النص المفهرس
صفحات 281-300
- ٢٨١ -- ٢٣٩ - عابدة أخرى عن صالح بن عبد الكريم قال: دُللت على امرأة بمكة أو بالمدينة تتعبد. فأتيتها وهي تتكلم. قال: فأحسنَت حتى سكتت . قال: فصبرت حتى تفرّق الناس عنها ثم دنوت منها فقلت: لقد تكلّمت ولقد خشيتُ عليك العجب فقالت: إنما العجب من شىءٍ هو منك فأما ما كان من غيرك فقيم العجب ؟ ثم قالت . اختارهم فى سالف الأزمانِ وله خصائصُ مصطفون لحبّه بودائعٍ وبحكمةٍ ويانٍ اختارهم من قبل فطْرة خَلْقه ثم قالت : أنهض إذا شئت . ٢٤٠ - عابدة أخرى عن عبد الرحمن بن الحكم قال : كانت عجوز من قريش بمكة تأوِى فِى سَرَب(١) ليس لها بيت غيره. فقيل لها: أترضَيْن بهذا؟ فقالت: أو ليس هذا، لمن يموت، كثيراً(٢). ٢٤١ - عابدة أخرى عن محمد بن بكار قال : كانت عندنا مكة امرأة عابدة فكانت لا تمر بها ساعة إلا وهى صارخة فقيل لهايوما: إنا لنراك على حال مانرى (١) السرب (بفتحتين): الحفير تحت الأرض. وجحر الحيوان. وهو على سبيل الجاز . (٢) فى النسخ: كثير . والصواب بالنصب لأنه خبر ليس . ٢٨٢ _ - غيرك عليها فإن كان بك داء عالجناك. قال: فبكت وقالت: من لى بعلاج هذا الداء؟ وهل أفرحَ قلى إلاّ التّفْكُر فى نيل معالجته ؟ أو ليس عجيباً أن أكون حية بين أظهر كم وفى قلبى من الاشتياق إلى ربى عزّ وجل مثل شعل النار التى لاتَطفأ حتى أصير إلى الطبيب الذى عنده برء دائى وشفاء قلب قد أنضجه طولُ الاحزان فى هذه الدار التى لا أجد فيها على البكاء مستعداً؟ (انتهى ذكر أهل مكة) - ٢٨٣ - ومن المصطفين من أهل الطائف ٢٤٢ - سعيد بن السائب الطائفى روى عن أبيه ونوح بن صعصعة وغيرهما وروى عنه وكيع ومعن بن عيسى . عن سفيان قال: كان سعيدبن السائب الطائفى لاتكاد نجفّله دمعة إنما دموعه جاريةٌ دهرَهُ: إن صلّى فهو يبكي وإن طاف فهو يبكى ، وإن جلس يقرأ(١) فى الصحف فهو يبكى وإن لقيته فى طريق فهو یبکی. قال سفيان: فحدثونى أن رجلاً عاتبه على ذلك فبكى ثم قال إنما ينبغى أن تعذلنى وتعاتبنى على التقصير والتفريط فإنهما قد استوليا علّى. قال الرجل : فلما سمعت ذلك انصرفت وتركته . وعن محمد بن يزيد بن خُنيس قال: ما رأيت أحداً قط أسرع دمعةً من سعيد بن السائب ، إما كان يجريه أن يحرّك فترى دموعه كالقطر. عن محمد بن يزيدبن خنيس قال: قيل لسعيد بن السائب: كيف أصبحت؟ قال : أصبحت أنتظر الموت على غير عِدة . وعنه قال: سمعت الثورى يقول: جلست ذات يوم أحدّث ومعنا سعيد بن السائب الطائفى؟ فجعل سعيد يبكى حتى رحمته . فقلت: ياسعيد (١) صف : وإن قرأ. : - ٢٨٤ - ما يبكيك. وأنت تسمعنى أذكر أهل الخير وفعالهم؟ فقال : ياسفيان وما يمنعنى من البكاء إذا ذكرت مناقب أهل الخير وكنت عنهم بمعزل ؟ قال : يقول سفيان : حُقّ له أن يبكى، رحمه الله. ذكر المصطفين من طبقات أهل اليمن من التابعين ومن بعدهم فمن الطبقة الثانية ٢٤٣-طاوس بن كيسان يكنى أبا عبد الرحمن - قال الواقدى كان طاوس مولى بحير بن ريسان الحميرى وكان ينزل الجند، وقال الفضل بن دكين هو مولى لهمدان وقال عبد المنعم بن ادريس هو مولى لابن هوذة الهمدانى. عن الحسن بن حصين قال: رأيت طاوسًاً منّ برّاس (١) بمكة وقد أخرج رأساً فلما رآه صعق. وعن عبد الله بن بشر أن طاوساً الماني كان له طريقان إلى المسجد طريق فى السوق وطريق آخر . فكان يأخذ فى هذا يوما وفى هذا (١) بائع الرءوس. -- ٢٨٥ - يوماً فإذا مر فى طريق السوق فرأى تلك الرؤس المشوّية لم يتمشّ تلك الليلة - وقد روى لنا : لم ينمس. ٥ وعن مسعر عن رجل قال: أتى طاوس رجلاً فى السَحَر فقالوا: هو نائم . فقال ما كنت أرى أن أحداً ينام فى السحر . وعن عبد الرزاق قال : حدثنى أبى قال : كان طاوس يصلى فى غداة باردة فمرّبه محمد بن يوسف أخو الحجاج بن يوسف، أو أيوب بن يحيى وهو ساجد فى موكيه فأمر بساجٍ(١) أو طيلسان مرتفع فطرح عليه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من حاجته فلما سلم نظر فاذا الساج عليه . قال : فانتفض ولم ينظر إليه ومضى إلى منزله . وعن أبى إسحاق الضَّعْنانى قال: دخل طاوس ووهب بن منبه عَلَى محمد بن يوسف أخى الحجاج، وكان عاملاً علينا ، فى غداة باردة فقعد طاوس على الكرسى . فقال محمد: ياغلام هلّ ذلك الطيلسانَ فألقه على أبى عبدالرحمن. فألقوه عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى عنه الطيلسان وغضب محمد بن يوسف . فقال له وهب: والله إن كنتَ لفتّياً أن تُغضبه علينا، لو أخذتَ الطليلسان فبعْته وأعطيتَ ثمنه المساكين (١) الساج: طيلسان مدور واسع. ج سيجان. - ٢٨٦ - فقال: نعم لولا أن يقال من بعدى : أخذه طاوس فلا يصنع فيه ما أصنع ، لفعلت. وعن النعمان بن الزبير أَن محمد بن يوسف وأيوب بن يحيى بعثا إلى طاوس بخسمائة دينار وقالوا(١) للرسول إن أخذها منك فان الأمير سيكْسوك ويُحسن اليك : فخرج بها حتى قدم على طاوس فقال، يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها إليك الأمير . قال : مالى بها من حاجة قال فأراده على قبضِها فأبى . فغفل طاوس فرمى بها فى كوةٍ فى البيت ثم ذهب، فقال لهم: قد أخذها . فلبثوا حيناً: ثم بلغهم عن طاوس شىء يكرهونه، فقال(٢) ابعثوا اليه فليبعث إلينا بما لنا نجاءه الرسول فقال: المال الذى بعث به اليك الأمير قال: ما قبضت منه شيئاً . فرجع الرسول فأخبرهم فعرفوا أنه صادق . فقيل للرجل الذى ذهب بها ، فبعثوه اليه فقال : المال الذى جئتك به يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال : هل قبضتُ منك شيئاً؟ قال: لا . قال : فهل تدرى أين وضعته ؟ قال: نعم فى تلك الكُوّة. قال: فأبِصِره (١) كذا فى النسخ . وإنما الضمير للمثنى. (٢) ق : قال . وإنما الضمير للجمع كما يقتضى السياق. - ٢٨٧ - حيث وضعته. قال: فمد يده فإذا هو بالصرّة قد بنت عليها العنكبوت فأخذها فذهب بها اليهم . وعن سفيان قال جاء ابن لسلمان بن عبد الملك فجلس الى جنب طاوس فلم يلتفت اليه . فقيل له: جلس اليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت اليه ؟ قال: أردت أن يعلم أن لله عباداً يزهدون فيما فى يديه . وعن سفيان عن عمرو قال : ما رأيت أحداً أشدّ تزّها مما فى أيدى الناس من طاوس . وعن ابن أبى رواد قال: رأيت طاوساً وأصحابه إذا صلَّوا العصر استقبلوا القبلة ولم يكلّوا أحداً وابتهلوا فى الدعاء. وعن الصَّت بن راشد قال: كنت عند طاوس، فسأله سلم بن قتيبة عن شىءٍ فَزَبره وانتهره(١). قال: قلت هذا سلم بن قتيبة صاحب خرسان. قال: ذاك أهْون له علىّ . وعن عبد الرزاق قال : قدم طاوس مئة فقدم أمیر. قال : فقيل له إن من فضله ومن ومن فلو أتيته . قال : مالى إليه حاجة . قالوا : إنا نخافه عليك . قال : فما هو كما تقولون. () زبرة: انتهره. ق: فزبره أو انتهره. - ٢٨٨ - وعن ابن طاوس قال: قلت لأبي: أريد أن أتزوج فلانة . قال : اذهب فانظر إليها . قال: فذهبتُ فلبست من صالح ثيابى وغسلتُ رأسى وادّهنت فلما رآنى فى تلك الهيئه قال: اقعدْلاً تذهب. وعن بلال(١) بن كعب قال: كان طاوس إذا خرج من اليمن ينى إلى مكة (٢) لم يشرب إلا من تلك المياه القديمة الجاهلية. وعن يوسف بن اسباطقال: مرّطاوس بنهر قد كُرىَ(٢) فأرادت بغلته أن تشرب فأبى أن يدعها . يعنى: كَراهُ السلطان . وعن عبد المنعم بن ادريس، عن أبيه قال : صلى وهب بن منبه وطاوس المانى الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة . وعن ابن جريج قال : قال لى عطاء : قال لي طاوس : يا عطاء لا تنزلّن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بأُبه مفتوح لك الى يوم القيامة ، أمرك أن تدعوه وَضمن لك أن يستجيب لك. (١) صف : هلال . (٢) صف: خرج يعنى من اليمن (٣) كرى النهر . حضر فيه حضرة جديدة . ٠٠ ٢ -- ٢٨٩ - وعن أحمد بن أبى الحوارى قال : سمعت أباسليمان قال : كان طاوس يفترش فراشه ثم يضطجع فيتقلّى كما تتقلّى الحبة فى المقلى ، ثم يثب فَيُدْرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ، ويقول: طيّر ذكرُ جهم • نومَ العابدين . وعن ليث عن طاوس قال: مامن شىء يتكلم به ابن آدم إلا أحصى علیه ، حتى أنينه فى مرضه وعن عبد الله بن أبى صالح المكى قال : دخل على طاوس يعودنى فقلت: يا أبا عبد الرحمن ادع الله لى فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه . وعن سفيان قال : قال طاوس : إن الموتى يفتنون فى قبورهم سبعاً فكانوا يستحبّون أن يُطعَم عنهم تلك الأيام . وعن داود بن ابراهيم أن الأسد حبس الناسَ ليلة فى طريق الحج فدقّ الناس بعضهم بعضاً فلما كان فى السحر ذهب عنهم فنزل الناس يميناً وشمالاً فألقوا أنفسهم فناموا، وقام طاوس يصلى. فقال ابن طاوس: w ألا تنام فقد نصَبَتَ الليلة(١) . فقال طاوس: ومَن ينام السحر؟ أدرك طاوس خلقاً كثيراً من الصحابة وأكثر روايته عن ابن عباس. (١) أى تعيت . ( م ١٩ - صفة الصفوة) - ٢٩٠ - وروى عنه من كبار التابعين: مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وأبو الزبير ومحمد بن المنكدر والزهرى ووهب بن منبه وعن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس قال : أدركت خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن سفيان قال : قلت لعبيد الله بن أبى يزيد مع من كنتَ تدخل على ابن عباس؟ قال : مع عطاء والعامة ، وكان طاوس يدخل مع الخاصة. ذكر وفاته رحمه الله توفى طاوس بمكة قبل يوم التروية بيوم، وكان هشام بن عبدالملك قد حجّ فى تلك السنة وهو خليفة سنة ست ومائة ، فصلى على طاوس، وكان له يومَ مات بضع وتسعون سنة . وعن ضمْرة عن ابن شوذب قال : شهدت جنازة طاوس مكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون: رحمك الله أبا عبد الرحمن، حج أربعين حجة - رحمه الله - . - ٢٩١ - ٢٤٤ - وهب بن منبه من الأبناء يكنى أبا عبد الله . عن عبد العزيز بن رفيع عن وهب بن منبه قال : الإيمان ◌ُريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وماله الفقه . وعن عبد الصمد بن معقل أن وهْب بن منبه قال فى موعظة له : ((يابن آدم إنه لا أقوى من خالق ولا أضعف من مخلوق ، ولا أقدر ممن طلبته فى يده، ولا أضعف ممن هو فى يد طالبه، يابن آدم إنه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك وأقام معك ما سيذهب . يا بن آدم أقصر عن تناول ما لا تنال وعن طلب ما لا تدرك وعن ابتغاء ما لا يوجد واقطع الرجاء منك عما فقدت من الأشياء، واعلم أنه رُبّ مطلوبٍ هو شرٌّ لطالبه. يابن آدم إنما الصبر عند المصيبة، وأعظم من المصيبة سوء الحلف منها . يا بن آدم فأىّ الدهر ترتجى؟ أيوماً مجىء فى غرّة أو يوماً تستأخر فيه عن أوان مجيئة ؟ فانظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام : يوماً مضى لا تريجيه، ويوماً لا بد منه، ويوماً بحىء لاتأمنْه، فأمسٍ شاهدٌ مقبول وأمين مؤدّ وحكم وارد، قد فجعك بنفسه و خلف فى يديك حكمته ، واليوم صديق مودّع كان طويل الغيبة وهو سريع الطّعن، - ٢٩٢ - أتاك ولم تأنه وقد مضى قبله شاهد عدل ، فان كان ما فيه لك . فاشفعه بمثله . يابن آدم قد مضت لنا أصول نحن فروعها فما بقاء الفرع بعد أصله يابن آدم إما أهل هذه الدار سَفَرٌ لا يحلون عقدة الرحال إلا فى غيرها وانما يتبلّغون بالموارى فما أحسنَ الشكر للنِعِم (١)، والتسليم للسُمير. فاعلم يابن آدم أنه لارزّية أعظم من رزيّةٍ فى عقل ممن ضيع اليقين . أيها الناس إنما البقاء بعد الغناء وقد خُلِنا ولم نكن، سنبكى ثم نعود ، ألا وإنما العوارى اليوم والهبات غداً. ألا وإنه قد تقارب منّا سَلَب فاحش أو إعطاء جزيل فاستصلحوا ما تُقْدِمِون بما تظعنون عنه. أيها الناس إنما أنتم فى هذه الدار غرضٌ فيكم المنايا تنتضل(٢)، وان الذى أنتم فيه من دنيا كم نهب المصائب ، لا تتناولون(٢) فيها نعمةً إلا بفراق أخرى، ولا يَستقبل معمَّر منكم يوماً من عمره إلا يهدْم آخر من أجله، ولا تجدّد(٤) زيادة فى أجله إلا بنفاد ما قبله من (١) صف: فأحسن الشكر للمنعم . والعوارى: ج عارية. (٢) تنتضل: ترمى. (٣) قط : لا تنالون . (٤) قط : ولا يجد . - ٢٩٣ - رزقه، ولا يحيا له أثر إلّ مات له أثر فنسأل الله أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة)). وعن بكار بن عبدالله قال: سمعت وهب بن منّه يقول: مرّ رجل عابد على رجل عابد فقال: مالك؟ قال : أعجب من فلان أن (١) كان قد بلغ من عبادته فالت(٢) به الدنيا، فقال: لا تَعجب ممن عميل به ولكن اعجبْ ممن استقام. وعن أشرس، عن وهب بن منبه قال: أوحى الله عز وجل إلى داود : ياداوُد هل تدرىمن أغفر له ذنوبه من عبيدى؟ قال : من هو يارَبّ؟ قال الذى إذا ذَكر ذنوبه ارتعدتْ منها فرائصه، فذلك العبد الذى آمرُ ملائكتى أن يمحوا عنه ذنوبه . قال: وقال داود إلهى أين أجدك إذا ماطلبتك؟ قال: عند المنكسرة قلوبُهم من مخافتى . وعن بكار بن عبدالله عن وهب قال: قرأت فى بعض الكتب أن مناديًا ينادى من السماء الرابعة كل صباح: أبناء الأربعين، زرعٌ قد دَنا حصاده، أبناء الخمسين ماذا قدّمتم وماذا أخْرتم؟ أبناء الستين لاعذْرلكم، ليت الخلق لم يُخلقوا وإذا خُلقوا علموا لماذا خُلقوا، قد أتتكم الساعة خذوا حذركم. (١) ط : إنه . (٢) ط: ومالت . - ٢٩٤ - وعن عبد الصمد بن معقل قال : سمعت وهب بن منبه يقول: قرأت فى التوراة: أتما دار بنيت بقوة الضعفاء جُعلت عاقبتها للحراب، وأيما مالٍ تُع من غير حلّ جُملت عاقبته إلى الفقر. وعن عبد الرزاق قال : أخبرنى أبى قال : سمعت وهب بن منبه يقول: ربماصليت الصبح بوضوء العتمة . (وقد روى لنا من طريق آخر). وعن المثنى بن الصباح قال : لبث وهب بن منبه عشرين سنة لم يجعل له بين العشاء والصبح وضوءاً. وقد روينا فى ترجمة طاوس أن وهب بن منبه صلّى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة . وعن أبى سنان القسملى قال : سمعت وهب بن منبه ، وأقبل على عطاء الخرسانى فقال: ((ويحك يا عطاء ألم أُخَر أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا؟ ويحك ياعطاء تأتى من يُغلق عنك بابه، ويُظهر لك فقره، ويوارِى عنك غناه، وتدَع من يفتح لك بابه، ويظهر لك غَنَاءِه ويقول (ادْعونى استَجِبْ لَكُم)(١). ويحك ياعطاء أرْضَ بالدّون من الدنيا مع الحكمة ولا ترض بالدون من الحكمة مع الدنيا . ويحك ياعطاء إن كان يغنيك ما يكفيك فإن أدبى مافى الدنیا یکفیك ، وإن كان لا يغنيك ما یکفیك فليس فى (١) غافر: ٦٠. ------ - ٢٩٥ - الدنيا شئ يكفيك(١). ويحك يا عطاء إنما بطنك بحر من البحور ووَادٍ من الأودية فليس يملؤه إلا التراب)). وعن منير مولى الفضل بن أبى عياش قال: كنت جالساً مع وهب ابن منبه فأتاه رجل فقال: إنى مررت بفلان وهو يشتمك. فغضب وقال : ما وجد الشيطان رسولاً غيرك ؟ فما برحت من عنده حتى جاءه ذلك الرجل الشاتم فسلّم على وهب ، فردّ عليه ومدّ يده وصافه وأجلسه إلى جنبه . وعن إبراهيم بن عمر قال: قال وهب بن منبه: إذا مدحك الرجل ما ليس فيك فلا تأمنه أن ىدمك بما ليس فيك . وعن جعفربن برقان، عن وهب بن منبه قال: الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس بينهما حَرون، فإذا قاد القائد ولم يَسق السائق لم يُعْن ذلك شيئاً ، وإذا ساق السائق ولم يقد القائد لم يغن ذلك شيئًا، وإذا قاد القائد وساق السائق اتبعته النفس طوعاً وكرهاً وطاب العمل . أسند وهب بن منبه عن: جابر بن عبد الله ، والنعمان بن بشير ، وابن عباس (وخلقٍ كثير يطول شرحهم)(٢). (١) وقع هنا فى المطبوع نقص فى العبارة شوه المعنى وهى بتمامها فى ق ، كما أثبتناها . وفى حاشية المطبوع إشارة إلى ذلك . (٢) ما بين قوسين ساقط من ط . - ٢٩٦ - [وقد روى عن معاذ بن جبل، وأبى هريرة، فی آخرین، وروى خلْقٍ كثير من كبار التابعين كطاوس . وروى عنه من التابعين جماعة منهم : عمرو بن دينار ، وأبان ابن أبى عياش ، وموسى بن عقبة فى آخرين(٢)]. قال الواقدى: مات وهب بن منبه بصنعاء سنة عشر(٢) ومائة . وقيل : سنة أربعَ عشرة . ٢٤٥ - المغيرة بن حكيم الصنعانى من الأبناء(٣) عن عبدالله بن إبراهيم قال أخبرنى أبى قال : سافر المغيرة بن حكم إلى مكة أكثر من خمسين سفراً حافيً محرماً صائحاً، لا يترك صلاة السحر فى سفره. إذا كان السحر نزل فعلّى ويمضى أصحابه، فإذا صلّى الصبح لحق متى مالحق . وعن إبراهيم بن عمر قال : كان جزء المغيرة بن حكيم فى يومه وليلته : القرآن كله، يقرأ فى صلاة الصبح من البقرة إلى هود، ويقرأ قبل الزوال إلى أن يصلى العصر من هود إلى الحج، ثم يختم. سمع المغيرة بن حكيم من ابن ◌ُمر ، وأبى هريرة، وغيرهما . (١) ما بين مربعين ساقط من ق. (٢) ق، صف: عشرين. (٣) ط: رحمه الله. - ٢٩٧ - ٢٤٦ - الحكم بن أبان العدنى أبوعيسى(١) عن اسحاق بن الضيف قال: سمعت مشيخةً يقولون : كان الحكم ابن أبان سيد أهل اليمن وكان يصلّى الليل فإذا غلبه النوم ألقى نفسه فى البحر وقال: أُسْبِحُ الله عز وجل مع الحيتان. سمع الحكم من عكرمة وغيره ، وتوفى سنة أربع وخمسين ومائة، رحمه الله. ٢٤٧ - ضرغام بن وائل الحضرمى عن الطلحى قال : كان رجل بأرض المن يقال له ضرغام بن وائل الحضرمي، وكان زاهدَ قومه: فقال لغلامه ذات يوم: اشدُد كتافى(٢) وعفّ خدّى بالثرى. ففعل. فقال: مليكى دنا الرحيل، إليك ولا براءة لى من ذنب، ولا عذر لى فأعتذر، ولا لى قوة فأنتصر، أنت أنت لى فتغّمدنى(٣)، قال ومات. فسمعوا قائلا يقول: إسكان العبد لمولاه فقبله. (١) ق: أبو عبس. (٢) الكتاف (بالكسر): حبل يشد به. ومنه قولهم: كتف فلاناً (بالتشديد ) : شد يديه إلى خلف كتفيه موثقا بالكتاف . (٣) تغمد الله فلانا برحمته: غمره بها . - ٢٩٨ - ذكر المصطفین من عباد اليمن المجهولين الأسماء ٢٤٨ - عابد عن على بن زيد قال: قال طاوس: بينا أنا بمكة بعث إلىّ الحجاج فأجلسنى إلى جنبه وأتكأنى(١) على وساده إذ سمع ملبياً يتي حول البيت رافعاً صوته بالتلبية. فقال: علىّ بالرجل . فأتى به . فقال: ممن الرجل ؟ فقال: من المسلمين. قال: ليس عن الإسلام سألتُ. قال: فعمّ سألت؟ قال: سألتك عن البلد. قال : من أهل المن قال : كيف تركت محمد بن يوسف؟ يريد أخاه. قال تركته عظماً جسيماً لباساً ركّابًا خرّاجاً ولاّجاً. قال: ليس عن هذا سألتك. قال: فعمّ سألت؟ قال: سألتك عن سيرته. فقال: تركتُه ظلوماً غَشوماً مطيعاً للمخلوق عاصياً للخالق. فقال له الحجاج : ما حملك أن تتكلم بهذا الكلام وأنت تعلم مكانه منى. قال الرجل: أتراه بمكانه منك أعزّ منى بمكانى من الله عزوجل وأنا وافدُ بنتهِ ومصّدِّقُ نبيّهِ وقاضى دينه؟ قال: فسكت الحجاج فما أحار جواباً . وقام الرجل من غير أن يؤذن له فانصرف. قال طاوس: وقمت فى أثره وقلت: الرجل حكيم. فأتى البيت (١) إتكأ الرجل إتكاء: وسده حتى يتكىء. - ٢٩٩ - فتعلق بأستاره ثم قال : اللهم بك أعوذ وبك ألوذ. اللهم اجعل لى فى اللّهف إلى جُودك والرّضنا بضمانك، مندوحةٌ عن منْع الباخلين وغِى عما فى أيدى المستأثرين، اللهم فرجَك القريب القريب ومعروفك القديم وعادَتَك الحسنة . ثم ذهب فى الناس فرأيته عشية عرفة وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجّى وتعَبى ونصبى قلا نحرمنى الأجر على مصيبتي بتّرْكك القَبول منى. ثم ذهب فى الناس فرأيته غداة ◌َجْعٍ يقول: واسوْأتاه، وَاللهِ منك(١) وإن عفوت ، يردد ذلك . ٢٤٩ - عابدآخر موسى بن على الأخميمى قال : قال ذو النون: وُصف لى رجل يالمن قد برزَ على الخائفين وسما على المجتهدين، وذكر لى باللبّ والحكمة فخرجتُ حاجًّا فلما قضيت نسكى مضيت إليه لأسمع من كلامه وأنتفع بموعظته أنا وناس كانوا معى يطلبون منه مثل ما أطلب . وكان معنا شابّ عليه سماء الصالحين ومنظر الخائفين، كان مصفارّ •٠ الوجه من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش ، ناحل الجسم من غير سقَم، يحب الحلوة ويأنس بالوحدة تراه أبداً كأنه قريب العهد بالمصيبة . فخرج إلينا نجلسنا إليه فبدأ الشاب بالسلام عليه وصافحه ، (١) ق : منك والله . - ٣٠٠ - فأبدى الشيخ له البشر والترحيب. ثم سلمنا عليه فقال الشاب إن الله منه وفضله قد جعلك طبيبا لسقام القلوب معالجاً لأوجاع الذنوب ، وبى جرح تَغِلّ(١) "(١) ودائٍ قد استكمل، فإن رأيتَ أن تلطف لى ببعض مراهمك وتعالجنى برفقك . فقال له الشيخ سل ما بدا لك يا فتى . فقال له الشاب : يرحمك الله ما علامة الخوف من الله تعالى؟ قال: أن يُؤْمنه خوفُهُ كلَّ خوف غير خوفه. قال: متى يتبيّ للعبد خوفه من الله تعالى ؟ قال : إذا أنزل نفسه من الدنيا منزلة السقيم فهو يحتمى من أكل الطعام مخافة السقام، ويصبر على مضضٍ كلٍّ دواء مخافَة طولِ الضنى . فصاح الفتى صيحةً ثم بقىَ باهتًا ساعة ثم قال: رحمك الله ما علامة المحب ◌ّلله تعالى؟فقال له: حببى إن درجة المحب درجة رفيعة. قال: وأنا أحب أن تصفها لى. قال : فان المحبين لله تعالى شقّ لهم عن قلوبهم فأبصروا بنور القلوب عزّ جلال الله فصارت أبدانهم دنياوية وأرواحهم حُجبية، وعقولهم سماوية تسرح بين صفوف الملائكة وتشاهد تلك الأمور باليقين فعبدوه بمبلغ استطاعتهم حباً له لا طمعاً فى جنّة ولا خوفاً من نار . فشهق الفتى وصاح صيحة كانت فيها نفسه. قال : فأكب الشيخ ء عليه يلثمه ويقول هذا مصرع الخائفين، وهذه درجة المجتهدين . (١) فاسد .