النص المفهرس
صفحات 441-460
- ٤٤١ - وقال : العلم قائد ، والخوف سائق والنفس حرون بین ذلك، خداعة روّاغة، فاحذرهاورا عها بسياسة العلم وسقّها بتهديد (١) الخوف يتم لك ما تريد. وعن محمد بن على بن الحسين قال: سمعت عمرو بن عثمان يقول: واغماه من عهدٍ لم يُقَم له بوفاء، ومن خلوة لم تصحب بحياء، ومن أيام تَغنى ويبقى ما كان فيها أبداً. وعن أبى بكر محمد بن أحمد القناديلى قال : قال عمرو بن عثمان المكى: لقد وتخ الله التار كين للصبر على دينهم بما أخبرنا عن الكفار أنهم قالوا: ((امْتُوا واصِيروا على آلهتكم (٣) فهذا توبيخُ لمن ترك الصبر من المؤمنين على دينه . وقال عثمان بن سهل: دخلت على عمرو بن عثمان المكىّ فى علّته التى توفى فيها فقلت له : كيف تجدك ؟ فقال: أجد سرّى واقفاً مثل الماء لا يختار النقلة ولا المقام . سمع عمرو من يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان بن سيف الحرّانى وغيرم . (١) صف : بتهذيب. (٢) سورة ص : ٦ - ٤٤٢ - وكان يقول: ما سحبت أحداً كان أنفع لى صحبتُه ورؤيته من أبى عبد الله الساجى. وتوفى ببغداد سنة ستّ وتسعين ومائتين وقيل سبع وتسعين . قيل إحدى وتسعين . ويقال مات بمكّة والأول أصح - رحمه الله. ٣٠٦- رُقيم بن أحمد ويقال ابن محمد بن رويم بن يزيد: أبو الحسن . ويقال: أبو الحسين، من بنى شيبان. وكان يتفقّه لداود الأصبهانى . ابن الهيكل الهاشمى (١) قال: سمعتُ رُوَيْماً يقول : الفقر ه حرمة، حرمتُه ستره وإخفاؤه والغيرة عليه والضن به ، فمن كشفه وأظهره وبذله فليس هو من أهله، ولا كرامة وعن محمد بن إبراهيم قال: سمعت رويم بن أحمد يقول : منذ عشرين سنه لا يخطر بقلبى ذكر الطعام حتى يحضر. وقال عبد الله بن محمد الدینوری : سمعتروم بن أحمديقول: مكثت عشرين سنة لا يعرض فى سرّى ذكر الأكل حتى يحضر. وعن جعفر الخلدى فى كتابه قال: سمعت رويم بن أحمد يقول: الاخلاص ارتفاع رؤيتك عن فعلك، والفتوة أن تعذُر اخوانك فى زللهم، ولا تعاملهم بما يخوجك إلى الاعتذار إليهم . (١) صف : الشامى. - ٤٤٣ - وسمعته يقول : الصبر ترك الشكوى ، والرضا استلذاذ البلوى ، والتوكل إسقاط رؤية الوسائط. وقال أحمد بن فارس: قال رويم: ليس إلاّ بذل الروح، وإلاّ فلا تشتغل بترّهات الصوفية . وعن الحسين بن هارون قال: سمعت رُويما الصوفى يقول : إذا وهب الله لك مقالا وفعالا، فأخذ منك المقال وترك عليك الفعال فلا تبال، فإنها نعمة . وأن أخذ منك الفعال وترك عليك المقال فُتح على نفسك فانها مصيبة. وإن أخذ منك المقال والفعاك فاعلم أنها نقمة. أسند رويم عن يزيد بن سنان البصرى وتوفّ ببغداد فى سنة ثلاث وثلاثمائة . رحمه الله ٣٠٧ - أبو عبد الله بن الجلاء واسمه أحمد بن يحيى . من أهل بغداد، لكنه انتقل فسكن الشام. قال أبو عمر الدمشقى : سمعت ابن الجلآّء يقول: قلت لأبى وأمى أحبّ أن تهبانى لله. فقالا: قد وهبناك لله . فعبت عنهها مدة ثم رجعت من غيبى ، وكانت ليلة مطيرة، فدققت عليهما الباب ، فقالا : من؟ قلت: ولدك. قال: كان لنا ولد فوهبناه لله، ونحن من العرب لانرجع فيما وهبناء. ومافتح لى الباب. - ١٤٤ _ وعنه قال: سمعت أبا عبدالله بن الجلاء يقول: من بلغ بنفسه إلى رتبة سقط عنها ، ومن بُلغ به ثبت عليها . وكان إذا سئل عن المحبة قال . مالى والمحبة ؟ أنا أريد أن أتعلم التوبة . وعن أبى عبد الرحمن السلمى قال: قال أبو عبدالله بن الجلاء من عَلت حمّه عن الأكوان وصل إلى مكّونها، ومن وقف بهمته على شئْءٍ سوى الحتّق فاته الحق، لأنه أعز من أن يرضى معه بشريك- قال المصنف لا نعلم أن ابن الجلاء أسند شيئا وقد صحب أبا تراب النخشبى وذا النون وغيرهما . وتوفىّ يوم السبت لاثنتى عشرة خلت من رجب سنة ست وثلاث مائة . ٣٠٨ - أبو العباس بن عطاء واسمه أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الآدميّ - عن الحسن بن محمد بن عيسى بن خافان قال : كان أبو العباس بن عطاء ينام من الليل والنهار ساعتين . وعن أبى الحسين بن حبيش ، وذكر أبا العباس بن عطاء، فقال کان له فى كل يوم ختمة ، وفى شهر رمضان فى كل يوم وليلة ثلاث - ٤٤٥ - خمات ، وبقى فى ختمة يستنبط مودّع القرآن بضع عشرة سنة فات قبل أن مختمها . وقال أبو جعفر محمد بن عبدالله الفرغانى : قال أبو العباس بن عطاء: ياأبا جعفر، لى من سنين كثيرة، ذكّرها، كل يوم ختمة لا تفوتنى، ولى فى شهر رمضان كل يوم وليلة ثلاث ختمات، ولى ختمة منذ أربع عشرة سنة ما بلغت النصف منها- يريد الفهم منها -. وعن أبى العباس بن عطاء قال: من ألزم نفسه بآداب السنة عمر الله قلبه بنور المعرفة ، ولامقام أشرف من متابعة الحبيب فى أوامر. وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه . وعن محمد بن على بن حبيش قال: سئل أبو العباس بن عطاء وأنا حاضر عن أقرب شىء إلى مقت الله تعالى. قال: رؤية النفس وأفعالها، وأشد من ذلك مطالعة الأغراض (١) عن أفعالها. وسمعته يقول: علامات الولى أربعة : صيانة سره فيما بينه وبين اله، وحفظ جوارحه فيما بينه وبين أمر الله، واحمال الاذى فيما بينه وبين خلق الله ومداراته للخلق على تفاوت عقولهم . أسند أبو العباس بن عطاء، عن يوسف بن موسى القطان ، والفضل بن زياد صاحب أحمد بن حنبل ومن فى طبقتهما. (١) ق : الأعراض. - ٤٤٦ - و توفی فی ذى القعدة سنة تسع وثلاث مائه . رحمه الله . ٣٠٩ - أبو الحسن علي بن محمد بن الزاهد عن أبى الحسن أحمد بن مقسم قال: سمعت أبا الحسن بن بشار يقول ـوكان إذا أراد أن يخبر عن نفسه بشىء قال : أعرف رجلاً كان حاله كذا وكذا -فقال ذات يوم: أعرف رجلاً يشتهى، منذ ثلاثين سنة أن يشتهى ليترك ما يشتهى، فما يجد شيئاً يُشَهى - ودخل أبو محمد إن أخى معروف الكرخى إلى أبى الحسن بن بشار، وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: ياأبا محمد صوّفت قلبك أو جسمك صوّف قلبك والبس القُوهىّ على القُوهىّ -(١) وقال رجل لأبى الحسن بن بشار: كيف الطريق إلى الله تعالى؟فقال له: كما عصيت الله تعالى سراً تطيعه سراً، حتى يُدخل إلى قلبك لطائف البر. وقال: منذ ثلاثين سنة ما تكلمتُ بكلمةٍ أحتاج أن أعتذر منها . وقال المصنف رحمه الله : كان ابن بشار يذكر الناس ، وكان يفتح مجلسهُ فيقول: ((وإنكَ لَتَعلمُ ماتُريد))(٢) فسأله رجل: ما الذى تريد؟ فقال: هو يعلم أننى ما أريد من الدنيا ولا الآخرة سواه . وحدّث ابن بشار عن: صالح بن أحمدبن حنبل، وأبى بكر المروزى وكانت له كرامات ظاهرة. (١) القوهى: ثياب بيض. (٢) من سورة هود: ٧٩ - ٤٤٧ - توفى فى ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة وقبره ظاهر بالجانب الغربي - رحمه الله -. ٣١٠ - أبو محمد الحريرى واسمه أحمد بن محمد بن الحسين(١) عن عبد الله الرازى قال: سمعت الحريرى يقول: منذ عشرين سنة مامددت رجْلى فى الخلوة، فان حُسن الأدب مع الله أولى - وقال على بن عبد الله: اعتكف أبو محمد الحريرى بمكة فى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فلم يأكل، ولم ينم، ولم يمد رجليه. فقال له أبو بكر الكنانى: يا أبا محمد بماذا قدرت على اعتكافك ؟ فقال: عَلِمَ صدقَ باطنى فأعانى على ظاهرِى - وقال أبو الحسن الفارسى، قال أبو محمد الحريرى : من توهم أن عملاً من أعماله يُوصله إلى مأموله الأعلى والأدنى فقد ضل عن طريقه؛ لأن النّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لن ينجى أحدَ كم(٣) عمله)) فما لا ينجى من المَخوف كيف يبلغ إلى المأمول؟ ومن صّح اعتماده على فضل الله تعالی فذاك الذی یرجی له الوصول . وقال محمد بن داود الدينورىّ: سمعت أبا محمد الحريرى يقول: (١) ق، قط: محمد بن احمد بن الحسين وهو مختلف في اسمه على نحو ما جاء في النسختين . (٢) ق، قط: احداً منكم. والحديث أخرجه البخاري في الرقاق باب القصد والمداومة على العمل، ومسلم في المنافقين، والامام احمد في المسند ٢٣٥/٢ - ٤٤٨ - أمرنا هذا كله مجموع على فصل (١) واحد، وهو أن تُلزم قلبك المراقبةَ، ويكون العلم على ظاهرك قائماً. وعنه قال: سمعت أبا محمد الحريرى يقول ؛ وكان عنده جماعة؛ فقال: هل فيكم من إذا أراد الله أن يحدث فى المملكة حدثاً أبدى علمه إلى وليّة قبل إبدائه فى كونه؟ فقالوا لا . قال : مرّوا وابكوا على قلوب لم يجد من الله شيئاً من هذا. أخبرنا ابن ناصر بالإسناد عن أبى محمد الحريرى قال: (٣) من استولت عليه النفس صار أسيراً فى حكم الشهوات ، محصوراً فى سجن الهوى، حرّم الله على قلبه الفوائد فلا يستلذ بكلامه ولا يستحليه وإن كثر تردده على لسانه - أسند الحريرى الحديث. وهو من كبار أصحاب الجنيد،وصحب سهل بن عبد الله وتوفى رحمة الله فى سنة إحدى عشرة و ثلاث مائة - رحمه الله- ٣١١ - بنان بن محمد بن حمدان الجمال يكنى أبا الحسن أصله من واسط ، لكنه ببغداد نشأ وأقام وسمع الحديث إلا أنه انتقل إلى مصرفمات بها . (١) قط: فعل (٢) ط: ((وعن أبى الحسين الفارسى قال: سمعت أبى محمد الحريرى يقول». - ٤٤٩ - وقال بنان الحمال : البرىء جرىء، والخائن خائف ، ومن أساء استوحش . وعن أبى على الرُوذبارى قال: سمعت بنان الحمّال يقول: دخلتُ البرية على طريق تبوك وحدى فاستوحشتُ. فإذا هاتف يهتف : يا بنان نقضت العهد، لِمَ تستوحش؟ أليس حبيبك معك ؟ وقال أبو على الرُّوذَبارى: كان سببَ دخولى مصر حكايةُ بنان ، وذلك أنه أمر(١) ابن طولون بالمعروف، فأمر أن يُلقَى بين يدىْ السبع. فجعل السبع يشّه ولا يضره. فلما أُخرج من بين يدى السبع قيل له: ما الذى كان فى قلبك حين شمك السبع ؟ قال كنت أتفكر فى سُؤْر السباع ولُعابها . وعن عمرو بن محمد بن عراك أن رجلا كان له على رجل مائة دينار بوثيقة إلى أجل. فلما جاء الأجل طلبَ الوثيقة فلم يجدها. فجاء إلى بنان فسأله الدعاء . فقال له : أنا رجل قد كبرت وأنا أحب الحلواء اذهب فاشترلی رطل معقود وجٹنی به حتى أدعو لك. فذهب فاشترى له ما قال، ثم جاء به فقال بنان: افتح القرطاس ففتح الرجل القرطاس فإذا هو بالوثيقة . فقال لبنان: هذه وثيقى . فقال : خذ وثيقتك وخذ المعقود أطِه صبيانك . فأخذ ومضى. ٠ (١) الفاعل يعود على بنان . ( م ٢٩ - صفة الصفوة) - ٤٥٠ - وعن الحسين بن عبد الله القُرشى قال : سمعت بنان يقول : من كان يسّره ما يضرّه متى يفلح ؟ سمع بنان من الحسن بن عرفة وحميد بن الربيع والحسن بن محمد الزعفرانى وبكار بن قتيبة وغيرهم . وأسند الحديث . وتوفى فى رمضان سنة ست عشرة وثلاث مائة بمصر . ٣١٢ - أبى على الحسين بن صالح ابن خيران الفقيه الشافعى جمع بين الفقه والورع . وأريد على القضاء فأبى . قال أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عُيد العسكرى: أريد أبو على بن خيرانَ للقضاء فامتنع فوكل علىّ بنُ عيسى الوزير ببابه . فشاهدت الموكَّلين بيابه وختم الباب بضعة عشر يوماً . فقال لى أبى : يابنى انظر حتى تحدّث بهذا إن عشتَ، إنّ إنساناً فُعل هذا به لََّى فامتنع. وكُلّم الوزير فأعفاه: وعن أبى عبد الله الحسين بن محمد الفقيه الكشفلى أن على بن عيسى وزير المقتدر بالله أمر نازوك صاحب البلد يطلب الشيخ أبا علىّ بن خيران الفقيه الشافعى حتى يعرض عليه قضاء القضاة . فاستتَر فوكَّل بباب داره رجالَه بضعة عشر يوماً حتى احتاج إلى الماء فلم يقدر عليه إلا من عند الجيران. - 201 - فبلغ الوزير ذلك فأمر بإزالة التوكّل عنه، وقال فى مجلسه ، والناس حضور: ما أردنا بالشيخ أبى على بن خيران إلا خيراً، أردنا أن يعلم أن فى مملكتنا رجلاً نعرض عليه قضاء القضاة شرقاً وغرباً وهو لاَ يُقبل. تُوفى أبو على بن خيران فى حدود العشرين وثلاث مائة . ٣١٣ خير بن عبد الله أبو الحسين النَّستاج أصله من سُرّ من رأى، لكنه نزل بغداد. وحكى السلمى عن فارس البغدادى قال : كان اسم خير محمد بن إبراهيم (٣) السامرى. قال السلمى: وتاب(٣) فى مجلسه: إبراهيم الخوّاص والشبلى. عن جعفر الخلدى ، قال : سألت خيراً النساج : أكان النسج حرفتك؟ قال: لاقلت : فمن أين سُميت به ؟ قال : كنت عاهدت الله ألا آكل الرُطَب يوماً. فغلبتنى نفسى يوماً فأخذت نصف رطل ،فلما أكلت واحدة إذا رجل قد نظر إلىّ وقال: ياخير، يا آبِقُ، هربت منى؟ وكان له غلام اسمه خير قد هرب منه فوقع علىّ شبهه. فاجتمع (١) قط : ولا . (٢) قط اسماعيل (٣) -: ومات زاد فى قط فى كتابة. - ٤٥٢ - الناس فقالوا: هذا والله غلامك خير . فبقيت متحيّراً وعلمت يم(١) أخذت؟ وعرفت جنایتی . فحملنى إلى حانوته الذى كان ينسج فيه غلمانه فقالوا : ياعبد السوء تهرب من مولاك؟ أدخل فاعمل عملك الذى كنت تعمل. فأمرفى بنسج الكرباس(١) . فدلّت رجلى على أن أعمل، فكأنى كنت أعمل من سنين . فبقيت معه أربعة أشهر أنسج له. فقمت ليلة فتمسّحت وقمت إلى صلاة الغداة فسجدت وقلت فى سجودى : إلهى لا أعود إلى ما فعلتُ . فأصبحت فإذا الَّبه قد ذهب عنّى وعدت إلى صورتى التى كنت عليها فأطلقت . فثبتَ علىّ هذا الاسم فكان سببَ النسج إتيانى شهوةً عاهدت الله تعالى ألاّ آ كلها ، فما قبنى الله بما سمعت. وكان يقول: لا نسب أشرف من نسب من خلقه الله بيده فلم يعصمه، ولا علم أرفع من علمٍ مَن علّه الله الأسماء كلها فلم ينفعه فى وقتٍ جريان القضاء عليه . قال الخطيب: هذه الحكاية طريفة جداً يسبق إلى القلب (١) فى النسخ : بما . (٢) الكرباس: ثوب من القطن الأبيض . ويقل: الثوب الخشن ، معرب ج كرابيس ، والنسبة : كرابسی - - ٤٥٣ - استحالتها . وقد كان الخلدى كتب إلى شيخنا أبى نُعيم يجيز له رواية جمع علومه عنه، وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبى الحسن بن مقسم عن الخلدى ، ورواها لنا عن الخلدى نفسه إجازة ، والخلدى ثقة ، وكان ابن مقسم غير ثقة . والله أعلم - وعن عيسى بن محمد قال سمعت أبا الحسن خيرا النساج يقول : تقدم إلىّ شاب من البغداديين وقد انطبقت يده فقلت له : مالك ؟ فقال : جلست إليك فحللتُ عقدةً من طرف إزارك فجفت يدى فقلت: كنتُ قد بِعتُ به لأهلى غزلاً . ثم مسحت يده ييدى فرّدّ الله عليه يده وناولته الدرهم وقلت: اشتر به شيئاً ولا تعد ۔ قال أبو بكر الرازى : قال خير النستاج: الخوف سَوط الله يقوّم به أنفسنا، وقد تعودتْ سوء الأدب، ومتى أساءت الجوارح الأدب فهو من غفلة القلب وظلمة السرّ. وقال: العمل الذى يبلّغ إلى الغايات هو رؤية التقصير والعجز والضعف - على بن هرون الحربى يحكى عن غير واحد ممن حضر موتَ خيرٍ من أصحابه أنه غُشى عليه عند صلاة المغرب، ثم أفاق ونظر إلى ناحيةٍ من باب البيت فقال: قف عافاك الله فإنما أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور ما أمُرتَ به لا يفوتك، وما أَمرتُ به يفوتنى، - ٤٥٤ - فدعنى أمضى لما أمرت به . ودعا بماء فتوضأ للصلاة وصلىّ ثم تمدد وغمّض عينيه وتشهَّد فمات. فرآه بعض أصحابه فى المنام فقال له : مافعل الله بك؟ قال : لا تسألنى عن هذا ولكن استرحتُ من دنياكم الوَضِرة- [ قال المؤلف] صحب خير النساج أبا حمزة البغدادى وسريًاً السقطى وكان يذكر(١) أن إبراهيم الخوّاص صحبه. وبلغ مائة وعشرين سنة وتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة ٣١٤ - أبو على الوذبارى واسمه أحمد بن القاسم. هكذا ذكر السلمى، وصححه . وقال أبو بكر الخطيب: اسمه محمد بن أحمد وصحح ذلك. أصله من بغداد لكنه سكن مصر وتقدّم بها وكانت له معرفة بالحديث. كان يقول: أستاذى فى الحديث إبراهيم الحربى ، وفى الفقه أبو العباس بن سريج، وفى النحو ثعلب، وفى التصوف الجنيد قال محمد بن على بن المأمون: سمعت أبا على الروذبارى يقول: من الاغترار أن تُسىء فيُحَسن إليك فتترك الإنابة والتوبة توهّماً أنك تسامَح فى الهفوات (١) وترى أن ذلك من بسْط الحق لك - (١) قط: وكان يفكر. (٢) صف : الخلوات . - ٤٥٥ - وعن أبى منصور بن أحمد الأصبهانى قال: بلغنى عن أبى علىّ الرُوذبارى أنه قال : أنفقت على الفقراء كذا وكذا ألفاً فما وضعتُ شيئاً فى يد فقير. كنت أضع ما أدفع إلى الفقراء فى يدى فيأخذونه من یدی حتى تكون يدى تحت أيديهم ولا تكون يدى فوق يد فقيرٍ . صحب أبو على الجنيد والنّورى وابن الجلاء والمسوحى وغيرهم وأسند الحديث . وتوفى بمصر سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة . وقيل ثلاث وعشرین. رحمه الله . ٣١٥ - أبو بكر محمد بن على بن جعفر الكنافى أصله بغدادى ، لكنه أقام بمكة ومات بها وكان المرتعش يقول: الكنافى سراج الحرَم . وقال محمد بن عبد الله بن شاذان. كان يقال: إن الكنانى ختم فى الطواف اثنى عشرة ألف ختمة . وقال أبو جعفر الأصفهانى : صحبت الكنانى سنين فكان يزداد على الأيام ارتفاعاً وفى نفسه اتضاعاً. وسمعته يقول : روعة عبد عند انتباه من غفلة، وارتعادٌ من خوف خطيئة أعْوَد على المريد من عبادة الثقلين . - ٤٥٦ - وعن أبى عبد الرحمن السلمى قال: قال الكنانى : إن الله تعالى نظر إلى عبيدٍ من عبيده فلم يرهم أهلاً لمعرفته ، فشغلهم مخدمته . صحب الكنائى الجنيدَ والخرّاز والنورى - ولا تحفظ له مسنداً . وتوفى بمكة سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة . وقيل اثنتين وعشرين ( رحمه الله] . ٣١٦ - أبو بكر الشبلي واختلفوا فى اسمه فقيل: دلف من جعفر . وقيل: دلف بنجحدر. وقيل : جحدر بن دلف. وقيل: دلف بن جعبرة (١) وقيل : دلف بن جبعويه (٢) وقيل : اسمه جعفر بن يونس . أصله خراسانى من أهل سروسة (٣) من قرية يقال لها شبلية. ومولده بُسرّ من رأى . وكان حاجب الموفق . وكان أبوه حاجب الحجاب . فحضر الشبلى يوماً مجلس خيرٍ النساج فتاب فيه . وكان يقول : خلّف أبى ستّين ألف دينار سوى الضياع فأنفقت الكل وقعدت مع الفقراء. (١) قط: جعثرة، ق: جعرة. (٢) ق: حيمومه. (٣) ق، قط أشروسنة، - ٤٥٧- قال الحسين بن أحمد الصفار : سئل الشبلى وأنا حاضر: أىّ شىء أعجب؟ قال : قلْبٌ عرف ربه ثم عصاه . وعن أبى الحسن على بن المثنى التميمى قال : دخلت على أبى بكر الشبلى داره وهو يهيج ويقول . من عادته القربُ على بُعدك لا يصبر ك من قيمه الحب ولا يقوى على هجر فإن لم تَرَك العين فقد أبصرك القلب وقال أحمد بن محمد الآملى سمعت الشبلى يقول : مجاهدة النفس بالنفس أفضل من مجاهدة الغير بالنفس . وقال الحسين بن أحمد الصفار: كنت يوماً عند الشبلى، وكان يذم الدنيا وأهلها ، فقال: يا من باع كلّ شىء، واشترى لا شىء بكل شىء . وسمعته يقول : ليس من استأنس بالذّ كْر كمن استأنس بالمذكور . وسئل: ما الزهد؟ فقال: نسيان الزهد . ودخل بعض أصحابنا يوماً على الشبلى وهو يقول : أَفلا شجاً بحمنين؟ أفلارنّة بأنين من قلبٍ فريح حزين؟ أفلا شارب بكأس العارفين؟ أفلا مستيقظ عن رقدة الغافلين؟ يا مسكين ستقدم فتعلّم وينكشف الغطاء فتندم . - ٤٥٨ - وقال الشبلى: العارف سيّار إلى الله عز وجل تعالى غير واقف وسئل وأنا حاضر: أىّ شىء أعجب؟ قال: قلبٌ عرف ربه ثم عصاه . وكان الشبلى ينوح يوماً ويقول : مكر بك فى إحسانه فتناسيت وأمهلك فى غيّك فتماديت، وأسقطك من عينه فما دريت ولا باليت. وقال : ليت شعرى ما اسمى عندك غداً يا علام الغيوب ؟ وما أنت صانعٌ فى ذنوبى يا غفّار الذنوب؟ وبم تختم عملى يا مقلّب القلوب .؟ قال : وكان الشبلى يقول فى جوف الليل قَرّةً عينى وسرور قلبى، ما الذى أسقطنى من عينك؟ ثم يصرخ ويبكى . قال: وقال الشبلى: لا تأمين على نفسك وإن مشيت على الماء حتى تخرج من دار الغرّة إلى دار الأمل. وقال الشبلى: إذا وجدت قلبك مع الله فاحذر من نفسك ، وإذا وجدت قلبك مع نفسك فاحذر من الله . وقال أحمد الحلقانى: سمعت الشبلى يقول : من عرف الله عز وجل لا يكون له غمّ وسمعته يقول: أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبّك لبلاتك . - ٤٥٩ - وعن أبى حاتم الطبرى قال: سمعت أبا بكر الشبلي يقول : إن أردت أن تنظر إلى الدنيا بحذافيرها فانظر إلى مزبلة فهى الدنيا وإذا أردت أن تنظر إلى نفسك فخذكفاً من تراب، فإنك منه خلقت وفيه تعود ومنه تخرج. وإذا أردت أن تنظر ما أنت ؟ فانظر ماذا يخرج منك فى دخولك الخلاء؟ فمن كان حاله كذلك فلا يجوز أن يتطاول أو يتكبر على من هو مثله. وعن الحسين بن أحمد الهروى قال: سمعت أبا بكر الشبلى يقول: ليس للأعمى من رؤية الجوهرة إلا مسها ، وليس الجاهل من الله إلا ذَكْره باللسان. وسأل جعفر بن نصير بكْران الدينورى، وكان يخدم الشبلى ما الذى رأيت منه؟ يعنى عند وفاته . فقال: قال لى : علىّ درهم مظلمة تصدّقت عن صاحبه بألوف، فما على قلبى شغل أعظم منه ثم قال: وضّى للصلاة . ففعلت فنسيت تخليل لحيته وقد أمسك علىّ لسانه، فقبض على يدى وأدخلها فى لحيته ثم مات. فبكى جعفر وقال : ما تقولون فى رجل لم يفته فى آخر عمره أدبٌ من آداب الشريعة ؟ وعن بكير صاحب الشبلى قال : وجد الشبلى فى يوم جمعةٍ خّفةً من وجعٍ كان به فقال: تنشط عضى إلى الجامع ؟ قلت نعم -٤٦٠ - فاتّكاً على يدى حتى انتهينا إلى الورّاقين من الجانب الشرقى. قال: فتلقانا رجل جاءنى من الرصافة ، فقال: بكير ! قلت : لبيك . قال : غداً يكون لنا مع هذا الشيخ شأن . ثم مضينا فصلّينا ثم عُدنا فتناول شيئاً من الغداء . فلما كان الليل مات رحمه الله، فقيل لى: فى درب السقائين رجل شيخ صالح يغسل الموتى. فدَلّونى عليه فى سحَر ذلك اليوم، فنقرت الباب خفيا (١) فقلت: سلام عليكم. فقال: مات الشبلى؟ قلت: نعم . فخرج إلىّ فإذا به الشيخ. فقلت: لا إله إلا الله فقال: لا إله إلا الله، تعجباً. ثم قلت: قال لى الشبلى أمس لما التقينا بك في الورّاقين: غداً يكون لى مع هذا الشيخ شأن. بحقّ معبودك من أين لك أن الشبلى قدمات؟ قال: يا أبله فمن أين للشبلى أنه يكون له معى شأن من الشأن اليوم ؟ عمر بن عبيد قال : حدثنى بكير ، فذكر معنى الحكاية . صحب الشبلى الجنيد وطبقته، وتفقه على مذهب مالك، وكتب الحديث الكثير ولا نعلم له مسنداً سوى حديث واحد . أخبرنا أبو منصور الصرّار، أنبأ أبو بكر أحمد بن على ، أنبأ اسمعيل بن أحمد الخيرى ، أنبأ أبو عبد الرحمن السلمى ، أنبأ أحمد بن محمد بن أحمد بن حسن الهروى ، أنبأ أبو عبد الرحمن، (١) قط : خفيفاً.