النص المفهرس

صفحات 301-320

- ٢٠١ -
٢٥٠ - عابدان
أبو بكر القرشى قال: قرأت فى كتاب جعفر الآدمىّ بخطه : قال
سلامة: كنت بالمن فى بعض مخاليفها(١) فإذا رجل معه ابن له شاب
فقال: إن هذا أبى وهو من خير الآباء ولى بقر تأتينى مساء فأحلها
ثم آتى أبى وهو فى الصلاة فأحبّ أن يكون عيالى يشربون فضله فلا
أزال قائماً عليه والاناء فى يدى وهو مقبل على صلاته ، وعسى أن
لا ينقتل ويقبل علىّ حتى يطلع الفجر .
قلت للشيخ: ما تقول ؟ قال صدق . وأثنى على ابنه ، ثم قال إنى
أخبرك بعذرى : إذا دخلتُ فى الصلاة فاستفتحتُ القرآن ذهب بى
مذاهب وشغلنى، حتى ما أذكره، حتى أصبح .
قال سلامة ذكرت أمرهما لعبد الله بن مرزوق فقال هذان يُدفع
بهما عن أهل المن قال: وذكرت أمرهما لابن عيينة فقال: هذان يُدفع
بهما عن أهل الأرض، رضى الله عنهما.
(١) مفردها مخلاف: وهو الكورة، أى المدينة والصقع.

- ٣٠٢ -
ذكر المصطفيات من عابدات اليمن
٢٥١ - خنساء بنت خدام
وليست بالصحابية
عن حفص بن عمرو الجعفى قال : كانت بالمن امرأة من العرب
جليلة جهورية حسناً وجمالاً كأنها بَدنة ، يقال لها خنساء بنت خدام،
فصامت أربعين عامًا حتى لصق جلدها بعظمها ، وبكت حتى ذهبت
عيناها ، وقامت حتى أقعدت من رجليها .
وكان طاوس ووهب بن منبه يعظمان قدرها . وكانت إذا جن عليها
الليل وهدأت العيون وسكنت الحركات تنادى بصوت لها حزين :
يا حبيبَ المطيعين، إلى كم تحبس خدود المطيعين فى التراب ، ابعتهم
حتى ينجزوا موعدك الصادق الذى أتعبوا له أنفسهم ثم أنصَبوها .
قال : فيسمع البكاء من الدور حولها .
٢٥٢ - سوية(١)
عن أبي هشام - رجل من قريش من بنى عامر - قال :
قدمت علينا امرأة من أهل اليمن يقال لها سَوِّيّةً(١) . فنزلت فى بعض
رباعنا ، فكنت اسمع لها من الليل نحيباً وشهيقاً. فقلت للجارية(٣) :
(١) ضبطت فى ق بفتح السين. وفى أسماء نسوة أخر تضم السين مع فتح الواو.
(٢) ق، قط: (( للخادم)) وتطلق على الذكر والأنثى معاً .
١

- ٣٠٣ -
أشرفى على هذه المرأة فانظرى ما تصنع؟ فإذا هى قائمة مستقبلة القبلة
رافعة رأسها إلى السماء فقلت: ما تصنع ؟ قالت : ما أراها تصنع شيئاً
غير أنها لا تردَّ طرفها عن السماء. فقلت: اسمعى ما تقول. قالت:
لا أفهم كثيراً من قولها ، غير أنى أسمعها تقول:
أراكَ خلقت سَوّيّة من طينة لازبة غمرتَّها بنعمتك ، تغذوها من
حال إلى حال وكل أحوالك لها حسنة ، وكل بلائك عندها جميل،
وهىَ مع ذلك متعرضة لسخطك بالتوثب على معاصيك، فلتة فى إبر
فلتة أترى أنها تظن أنك لا ترى سوء فعالها؟ بلى وأنت على كل
شىء قدير .
ثم صرخت وسقطت. ونزلت الجارية فأخبرتنى بسقطتها فلما
أصبحنا نظرنا فإذا هى قد ماتت - والسلام -
ومن عابدات اليمن المجهولات الأسماء
٢٥٣ - عابدة
عن محمد بن سلمان القرشى قال: بينا أنا أسير فى طريق المن إذا
أنا بغلام واقف فى الطريق فى أذنية قرطان ، فى كل قرط جوهرة،
يضىء وجهُه من ضوء تلك الجوهرة، وهو يمجّدّ ربه بأبيات من
ء
الشعر . فسمعته يقول :
مَليك فى السماء به افتخارى عزيزُ القدر ليس به خفاء

- ٣٠٤ -
فدنوت منه فسلمت عليه فقال : ما أنا براد عليك حتى تؤدی من
حتي ما يجب لى عليك. قلت: وما حقّك؟ قال: أنا غلام على مذهب
إبراهيم الخليل عَّاتٍ لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم حتى أسير الميل
والميلين فى طلب الضيف .
فأجبته إلى ذلك فرحّب بى وسرت معه حتى قربنا من خيمة شعر.
فلما قربنا من الخيمة صاح: يا أختاه. فأجابته جارية من الخيمة بالبيكاه.
فقال: قومى إلى ضيفنا . فقالت الجارية : حتى أبدأ بشكر المولى الذى
سبب لنا هذا الضيف. فقامت فصلت ركعتين شكراً لله عز وجل .
فأدخلنى الخيمة وأجلسنى. وأخذ الغلام الشفرة وأخذ عناقا (١)
ليذبحها فلما جلست فى الخيمة نظرت إلى أحسن الناس وجهاً، فكنت
أسارتها النظر ففطنت لبعض لحظاتى إليها فقالت لى: مَهْ أما علمتَ
أنه قد نقل إلينا عن صاحب يثرب وع لي أن زنى العينين النظر؟
أما إنى ما أردت بهذا أن أوتخك، ولكنى أردت أن أؤدّبك لكي
لا تعود إلى مثل هذا .
فلما كان النوم بتّ أنا والغلام خارجاً وباتت الجارية فى
(١) العناق ( بفتح العين): الأنثى من أولاد المعز قبل استكمالها الحول،
(٢) اخرجه الامام احمد ٣٤٣/٢ بلفظ ((العينان تزنيان وزناهما النظر)).

- ٣٠٥ -
الخيمة وكنت أسمع دوىّ القرآن الليل كله بأحسن صوت يكون
وأرقه . فلما أصبحتُ قلت للغلام: صوْتُ مَن كان ذلك؟ فقال: تلك
أختى بحى الليل كله إلى الصباح فقلت: ياغلام أنت أحق بهذا العمل
من أختك، أنت رجل وهي امرأة. قال: فتبسّم وقال لى: ويحك
يا فتى أما علمت أنه موفق ومخذول ؟
-(انتهى ذكر أهل المن) -
مو
(م.٢٠ - صفة الصفوة )

- ٣٠٦ -
ذكر المصطفين من أهل بغداد
نزل بغدادَ خلق كثير من العلماء والزهاد والأولياء والعبّاد، وإنما
تنتخب منهم من يدخل فى شرط كتابنا هذا ونذكرهم على طبقاتهم.
والله الموفق .
٢٥٤ - أبو هاشم الزاهد
قال أبو نعيم الحافظ : أبو هاشم من قُدماء زهّاد بغداد ، ومن
أقران أبى عبدالله البرائى. وبلغنى أن سفيان الثورى جلس إليه وقال :
مازلت أرائى وأنا لا أشعر حتى جالست أبا هاشم فأخذت منه
تَرك الرثاء .
محمد بن حسين قال: حدثنى بعض أصحابنا قال: قال أبوهاشم
الزاهد : إن الله عز وجل وسَم الدنيا بالوحشة ليكون أنس المريدين
به دونها، وليقبل المطيعون له بالإعراض عنها وأهل المعرفة بالله فيها
مستوحشون وإلى الآخرة مشتاقون .
وعن حكيم بن جعفر قال: نظر أبو هاشم إلى شريك القاضى
يخرج من دار يحي بن خالد فبكى وقال : أعوذ بالله من علم لا ينفع.
وعن محمد بن الحسين قال: قال أبو هاشم الزاهد أَخْذُ المرءِ نفسَه
بُحُسن الأدبِ تأديبُ أهلِه(١).
(١) صف: ((نفسه: رحمه الله)).

- ٣٠٧ -
٢٥٥ - أسعد بن سالم
أبو محمد العابد. كان صالحاًورعاً. وكان بينه وبينمعروف الكرخى
مؤاخاة ومودّة . عن على بن محمد بن إبراهيم الصفّر قال : حضرت
أسود بن سالم ليلة فقلت :
يسائلنى وينكشف الغطاءٍ(١)
أمامى موقف قُدَامَ ربِى
كحد السيفٍ أَسِفَلُهَ لَظَاءٍ
وحسْنى أن أمرّ على صراطٍ
قال فصرخ أسود صرخة ولم يزل مغشياً عليه حتى أصبح .
وعن أحمد بن الحكم الصاغانى قال: جاء رجل إلى ابن حميد فقال :
إلى اغتبت أسود بن سالم فأتيت فى منامى فقيل لى: تغتاب ولياً من
أولياء الله لو ركب حائطً ثم قال له سِرْ لسارَ.؟
وعن محمد بن ابراهيم(٢) السائح قال: قال أسود بن سالم: ركعتان
أصلهما أحب إلىّ من الجنة بما فيها. فقيل له: هذا خطأ . فقال :
دءُونا من كلامكـ، رأيت الجنة رِضا نفسى وركعتين أصليهما رضا ربيّ،
ورضا ربىّ أحبّ إلى من رضا نفسى.
أسند أسود عن: حماد بن زيد وسفيان بن عيينة واسمعيل بن علية
فى آخرين ..
وتوفى فى سنة ثلاثَ عشرةَ أو أربع عشرةً ومائتين .
(١) ق: ويكشف لى الغطاء.
(٢) ق، قط: إبراهيم بن محمد .

- ٣٠٨ -
٢٥٦ - منصور بن عمار بن كثير
أبو السرى الواعظ
أصله من خراسان - قال أبو عبد الرحمن السلمى: هو من أهل
مرو. وقيل هو من أهل بُوشَنْج(١). وقيل من البصرة . سكن بغداد.
عن أبى سعيد بن يونس قال: كان منصور بن عمار فى قصصه وكلامه
شيئا عجبا لم يقص على الناس مثله .
وعن سليم بن منصور قال : رأيت أنى فى المنام فقلت: ما فعل الله
بك(٣) ؟ فقال: إن الربّ قرّبنى وأدنانى وقال لى: ياشيخ السّوء تدرى
لِمَ غفرت لك؟ قلت: لا يا إلهى. قال: إنك جلستَ للناس يوماً
مجلساً فَبكّيتهم ، فبكى فيه(٢) عبد من عبادى لم يبك من خشيتى قطّ
فغفرتُ له ووهبتُ أهل المجلس كلهم له ، ووهبتك فيمن وهبت له.
وعن أبى الحسين السعدانى قال: رأيت منصور بن عمار فى المنام،
فقلت له : ما فعل الله بك؟ قال : وقفت بين يديه فقال لى: أنت الذى
كنتَ تُهّد الناس فى الدنيا وترْغَب فها؟ قلت : قد كان ذاك، ولکن
(١) بليدة نزهة خصيبة من نواحى هراة ، ينسب إليها خلق كثير من أهل
العلم. ( ياقوت) وفى معجم البكرى وق: ((بوسنج)) بالسين، لكن هذه
عند يا قوت من قری ترمد .
(٢) ق ، قط : ما فعل بك ربك .
(٣) قط ــ فيهم.

- ٣٠٩ -
ما اتّخذت مجلساً إلا وبدأت بالثناء عليك ، وثنيت بالصلاة على
نبيك مَ اتي، وثلثت بالتّصحية لعبادك. فقال: صدق، ضعوا له
کرسیا فی سمائی فیمجدنی فی سمائی بین ملائکتی کما تجدنى فى أرضى
بین عبادی .
أسند منصور عن معروف أبى الخطاب صاحب واثلة بن الأسقع.
وروى عن الليث وابن لهيعة فى آخرين. وتوفى ببغداد .
٢٥٧ - ولد الرشيد المعروف بالسبتى
ويقال : اسمه أحمد ، رضى الله عنه .
٠٠ ٤(١)
عن عبد الله بن الفرج قال: خرجت يومًا أطلب رجلا يرٌمّ
ءُ
لى شيئا فى الدار . فذهبت فأشير لى إلى رجل حسن الوجه بين يديه
مَرّ وَزَبِيل. فقلت : تعمل لى؟ قال : نعم بدرهم ودانق. فقلت : قم
فقام فعمل لى عملاً بدرم ودانق ( ودرم ودانق ودرهم ودانق(٢))
قال: ثم أتيت يومً آخر فسألت عنه فقيل لى : ذلك رجل لايُرى
فى الجمعة إلا يوماً واحد، يوم كذا . قال: جئت ذلك اليوم فقلت :
تعمل لي؟ قال: نعم بدرهم ودانق. فقلت أنا : بدرهم . فقال : بدرهم
ودانق فقلت: قم. ولم يكن فى الدائق (٣) ولكن أحببت أن أستعلم ما عنده
(٢) ليس فى قط .
(١) يرم: يصلح .
(٣) أى لم یکن یهمنی . ط: ((لی )) بدل (( بی )). تحريف

- ٣١٠ -
فلما كان المساء وزنت درهماً فقال لى: ما هذا؟ قلت: درهم. قال: ألم
أقل لك درهم ودانق؟ أٍّ لقد أفسدتَ على. فقلت: وأنا ألم أقل لك
بدرهم؟ فقال: لست آخذ منه شيئاً . قال : فوزنت درهماً ودانقاً،
فقلت : خذ فأنى أن يأخذه وقال: سبحان الله أقول لا آخذه وتّح
على؟ فأبى أن يأخذهومضى .
قال : فأقبلَ علىّ أهلى وقالت : فعلَ الله بك ، ما أردت إلى رجل
عمل لك عملاً بدرهم أن أفسدتَ عليه ؟ قال نجئت يوماً أسأل عنه
فقيل لى مريض . فاستدللت على بيته فأتيته فاستأذنت علیهفدخلت وهو
مبطون ، وليس فى بيته شىء إلا ذلك المرّ والزّييل: فسلمت عليه،
وقلت له: لى إليك حاجة ، وتعرف فضل إدخال السرور على المؤمن:
حبّ أن تجىء إلى بيتى أمرّضك. قال. وتحب ذلك؟ قلت: نعم قال:
بشرائط ثلاث . قلت : نعم. قال: لا تعرض على طعاماً حتى أسألك،
وإذا أنا متّ أن تدفنى فى كسائى وحبّ هذه. قلت: نعم. قال: والثالثة
أشدّ منها وهی شديدة. قلت : وإن كان
قال: فحملته إلى منزلى عند الظهر. فلما أصبحت من الغد نادانى :
يا عبدالله. فقلت : ماشأنك؟ قال: قد اخْتُضرت، افتح صرةً على كم
جبنى. قال: ففتحتها فإذا فيها خاتم عليه فَصّ أحمر. فقال: إذا أنامّت
ودفنتنى فخذ هذا الخاتم ثم ادفعه إلى هارون أمير المؤمنين وقل له

- ٣١١ -
يقول لك صاحب هذا الخاتم: ويحك لايموتنّ على سكرتك هذه،
فإنك إنْ متّ على سكرتك هذه ندمْتَ.
فلما دفنته، سألت عن يوم خروج هارون أمير المؤمنين وكتبت
قصّةُ(١) وتعرّضت له. قال: فدفعتها إليه وأوذيت أذىً شديداً فلما
دخل قصره وقرأ القصّة قال: علىّ بصاحب هذه القصة. قال : فأدخلت
عليه وهو مغضَب قال: تتعرّضون لنا وتفعلون؟ فلما رأيت غضبه
أخرجت الخاتم فلما نظر إلى الخاتم قال: من أين لك هذا الخاتم ؟
قلت: دفعه إلىّ رجل طّان. فقال لى: طيّان طيّان. وقرّبنى منه. فقلت
له يا أمير المؤمنين إنه أو صائى بوصية. فقال لى: ويحك قل. فقلت: يا أمير
المؤمنين إنه أوصانى إذا أوصلت إليك هذا الخاتم فقل(٢) له: يقرئك
صاحب هذا الخاتم السلام ويقول لك: ويحك لايموتنّ على سكرتك
هذه فإنك إن متّ على سكر تك هذه ندمت.
فقام على رجليه قائماً وضرب بنفسه على البساط وجعل يتقلب عليه
ويقول يابنىّ نصحت أباك.
(١) القصة: القضيه، الشأن، الأحدوثة. الأمر الحادث.
(٢) كذا والعبارة فيها ضعف، وينبغى أن يقول: ((إذا أوصلت إليه ... ))
أو: ((إذا أوصلت إليك هذا الخاتم أن أقول لك)).

- ٣١٢ -
فقلت فى نفسى : كأنه ابنه . ثم جلس وجاؤوا بالماء فمسحوا وجهه
وقال لى : كيف عرفَتَه؟ فقصصْت عليه قصّته . قال: فبكى وقال : هذا
أول مولودٍ وُلدلى، وكان أبى المهدى ذكر إلى زبيدة أن يزوّجنى
فبصرتُ بهذه المرأة فوقعت فى قلبى وكانت حسنة فتزوّجت بها سرّاً
من أبى، فأولدتها هذا المولود وأحدَرْتُها إلى البصرة وأعطيتها هذا
الخاتم وأشياء وقلت : اكتمى نفسك، فاذا بلغك أنى قد قعدتُ
للخلافه فأتيني. فلما قعدت للخلافة(١) سألت عنهما(٢) فذكر لى أنهما
ماتا ، ولم أعلم أنه باقٍ. فأين دفتتَه؟ قلت: يا أمير المؤمنين دفتُه فى
مقابر عبد الله بن مالك . قال : لى إليك حاجة : إذا كان بعد المغرب
فقف لى بالباب حتى أخرج(٣) إليك فأخرج متنكّراً إلى قبره .
فوقفت له فخرج متنكراً والهدم حوله ووضع يده بیدی وصاح
بالخدم فتنحّوا وجئت به إلى قبره فمازال ليلتَه يبكى إلى أن أصبح.
ويُدير رأسه ولحيته على قبره يقول : يابنىّ لقد نصحت أباك.
قال: فجعلت أبكى لبكائه رحمةً مني له. ثم سمع كلاماً فقال: كأنى
أسمع كلام الناس . قلت : أجل أصبحتَ يا أمير المؤمنين ، قد طلع
(١) ق : فى الخلافه .
(٢) ط : عنها ، تحريف.
(٣) قط : أنزل .

- ٣١٣ -
الفجر . فقال لى: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم، واكتُبْ
عيالك مع عيالى، مع من تهتم به ، فان لك علىّ حقاً بدفتك ولدى،
وإن أنا مّت أوصيتُ مَن على بعدى أن يُجرى عليك، ما بقىَ لك عِقِب
ثم أخذ بيدى حتى إذا بلغ قريباً من القصر ويدُه بيدى إذا الخدم.
فلما صاروا إلى القصر قال لى: انظر ما وصّيتك به: إذا طلعت الشمس
قف لى حتى أنظر إليك وأدعوبك فتحدّفى حديثه . قلت : إن شاء
الله . فلم أعد إليه .
قلت : وقد رُويت لنا قصته من طريق آخر ، وفيها نوع مخالفة لهذه:
عن أبى بكر بن أبى الطيّب قال: بلغناًعن عبد الله بن الفرج العابد
قال: احتجتُ إلى صانع يصنع لى شيئاً من أمر الروزجاريين(١) فأتيت
السوق فجعلتُ أرمق الصنّاع فإذا فى أواخرهم شابٌ مصفرّ بين
يديه زَييل كبير ومَرٌّ ، وعليه جبّة صوف ومِّزر صوف. فقلت له:
تعمل؟ قال: نعم. قلت: بكم ؟ قال: بدرهم ودانق. قلت له : قم حتى
تعمل. قال : على شريطة. قلت : ماهى؟ قال: إذا كان وقت الظهر
وأذن المؤذن خرجت وتطهّرت وصلّيت فى المسجد جماعة ثم رجعت،
فإذا كان وقت العصر فكذلك. قلت : نعم. فقام معى فجئنا المنزل،
(١) كذا فى النسخ ، ولم نهتد إلى المراد منها ، على كثرة البحث .

- ٣١٤ -
فوافقته على ما ينقله من موضع إلى موضع فشدّ وسطه وجعل يعمل
ولا يكلمنی بشىء .
حتى إذا أذن المؤذن للظهر (١) قال: يا عبد الله قد أذن المؤذّن.
قلت . شأنك . فخرج فصلّى فلما رجَع عمل أيضا عملاً جيّداً إلى
العصر. فلما أذن المؤذن قال: يا عبد الله قد أذن المؤذن. قلت: شأنَك
فخرح فصّ . ثم رجع فلم يزل يعمل إلى آخر النهار فوزنت له
أجرته وانصرف .
فلما كان بعد أيام احتجْت(٢) إلى عمل فقالت لى زوجتى : اطلب
لنا ذلك الصانع(٣) الشاب فانه قد نصحّنافى عملنا فجئت السوق فلم أره.
فسألت عنه فقالوا : تسأل عن ذلك المصفّرِ المشؤوم الذى لاّراه(٤) إلاّ
من سَبْت إلى سَبْت؟ لا يجلس إلا وحدَه فى آخر الناس . فانصرفت.
فلما كان يوم السبت أتيت السوق فصادفته فقلت: تعمل؟ فقال:
قد عرفتَ الأجرة والشّرط. قلت: إستخِر الله تعالى . فقام فعمل على
النحو الذى كان عمل. قال : فلما وزنتُ له الأجرة زدتُه فأبى أن يأخذ
(١) صف : مؤذن الظهر .
(٢) ق، قط: احتجنا
(٣) صف: الصالح
(٤) صف : لا تراه .
٠

- ٣١٥ - :
الزيادة . فألححتُ عليه فضجِر وتركنى ومضى. فَفَعنى ذلك فاتّعته
وداريته حتى أخذ أجرتهِ فقط .
فلما كان بعد مدة احتجْنا أيضاً إليه فضيت فى يوم السبت فلم
أصادفه. فسألت عنه فقيل لى: هو عليل وقال لى من كان تخبر أمره:
إنما كان إلى السوق من سبت إلى سبت ، يعمل بدرهم ودانق ،
يتقوَّت كل يومٍ دانقاً، وقد مرض .
فسألت عن منزله فأتيته وهو فى بيت عجوز فقلت لها : هذا
الشاب الروزجارى. فقالت: هو عليل منذ ا يام. فدخلت عليه فوجدتُه(١)
لما به ، وتحتَ رأسه لبنة. فسلمت عليه وقلت: لك حاجة؟ قال نعم:
إن قبلت . قلت : أقْبَلُ إن شاء الله [ تعالى]. قال: إذا أنا متّ فَبِعْ
هذا المَرّ واغسل جبّى هذه الصوفَ، وهذا المنزر، وكفى بها
وافتقْ جيبَ الجبّة فإن فيها خاتماً فخذه ، ثم انظر يوم يركب
هارون الرشيد الخليفة فقف له فى موضع يراك فكلّه وأرِهِ الخاتم فانه
سيدعو بك فسلم إليه الخاتم ولا يكن هذا إلا بعد دفى . قلت : نعم.
فلما مات فعلت ما أمرنى ، ثم نظرت اليوم الذى يركب فيه
الرشيد فجلست له على الطريق فلما مرّ ناديته: يا أمير المؤمنين لك
عندى وديعة ولوّحت بالخاتم فأمر بى فاخذت وحُلت حتى دخّل
(١) وجدته : حزنت عليه .

- ٣١٦ -
إلى داره ثم دعا بى ونحّى جميعَ مَّن عنده وقال: مَن أنت ؟ فقلت:
عبد الله بن الفرج. فقال: هذا الخاتم من أين لك؟ حدثتّه قصة الشاب.
فجعل يبكى حتى رَحِتُه.
فلما أنس إلى (١) قلت: يا أمير المؤمنين من هو منك؟ قال: ابنى.
قلت: كيف سار إلى هذه الحال؟ قال: وُلد لى قبل أن أُ بتلَى بالخلافة
فنشأً نُشوءاً حسناً وتعلّ القرآن والعلم. فلما وليتُ الخلافة تركنى ولم
ينلْ من دنياىَ شيئًا. فدفعتُ إلى أمّه هذا الخاتمَ وهو ياقوت
ويساوى مالاً كثيراً فدفعته إليها وقلت لها: تدفعين هذا إليه، وكان
بَرّاً بأمّه، ونسأليه(٢) أن يكون معه فلعله أن يحتاج إليه يوماً من
الأيام فينتفع به. وتوفّيت أمه فما عرفتُ له خبراً إلا ما أخبرْتَى به
أنت. ثم قال لى: إذا كان الليل فاخرُجْ معى إلى قبره.
فلما كان الليل خرج وحده معى يمشى حتى أتينا قبره جلس إليه فبكى
بكاءً شديداً. فلما طلع الفجر قمنا فرجع فقال لى: تَعَاهَدْنى فى الأيام
حتى أزورَ قبرهَ. فكنت أتعاهَدُه بالليل فيخرج حتى يزور قبره
ثم يرجع.
قال عبد الله بن الفَرج: ولم أعلم أنه ابن الرشيد حتى أخبر فى الرشيد
أنه ابنه ، أو كما قال ابن أبى الطيب .
(١) قط : أنست إليه.
(٢) ق: « باراً بأمه وسألته)).
٠٠.

- ٣١٧ -
قلت : هذا طريق حسن والطريق الذى قبله أصحّ لأنه متصل
ورواته ثقات. وقد زاد القَصّاص فى حديث السّبْتى وأبدؤوا وأعادوا
وذكّروا أن هذا الرجل(١) : كان من زبيدة وأنه خرج يتصيد فوعظه
صالح المرّى فوقع فرَسه - فى أشياء كلّها مُحال. فاقتصرنا على ماصح.
والله الموفق -
٢٥٨ - عبد الله بن مرزوق أبو محمد
زعم أبو عبد الرحمن السُلَمى أنه كان وزير هارون الرشيد، فخرج
من ذلك وتخلى من ماله وتزهّد .
عن موسى بن أبى داود قال : استأذنتُ على عبد الله بن مرزوق،
فدخلت عليه فإذا هو قاعد كأن حزن الخلق عليه .
وعن الصّلت بن حكيم قال: كان عبد الله بن مرزوق كأنه رجل
والهٌ ، كأنه رجل قد فانه شىْء، وكانت له شعرات(٣) طوالٌ عند
صُدْغَيْه. فكان إذا ذَكّر فرق نتفها أو مدّها ففاض(٣) دمعه.
وعن سلامة : وصّى عبدالله بن مرزوق؟ قال: قال عبدالله بن مرزوق
فى مرضه: يا سلامة إن لى إليك حاجة . قال: قلت : ماهى؟ قال: تحملنى
فتطرحى على تلك المزبلة لعلى أموت عليها فیریمکانیفیرحمى،رحمهالله.
(١) صف : ذكر هذا الرجل .
(٢) قط : شعيرات .
(٣) ط: فقلص، تحريف. وربما كان من قولهم: قلص الرجل: وثب.

- ٣١٨ -
٢٥٩ - عبد الله بن الفرج
أبو محمد القنطرى. كان متعبّداً ، وكان بشربن الحارث يودّه
ويزوره . وقد حكى عن فتح الموصلى وغيره حكايات .
عن ابراهيم بن سهل قال : قال عبد الله بن الفرج: سلوا الله عفواً
جميلاً. قال: فقلنا: يا أبا محمد أىّ شىء العفْوُ الجميل؟ قال: أن يأمر بك
من الموقف إلى الجنة، يعنى لا يفتشك .
وعن صاعد قال: لما مات عبد الله بن الفرج حضرتُ جنازته فلما
واريته رأيته فى الليل، فى النوم ، جالساً على شفير قبره معه صحيفة
ينظر فيها . فقلت له : ما فعل الله بك؟ قال : غفر لى ولكل من شيع
جنازتى قال قلت: أنا كنت معهم. قال: هوذا اسمك فى الصحيفة. والسلام.
٢٦٠ - معروف بن الفيرزان الكرخى
يكنى أبا محفوظ. وهو منسوب إلى كرْخ بغداد .
عن أبى صالح عبد الله بن صالح قال : كان أبو محفوظ معروف
قد ناداه الله عز وجل بالاحتباء فى حال الصّبا ، يذكر أن أخاه عيسى
قال: كنت أنا وأخى معروف فى الكتّاب وكنا نصارى ، وكان
المعلم يعلم الصبيان (أب، وابن) فيصيح أخى معروف: أحد أحد.
فيضربه المعلّم على ذلك ضرباشديداً. حتى ضربه يوماً ضرْباً عظيما فهرب
على وجهه .

- ٣١٩ -
فكانت أميّ تبكى وتقول : لئن ردّ الله علىّ ابنى معروفاً
لأتبعنّه علی أی دین کان .
فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة فقالت له: يا بنى على أىّ
دين أنت؟ قال: على دين الإسلام"؛ قالت : أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فأسلمتْ أمىّ وأسلمنا كلّنا.
وعن ابن اخت معروف قال : قلت لحالى معروف: ياخال أراك
نجيب كل من دعاك. قال : يابنىّ إنما خالك ضيف ينزل حيث ينزل.
وعن الشرىّ بن سفيان(٧) الأنصاري قال: أقام معروف الصلاة ثم
قال لمحمد بن أبى توبة: تقدّم فصلّ بنا . وذلك أن معروفاً كان لا يؤمّ
إنما يؤذّن ويقيم ويقدّم غيره. قال محمّد بن أبى توبة: إن صلّيت بكم
هذه الصلاة لم أصلّ بكم صلاةً أخرى. قال معروف: وأنت تحدّث
نفسك أن تصلّى صلاةً أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، طولُ
الأمل يمنع خيرَ العمل .
قال محمد بن منصور الطوسى : كنا عند معروف الكرخى وجاءت
امرة سائلة فقالت: أعطونى شيئاً أفطر عليه فإنى صائمة. فدعاها معروف
وقال لها: يا أختى شر الله أفشيتِهِ وتأملين أن تعيشى إلى الليل؟
وعن يحيى بن جعفر قال: رأيت معروفاً الكرْخى يؤذّن .
(١) وكان قد اسلم على يد علي بن موسى الرضا، كما في طبقات الصوفية السلمي.
(٢) ق، قط : يوسف .

- ٣٢٠ -
فلما قال : أشهد أن لا إله إلا الله رأيت شعر لحيته وصُدغيه قائماً
كأنه زرع.
وعن عيسى ، أخى معروف ، قال: دخل رجل على معروف فى مرضه
الذى مات فيه ، فقال: يا أبا محفوظ أخبرنى عن صومك. قال : كان
عيسى عليه السلام يصوم كذا . قال: أخبرنى عن صومك . قال : كان
داود عليه السلام يصوم كذا. قال: أخبر نى عن صومك . قال : كان
النبى عَ لّه يصوم كذا . قال : أخبرنى عن صومك . قال:
أما أنا فكنت أصبح دهرى كلّه صائماً فإن دعيت إلى الطعام أكَّت
ولم أقل إنى صائم.
وعن أحمد بن عبد الله بن ميمون قال: كان معروف(١) الكرخى
يضرب نفسه ويقول: يانفس كم تبكين؟ أخلصى وتخلَّصى.
وعن عمرو (٢) بن موسى قال: سمعت معروفاً يقول، وعنده رجل
يذكر رجلا فجعل يغتابه، فجعل معروف يقول له : اذْكر القُطْن إذا
وضعوه على عينيك، اذكر القطن إذا وضعوه على عينيك -
وقال سَرِىّ: سألت معروفا عن الطائمين لله بأى شىء قدَّروه على
الطاعة لله عز وجل ؟ قال : بخروج الدنيا من قلوبهم ، ولو كانت فى
قلوبهم ما صحَّت لهم سجدة
(١) قط : المعروف.
(٢) ق، قط : عمر .