النص المفهرس

صفحات 421-440

- ٤٢١ -
ما أكره فإن تلقانى بما أحبّ فهو فضل، وإلا فالأصل الأول.
وعن جعفر بن القاسم ، قال سمعت الجنيد يقول : كان يعارضنى
فى بعض أوقاتى أن أجعل نفسى كيوسف، وأكون أنا كيعقوب
فأحزن على ما فقدت من نفسى كما حزن يعقوب على فقد يوسف .
فيكثت مدةً أعمل على حسب ذلك .
وعن محمد بن نصير فى كتابه قال: قال الجنيد : لو أقبل صادقٌ
على الله ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله .
وقال رجل للجنيد علامَ يتأسف المحب؟ قال: على زمانِ بسْطِ
أورثَ قبضاً أو زمان أنسٍ أورثَ وحشةً. وأنشأ يقول:
قدكانلى مشْرَب يصفو برؤيتكم فَكْدرته يد الأيام حين صَفا
قال جعفر : وقال أبو العباس بن مسروق : مررت مع الجنيد فى
بعض دروب بغداد وإذا مغن يغنى :
منازلٌ کنتَ تهواها وتألفها
أيامَ أنت(١) على الايام منصور
فبكى الجنيد بكاء شديداً ثم قال : يا أبا العباس ما أطيب منازل
الالفة والأنس، وأوحشَ مقامات المخالفات ، لا أزال أحنّ إلى
بُدُوِّ إرادتى وجدة سعني.
(١) ق : کنت .

- ٤٢٢ -
اسمعيل بن تنجيد يقول: ودخل أبو العباس بن عطاء على الجنيد
وهو فى النزع ، فسلم عليه، فلم يردّ عليه. ثم رد عليه بعد ساعة وقال:
اعذرْنى فإنى كنت فى وِزْدى. ثم حول وجهه إلى القبلة وكبر ومات
-رحمه الله-
وقال أبو محمد الحريرى كنت واقفاً على رأس الجنيد فى وقت
وفاته ، وكان يوم جمعة، وهو يقرأ القرآن فقلت: يا أبا القاسم ارفق
بنفسك . فقال: يا أبا محمد ما رأيت أحداً أحوج اليه منى فى هذا
الوقت ، وهو ذا تُطوى صحيفتى .
وعنه قال: حضرت عند الجنيد قبل وفاته بساعتين، فلم يزل باكياً
وساجداً. فقلت له: يا أبا القاسم قد بلغ بك ما أرى من الجهد. فقال:
يا أبا محمد أحوج ما كنتُ إليه هذه الساعة. فلم يزل باكياً وساجداً
حتى فارق الدنيا .
وعن فارس بن محمد (١) قال: كان أبو القاسم الجنيد كثير الصلاة
ثم رأيناه فى وقت موته وهو يدرس ويقدم اليه الوسادة فيسجد عليها.
فقيل له : ألا روحت عن نفسك؟ فقال : طريق وصلتُ به إلى
الله لا أقطعه .
وقال أبو بكر العطار: حضرت الجنيد عند الموت فى جماعة من
أصحابنا . قال : فكان قاعداً يصلىّ ويثنى رجله كلما أراد أن يسجد.
(١) ق. قط: على.

- ٤٢٣ -
فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله فثقل عليه حركتها فىمدّ
رجليه وقد تورّمتا ، فرآه بعض أصدقائه فقال: ما هذا يا أبا القاسم؟
فقال: هذه نِعَم، الله أكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الحريرى
لو اضطجعت. قال: يا أبا محمد هذا وقت يؤخذ منه، الله أكبر. فلم
يزل ذلك حالَه حتى مات - رحمه الله .
أسند الجنيد الحديث عن الحسن بن عرفة
قال المصنف رحمه الله : أخبرنا أبو منصور الصرار قال : أنبأ أحمد
ابن على بن ثابت، قال أخبرنا أبو سعد المالينى ، قال أنبأ أبو القاسم
عمربن محمد بن مقبل ، قال: أنبأ جعفر الخلدى، قال: أنبأ الجنيد بن محمد،
قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: أنبأ محمد بن كثير الكوفى عن عمرو
ین قیس الملائی عن عطية، عن أبى سعيد الخدری قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))(١)
ثم قرأ : ((إِنّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لْمُوَسِّينِ))(٢).
قال أبو بكر الخطيب : لا يُعرف للجنيد غير هذا الحديث .
قال المصنف : قلت: وقد رويت له حديثاً آخر: أخبرنا محمد بن
(١) الحديث أخرجه الترمذى فى التفسير برقم ٣٩٢٥ وقال: حديث غريب.
وأخرجه البخارى فى التاريخ ، والطبرانى فى معجمه الكبير ، وابن عدى فى
الكامل ، وعبد الرازق فى المصنف .
(٢) الحجر ٧٥ .

- ٤٢٤ -
عبد الباقى قال : أنبأ رزق الله بن عبد الوهاب، قال: أنبأ أبو عبدالرحمن
السلمى قال: أنبأ أحمد بن عطاء الصوفى قال: أنبأ محمد بن على بن الحسين
قال: سئل الجنيد عن الفراسة، قال: فقال: أنبأ الحسن بن عرفة قال:
ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر، عن عبد الله قال: كنت أرعى
غماً لعُقبة بن أبي معيط - وذكر الحديث، وقال فى آخره : قال لى
النبى صلى الله عليه وسلم: إنك عَليم معلَّ(١).
قلت ؟ وقد لقىَ الجنيد خلقاً من العلماء ودرس الفقه على أبى ثور،
وكان يُفتى فى حلقته بحضرته وهو ابن عشرين سنة . وصحب جماعة
من العباد واشتهر بصحبة خاله سرىّ والحارث المحاسبى .
وتوفى يوم السبت فى شوال سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين . وقيل
سبع وتسمين . وغسله أبو محمد الحريرى، وصلى عليه ولده، وحزرُوا
الجمع الذى صلى عليه فكانوا نحو ستين ألفاً .
وعن جعفر الخلدى، فى كتابه قال : رأيت الجنيد فى النوم فقلت
له : ما فعل الله بك؟ قال : طاحت تلك الاشارات، وغابت تلك
العبارات، وفنيت تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم ، وما نفعنا
إلا ◌ُكَيْفات كتّارْ كَعها فى السحَر . رحمه الله .
(١) كذا فى النسخ. وفى حاشية ط: ((ولعله: لنليم. وقد مر فى ترجمة
ابن مسعود : إنك غلام معلم ، وهو المحفوظ».

- ٤٢٥ -
٢٩٧ - الحسن بن علي أبو على المسوحى
قال أبو القاسم الجنيد كلّمت يوماً حسناً المسوحى فى شىء من
الأنس ، فقال لى: ويحك ما الأنس ؟ لو مات مَن تحت السماء
ما استوحشت .
وعن الجنيد وأبى العباس بن مسروق وأبى أحمد المغازلى ، وأبى
محمد الحريرى وغيرهم، قالوا : سمعنا حسناً المسوحى يقول: كنت آوى
بابَ الكُناس(١) كثيراً وكنت أقربُ من مسجدٍ ثم أتغيّاً فيه من
الحرّ وأستكنّ فيه من البرد. فدخلت يوماً وقد كظّنى الحر(٣)
واشتدّ علىّ، فحملتنى عينى فَتَمتُ، فرأيت كأن سقف المسجد قد
انشقّ، وكأن جارية قد نزلت علىّ من السقف، عليها قميص فضة
يتحشحش(٣)، ولها ذؤا بتان. فجلستْ عند رجْلى ، فقبضت رجلى
عنها، فمدّت يدها فنالتْ رجْلى. فقلت لها: ياجارية لمن أنت؟ قالت:
أنا لمن دام على ما أنت عليه .
أسند حسن المسوحى حديثاً عن بشْر الحافى ، وهو من كبار
أصحاب سرىّ السقطى .
(١) يقال: أوى منزله وأوى إلى منزله. لازم ومتعد .
(٢) أی کربه وجهده وغمه .
(٣) كذا. والذى في اللسان: ((التحشحش: التحرك للنهوض، وسمعت له
حشحشة وخشخشة : أى حركة)) .

- ٤٢٦ -
٢٩٨٠ - أبو علي أحمد بن ابراهيم
ابن أيوب المسوحي
صحب سَرّيّا السقطى وغيره، وروى عن حسن المسوحى أيضاً.
وقال محمد بن الحسين السلمى: قال: أخبرنا أحمد بن ابراهيم المسوحى
من جلة (١) مشايخ بغداد وظرّافهم ومتوكلّيهم.
وعن جعفر الخواص قال : كان أحمد بن ابراهيم المسوحى يحج
بقميص ورداء ونعل طاق، ولا يحمل معه شيئاً: لا رَكْوة ولا كوزاً
إلاكوز بلور فيه تفّاح شامىّ يشمّه من جوف بغداد إلى مكة ،
وكان من أفاضل الناس .
٢٩٩ - سمنون بن حمزة
يكنى أبا القاسم . أصله من البصرة، ولكنه سكن بغداد.
عن أبى أحمد المغازلى قال : كان وِرْد سمنون فى كل يوم وليلة
خمسمائة ركعة .
وقال أبو أحمد القلانسى : فرّق رجل ببغداد على الفقراء أربعين
ألف درهم ، فقال لى سمنون : يا أبا أحمد ماترى إلى ما أنفق هذا ؟
بحن ما نرجع إلى شىء ننفقه فامض بنا إلى موضع نصلى فيه بكل درهم
(١) ق : حاله .

- ٤٢٧ -
أنفقَهَ ركمةً . فذهبنا إلى المدان فصليّنا أربعين ألف ركعة وزرنا قبر
سلمان، وانصرفنا .
وعن خلف بن الحسن العبّادانى قال : سمعت سمنونًا(١) يقول:
أول وصال العبد للحق هجرانُه لنفسه، وأول هجران العبد الحقَّ.
مواصلته لنفسه
وقال أبو الطيب المكّ ذَكرلى أن سمنونًا (١) كان جالساً على
شط دجلة وبیده قضیب یضرب به فخذه حتى تبدّد لحمه، وهو يقول:
كان لى قلْب أعيش به ضاع منى فى تقلْبهِ
ضاق صدری فی تطلبهِ
رَبّ فاردده علىّ فقد
يا غياثَ المستغيثِ بِهِ
وأغثْ مادامَ بِى رَمَقٌ
وعن محمد بن حمدان قال: رأيت سمنونًاً وقد أدخل رأسه فى
زُرْما نِقَتَهِ (٣) ثم أخرج رأسه بعد ساعة وزفر ، وقال :
وشَرّدتُ نوْمی فمالی رُقّاد
تركت الفؤادَ عليلاً يُعادُ
وعن أبى بكر الواسطى قال : قال سمنون : يارب قد رضيت بكل
ما تقضيه علىّ .
(١) في النسخ: سحنون. والصواب ما اثبت.
(٢) الابيات ذكرها السلمي في الطبقات .
(٣) الزرمانقة: جبة من صوف، معرب.

- ٤٢٨ -
فاحتبس بوله أربعة عشر يوماً فكان يتلوى كما تتلوىّ الحية على
الرمل، يتقلّب يميناً وشمالاً . فلما أطلق بوله قال : يارب تبت إليك.
وعن على بن أحمد بن جعفر قال : أنشدنى ابن فراس لسمنون؟
وكان بذُكْر الحلق يلْهو ويَرِحُ
وكان فؤادى خالياً قبلَ حَبّكم
فلستُ أراه عن فِنائك يبرَحُ
فلما دما قلبى هواكَ أجابه
وإن كنتُ فى الدنيا بغيرك أفرحُ
رُميتُ بْنِ منك إن كنتُ كاذبًا
إذا غبتَ عن عينى، لعينىَ يمُلُحُ
وإن کان شىء فى البلاد بأسرها
فلستُ أرى قلبى لغيركَ بِصِلُحُ
فإن شئتَ وَاصِلْنى وإنشئتَ لا تَصِلْ
وقال أبو الفضل بن عبد السميع الهاشمى: سمعت سمنوناًيقول:
٥
أمستوحشٌ أنت مما جنيْتَ
فأحسِنْ إذاشئتَ واستأنس
وقال :
ألا أكون بحيث ماترضانى
أسفا عليكَ وحسرةً وتلمّقاً
قد صحب سمنون سرّياً السقطى، وأبا أحمد القلانسى، ومحمد بن
على القصّاب ، فى آخرين .
ولا نعلمه أسند حديثاً أصلاً . وكان قد وسوس . فانتخبنا
ماذكرنا من كلامه. وتوفى بعد الجنيد .
(١) الابيات ذكرها السلمي في طبقات الصوفية ، ولسمنون شعر كثير جيد.

- ٤٢٩ -
٣٠٠ - ابراهيم بن سعد
أبو اسحاق العلوى
من أهل بغداد. ثم انتقل(١) عنها إلى الشام فاستوطنها.
قال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال : قال ابراهيم بن سعد
العلوى أبو اسحاق : كان حسنياً من أهل بغداد ، وكان يقال له
الشريف الزاهد. وكان أستاذ أبى الحارث الأولاشى.
حكى عنه أبو الحارث قال : كنت معه فى البحر فبسط كساءه على
الماء وصلّى عليه .
وعن أبى الحسن الدربندى قال: رأيت ابراهيم بن سعد العلوى
وكان عليه كساء، فبسط كساءه على البحر ووقف وصلى على الماء .
وقال أبو الحارث الأوْلاسى: خرجت من حصن أوْلاس أريد
البحر فقال لى بعض إخواني : لا تخرج فإنى قد هيّت لك عجّةً حتى
تأكل. قال : فجلست وأكلت معه ونزلت الى الساحل فإذا أُنا
باإبراهيم بن سعد العلوى قائماً يصلّى، فقلت فى نفسى: ما أشك إلا أنه
يريد أن يقول لى: امش معى عَلى الماء ، ولئن قال لى لأمشين معه .
(١) قط : ار تحل .
(٢) فى النسخ . ((الأولاشى)) و((أولاش)) وكلاهما تصحيف و ((أولاس))
حصن على ساحل بحر الشام من نواحى طرسوس ، فيه حصن يسمى حصن الزهاد
( ياقوت ).

- ٤٣٠ -
فما استحكم الخاطر حتى سلم ثم قال . هيه يا أبا الحارث ، امش على
المخاطر. فقلت : بسم الله فمشى هو عَلى الماء وذهبت أمشى .
فغاصت رجْلى فالتفت إلىّ وقال: يا أبا الحارث العجّة أخذت برجْلك.
وعنه قال: أقبلنا من جبل اللُّكام(١) مع أبى اسحاق العلوى
الزاهد ، وكان أبو اسحاق لا يأكل إلا فى كل ثلاثة أيام سفات
خر نوب، فلقينا امرأةً وقد سخر جندىّ حماراً (٢) لها. فاستغائت بنا
فكلمه العلوى فلم يردّ عليها فدعا عليه فخرّ الجندى والمرأة والحمار.
ثم أفاقت المرأة ثم أفاق الحمار ومات الجندى . فقلت : لا أصحبك
فإنك مستجاب الدعوة وأخشى أن يبدو منى سوء أدب فتدعو علىّ.
فقال: لستَ تأمن؟ قلت : لا . قال : فأقللْ إذاً من الدنيا
ما استطعت .
وعنه قال : خرجتُ سنةً من السنين من مكة، فى وسط السنة ،
أريد الشام فاذا فى بعض الطريق ثلاثة نفر يتذاكرون ، فتقدّمت
وسلّمت عليهم وقلت : أمشى معكم ؟ فقالوا: ما شئت. فمشيت معهم
إلى أن تفرقوا وبقيت أنا وآخر. فقال لى: أين تريد يا شاب؟ فقلت:
(١) جبل اللكام ( بضم اللام) هو الجبل المشرف على أنطاكية والمصيحة
وطرسوس وتلك الثغور ( ياقوت ) .
(٢) سخره : كلفه عملا بلا أجرة . وتسخر الدابة له ركيها بلا أجرة .

- ٤٣١ -
بلد الشام . فقال: وأنا أريد اللكام . وكان الرجل ابراهيم بن
سعد العلوى .
فمشينا أياماً وافترقنا. وكانت تأتينى كُتّبه فما شعرت ذات يوم
وأنا بالأوْلاش وقد خرجت أريد البحر، فإذا برجلٍ صافٍّ قدميه
يصّى على الماء، فاضطرب قلبى حين رأيته وغلبتنى الهيبة. له فلما أحس
بى أوجز فى صلاته، ثم التفت إلىّ فإذا هو ابراهيم بن سعد العلوى،
فقال لى : غيّبْ شخصك عنى ثلاثة أيام ثم اثني بعد ذلك .
قال : ففعلت ما قال، ثم جئته بعد ثلاثة أيام فإذا هو قائم مكانه
يصلّى. فلما أحس بى أوجز فى صلاته ثم أخذ بيدى فوقفني على البحر
وحرّك شفتيه . فقلت فى نفسى: إن مشى على الماء مشيت معه . فما
لبث إلا يسيراً فإذا الحيتان قد برزت مدَّ البصر وقد أقبلت إلينا
رافعةً رؤوسها من الماء ، فاتحةَ أفواهها . فقلت فى نفسى : أين ابز
بشْر الصياد؟ فلما ذكرته فى نفسى تفرّقت فالتفت إلىّ ابراهيم وقال:
م فلستَ مطلوباً لهذا الأمر ولكن عليك بالوصال ، والتخلّى فى
الجبال ، ووارٍ نفسك ما أمكنك، حتى يشغلك بذكْره عن ذكر
مَن سواه ، وعليك بالتقلّل من الدنيا ما استطعت ، حتى يأتيك
اليقين . ومضى .
وعنه قال: كان سبب رؤيتى ابراهيم بن سعد أنى خرجت من

- ٤٣٢ -
أولاش إلى مكة فى غير أيام الموسم، فرافقت ثلاثةً . فتفرق اثنان
منهم وبقيت أنا والثالث . فقال لى: أين تريد؟ فقلت: الشام . قال :
وأنا أريد اللكام فإذا هو ابراهيم بن سعد العلوى . وكان حسنياً
ثم تفرقنا . وکانت تأتینی کُتبه .
فخرجت يوماً من أولاش فإذا ابراهيم بن سعد العلوى، فلما رآئى
قصّر فى صلاته وسلّم علىّ وجاء إلى البحر ، فنظر اليه وحرّك شفتيه فإذا
بحيتان كثيرة مصفوفة قد أقبلتْ فلما رأيتها قلت : أبن الصيادون؟
فنظرت فإذا السمك قد تفرّق . فقال لى ابراهيم: ما أنت بمطلوب فى
هذا الأمر ، ولكن عليك بهذه الرمال فتوارَ فيها ما أمكنك،
وتقلّل من الدنيا حتى يأتيك أمر الله. ثم غاب عنى فلم أره ، وكانت
کتبه ترد علی .
فلما مات كنت قاعداً يوماً فتحرّك قلبى للخروج فلما خرجت
صرتُ إلى المسجد فإذا أنا بأسْود فقام إلى فقالَ لى: أنت أبو الحارث؟
قلت : نعم. قال: آجرَك الله فى أخيك ابراهيم بن سعد.
وكان هذا مولىّ له يسمى ناصحاً ، فذكر أن ابراهيم بن سعد
أوصاه أن يؤدىَ هذه الرسالة :
يا أخى إذا نزل بك أمر من أمر الله فاستعمل الرضا ، فإن الله

- ٤٣٣ -
مطلع عليك يعلم ما فى ضميرك، فإن رضيت فلك الثواب الجزيل .
وأنت فى رضاك وسخطك لستَ تقدر أن تزداد فى الرزق المقسوم
والأمر المكتوب، فإن لم تجد إلى الرضا سبيلاً فاستعمل الصبر فإنه
رأس الإيمان، فإن لم تجد فعليك بالتجمل ولا تشْكُ مَن ليس بأهل
أن يُشكى وهو من أهل الشكر والثناء القديم(١) ما أولى، فإذا
اضطررت وقلَّ صبرك فالجأ اليه بهّك واشكُ اليه بَّك واحذر أن
تستبطئه وُسىء به ظناً فإن كلّ شىء بسبب ولكل سبب أجل ،
ولكل أجل كتاب، ولكل ممّ من الله فَرج. ومن علم أنه بعين
الله استحيا أن يراه يرجو سواه، ومن أيقن بنظر الله إليه أسقط اختيار
نفسه، ومن علم أن الله الضارُّ النافع أسقط مخاوف المخلوقين. فراقب
الله فى قُربه واطْلُب الأمور من معادنها ، واحذر أن تعتمد على مخلوق
أو تفشىَ اليه سرّاً أو تشكو إليه شيئاً؛ فإن غنيّهم فقير، وفقيرهم
ذليل فى فقره، وعالمهم جاهل فى علمه، وجاهلهم فاجرٌ فى فعله،
إلا القليل ممن عصم الله . فاتقوا الفاجر من العلماء والجاهل من العباد
فإنهم فتنة لكل مفتون.
وقال عبد الله بن سهل: بات عندى أبو الحارث الأولاشى
فسألته عن مفارقته إبراهيم بن سعد العلوى فقال : كانت الدنيا طوع
(١) ط : القديم ، تحريف.
(م ٢٨ - شقة المقوة = ٢)

- ٤٣٤ -
يديه، فلما انتهى إلى الساحل قال لى: ترجع؟ قلت: بل أصحبك . فتقَملَ
فى البحر فإذا جوق(١) من سمك مصفوف فوق الماء كأنه سرير ،
فو ثب إليه ثم قال لى: الله خلیفتی عليك . قلت: ادع لى. قال: قد
فعلت. فاحفظ حدود الله وارحم خلقه الا من عائَد .
٣٠١ - أبو اسحاق إبراهيم الآجرى الصغير
ولا يعرف اسم أبيه
قال أبو العباس بن مسروق وأبو محمد الحريرى وأبو أحمد المغازلى
وغيرهم، عن إبراهيم الآجرى، قالوا : جاء يهودى يقتضيه شيئاً من
ثمن قصّب . فكلّه فقال له: أرنى شيئاً أعرف به شرف الاسلام
وفضله على دينى حتى أُسْلم. فقال له : وتفعل؟ قال: نعم . قال له :هات
رداءك . قال : فأخذه فجعله في رداء نفسه ولف رداءه عليه ورمى به فى
النار- نارٍ أَتون الآجرّ - ودخل فى أثره. فأخذ الرداء وخرج من
الباب ففتح رداء نفسه وهو صحيح، وأخرج رداء اليهودىّ حرَاقً(٢)
أسود من جوف رداء نفسه. فأسلم اليهودى . رحمه الله.
(١) الجوقة : الجماعة من الناس . ق : حوث.
(٢) الحراق والحراقة: ما يقع فيه السقط عند القدح من خرقة ومحوها .

- ٤٣٥ -
٣٠٢ - أبو نصر المحب
جمع بين الزهد والمروءة
عن أبى العباس بن مسروق قال: اجتزت أنا وأبو نصر المحب
فى الكرخ وعلى أبى نصر إزارٌ له قيمة، فإذا نحن بسائل يسأل وهو
يقول: شفيعى إليكم محمد صلى الله عليه وسلم. فشق أبو نصر
إزاره فأعطاه النصف ، ومشى خطوتين وقال: هذه نذالة . فانصَرَف
إليه فأعطاه النصف الآخر . رحمه الله .
٣٠٣- أبو سعيد الخراز واسمه أحمد بن عيسى
قال الجنيد: لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخراز لهلكنا.
قال على: فقلت لابراهيم(١) . وأىّ شىء كان حاله؟ قال: أقام كذا
وكذا سنةً مخرز، ما فاته الحق بين الخرزتين .
وقال أبو جعفر الصيدلانى : سمعت أبا سعيد الخرّاز يقول :
من ظنّ أنه ببذل الجهد (٢) يصل فمتَمنَ، ومن ظن أنه بغير بذل
الجهد (٢) يصْل فمتمنّ.
(١) لم يرد اسم على ولا إبراهيم فى سند الخبر.
(٢) قط : المجهود .
(٣) قط : المجهود.

-٤٣٦ -
أبو الفضل العباس ابن الشاعر ، يذكر عن تلميذة لأبى سعيد
قالت: كنت أسأله مسألةً والإزار بينى وبينه مشدود. فاستفزنى (١)
حلاوة كلامه فنظرت فى تَقْب من الازار فرأيت شفته. فلما
وقعت عينى عليه سكّت وقال: جرى هاهنا حدث، فأخبرينى ماهو ؟
فعرفته أني نظرت إليه ، فقال : أما علمت أن نظرك إلىّ معصية وهذا
العلم لا يحتمل التخليط - ؟
وعن أبى القاسم بن مروان (٢) قال: كان عندنا بنهاونْد فتىّ
يصحبنى وكنت أصحب أبا سعيد الخراز : فكنت إذا رجعتحدثت
ذلك الفتى ما أسمع من أبى سعيد. فقال لى ذات يوم: إنْ سهل الله لك
الخروج خرجتُ معك حتى أرى هذا الشيخ .
فخرجت وخرج معی ووصلنا إلىمكة فقال لى: ليس نطوف حتى
تلقى أبا سعيد فقصدناه وسلّمنا عليه فقال الشاب: مسألة - ولم يُحدّثى
أنه يريد أن يسأل عن شىء - فقال له الشيخ: سل. فقال: ماحقيقة
التوكل؟ فقال له الشيخ: أن لا تأخذ الحجّة من حمولا(٣) وكان الشاب.
قد أخذحجةً من حمولا(٣)، وهو رئيس نهاوند وما علمت.
(١) ق: ((فاستفرأى)) ولعلها: ((فاستقربى)).
(٢) ق، قط : مزدان .
(٣) ق: خولا.

- ٤٣٧ -
فورد على الشاب أمر عظم وخجل . فلما رأى الشيخ ماحل به
عطف عليه وقال: ارجع إلى سؤالك. ثم قال أبو سعيد: كنت أراعى
شيئاً من هذا الأمر فى حداثتى فسلكت بادية الموصل فيينا أنا سائر
سمعت حسّاً من ورائى، فحفظت قلبى عن الالتفات فاذا الحس قد دنا
متی وإذا بسبعین قدصعدا علی کتفی فلحسا خدی فلے انظر اليهما حین
صعدا ولاحين نزلا.
وعن على بن حفص الرازى قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول :
ذنوب المقرّبين حسنات الأبرار .
وعن أبى محمد الحريرى قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول فى
معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم «جيلت القلوبُ على حُبّ من
أحسَن إليها (١)»: ياعجبا لمن لم يرّ محسناً غير الله، كيف لا يميل
بكلیته إليه -؟
وعن العباس بن أحمد الرملى قال: قال أبو سعيد الخراز المعرفة تأتى
القلوب من جهتين : من عين الجود ومن بذل المجهود .
أحمد بن عبدالله قال: قال أبو سعيد الخراز: إذا بكت عين الخائفين
فقد كاتبوا لله بدموعم.
(١) الحديث ضعيف الإسناد، أخرجه ابن عدى فى الكامل، وأبو نعيم فى
الخلية، والبيهقى فى شعب الايمان، وابن حبان فى روضة العقلاء.

- ٤٣٨ -
وعن أحمد بن محمد الزيادى قال: سمعت أبا سعيد الحراز يقول:
العافية سترَت الَيْرَّ والفاجر، فاذا جاءت البلوى يتبين عندها الرجال.
وقال أبو بكر الشقاق : سمعت أحمد بن عيسى الخراز يقول :
كنت يوماً أمشى فى الصحراء فإذا قريب من عشرة كلاب الرعاة شدوا
علىّ . فلما قربوامنى جعلت أستعمل المراقبة فإذا كلب أبيض قدخرج
من بينهم وحمل على الكلاب فطردم عنى ولم يفارقنى حتى تباعدت عنى
الكلاب ثم التفت أرَ ..
قال أبو سعيد: وكان لى معلّ يختلف إلىّ يعلمنى الخوف ثم ينصرف.
فقال لى يوماً: إنى معلّك خوفً يجمع لك كلّ شىء. قلت : ما هو ؟
قال : مراقبة الله عزّ وجل .
أسند أبو سعيد عن عبد الله بن ابراهيم الغفارى وإبراهيم بن
بشارى صاحب إبراهيم بن أدهم.
وصحب بشر بن الحارث وسريًا وذا النون وأبا عبد الله الساجى
وأبا عبيد السرى ونظراءم.
وتوفىّ فى سنة سبع وسبعين(١) وقيل ست وثمانين ومائتين.
(١) قط: وقسمين.

- ٤٣٩ -
٣٠٤ - أبى الحسين النووى
واسمه أحمد بن محمد بغدادىّ المولد والمنشأخراسانىّ الأصل، من
قريةٍ بين هَراة ومرْو الروذ يقال لها بَغْشُور ولذلك كان يُعرف باين
البغوى .
قال أبو أحمد المغازلى : ما رأيت أحداً قط أعبد من النّورى.
فقيل: ولاجتيد؟ قال: ولا جنيد. وكانله قنينة تسع خمسة أرطالٍ ماءً
يشربها (فى) خمسة أيام،وقت إفطاره(١) .
قال عبد الكريم: ثم حدثنى أبو جعفر الفرغانى قال : مكث أبو
الحسين النورى عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين ويخرج لمضى إلى
السوق فيتصدق بالرغيفين ويدخل المسجد فلا يزال يركع حتى يجىء
وقت سوقه . فإذا جاء الوقت مضى إلى . السوق فيظن أنه قد تغدى
فى بيته، ومن فى بيته عندم أنه قدأخذ معه غداءه ، وهو صائم.
قال ابن جهضم: وحدثنى عمر النجاد قال : دخل أبو الحسين النورى
إلى الماء ليغتسل ، فجاء لصّ فأخذ ثيابه فخرج عن الماء فلم يجد ثيابه
فرجع إلى الماء. فلم يكن إلا القليل حتى جاء اللص ومعه ثيابه فوضعها
(١) ط: ((يشربها فى خمسة أيام،) بشربها وقت إفطاره).

- ٤٤٠ -
مكانه وقد جفّت يده اليمنى فخرج أبو الحسين من الماء ولبس ثيابه
وقال: سيدى، قد رد علىّ ثيابى فرُّدّ عليه يده. فَردّ الله عليه يده،
ثم مضى.
وقال أبو عمر الأنماطى(١): اعتلّ النورى فبعث إليه الجنيد بصرّة
فيها درام وعاده فردّها النورى. ثم اعتل الجنيد فدخل عليه النورى
عائداً فقعد عند رأسه ووضع يده على جبهته فعوفى من ساعته . فقال
النورى للجنيد : إذا عُدتَ إِخوانك فارُفُق بهم بمثل هذا البِرّ.
وعن الصاد(٢) قال: سمعت أبا الحسين النورى يقول، وقد سئل
عن الرضا، فقال: عن وجْدى تسألون أو عن وجد الخلق ؟ فقيل له :
عن وجدك . فقال: لو كنت فى الدّرك الأسفل من النار لكنت
أرضى ممن هو فى الفردوس .
أسند النورى عن سرى السقطى حديثاً واحداً. (4)
و توفى قبل الجنيد فى سنة خمس وتسعين ومائتين.
٣٠٥ - عمرو بن عثمان المكى
يكنى أبا عبد الله. سكن بغداد
عن أبى بكر القناديلى قال : قال عمر بن عثمان المكىّ: المروءة
التغافل عن زلل الاخوان.
(١) صف : الانماري .
(٢) قط : الفاء ، ق : العناد .
(٣) هو ما رواه انس عن رسول الله قال من قضى لاخيه المسلم حاجة ، كان
له من الاجر كمن خدم الله عمره - انظر طبقات الصوفية السلمي -