قيل لنا إن رجلاً قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم هاهنا
يتوضأ فى(٢) بر.
بسر .
فقلت فى نفسى إن مضيت لم يكن لى معهم عيش. فاختفيتُ
فى الخرابات طول النهار.
٣٤٣ - عبد الوهاب بن المبارك
ابن أحمد الأنماطی
ویکنی أبا البركات . سمع الکثیر و کتب الکثیر . وروی لنا
عن أبى محمد الصُريفينى وابن النقور، وخلقٍ كثير من القدماء.
وما عرفنا من مشايخنا أكثر سماعاً منه، ولا أكثر كتابة
للحديث، ولا أصبر على الإقراء، ولا أحسن بشراً ولقاء، ولا أسرع
دمعة ولا أكثر بكاء.
(١) ق، قط : ومضيت.
(٢) ق ، قط: من.

- ٤٩٩ -
ولقد كنت أقرأ عليه الحديث فى زمان الصّبا ولم أذق بعدُ طعم
العلم، فكان يبكى بكاء متّصلاً، وكان ذلك البكاء يعمل في قلبي وأقول:
ما يَبكى هذا هكذا إلا لأمر عظيم. فاستفدت ببكائه ما لم أستفد
بروايته .
وكان مجلسه منزّهاً عن غيبة الناس ، وكان رضى الله عنه على
طريقة(١) السلف، وكنا ننتظره [ من] يوم الجمعة ليأتى من داره
بنهر القلائين(٣) إلى جامع المنصور، فلا يأتى على قنطرة باب البصرة؟
وإنما يمرّ على القنطرة العتيقة. فسألته عن سبب هذا. فقال : كانت
تلك دارَ ابن معروف القاضى، فلما قبض عليه بُنيت قنطرة.
قال: وحدثنا أبو محمد التميمى عنه أنه أحل من يعبر عليها غير
أنى لاأفعل .
و کان مولده فى رجب سنة اثنتين وستين. وتوفى يوم الخميس
الحادى والعشرين من المحرَّم سنة خمس(٢) وثلاثين وخمس مائة .
ءُ
وعدته فی مرضه وقد بلی وذهب حه ، فقال لی : إن اللهعز وجل
لا يُتُهَّم فى قضائه(٤).
(١) ق : طريق .
(٤) قط : فضله .
(٢) ق : الملايين .
(٣) ق، قط: ماك.

ذكر المصطفين من عباد بغداد
المجهولين الأسماء
٣٤٤ - عابد
عن أبى عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء قال: سمعت أبى يقول :
كنت عند معروف فى مجلسه فدخل عليه رجل فقال : يا أبا محفوظ
رأيت في هذه الليلة عجباً. قال: وما رأيت رحمك الله ؟ قال اشتهى
علىّ أهلى سمكًا فذهبت إلى السوق فاشتريت لهم سمكة وحملتها
مع حمّال، فشى معى، فلما سمعنا أذان الظهر قال الجمال: ياعمّ هل
لك أن نصّلى؟ فكأنه أيقظنى من غفلة. فقلت له : نعم نصلى.
فوضع الطبق والسمكة عليه على مستراح(١) ودخل المسجد . فقلت فى
نفسى، الغلام قد جاد بالطبق، أجود أنا أيضاً بالسمكة . فلم يزل يركع
حتى أقيمت الصلاة فصلمينا جماعة وركع بعد الصلاة وخرجنا . فاذا
الطبق على حاله موضوع فجئت إلى البيت وحدثت أهلى بهذا فقالوا
لى : قل له يأكلْ معنا من هذا السمك. فقلت له: تأكل معنا من
هذا السمك؟ فقال : أنا صائم. فقلت له : فأفطر عندنا قال : نعم
أرونى طريق المسجد : فأريته فدخل المسجد وجلس إلى أن
صلّينا المغرب.
(١) المستراح: بيت الخلاء. ق: متراح.