النص المفهرس

صفحات 141-160

- ١٤١ -
بينهما فإنه من ولد حارثة بن سعد بن تيم ، وأبو بكر رضى الله عنه
من ولد كعب بن سعد بن تيم .
وعن الحارث بن الصواف قال: قال محمد بن المنكدر : كابدتُ
نفسى أربعين سنة حتى استقامت .
س
وعن سفيان قال : كان محمد بن المنكدرربما قام من الليل يصلى
ويقول : کم من عين الآن ساهرة فى رزقي .
وكان له جار مبتلىّ فكان يرفع صوته من الليل يصيح وكان محمد يرفع صوته
بالحمد. فقيل له فى ذلك فقال: يرفع صوته بالبلاء وأرفع صوتى بالنعمة .
يحيى بن الفضل الأبيسى قال: سمعت بعضَ مَن يَذكر عن محمد بن
المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلّى إذ استبكى فكثر بكاؤه حتى
فزع له أهله فسألوه: ما الذى أبكاك؟ فاستعجّمَ عليهم ، فتمادى فى
البكاء فأرسلوا إلى أبى حازم وأخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه فإذا
هو يبكى فقال: ياأخى ما الذى أبكاك قدُرْعَت أهلك؟ فقال له إنى
مرّت بى آية من كتاب الله عز وجل. قال: ماهى؟ قال: قول الله
عز وجل ((وبدَالهم من اللهِ مالم يكونُوا يحتسبون))(١) قال: فبكى
(١) الزمر : ٤٧

- ١٤٢ -
أبو حازم معه واشتد بكاؤهما . قال : فقال بعض أهله لأبى حازم :
جئنابك لتفرّج عنه فزدْتَه . قال: فاخبرَم ما الذى أبكاهما.
وعن عمر بن محمد المنكدر قال: كنت أُمسك على أبى المصحف.
قال: فمرّت مولاة له فكلمها فضحك إليها . ثم أقبل يقول: إنا لله إنا
له حتى ظننت أنه قد حدث شىء . فقلت: مالك؟ فقال : أما كان لى فى
القرآن شُغْل حتى مرّت هذه فكلّها .
وعن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر قال: إن الله تعالى يحفظ
المؤمن فى ولدَه وولدَ وَلَدِهِ، ويحفظه فى دُوَيرتِهِ(١) وفى دُوَيْراتٍ
حوله، فما يزالون فى حفظ(٢) وعافية ما كان بين أظُهرم .
وعن سفيان قال : صلى ابن المنكدر على رجلٍ فقيل له تصلى على
فلان؟ فقال: إنى أستحى من الله عزوجل أن يعلمّ منى أنّ رحمته
تعجز عن أحدٍ منخلقه.
وعن أبى معشر قال: بعث محمد بن المنكدر إلى صفوان بن سليم
بأربعين دينارًا ثم قال لبنيه: يابنى ماظنكم برجل فرّغَ صفوانَ لعبادة
ربه عزوجل.
(١) الدويرة: تصغير الدارة . وهى ما يحيط به.
(٢) قط: خفض.

- ١٤٣ -
وعن عبدالله بن المبارك قال: قال محمد بن المنكدر : بات عمر ،یعنی
أخاه، يصلى وبتّ أغمز رجْل أمى(١) وما أحبّ أنّ ليلتى بليلته.
وعن جعفر بن سليمان، عن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خدّه
بالأرض ثم يقول لأمّه قومى ضعى قدمك على خدى .
وعن محمد بن سوقة قال : سمعت محمدبن المنكدريقول: نعم العون
على تقوى الله عز وجل الغنى .
قال سفيان بن عيينة: قيل لمحمد بن المنكدر: أىّ العمل أحب
إليك؟ قال: إدخال السرّور على المؤمن. قيل: فما بقى من لذتك ؟ قال؟
الإفضال على الإخوان .
وعن عبد العزيز بن يعقوب الماجشون، أخى يوسف ، قال: قال
أبى إن رؤية محمد بن المنكدر تنفعنى فى دینی .
وعن سفيان بن عيينة قال: قال محمد بن المنكدر ، الفقیه يدخل
بین الله عز وجل وبين عباده ، فلينظر كيف يدخل .
أسندَ محمد بن المنكدر عن ابن عمر وأبى قتادة وجابروأ بى هريرة
وابن عباس وأنس بن مالك وأميمة بنت رقيقة .
وروى عن كبار التابعين كالحسن وعروة وسعيد بن جبير
(١) أى يحبسها ويكبسها بيده.

- ١٤٤ -
والزهرى وأبى حازم ويحيى بن سعيد وأيوب ويونس بن عبيد، فى
خلقٍ يطول ذكرم.
ذكر وفاتهرضى الله عنه
عن عكرمة عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند الموت فقيل له:
لم تجزع؟ قال أخشى آيةً من كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل:
(وَبَدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) فإنى أخشى أن يبدولى
من الله ما لم أكن أحتسب.
وعن ابن زيد قال: أبى صفوان بن سليم إلى محمد بن المنكدر
وهو فى الموت فقال: يا أبا عبد الله كأنى أراك قد شقّ عليك الموت.
قال : فما زال يتون عليه الأمر وينجلى عن محمد حتى لكأن فى وجهه
المصابيح. ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرّت عينك. ثم قضى
رحمه الله .
توفى محمد بن المنكدر بالمدينة سنة ثلاثين أو إحدى
وثلاثين ومائة .

- ١٤٥ -
١٨٠ - عمر بن المنكدر
عن نافع بن عمر قال: قالت أم عمر بن المنكندر العُمر: إنى أشتهى
أن أراك نائما. فقال يا أماه والله إن الليل كَيرد على فيهولنى فينقضى عى
وما قضيت منه أرَبى .
وعن سالم أبى بسطام قال : كان عمر بن المنكدر لا ينام الليل
يكثر البكاء على نفسه فشقّ ذلك على أمه فقالت لأخيه محمد بن
المنكدر إن الذى يصنع عمر يشقّ علىّ فلو كّلمته فى ذلك . فاستعان
عليه بأبى حازم فقالا له : إن الذى تصنع يشق على أمك. قال : فكيف
أصنع؟ إن الليل إذا دخل علىّ هالى فأستفتح القرآن وما تنقصنى مهمتى
فيه. قالا: فالبكاء؟ قال: آية من كتاب الله أبكتنى. قالا: وما هى؟
قال: قوله عز وجل ( وبدالهم مِنَ الله ما لم يكونوا يحتسبون).
وعن عبد الرحمن بن حفص القرشى قال بعث بعض الأمراء إلى عمر
ابن المنكدر بمال فجاء به الرسول فوضعه بين يديه فجعل عمر ينظر
إليه ويبكى ثم جاء أبو بكر فلما رأى عمر يبكى جلس يبكى لبكائه ثم
جاء محمد فجلس يبكى لبكائهما. فاشتد بكاؤهم جميعاً. فبكى الرسول أيضاً
لبكائهم. ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك فأرسل ربيعة بن أبى عبد
الرحمن ليستعلم علم ذلك البكاء، فجاء ربيعة فذكر ذلك لمحمد فقال محمد:
(م ١٠ - صفة الصفوة )

- ١٤٦ -
سله فهو أعلم بيكانه فاستأذن عليه ربيعة فقال: يا أخى ما الذى أبكاك
من صلة الأمير ؟ قال والله إنى خشيت أن تَغْلب الدنيا على قلبى فلا يكون
للآخرة فيه نصيب فذلك الذى أبكانى قال : وأمر بالمال فتصدق بهعلى
فقراء أهل المدينة قال فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك فبكى وقال :
هكذا يكون والله أهل الخير رحمه الله .
١٨١ - سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن
ابن عوف
( يكنى أبا اسحاق ولى قضاء المدينة)
عن شعبة قال: كان سعد يصوم الدهر ويقرأ القرآن فى كل يوم
وليلة .
وعن عبيد الله(١) بن سعد الزهرى قال: قال عمرى عن أبيه ، قال:
سرَدَ أبى سعدُ بن ابراهيم الصوم أربعين سنة.
وعن مِسْعر عن سعد بن إبراهيم قال: قيل له من أفقه أهل المدينة
قال : أتقاه لر به .
وعن ابن سعد بن إبراهيم قال: كان أبى يختبى فمايحلّ حبْوَته حتى
يقرأ القرآن.
(١) ق: عبد الله.

- ١٤٧ -
ا
وعنه قال: كان أبى سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين
وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين
لم يُفطر حتى يختم (١) القرآن وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء
الآخرة. وكان كثيراً إذا أفطر يرسلنى إلى مساكين فيأكلون
معه رحمهالله .
أسند سعد بن ابراهيم عن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب وأنس
ابن مالك ومحمد بن حاطب وسهل بن حنيف ، ورأى ابن عمر .
وروى عن أبيه وأبى سلمة وابن المسيب فى خلق كثير من
كبار التابعين .
وروى عنه من التابعين : أيوب ويحی ابن سعيد.
وتوفى بالمدينة سنة سبع وعشرين ومائة ، وهو ابن اثنتين وسبعين
سنة . رحمه الله .
(١) صف: يقرأ

- ١٤٨ -
١٨٢ - عبد الى حمن بن أبان بن عثمان
ابن عفان رحمهم الله
روى عن أبيه .
عن مصعب بن عثمان قال : كان عبد الرحمن بن أبان يشترى أهل
البيت ثم يأمر بهم فُيكْسَون ويُدْهَنون ثم يُعُرضون عليه فيقول أنّم
أحرار لوجه الله أستعين بكم على غَمَرات الموت. قال: فمات وهو قائم
فى مسجده يصّى السبحة، يعنى الضحى(١).
١٨٣ - ربيعة بن أبی عبدالر حمن
واسم أبى عبد الرحمن فروخ مولى آل المنكدر ، ويكنى ربيعة
أبا عثمان . ويقال أبا عبد الرحمن .
١
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز بالإسناد (٢) عن مشيخة أهل
المدينة أن فرّوخاً أبا عبد الرحمن أبا ربيعة خرج فى البعوث إلى
خراسان أيام بنى أمية غازياً وربيعة حمل فى بطن أمه وخلف عند زوجته
أمّ ربيعة ثلاثين ألف دينار. فقدم المدينة بعدسبع وعشرين سنة وهو
(١) ط: ((فى مسجده يعنى السبحة)) تحريف ونقص والسبحة (بضم السين)
صلاة التطوع ، أى النافلة لأنها مسبح فيها .
(٢) قط: ((عبد الوهاب بن عطاء الخفاف قال: حدثنى عن٠٠))

- ١٤٩ -
راكب فرسًاً وفى يده رمح فنزل عن فرسه ثم دفع الباب برمحه
تخرج ربيعة فقال له : يا عدو الله أَنْهُجم على منزلى؟ فقال : لا وقال
فروخ : ياعدو الله أنت رجل دخلتَ على خرَمى فتواتبا وتلبّب كل
واحدٍ منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران فبلغ مالك بن أنس والمشيخة
ےء
فأتوا يعينون ربيعة فجعل ربيعة يقول والله لافارقتك إلا عند السلطان
وجعل فرّوخ يقول: والله لافارقتك إلا عند السلطان وأنت
مع امرأتى .
وكثُر الضجيج فلما بصروا بمالك سكت الناسُ كُلُهم . فقال
مالك: أيها الشيخ لك سعة فى غير هذه الدار . فقال الشيخ : هى دارى
وأنا فروخ مولى بنى فلان . فسمعت امرأته كلامه فخرجت فقالت :
هذا زوجى، وهذا ابنه الذى خلفه وأنا حامل به فاعتنقا جميعاً وبكيا
فدخل فروخ المنزل فقال: هذا ابنى؟ قالت : نعم قال فأخرجى المال
الذى عندك وهذه معى أربعة آلاف دينار. فقالت : المال قددفنته وأنا
أخرجه بعد أيام.
فخرج ربيعة إلى المسجد وجلس فى حلقته وأتاه مالك بن
أنس والحسن بن زيد وابن أبى على اللّهبى والمساحقى وأشراف
المدينة وأحدق الناس به فقالت امرأته : اخرج فصّل في مسجد
رسول الله وَرِّمٍ فخرج فنظر إلى حلْقةٍ وافرة ، فأتاه فوقف عليه

- ٢٥٠ -
ففرّجوا له قليلاً ونكس ربيعة رأسهُ يُوهمه أنه لم يره(١) فقال: من
هذا الرجل ؟ فقالواهذا ربيعة بن أبى عبد الرحمن فقال أبو عبدالرحمن:
لقد رفع الله ابني. فرجع إلى منزله فقال لوالدته : لقد رأيت ولدك فى
حالة ما رأيت أحداً من أهل الفقه والعلم عليها. فقالت أمه فأيما أحبّ
إليك : ثلاثون ألف دينار أو هذا الذى هو فيه من الجاه ؟ قال لا والله
إلّ هذا. قالت: فإنى أنفقت المال كله عليه قال: فوالله ماضيعته.
وعن ابن زيد قال: مكث ربيعة دهراً طويلاً عابداً يصلى الليل
والنهار، جالسَ القاسم فنطق بلب وعقل . فكان القاسم إذا سئل عن
شىء قال : سلُوا هذا لربيعة .
وعن يحيى بن سعيد قال: مارأيت أحداً أفطن من ربيعة .
قال الليث : وقال لى ◌ُبيد الله بن عمر فى ربيعة : هو صاحب
معضلاتنا وأعلمنا (٢) وأفضلنا.
وعن يحيى بن سعيد أنه قال: مارأيت أحداً أسدَّ عقلاً من ربيعة.
وعن سّوار بن عبد الله قال: مارأيت أحداً أعلم من ربيعةِ الرأى
قلت: ولا الحسن وابن سيرين ؟ قال: ولا الحسنَ وابن سِيرين.
(١) قط : يعرفه.
(٢) ق : معضلاتها وعالمنا .

- ١٥١ -
وعن يونس بن يزيد قال : رأيت أبا حنيفة عند ربيعة وكان مجهودُ
أبى حنيفة أن يفهم ما يقول ربيعة .
وعن بكر بن عبد الله الشّرود الصنعانى قال: أتينا مالك بن أنس
فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأى فكنا نستزيده من حديث ربيعة . فقال
لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة؟ هو نائم فى ذاك الطاق(١). فأتيناربيعة
فأنهناه فقلنا له: أنت ربيعة الذى يحدّث عنك مالِكٌ؟ قال: نعم. فقلنا.
له : كيف حظى بك مالِكٌ ولم تحظ أنت بنفسك؟ قال: أما علمتم أن
مثقالاً مِن دولةٍ خير من خْل علمٍ.
قال الشيخ رحمه الله: وكان السفاح قد أقدم عليه ربيعةً الأنبارَ ليولّيه
القضاء فلم يفعل ، وعرض عليه العطاء فلم يقبل .
وعن مالك قال : قال لى ربيعة حين أراد الخروج إلى العراق : إن
سمعت أنى حدثتهم شيئاً أو أفتيتهم فلا تعدّنى شيئاً. فكان كما قال: لمّا
قدمها لزم بيته فلم يخرج إليهم ولم يحدّثهم بشىء حتى رجع قال مالك:
لما قدم على أمير المؤمنين أبى العباس أمر له بجائزة فأبى أن يقبلها
فأعطاه خمسة آلاف درهم ليشترى بها جارية فأبى أن يقبلها .
(١) الطاق: ما عطف من الأبنية، أى جعل كالقوس من قنطرة ونافذة
وما أشبه ذلك .

- ١٥٢ -
وعن سفيان قال : كان ربيعة بن أبى عبد الرحمن يوماً جالساً فغطى
رأسه ثم اضطجع فبكى فقيل له : مايبكيك ؟ فقال رثاء ظاهر
وشهْوة خفيّة :
وعن ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال: لقد رأيت مشيخةً المدينة وإن
لهم لغَدائرَ وعليهم المصَّر والمورَّد فى أيديهم مخاصر(١)، وفى أيديهم
آثار الخِنّاء فى هيئة الفتيان ودِين أحدهم أبعد من الثريا إذا أُريدَ على دينه.
(قال الشيخ ) : قد سمع ربيعة من أنس بن مالك والسائب بن يزيد
وعامة التابعين من أهل المدينة .
وروى عنه : مالك والثورى وشعبة والليث بن سعد .
وقال أحمد بن حنبل: ربيعة بن أبى عبد الرحمن ثقة . وتوفى.
بالأنبار: وقيل بل رجع إلى المدينة فمات بها . وذلك فى سنة ست
و ثلاثين ومائة.
وعن مالك بن أنس قال ذهبتْ حلاوةُ الفقه منذ مات ربيعةُ بن أبى
عبد الرحمن .
(١) الممصر الثوب المصبوغ بالمصر. وهو تراب أحمر. والمورد: المصبوغ
بلون: الورد والمخاصر : ج مخصرة. وهى ؛ مايتوكأ عليه كالعصا .

- ١٥٣ -
١٨٤ - صفوان بن سُليم النهرى
مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف يكنى أباعبدالله.
عن عبد العزيز بن أبى حازم قال: عادَانى (١) صفوان بن سليم إلى
مكةّ فا وضَع جنبه فى المحمل(٣) حتى رجَع .
وعن سليمان بن سالم قال : كان صفوان بن سليم في الصيف يصلى بالليل
فى البيت، فإذا كان الشتاء صلّى فى السطح لئلاينام.
عن أبى ضمرة أنس بن عياض(٣) قال: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل
له غداً القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة.
وعن أبى علقمة المدينى قال : كان صفوان بن سليم لايكاد يخرج من
مسجد النبىّ ◌ٍَّ فإذا أراد أن يخرج بكى وقال : أخشى أن
لا أعود إليه .
وعن محمد بن أبى منصور قال: قال صفوان بن سليم أعطى الله عهداً أن
(١) أى ركب معه .
(٢) ما يحمل فيه .
(٣) قط. ((أنس بن عياض قال. حدثنى ربيعة). صف. ((وعن أبى نضرة
عن أنس بن عياض )) .

- ١٥٤ -
لا أضع جنبى على فراش حتى ألحق بربى قال: فبلغنى أن صفوان عاش
بعدذلك أربعين سنة لم يضع جنبه فلما نزل به الموت قيل له : رحمك
الله ألا تضطجع ؟ قال ما وفيتُ الله بالعهد إذاً .
قال : فأسند فازال كذلك حتى خرجت نفسه . قال : ويقول أهل.
المدينة ، إنه ثفنتْ جبهته(١) من أثر السجود.
وعن أبى مروان مولى بنى ميم قال : انصرفت مع صفوان بن سليم
٠٠
من العيد إلى منز له فجاء بخبز يابس فجاء سائل فوقف على الباب وسأل
فقام صفوان إلى كوّة فى البيت فأخذ منها شيئًا فاعطاه فاتّعت ذلك
السائل لأنظر ما أعطاه . فإذا هو يقول: أعطاه الله أفضل ما أعطى
أحداً من خلقه فقلت ما أعطاك؟ قال : أعطانى ديناراً .
وعن سفيان قال: جاء رجل من أهل الشام فقال دلونى على صفوان
ابن سليم ، فإنى رأيته دخل الجنة فقلت : بأى شىء ؟ قال بقميص
كساه إنسانًا .
قال بعض إخوان صفوان : سألت صفوان عن قصة القميص قال :
خرجت من المسجد (فى) ليلة باردة فإذا رجل ◌ُريان، فنزعتُ قميصى
فكسوته .
(١) يقال: ثفنت اليد، إذا غلظت من العمل.

- ١٥٥ -
عن سعيد بن كثير بن يحيى (١) قال: قدم سليمان بن عبد الملك المدينة
وعمر بن عبد العزيز عامله عليها. قال: فصلى بالناس الظهر ثم فتح باب
المقصورة واستند إلى المحراب واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان
بن سليم عن غير معرفة فقال يا عمر مَن هذا الرجل ما رأيت سَمْتاً
أحسن منه ؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا صفوان بن سليم . قال : ياغلام
كيس فيه خمس مائة دينار. فأتى بكيس فيه خمسُ مائة دينارٍ فقال
لخادمه ترى هذا الرجل القائم يصلى فوصفه للغلام حتى أثبتَه فخرج
الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان .
فلما نظر إليه صفوان ركع وسجد ثم سلم وأقبل عليه فقال: ما حاجتك؟ قال:
أمر نى أمير المؤمنين، وهو ذا ينظر إليك وإلىّ، أن أدفع هذا الكيس
وفيه خمسُ مائة دينارٍ إليك وهو يقول : استعِنْ بهذا على زمانك وعلى
عيالك . فقال صفوان للغلام: ليس أنا بالذى أرسلت إليه . فقال له
الغلام : ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى أنا صفوان بن سليم . قال:
فاليك أرسلت . قال اذهب فاستثبت فإذا أثبتَّ فهلم . فقال الغلام:
فأمسك الكيس معك وأذهبُ. قال : لا، إِذا امسكتُ كنتُ قد
أخذتُ ، ولكن اذهب فاستثبتْ فأنا هاهنا جالس . فولّى الغلام
فأخذ صفوان نعليه وخرج فلم يُرَبها حتى خرج سليمان من المدينة .
(١) قط: وعن كثير بن يحيى - صف: وعن أبى كثير بن يحيى .

- ١٥٦ -
أبو مصعب قال لى ابن أبى حازم: دخلت أنا وأبى نسأل عنه، يعنى
صفوان بن سليم وهو فى مصلاه فما زال به أبى حتى ردّه إلى فراشه
فأخبر تنى مولاته أنْ ساعةَ خرجُثم ماتَ .
أسند صفوان بن سلم عن ابن عمرو جابر بن عبد الله وعبد الله بن
جعفر وسهل بن حنيف فى آخرين . وسمع من كبار التابعين كسعيد بن
المسيب وأبى سلمة وعروة وسالم وعكرمة وطاوس فى خلق كثير .
عن أبى بكر بن صدقة قال: ذُكر لأحمد بن حنبل صفوان بن سليم
وقّلةُ حديثه وأشياء خولف فيها. فقال: هذا رجل إنما كان يُستشفَى
بحديثه ويَستنزَل القَطْرُ بذكْره ـ- توفى صفوان بالمدينة سنة اثنتين
وثلاثين ومائة - .
١٨٥ - أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج
مولى لقومٍ من بنى ليث بن بكر
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : ما رأيت أحداً الحكمةُ إلى
فِيهِ أقربُ من أبى حازم.
وعن سفيان قال : قيل لأبى حازم ما مالك؟ قال : ثقتى بالله عز وجل
ويأسى مما فى أيدى الناس .
١

- ١٥٧ -
وعن تَوابة بن رافع قال:قال أبو حازم: ما مضى من الدنيا فتعلم وما بقى
فأمانىّ .
وعن محمد مطرف قال: ثنا أبو حازم قال: لا يُحْسِن عبد فيما بينه
وبين الله إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد، ولا يُغْور فيما بينه وبين الله
عز وجل إِلا أعْوَرَ(١) فيما بينه وبين العباد، ولَمَصانَةُ وجهٍ واحدٍ أيسرُ
من مصانعة الوجوه كلّها ، إنك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه
كلها إليك، وإذا افسدت ما بينك وبينه شَنفتك الوجوه (٢) كلّها .
وعن عمر بن سعيدبن حسين عن أبى حازم قال: إذا رأيت الله عز وجل
يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره .
محمد بن عبيدقال: أنا بعض أهل الحجاز قال: قال أبو حازم: كلّ نعمة
لا تقرّب من الله عز وجل فهى بلّة .
وعن أبى معشر قال: رأيت أباحازم لم يقص فى المسجد ويبكى ويمسح
بدموعه وجهه . فقلت: يا أبا حازم لم تفعل هذا؟ قال : بلغنى أن النار
لا تصيب موضعاً أصابته الدموع من خشية الله تعالى .
وعن سفيان قال: قال أبو حازم: ينبغي للمؤمن أن يكون أشدَّ
حفظاً للسانه منه لموضع قدميه .
(١) أعور: بدت عورته. ق: ((عور الله)). يقال: عور الراعى الغنم،
عرضها للضياع والتلف.
(٢) أبغضتك ونظرت إليك كالمعترضة .
:

- ١٥٨ -
وعن سعيد بن عامر قال: قال أبو حازم نعمة الله فيما زوَى(١) عنى
من الدنيا أفضل من نعمته فيما أعطانى منها .
وقال أبو حازم: إِنْ وُقِينا شرَّ ما أعطينا لم نبال مافَاتَنَا .
وقال ابن عيينة : قال أبو حازم: إن كان يُعنيك من الدنيا ما يكفيك
فأدنى عيشٍ من الدنيا يكفيك، وإن كان لا يُغنيك ما يكفيك فليس
شى يكفيك .
وعن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبى حازم قال: حدثنى أبى قال :
بعث سليمان بن عبد الملك إلى أبى حازم فجاءه فقال : يا أبا حازم مالنا
نكره الموت؟ قال: لأنكم أخر بتم آخرتَكُم وعمَر ثُم دنياكم فأتم
تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال: صدقت ، فكيف
القدوم على الله عز وجل ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله
وأما المسىء فكا لآبق يقدم على مولاه . فبكى سلمان وقال : ليت
شعرى مالنا عند الله يا أبا حازم ؟ قال : اعرض نفسك على كتاب الله
عز وجل فإنك تعلم مالك عند الله قال: يا أبا حازم وأنّى أصيب ذلك؟
قال: عند قوله ((إنَّ الأبرار لَفِى نَميم وإنّ الفُجّار لفى جحيم))(٢) فقال
(١) زوی الشىء : أبعده وطواه ونحا.
(٢) الانفطار ١٤ .

- ١٥٩ -
سليمان فأين رحمة الله؟ قال ((قريبٌ من المحسنين(١))) قال: ما تقول
فيما نحن فيه؟ قال . أعفنى عن (٣) هذا. قال سلمان: نصيحة تلقيها. قال
أبو حازم إن أناساً أخذوا هذا الأمر عنوةً من غير مشاورة من
المسلمين ولا اجتماعٍ من رأيهم فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا ثم.
ارتحلوا عنها فليت شعرى ما قالوا وما قيل لهم؟ فقال بعض
جلسائه : بئس ماقلتَ يلشيخ . قال أبو حازم: كذبتَ ،
إن الله تعالى أخذ على العلماء لَيِيعُنَّه للناس ولا يكْتُمونه .
قال سلمان اصحَبْنا يا أبا حازم تُصِبْ منّا وُ نِصِبْ منك قال: أعوذبالله
من ذلك . قال : ولم؟ قال أخاف أن أركَن إليكم شيئاً قليلاً فيذيقنى
ضْفَ الحياة وضْفَ المات . قال: فأشِرْ على. قال: اتّق الله أن يراك
حيث تَهَاك، وأن يفقدك حيث أمرك. قال: يا أبا حازم ادعُ لنا
بخير. قال: اللهم إنْ كان سليمان وليّك فَيَسِرْه للخير، وإن كان عدَّوك
فخذ إلى الخير بنا صيته . فقال: ياغلام هات مائة دينار . ثم قال:
خذها يا أبا حازم . فقال لاحاجة لى فيها إلى أخاف أن يكون لما
سمعتَ من كلامى .
(١) الأعراف ٥٦
(٢) كذا فى النسخ والصواب تعدية الفعل بمن .

- ١٦٠ -
فكأن سلمان أعجب بأبى حازم . فقال الزهرى: إنه لجارى منذ
٠٠
ثلاثين سنة ما كلمته قط . قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيغنى
ولو أحببتَ الله لأحيبتنى. قال الزهرى أتشتمنى؟ قال سلمان: بل أنت
شتمت نفسك. أما علمت أنّ للجار على جاره حقاً؟ قال أبو حازم:
إن بنى اسرائيل لمّا كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء
وكانت العلماء تفرّ بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة
الناس تعلموا ذلك العلم وأّوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء
واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا ولو كان علماؤنايصونون
علمهم لم تزل الأمراء تها بهم. قال الزهرى كأنك إياى تريد وبى تعرض
قال : هو ما تسمع .
وعن الذيال بن عبّاد قال: كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهرى :
عافانا الله وإياك أبا بكر (١) من الفتن فقد أصبحت بحالٍ ينبغي لمن عرفك
بها أن يرحمك : أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نِعَمُ الله عليك فيما
أصحّ من بدنك وأطال من عمرك وعلمت حُجَج الله تعالى مما علّك من
کتابه، وفقهّك فيه من دينه، وقهمك من سنة نبيه عن ێ فرمى بكفى
كل نعمة أنعمها عليك وكلّ حُجَّة يُحْتَجّ بها عليك الغرض الأقصى
ابتلى (٣) فى ذلك شكرك وابدا فيه (٣) فضله عليك وقد قال عز وجل:
(١) هى كنية ابن شهاب الزهرى. وفى ق: ((إنا نفر)» تحريف. والعبارة
فى الأسطر التالية مضطربة فى ق وأصابها تحريف كثير . فآثرنا عبارة المطبوع
(٢) قط ليبتلى.
(٣) قط منه .