النص المفهرس
صفحات 121-140
- ١٢١ - وجدنا له سفَطًاً وديعة قد استودعها : ففتحوه فاذا فيه مقطّعات من مُسوح كان يلبسها بالليل . وعن عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال: بكى عمر بن عبد العزيز فبكت فاطمة ، فبكى أهل الدار لا يدرى هؤلاء ما أبكى هؤلاء فلما تجلّت عنهم العَبْرة قالت لهفاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين ممَّ بكيت؟ قال ذكرت منصرَ ف القوم مِن بين يدى الله عز وجل، فريِّقَ فى الجنة وفريقُ فى السعير ثم صرخَ وغَشِىَ عليه . وعن زياد بن أبى زياد المدينى قال: أرسلنى ابن عامر(١) بن أبى ربيعة إلى عمر بن عبد العزيز فى حوائج له فدخلت عليه وعنده كاتب يكتب فقلت: السلام عليكم . فقال: وعليك السلام . ثم انتبهت فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال : يابن أبى زياد إننا لسنا ننكر الأولى التى قلتَ . والكاتب يقرأ عليه مظالم جاءت من البصرة . فقال لى: اجلس. جلست على أُسْكُفَّة الباب(٣) وهو يقرأ وعمر يتنفس صَعَداً(٣). فلما فرغ أخرج مَن كان فى البيت حتى وصيفاً كان فيه ثم قام يمشي إلىّ حتى جلس بين يدىّ ووضع يديه على ركبتى (١) قط : ابن عياش . (٢) خشبة الباب التى يوطأ عليها . (٣) صعداً: شديداً. وفى ط: ((صعداء)) وحنيئذ ينبغى تعريفها باللام فيقال تنفس الصعداء . - ١٢٢ - ثم قال: يا ابنْ أبى زياد استدفَأْتُ فى مِدْرعتك(١) منمقال وعلىّ مِدْرعة من صوف واسترحت مما نحن فيه. ثم سألنى عن صُلَحاء أهل المدينة رجالهٍ ونسائهم فماترك منهم أحداً إلا سألنى عنه وسألنى عن أمورٍ كان أمرَبها بالمدينة فأخبرته ، ثم قال لى يا بن أبى زياد ألا ترى ما وقعت فيه؟ قال: قلت: أبشر يا أمير المؤمنين ، إنى أرجو لك خيراً . قال : هيهات هيهات . قال : ثم بكى حتى جعلَتُ أرنى له فقلت: يا أمير المؤمنين بعض ما تصنع ، فإنى أرجو لك خيراً. قال: هيهات هيهات أشّمُ ولا أشتمَ وأضرب ولا أضرَب وأوذى ولا أو ذُى. ثم بكى حتى جعلت أرأى له . فأقمت حتى قضى حوائجى ثم أخرج من تحت فراشه عشرين ديناراً فقال استعنْ بهذه فإنه لو كان لك فى الفيء حقّ أعطيناك حقك إنما أنت عبدٌ . فأبيت أن آخذها فقال: إنما هى مِن نفقتى فلم يزل بی حتى أخذتها و کتب إلى مولاى يسأله أن يبيعنى منه فأبى وأعتقنى . وعن عمرو بن مهاجر قال : قال لى عمر بن عبد العزيز : إذا رأيتنىّ قدملتُ عن الحق فضع يدك فى تلبابى ثم ◌ُهَزّنى ثم قل : يا عمر ما تصنع ؟ وعن عبيد الله بن محمد التميمى قال: سمعت أبى وغيره يحدث أن عمر ابن عبد العزيز لما ولى منع قرابته ما كان يجرى عليهم وأخذمنهم القطائع (١) جبة من صوف وشقوقة المقدم. - ١٢٣ - التى كانت فى أيديهم. فشكوا إلى عمته أم عمر فدخلت فقالت : إن قرابتك يشكونك ويزعمون أنك أخذت منه خير غير ك . قال منعتهم حقاً ولا أخذت منهم حقاً. فقالت: إنى رأيتهم يتكلمون وإنى أخاف أنَ يهجوا عليك يوماً عصيباً . فقال: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقائى الله شره. قال ودعا بدينار وخَبَث(١) ومجمره فألقى الدينار فى النار وجعل ينفخ على الدينار حتى إذا احمرّ تناوله بشى فألقاه على الْخَبَت فنشّ(٢) فقال: أىْ عمة أما تأوين(٢) لابن أخيك من مثل هذا؟ فقامت فخرجت على قرَابته فقالت: تزوّجون إلى آل عمر فإذا نزَعوا الْشَبَهَ جِزْءٌم؟ اصِبروا له. وعن أبى سليم أُلهذَلى قال: وخطب عمر بن عبد العزيز فقال: أما بعد فان الله عز وجل لم يخلقكم عبثً ولم يدع(٤) شيئًا من أمركم سُدِّى، وإن لكم مَعاداً فخاب وخسر من خرج من رحمة الله وحُرم الجنة التى عرضها السموات والأرض واشترى قليلاً بكثير وفانيًا يباق وخوفاً بأمن ألا ترون أنكم فى أسلاب الهالكين وسيخلُفُها بعدكم (١) خبث الحديد وغيره: ما نفاه الكير، وكل مالا خير فيه. ط: جنب (٢) نش : صوّت. (٣) أوی له : رحمه ورقَّ له. (٤) قط : يترك . - ١٢٤ - ١ الباقون؟ كذلك حتى تُرد إلى خير الوارثين، فى كل يوم وليلة تشيعون غاديًا ورائحاً إلى الله عز وجل قد قضى نحبه وانقضى أجلُه حتى تّبوه فى صَدْع من الأرض فى بطن صدع ثم تدعونه غيرَ ممهَّدولا موسد قد خلَع الأسبابَ وفارق الأحباب وسكن التراب وواجه الحساب م ◌َهناً بعمله فقيراً إلى ما قدّم، غنياً عما ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت وأيُ الله إنى لأقولُ لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب ما أعلم عندى وما يبلغنى عن أحد منكم ما يسعه ما عندى إلا ودِدْتُ أنه يمكنني تغييره حتى يستوى عيشُنا وعيشه وايم الله لو أردت غير ذلك من الغضارة والعيش لكان اللسان مني به ذَكولا عالما بأسبابه، ولكن سبق من اللهعز وجل كتابٌ ناطق وُسُنة عادلة دل فيها على طاعته ونَهى فيها عن معصيته . ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وشهقَ وبكى الناس ، وكانت آخرَ خطبةٍ خطبها . سعيد بن محمد الثقفى قال : سمعت القاسم بن غزوان قال : كان عمر ابن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات : أيقظانُ أنت اليوم أم أنت نائم وكيف يُطِيق النومَ حيرانُ مائمُ فلو كنتَ يقظانَ الغداةَ لَحَرَّقَتْ مدامعَ عينيك الدموعُ السّواجم - ١٢٥ - بَلَ أصبحت فى النوم الطويل وقددنت إليك أمورٌ مُفظِعات عَظائم نهارُك يا مغرورُ سْهوٌ وغفلةٌ وليلُك نومٌ والردَى لك لازِم يغرُّكُ مَا يَفني وتُشَغَل بالمنى كما ◌ُرَّ باللذات فى النوم حالم وتُشَغَل فيماسوف تكره غَّه(١) كذلك فى الدنيا تَعيش البهائم وعن القاسم بن غزوان قال كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات - وعن هاشم (٢) قال لما : كانت الصرْعة التي هلك فيها عمر دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين إنك أفقرت أفواه ولدِك من هذا المال وتركتَهم عْلَةٌ(٣) لاشىء لهم فلو وصيت بهم إلى وإلى نُظَرائى من أهل بيتك. قال: فقال: أسندونى ثم قال: أما قولك إنى أفقرت أفواه ولدى من هذا المال فوالله إنى مامنعُهم حقاً هو لهم ولم أعطهم ماليس لهم وأماقولك لو أوصيت بهم فان وصّي وولّى فيهم الله الذى نزَّل الكتاب وهو يتولى الصالحينَ. بَنيَّ أَحدُ الرجلين(٤) إما رجل يتقى الله فسيجعل (١) كذا فى ط وغب الشىء: عاقبته وفى ق: عيبه . ولعلها : غيبه ، أو عينه . وعين الشىء: ذاته ونفسه . والعين أيضاً: العيب. (٢) صف : هشام . (٣) كذا، والعيلة: الفقر. لكن يقال: أمسى أخا عيلة: اي فقيراً. (٤) قط . صف : رجلين . ه - ١٢٦ - الله له مخرجاً وإما رجل مُكبّ على المعاصى فانى لم أكن أقوّيه على معاصی الله . ثم بعث إليهم وم بضعةً عشر ذكراً قال: فنظر إليهم غذرفت عيناه ثم قال: بنفسى الفتيةُ الذين تركتهم عْلَةً لاشىء لهم، فإنى بحمد الله قد تركتهم بخير أى بنىَّ إن أباكم مَثَلَ بين أمرين: بين أن تَسْْنوا ويدخل أبوكم النار أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة ، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحبَّ إليه من أن تستغنوا ويدخل النار . قوموا عصمکم الله . وعن ليث بن أبىُ رَقّة عن عمر أنه لما كان مرضُه الذى قبض فيه قال: أجلِسونى فأجلسوه . ثم قال: أنا الذى أمرتَى فقصّرتُ ونهيَتَنِى فعصيتُ ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه وأحدَّ النظرَ. فقالوا له : إنك لتنظر نظراً شديداً . فقال : إنى لأرى حضرةً ماهُم بأنسٍ ولاجانٍ ثم قُبض رضى الله عنه . أسند عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وعمر بن أبى سلمة، والسائب بن يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام . وقد أرسل الحديثَ عن القدماء منهم : عبادة بن الصامت والمغيرة ابن شعبة وتميم الدارى وعائشة وأم هانىء. - ١٢٧ - وقد روى عن خلق كثير من كبار التابعين كسعيد بن المسيب وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ وسالم وأبى سلمة وعروة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وخارجة بن زيد وعامر بن سعد بن أبى وقاص وأبى بردة بن أبى موسى والربيع بن سّبرة وعِراك بن مالك وأبى حازم والزُهرى والُقُرَظى، فى خلق كثير يطول ذكرم وقد ذكرنا مُسنداتِه عنهم فى كتابٍ أفردناه لأخباره وفضائله . ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة من أخباره هاهنا . و توفی رضى الله عنه لعشر ليالٍ بقين من رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنةً وأشهر وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر ومات بدير سمعان وقبر هناك. وكان له رضى الله عنه أولاد إلا أنه كان عَينهم(١) . ١٧٣ - عبد الملك (٢)(بن عمر بن عبد العزيز) ونحن نذكرها هنا طرفًا من أخباره، وإن كان دون طبقة أبيه لكنا ألحقناه به لأنه مات فى حياة أبيه . وعن بعض مشيخة أهل الشام قال: كنا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة مارآى من ابنه عبد الملك. (١) كذا فى ط والعين: خيار الشىء، وشريف القوم . وفى ق : عيبهم: ولعلها : غبهم . وغب الشىء عاقبته . (٢) ترجمته فى ق متصله مع ترجمة أبيه. وقد آثرنا فصلها كما فى المطبوع. - ١٢٨ - وعن اسمعيل بن أبى حكيم قال غضب عمر بن عبد العزيز يوماً . فاشتد غضبه وكان فيه حدّة وعبد الملك حاضر ، فلما سكن غضبه قال: يا أمير المؤمنين أنت فى قدْر نعمة الله عليك وموضعك الذى وضعك الله به وما ولاك من أمر عباده يبلغ بك الغضب ما أرى؟ قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه كلامه فقال : أما تغضب يا عبد الملك ؟ فقال ما تغنى سَعَةُ جوفى إن لم اردّد فيه الغضب حتى لا يظهر منه شىء أكرَهه. دخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن لى إليك حاجة فأخلني ، وعنده مسلمة بن عبد الملك . فقال عمر: أسِرٌّ دون عّك؟ قال: نعم. فقال مسلمة وخرج وجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال: رأيتَ بدعةً ◌ٌعِنْها أوسّةً فلمُ تحيها؟ فقال له : يا بنى أشىء همتلك(١) الرغبة إِلىّ أم رأى رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله ولكن رأىٌ رأيْتُه من قِبِل نفسى ، عرفت أنك مسئول ، فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولدَ خيراً فو الله إلي لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير. يابني إن قومك قد شّدوا هذا الأمرُ عُقْدَةً عقدةً وعُروةً عروة ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما فى أيديهم لم آمَن أنَ يفتقوا على فتْقاً تكثر فيه الدماء ، والله لزوال الدنيا أهون على من أن يُهِرَاق فى سبى محجَةٌ من دم، أو (١) كذا فى ط . وفى ق: حملته. قط: حملكه. - ١٢٩ - مَا ترضى أن لا يأتى على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يُميت فيه بدعة ويُحيى فيه سنّة؟ حتى يحكم الله بيننا بالحق وهو خير الحاكمين. وعن اسمعيل بن أبى حكيم قال : دخل عبد الملك على أبيه عمر فقال: أين وقع لك رأيك فيماذكرلك مُزاحم من ردّ المظالم؟ فقال: عليّ إنفاذه فرفع عمر يده ثم قال : الحمد لله الذى جعل لى من ذربتى من يعينني على أمر ديني: نعم يابنىّ أصلّى الظُّهر إن شاء الله ثم أصعد المنبر فأردّها على رؤوس الناس فقال عبد الملك يا أمير المؤمنين مَن لك بالظّهر؟ ومَن لك إن بقيت أن تسلملك نّتك؟ فقال عمر: فَقَدْ تفرّق الناس للقائلة. فقال عبد الملك تأمر مناديك فينادى: الصلاة جامعة ثم يجتمع الناس فأمرَ مناديه فنادى . وعن ابن أبى عَبله قال: جلس عمر يوماً للناس فلما انتصف النهار ضجر وملّ فقال للناس مكانكم حتى أنصرف إليكم. ودخل ليستريح ساعة فجاء إليه ابنه عبد الملك فسأل عنه فقالوا: دخل فاستأذن عليه فأذن له فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين ما أدخَلك؟ قال أردت أن أستريح ساعة قال أو أمنتَ الموت أن يأتيك ورعيَّتُك على بابك ينتظرونك وأنت محتجب عنهم؟ فقام عمر فخرج إلى الناس. وعن زياد بن أبى حسان أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك استوى قائما وأحاط به الناس فقال: والله يا بنى لقد ( ٢ ٩ - صفة الصفوة) - ١٣٠ - كنتَ مَرّاً بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لى مسروراً بك ولا والله ما كنتُ قط أشدَّ سروراً ولا أرجى لحظى من الله فيك منذ وضعتك فى المنزل الذى صيّرك الله إليه، فرحمك الله وغفر لك ذنبك وجزاك بأحسنِ عملك، ورحم كلَّ شافع يشفع لك بخيرٍ مِن شاهدٍ وغائب، رضينا بقضاء الله وسلّمنا لأمره، الحمد لله رب العالمين . ثم انصرف . اقتصرْنا على هذا القدر من أخبار عبد الملك لأنا قد أُ درجْنا أخباره فى الكتاب الذى جمعنا فيه أخبار أبيه ، والله الموفق، رحمه الله ورحِم أباه. ١٧٤ - عامر بن عبد الله بن الز بيربن العوام عن مالك بن أنس قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يقف عند موضع الجنائز يدعو وعليه قطيفة (١)، فرّبما سقطت عنه القطيفة وما يشعر بها . وعنه قال: ربما خرج عامر بن عبد الله بن الزبير منصرفًاً من العَتمة من مسجد رسول الله عَطٍّ فيعرض له الدعاء قبل أن يصل إلى منزله فيرفع يديه، فما يزال كذلك حتى ينادَى بالصبح فيرجع إلى المسجد فيصلى الصبح بوضوء العتمة . قال معن: وسمعت أن عامر بن عبد الله (١) القطيفة: دثار ممل يلقيه الرجل على نفسه . - ١٣١ - ربما أخرج البَدْرة(١) فيها عشرة آلاف درهم فيقسمها فما يصلى العتمة ومعه منها درم . وعن سفيان بن عيينة قال: اشترى عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله عز وجل بتسع دِیاتٍ . وعن أبى مودود قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يتحّن العباد وهم سجودٌ: أبا حازم وصفوان بن سليم وسليمان بن شحم، وأشباهَهم فيأتيهم بالصّرة فيها الدنانير والدراهم فيضعها عند نعالهم بحيث يحسّون بها ولا يشعرون بمكانه. فيقال له: ما يمنعك أن ترسل بها إليهم؟ فيقول أكره أن يتمَّر (٢) وجه أحدِهِم إذا نظر إلى رسولِى وإذا لقينى. وعن عياش بن المغيرة قال : كان عامر بن عبد الله بن الزبير إذاشهد جنازة وقف على القبر فقال: ألا أراك ضّيقا؟ ألا أراك دَقعا (٣)؟ ألا أراك مظلماً؟ إن سلمتُ لأنأمبَّن لك أُمبَتَك. فأوّل شىء تراه عيناه من ماله يتقرب به إلى ربه وإن كان رقيقه لَيتعرّضون له عند انصرافِه من الجنائزِ لُيُعْقهم . وعن مصعب بن عبد الله قال سمع عامرُ بن عبد الله المؤذّن، وهو (١) كيس يوضع فيه عشرة آلاف درهم. (٢) تمعر : تغير. (٣) كئيباً . - ١٣٢ - يجود بنفسه ، ومنزله قريب من المسجد فقال: خذوا بيدى فقيل له : إنك عليل فقال : أسمع داعى الله فلا أجيبه؟ فأخذوا بيده فدخل فى صلاة المغرب فركع مع الامام ركعةً ثم مات. أسند عامر عن أبيه وغيره من الصحابة وحدث عن خلق كثير من التابعين . قال محمد بن سعد توفى عامر قبل هشام بن عبد الملك أو بعده بقليل ومات سنة أربع وعشرين ومائة . ١٧٥ - أبو بكر بن محمد بن عمر وبن حزم كان على قضاء المدينة فلما ولى عمر بن عبد العزيز ولاه إِمْرَة المدينة عطاف بن خالد عن أمه عن امرأة أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم أنها قالت ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنةً بالليل. توفى أبو بكر فى سنة عشرين ومائة ، وهو ابن أربع وثمانين سنة. رحمه الله . ١٧٦ - محمد بن كعب القرظى يكنى أبا حمزة عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القُرِ ظى قال: إذا أراد الله بعبد خيراً جعل فيه ثلاثَ خصالٍ ، فَقْهَا فىِ الدين، وزهادةً فى الدنيا، وبصراً بعيوبه . - ١٣٣ - عن يزيد بن عبد الملك بن المغيرة، عن محمد بن كعب قال : من قرأ القرآن مُتّع بعقله وإن بَغ مائى سنة. (أبو كثير النّصرى قال: قالت أم محمد بن كعب الْقُرَظى لمحمد : يا بنى لولا أنى أعرفك صغيراً طيبًاً وكبيراً طيباً لظننت أنك أحدثت ذنبا موبقاً لما أراك تصنع بنفسك فى الليل والنهار. قال : يا أماه وما يؤمننى أن يكون الله قد اطلع علىّ وأنافى بعض ذنوبى فقَتَنى فقال اذهب لا أغِر لك؟ مع أن عجائب القرآن ترِدبىٍ على أمور حتى إنه لينقضى الليل ولم أفرغ من حاجتى . وقال محمد بن كعب لأن أقرأ فى ليلتى حتى أصبح ((إذا زُلزِلَتْ الأرضُ زِلِزَالها))(١) ((والقارعة))(٢) لا أزيد عليهما، وأتفكّر فيها وأتردّد أحَبُّ إلى من أنَ أُهذّ القرآن (٣) هذّاً. أو قال: أنثره نثراً. وعن عيسى بن يونس قال: كنا عند محمد بن كعب الْقُرَظى فأتاه رجل فقال : يا عبد الله ما تقول فى التوبة؟ قال: ما أحسنها. قال : أفرأيت إن أعطيتُ الله عهداً أن لا أعصيه أبداً ؟ فقال له محمد فمن حينئذ أعظمُ جُرْماً منك؟ تتألىّ على الله أن لايُنفِذفيك أمره . م (١) سورة الزلزلة: ١. (٢) سورة القارعة . (٣) هذّ القرآن: سرده وقطعه سريعاً. - ١٣٤ - أسند محمد بن كعب عن زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنى هريرة وأنس وابن عباس وعبد الله بن يزيد الخطى فى آخرين من الصحابة رضى الله عنهم . قال الواقدى: مات سنة سبع عشرة أو مان عشرة ومائة. وقال غيره: سنة تسع وعشرين . وقيل : كان يقصّ على أصحابه فسقط المسجد عليه وعليهم فقتلهم رحمه الله. ١٧٧ - أبو عمر وبن حماس(١) وقد اختلفعلينا فى اسمه . فقيل : يوسف بن يونس، وقیل يونس ابن يوسف. قال محمد بن طلحة : كان أبو عمرو متعبداً مجتهداً يصلى الليل، وكان شديد النظر إلى النساء فدعا الله أن يذهب بصُره فذَهب بصره، فلم يحتمل العَمى فدعا الله أن يردّ عليه بصره، فيينا هو فى المسجد إذا رفع رأسه فنظر إلى القنديل فدعا غلامه فقال: ما هذا؟ قال: القنديل . قال وذاك، وذاك، يعدّ قناديل المسجد، وخرّ ساجداً، شكر اللهَ إذ رّد عليه بصَره، فكان بعد ذلك إذا رأى المرأة طأطاً رأسه وكان يصوم الدهر . وعن مالك بن أنس قال كان يونس بن يوسف من العبّاد أو من خيار الناس . (١) ق : حماش - ١٣٥ - - شكّ عبد الرحمن - فأقبل ذات يوم وهو رائح من المسجد فلقيته امرأة فوقع فى نفسه منها فقال: اللهم إنك جعلت لى بصرى نعمة وقد خشيت أن يكون على نقمة فاقبضه إليك: قال فَعَمِى. وكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له فاذا استقبل به الأسطوانة اشتغل . الصبى يلعب مع الصبيان فان نابته حاجة حصّبه . فأقبل إليه فيينا هوذات يوم ضحوةً فى المسجد إذْ أحّس فى بطنه بشىءٍ خَصَب الصبىَّ فشُغل الصبى مع الصبيان حتى خاف الشيخ على نفسه فقال: اللهم إنك كنت جعلتَ لى بصرى نعمة وخشيت أن يكون نقمةً فسألتك فقبضته إليك وقد خشيتُ الفضيحةَ فرُدَّه إِلىّ فانصرَف إلى منزله صحيحاً عشى قال مالك : فرأيته أعمى ورأيته صحيحاً . ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة ١٧٨ - محمد بن مسلم بن شهابالنهری یکنی أبا بكر عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما أرى أحداً جَع بعد رسول الله منظّ ما جمع ابن شهاب. وقال مالك بن أنس ما أدركت فقيهاً محدّثًا غير واحد . فقلت من هو ؟ فقال ابن شهاب الزُّهرى . وعنه أنه قال إن هذا الحديث دِينَ فانظروا عمن تأخذون دينكم والله لقد أدركت ها هنا، وأشار إلى مسجد رسول الله عَّ له سبعين رجلاً كلهم يقول، قال فلان، قال رسول الله بِّهِ، فلم آخذ عن أحد منهم حَرْفًاً لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ولقد قدم علينا محمد بن شهاب الزهرى وهو شاب فازدحمنا على بابه لأنه كان من أهل هذا الشأن . وقال أيوب: مارأيت أحداً أعلى من الزهرى فقال صخر بن جويرية: 1 ولا الحسَن؟ قال: ما رأيت أحداً أعلم من الزهرى. وعن جعفر بن ربيعة قال : قلت لعراك بن مالك : من أفقه أهل - ١٣٧ - المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله عَ ليه وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان وأفقهم فقهاً وأعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب: وأما أغزره حديثاً فعروة بن الزبير ولاتشاء أن تفجّر من عبيد الله بن عبد الله بحراً إِلا تَخْرته . قال عراك، فأعلمهم عندى جميعاً ابنُ شهاب فإنه جمع علمهم جميعاً إلى علمه . وعن مَعْمر : قال رجل من قريش: قال لنا عمر بن عبد العزيز: أتأتون الزهرى؟ قلنا نعم. قال: فائتوه فإنه لم يبق أحد أعلم بسّنة ماضية منه - قال: والحسن و نُظراؤه يومئذ أحياء. وقال سفيان: مات الزهرى يومَ مات وليس أحد أعلم بالسنّة منه . وعن ابن شهاب أنه كان يقول: ما استَوْدعت قلبى شيئاًقط فنسيتُةُ . وعن الليث قال: مارأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب ولا أكثر علماً منه، ولو سمعتَ ابن شهاب يحدّث فى الترغيب لقلتَ لا يُحسن إلا هذا وإن حدّث عن الأنبياء وأهل الكتاب لقلت لا يحسن إلاهذا. وإن حدّث عن الأعراب والأنساب لقلتَ: لا يُحسن إلا هذا. وإن حدّث عن القرآن والسنة كان حديثه جامعاً . وعن مالك بن أنس قال : أول من دوّن العلم ابن شهاب . وعن الزهرى قال: ما استعدتُ حديثاً قطّ ولا شككتُ فیحدیث قط إلا حديثاً واحداً فسألت صاحبى فإذا هو كما حفظت . 1 - ١٣٨ - وعن يونس بن يزيد قال : سمعت الزهرى يقول إن هذا العلم إن أخذتَه بالمكابرة غلبكَ ، ولم تظفر منه بشىء، ولكن خَذْه مع الأيام والليالى أخذاً رفيقاً تظفر به . وعن سفيان قال: سمعت الزهرى يقول العلمذ كر لا يحبه إلا الذكور من الرجال . وعن معمر، عن الزهرى قال: ما عبد الله بشىء أفضلَ من العلم . وعن عمرو بن دينارقال: ما رأيت أحداً أهون عليه الدينار والدرهم من ابن شهاب، وما كانت عنده إلا مثل البَعر . وعن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب أنه كان يكون معه فى السفر . قال: فكان يعطى من جاءه وسأله حتى إذا لم يبق معهشىء تَسلَّفَ (١) من أصحابه فلا يزالون يُسلفونه حتى لا يبقىَ معهم شىء، فيحلفون أنه لم يبقَ معهم شىء فيستسلف(٢) من عبيده فيقول: أى فلان أسْلِفِى وأُضِف لك كما تعلم فُسِلِفونه ولا يرَى بذلك بأسافر بما جاء السائل فيقول أبشر فسيأتى الله بخير. فيقيض الله لابن شهاب أحدَ رجلين إما رجل (١) ط : يستلف . (٢) ط : فيستلف . - ١٣٩ - يهدى له ما يسعهم وإما رجل يبيعه ويَنْظِرَه قال: وكان يطعمهم الثريد ويسقيهم العسل . أسندابنُ شهاب عن ابن عمر وأنس بن مالك وسهل بن سعد والسائب بن يزيد وعبد الله بن ثعلبة وأبى أمامة بن سهل بن حنيف وعبد الله بن عامر بن ربيعة وعبد الرحمن بن أزهر ومحمود بن الربيع ومحمود بن لبيد ومسعود بن الحكم وكثيرً ابن العبّاس وُسَنَّيْنٍ أبى جميلة وأبى موجهية وأبى الطفيل فى آخرين من الصحابة و يَذْكُر أنه رأى ابن الزبير والحسن والحسين وسمع منهم. قال الواقدى: ولد الزهرى فى سنة ثمان وخمسين فى آخر خلافة معاوية، وهى السنة التى ماتت فيها عائشة ومرض وأوصى أن يُدفن على قارعة الطريق ، ومات لسبع عشرةَ خلتْ من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة . قال الحسن بن المتوكل رأيت قبره بِأَدامى، وهى أول عمل فلسطين وآخرُ عمل الحجاز. رحمه الله . - ١٤٠ - ١٧٩ - محمد بن المنكدر بن عبد الله بن المدير(١) بن محرز بن عبد العزى ابن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة . يكنى أبا عبد الله أمه أم ولد . عن الزبير بن بكار قال: جاء المنكدر بن عبد الله إلى عائشة أم المؤمنين فشكا إليها الحاجة فقالت: أول شىء يأتينى أبعث به إليك فجاءتها عشرة آلاف درهم فقالت: سَرُعَ ما امتُحنتِ به يا عائشة . وبعثت بها إليه فاتخذمنها جارية فولدت له بنيه . محمداً وأبا بكروعمر. وكلّهم يُذكر بالصلاح والعبادة، ويحمل عنه الحديثَ . وعن أبى معشر قال: دخل المنكدر على عائشة فقالت: لك ولد ؟ قال : لا . فقالت: لو كان عندى عشرة آلاف درهم لو هبتُها لك. قال: فما أمست إلا بعث إليها معاوية بمال فقالت ما أسرعَ ما ابتُليت، وبَعَثَت إلى المنكدر بعشرة آلاف فاشترى منها جارية فهى أم محمد وعمر وأبى بكر . قال الشيخ رحمه الله: وإنما شكا المنكدر إلى عائشة للقرابة التي (١) ق : الهديرى.