النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
هذا ؟ قال: أرأيتهِ؟ قلت نعم. قال: ومَن رأيتٍ؟ قلت: دحْية بن خليفة
الكلى قال : ذلك جبريل عليه السلام.
حديث الأفك
عن الزهرى قال : أخبرنى سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير
وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث
عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال: [ لها ] الإفك ما قالوا
ع
فبرأها الله عز وجل . وكلّهم حدثنى بطائفة من حديثها وبعضهم كان
أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصً(١) . وقد وعيتُ عن كل واحد
منهم الحديث الذى حدثنى وبعض حديثهم يصدّق بعضًاً.
ذكروا ان عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذ أراد أن يخرج سفرا(٣) أفرع بين نسائه فأيتهن
خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه .
قالت عائشة : فأفرع بيننا فى غزاةٍ غزاها فخرج فيها سهمى ،
فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد ما أنزل الحجاب.
فأنا أحمل فى هودجى وأنزل فيه مسيرَ نا. حتى إذا فرغ رسول الله
(١) أى تتبعاً للقصة .
(٢) وتقدير ذلك ((الى سفر))، اي انه منصوب بنزع الخافض.

- ٢٢ -
صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنَوْنا من المدينة أُذِّن ليلةً بالرحيل
فقمت حين آذنونا بالرحيل فشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت
شأنى أقبلت إلى الرَّخْل فلمست صدرى فإذا عقْد من جَزْعِ ظَفَارٍ (١)
قد انقطع فرجعت فالتمست عقدى خميسنى ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين
كانوا يرحلون بهودجى حملوا هودجى فرحلوه على بعيرى الذى كنت
أركب وهم يحسبون أني فيه .
قالت: وكانت النساء إذ ذاك خِفافاً لم يُهَيِّنَ(٣) ولم يُفَشَهُنَّ اللحُمُ،
إنما يأكلن المُلْقّة من الطعام فلم يستنكر القوم ثقل(٢) الهودج حين
رحلوه فرفعوه . وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا
ووجدت عقدى بعد ما استمر الجيش . فجئت منازلهم وليس بها داع
ولا مجيب. فتيعمت منزلى الذى كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونى
فيرجعون إلى . فبينا أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى فنمت وكان
صفوان بن المعطّل السُلَمى ثم الذكوانى قد عرّس من وراء الجيش
(وأدلج فأصبح عند منزلى) فرأى سواد إنسان نائم فأنانى فعرفني
٠
(١) الجزع: الخرز. وظفار على زنة قطام: مدينة لحمير باليمن:
ويروى : أظفار والصحيح الاول . وجزع ظفار خرز معروف في سواده
بياض کالعروق .
(١) لم يصبن بالسمنة .
(٢) كذا فى جميع الأصول . وفى صحيح البخارى : خفة .

٠
- ٢٣ -
حين رآنى وقد كان يرانى قبل أن يُضرب الحجاب فاستيقظت
باسترجاعه حين عرفى نثرت وجهى بجلبابي. والله ما كلني كلمة
ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ،حتى أناخ راحلته فوطىء على يديها
فركبتها فانطلق يقود بى الراحلة حتى أتينا الجيش بعدمانزلوا موغرين
فى نحر الظهيرة فهلك من هلك في شأنی.
وكان الذى تولى كِبْرَه عبد الله بن أبيّ بن سَاول. فقدمت المدينة
فاشتكيت حين قدمتها شهراً والناس يُفيضون فى قول أهل الافك
ولا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبنى فى وجعى أنى لاأعرف من
رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذى كنت أرى منه حين أشتكى،
إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: كيف نيكم؟
فذلك يريبنى ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجتْ
معى أم مسطح قِبَلَ المناصع وهو متَبَّرزنا ولا تخرج إلا ليلاً
إلى ليل ، وذلك قبل أن تتخذ الكُتُف قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر
العرب الأول فى التنزه. وكنا نتأذى بالكُنف أن نتخذها عند يوتنا
فانطلقتُ أنا وأم مسطح وهى بنت أبي رهم بن المطلب بن عبدمناف،
وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وانها
مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب.
فأقبلتُ أنا وبنت أبى رم قِبَل بتى حين فرغنا من شأننا فعثرتْ
أم مسطح فى مرطها فقالت: تعِس مسطح. فقلت لها : بئس ماقلت،

- ٢٤ -
تسبّين رجلاً قد شهد بدراً؟ فقالت: أَيْ هَنَتَاه(١) أو لم تسمعى ما قال؟
قلت : وما ذاك ؟ قالت : فأخبرتنى بقول أهل الافك . فازددت مرضاً
إلى مرضى فلما رجعت إلى بيتى دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فسلم ثم قال : كيف تيكم؟ قلت: أتأذن لى أن آتى أبوىّ؟
قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبرمن قِبلهما. فأذِن لى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فجئت أبوىّ فقلت لأمى: ياأمّاه ما يتحدث الناس؟
فقالت: أىْ بُنّة هوّفى عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط حظيةً
عند زوجها(٣) ولها ضرائر إلا أكثرْنَ عليها القول. قالت: قلت: أَىْ
سبحان الله، وَقَدْ تُحدّث الناس بهذا؟
قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا ترقالى دمعة، ولا أكتحل
بنوم . ثم أصبحت أبكى.
ودها رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب وأسامة بن
زيد حين استلبث الوحي (١) يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة
ابن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذى يعلم من براءة
(١) كلمة تقال فى خطاب الأنثى. وفيها لغات أخرى. والحن: كناية عن
كل اسم جنس، ومعناه شىء ( أقرب الموارد).
(٢) ط : وضيئة عند رجل .
(٣) أبطأ .
-٠

- ٢٥ -
أهله وبالذي يعلم فى نفسه لهم من الودّ . فقال؟ يا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثم أهلك ولا أعلم إلا خيراً. وأما على بن أبي طالب
رضى الله عنه فقال: لن يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن
تسأل الجارية تصْدُقُك .
قالت: فدعارسول الله صلى الله عليه وسلم بِرِيرة فقال: أىْ بِرِيرة،
هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت له بريرةبلاوالذي بعثك
بالحق نبياً إن رأيت(١) عليها أمراً قط أغمصه عليها (٢) أكثر من أنها
جارية حديثه السن تنام عن عجين أهلها فيأتى الداجن فياً كله .
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبيّ بن
سلول فقال وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد
بلغنى أذاه فى أهل بيتى؟ فوالله ما علمت على أهلى إلا خيراً . ولقد
ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على
أهلى إلا معى .
فقام سعد بن معاذ الأنصارى فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله،
إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا
فقبلنا أمرك . قالت : فقام سعد بن عُبادة وهو سيد الخزرج وكان
(١) أى : ما رأيت .
(٢) أى أعيبه عليها .
%

- ٢٦ -
رجلاً صالحًاً ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: لعمرك لا تقتله
ولا تقدر على قتله .
فقام أسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد بن عبادة : كذبت، والله
لنقتلته . فإنك منافق يجادل عن المنافقين . فثار الحيّان الأوسُ والخزرج
حتى هموا أن يقتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر
فلم يزل رسول الله بنَ ي يخفضهم حتى سكتوا (وسكتَ).
قالت عائشة رضي الله عنها وبكَيتُ يومي ذلك لا ترقأُ لى دهمة
ولا أكتحل بنوم. ثم بكيت ليلتى المقبلة لا ترْ قألى دمعة ولا أكتحل
بنوم ، وأبواى يظنان أن البكاء فالق كبدى. قالت : فبينما هما جالسان
عندى وأنا أبكى استاذنتْ على امرأة من الأنصار ، فأذنتُ لها
نجسلت تبكى معي . فيينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فسلم ثم جلس عندى . قالت ولم يجلس عندى منذ قيل لى فىّ
ما قيل ، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه فى شأنى شىء . قالت فتشهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال : أما بعد ياعائشة فإنه
(قد) بلغنى عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله عز وجل،
وإن كنت هممت أو لمْتٍ بذنب فاستغفري الله عزوجل وتوبى إليه
فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه.
٠٠

- ٢٧ -
قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلُص دمعى
حتى ما أُحِسّ منه قطرة. فقلت لأبى: أجب عني رسول الله صلى الله
عليه وسلم. فقال: والله ما أدرى ما أقول لرسول الشهربع. فقلت لأى:
أجيبى عنى رسول الله فقلت : والله ما أدرى ما أقول لرسول الله
ربّ ؟ فقالت عائشة: وأناجارية حديثة السن لاأقرأ كثيراً من القرآن
على إنبى والله قد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر فى أنفسكم
وصدقتمْ بِه ولئن قلت لكم إنى بريئة والله عز وجل يعلم الى بريئة
لا تصدقونى وإن اعترفت لكم بأمر واللهُ يعلم أنى منه بريئة تصدّقونى
وإنى والله لا أجدلى ولكم مَثلاً إلا كما قال أبو يوسف ((فَصبرٌ جميلٌ
واللهُ المسْتَمَانُ على ما تَصِفِون))(١).
قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي . قالت: وأنا والله حينئذ
أعلم أنى بريئة وأن الله عز وجل مبرأى ببراءتى، ولكن والله ما كنت
أظن أن ينزل فى شأنى وحى يُلى ولَشأ فى كان أحقر فى نفسى من أز
يتكلم الله عز وجل فىّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم رؤیا یبرشی الله عز وجل بها.
قالت : فوالله مارام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج من
أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبيه، فأخذه ما كان ( يأخذه)
(١) يوسف ١٨.
٢٠

- ٢٨ -
من البُرَحاء عند الوحى حتى إنه كان ليتحدر منه مثل الجمان من العَرق
فى اليوم الشاتى من ثقل القول الذى أنزل عليه . قالت : فاما سُرّى
عنه يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك كان أول كلمة
تكلم بها أن قال أبشرى ياعائشة اما إن الله تعالى قد برأك. فقالت لى
أمى: قومى إليه فقلت: والله لاأقوم إليه ولا أحمد إلا الله تعالى وهو
الذى أنزل براءتى فانزل الله تعالى ( إن الذين جاؤا بالافك عصبةٌ
منكم (١) العشر الآيات(٢) ... فأنزل الله تعالى هذه الآيات براءتي.
فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه وكان ينفق على مسطح لقرابته
منه وفقره فقال والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً إن شاء الله تعالى بعد
الذى قال فى عائشة ماقال. فأنزل الله تعالى: ((ولا يأْتَل أُولوالفضْلِ
منكم والسّعةِ أن يؤتوا أولى القربى)) إلى قوله ((ألا تحبون أن يغفر
الله لكم والله غفور رحيم )). فقال أبو بكر الصديق إنى لأ حبُ أن
يغفر الله عز وجل لي. فرجع إلى مسطح نفقته التى كان ينفق عليه
وقال لاأنزعها منه أبداً .
قالت عائشة : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت
جحش عن أمرى ما علمت أو مارأيتِ أوما بلغكِ ؟ قالت : يارسول
الله صلى الله عليك أحمى سمعى وبصرى ، والله ماعلمت إلا خيراً .
(١) النور ١١.
(٢) في الاصل سبع عشرة آية ، وما ذكرناه موافق لما في صحيحي
البخاري ومسلم .

- ٢٩ -
قالت عائشة: وهى التى كانت تسامينى من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
فعصمها الله تعالى عنى بالورع وطفقت أختها خمنة بنت جحش تحارب
لها فهلکت فیمن هلك.
قال ابن شهاب : فهذا ماانتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط .
(أخرجاه فى الصحيحين)(١).
ذکر نبذة من کرمها وزهدها رضى الله عنها
عن عطاء قال: بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهى
قوّم مائة ألف فقسمته بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم:
وعن أم ذرة وكانت تغشى عائشة قالت بعث إليها ابن الزبير بمال فى
غِرارتين(٢) قالت: أراه ثمانين ومائة ألف، فدعَت بطبق وهى يومئذ
صائمة جلست تقسمه بين الناس فأمست وما عندها من ذلك درهم .
فلما أمست قالت: ياجارية هلميّ (٣) فِظْرى. فجاءتها بخبز وزيت،
فقالت لها أم ذرة أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشترى لنا بدرهم
(١) الحديث صحيح أخرجه البخاري في تفسير سورة النور، ومسلم في
التوبة باب حديث الافك ، والترمذي في تفسير سورة النور برقم ٣١٧٩.
(٢) الغرارة : ما يشبه الجوالق .
(٣) احضري وهاتي .

- ٣٠ -
لحماً نفطر عليه؟ فقالت (لها) لا تعنّفينى لو (كنت) ذكر تنى لفعلت.
وعن عروة قال : لقد رأيت عائشة تقسم سبعين ألفاً وهى
ترفع درعها .
ذكر نبذة من خوفها من الله تعالى
عن مالك بن الطفيل أن عائشة رضى الله عنها حدثت أن عبد الله
ابن الزبير قال فى بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهينّ أو الأحجرنّ
عليها. فقالت : أهو قال هذا؟ قالوا : نعم قالت هو لله على نذر أن
لا أكلم ابن الزبير أبداً . فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة
فقالت : والله لا أشفع فيه أبداً ولا اتحنث إلى ندرى أبداً فلما طال
ذلك على ابن الزبير كلّم المسور بن مخرمة وعبد الله(١) بن الاسود
بن عبد يغوث وهما من بنى زهرة بن كلاب وقال لهما أنشدكما الله إلاما
أدخلمانى على عائشة فإنها لا يحلّ أن تنذر قطيعتى.
فأقبل به المسور بن مخرمة وعبد الرحمن مشتملين بأرديهما حتى
استأذنا على عائشة رضى الله عنها فقالا: السلام عليك ورحمة الله
وبركاته، أندخل ؟ قالت عائشة: ادخلو . قالوا : كلنا ؟ قالت عائشة :
نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل بن الزبير
الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يقبل رأسها(٢) ويبكى . وطفق المسور
(١) ط : عبد الرحمن.
(٢) ط : يناشدها .

- ٣١ -
وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه ، ويقولان لها: إن النبى
صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة فإنه لا يحل لمسلم أن
يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام أو ليال. فلما أكثروا على عائشة من التذكرة
والتحريج طفقت تذكرهما وتبكى وتقول لهما إلى نذرت والنذر شديد
فلم يزالاها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت فى نذر ها ذلك أربعين رقبة وكانت
تذكر بذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل بدموعها خمارها . (انفرد
بإخراجه البخارى)(9)
ذكر تعبدها واجتهادها رضى الله عنها
عن عروة عن أبيه أن عائشة رضى الله عنها كانت تسرد الصوم.
وعن القاسم أن عائشة كانت تصوم الدهر ولا تفطر إلا يوم
أضحى أو ( يوم) فطر .
وعنه قال: كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة أسلم عليها . فغدوت
يوماًفإِذا هى قائمة تسبح وتقرأ: ((فنّ اللهُ علينا ووقانا عذابَالسَّموم))(٢)
وتدعو وتبكى وتردّدها . فقمت حتى مللت القيام فذهبت إلى السوق
لحاجتى ثم رجعت فإذا هى قائمة كما هى، تصلى وتبكى.
(١) الحديث أخرجه البخاري في الادب باب الهجرة وقول النبي :
لا يحل لمسلم .
(٢) الطور ٢٧.

- ٣٢ -
ذكر طرف من مع اعظها ىكلا مها
عن عامر قال : كتبت عائشة إلى معاوية: أما بعد فإن العبد إذا
عمل بمعصية الله عز وجل عاد حامده من الناس ذاماً.
وعن إبراهيم عن عائشة رضى الله عنها قالت: إنكم لن تلقوا الله
بشىء خير لكم من قلة الذنوب فمن سرّه أن يسبق الدائب المجتهد
فليكف" نفسه عن (كثرة) الذنوب.
ذكر غزارة علمها رضى الله عنها
عن أبي موسى الأشعرى قال؛ ما أشكل علينا أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة عنه إلا وجدنا عندها
منه علماً.
وعن مسروق قال : نحلف بالله لقد رأينا الأ كابر من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عائشة عن الفرائض.
وعن عروة عن أبيه قال: ما رأيت أحداً من الناس أعلم بالقرآن
ولا بفريضة ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا يحديث العرب
ولا بنسب من عائشة رضى الله عنها .
وعن هشام بن عروة قال : كان عروة يقول لعائشة : يا أمّا
لا أعجب من فقهك ، أقول زوجة رسول الله ريت وابنة أبى بكر ،

- ٣٣ -
ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام العرب . أقول ابنة أبى بكر ، وكان
أعلم الناس أو من أعلم الناس ، لكن أعجب من علمك بالطب. قال ؟
فضربتْ على منكبه وقالت: أىْ عروة إن رسول الله بي كان
بسقم عند آخر عمره أو فى آخر عمره ، فكانت تقدم عليه وفود
العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات فكنت أعالجها فمن ثمّ .
وعن سفيان بن عيينه قال : قال الزهرى: لو جمع علم عائشة إلى
علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجميع النساء كان علم عائشة
رضى الله عنها أكثر.
ذكر فصاحتها رضى الله عنها
عن هشام بن عروة، لا أدرى ذكره عن أبيه أم لا (الشك من أبى
يعقوب) قال : بلغ عائشة رضى الله عنها أن أقواماً يتناولون من
أبى بكر رضى الله عنه فأرسلت إلى أزْفَة منهم . فلما حضروا سَدلت
أستارها ثم دنت حمدت الله تعالى وصلّت على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم
وعذلتْ وفرعت . ثم قالت :
أبى وما أَبِّهْ؟ أبى والله لا تَعَطُوه الأيدى، ذاك طَوْدٌ مُنِيف وفَرْعٍ
مدِيدِ، هيهاتٍإكذبت الظنون أنجحَ إِذْ أْ كَدْيِمُ وسبقَ إِذْ وَنَّمْ.
سَبْقَ الجوادِ إذا استولى على الأمد. فتى قريش ناشئاً وكهفُها كهلاً،
يفكّ عانيها، ويريش مُمْلِقَها ويرأب شَعْبها حتى حَلِيَتْه قلوبها، ثم استشرى
( م ٣ - صفة الصفوة)

- ٣٤ -
فى الله تعالى فما برحت شكيمته فى ذات الله تعالى حتى اتخذ بفنائه مسجداً
يحيى فيه ما أمات المبطلون. وكان رحمه الله غزير الدمعة وقيذ الجوارح
شجىّ النشيج فأنقصفَتْ(١) إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه
ويستهزئُون به (اللهُ يَسْتَهْزِىُّ بِهِمْ وَيَمُدُّمْ فِى طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُون(٣)
فأ كبرت ذلك رجالات قريش فنَت له فسيها، وفوّقَتْ له سهامها
وأَنَتُه غَرَضَاً فما فلوا له صَفَاةً ولا قصَفوا له قناةً ومرّ على سيسائه حتى
إذا ضرَب الدين بجرانه ألقى بَرْ كَه ورسَت أوتادُه، ودخل الناس فيه
أفواجاً، ومن كل فرقة أرسالاً وأشتاتا . اختار الله ( عز وجل ) لنبيه
◌ُِّ ما عنده، فلما قُبِض ◌ِّ نصب الشيطان رواقه ومدّ طَنِيه ونصَب
حبائله وظنّ رجال أن قد تحققت أَطماعهم، ولات حين مناص، وأنى
الصدّيق بين أظهرُم، فقام حاسراً مشمراً لجمع حاشيته ورفع قطريه
فردّ نشر الاسلام على غَربه، ولمّشَعثه بطيّه وأقام أوده بثقافه، فانْفَر
النفاق بوطأته(٣) وانتاش الدّين فنعشه، فلما أراح الحق إلى أهله وقرّر
الرؤوس على كواهلها وحقن الدماء فى أهَبهاء أنته مينته فسد ثلمته بنظيره
فى المرحمة وشقيقه في السيرة والمعدلة. ذاك عمر بن الخطاب،الله أم حملت
به ودرّت عليه لقد أوحدت به ففنَخَ الكفرة ودّيخها، وشرّد الشِّرْكَ
(١) اندفعت وتتابعت. وفى الغائق: ((فانصفقت)) أى فأقبلت وفى ط :
((فانقضت )) تحريف .
(٠) البقرة ١٥ .
(٣) ق : فاندق قون النفاق بعطائه .
(٤) ط : وأقر .

- ٣٥ -
شَذَرَ مِذَرَ وبَعَج الأرض وبخَها فقاءت أكلها ولفظت خبيها تَرْ أَمُه
ويصدف عنها ، وتصدَّى له ويأباها (ثم) ورع فيها وودعها كما
صحبها فأرونى ما تريبون وأى يوم تنقمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم
٥
أم يوم ظمنه فقد نظر لكم ؟ أستغفر الله العظيم لى ولكم - وقد روى
هذا الحديث جعفر بن عون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
رضى الله عنها.
تفسير كلمات غريبة فيه
الأزْفَلة: الجماعة، وتَعَطوه: تَنَاوَ لَه، والّود: الجبل، والمنيف:
المشرف، وأكديتم: خْم وُبَيْس من خيركم - وَنَّمَ: فَتَرْتَم،
والأمد: الغاية، والمعلق: الفقير - ويرأب: يجمع، والشَّعْب:
المتفرق، واستشرى: احتدّ، والشكيمة: الأنَفَة والحمّة ، والوَقيذ:
العليل، والجوارح: معروفة وفى رواية: الجوائح. وهي الضلوع القصار
التى تقرب من الفؤاد ، والشجىّ الحزين ، والنشيج صوت البكاء ،
وانتثلوه: مأخوذ من الّثلة وهى الجَعْبة(١) وفلوا: كسروا، والصَّفاة
الصخرة الملساء ، وقولها : على سيسائه: أى على شده، والجران؛
الصّدر وهو البَرّك، ومعنى فرفع حاشيته وجمع قطريه (٢) تحزَّم للأمر
(١) الجعبة ( بفتح الجيم ) : كنانة النشاب .
(٢) كذا فى جميع النسخ والذى تقدم: (( فجمع حاشية ورفع))

- ٣٦ -
وتأهب . والقطر: الناحية ، فرد نشر الإسلام على غربه (١) كذا وقع
ھُ
فى الرواية والصواب على غَرِّه أى على طيّه (٢) والأوَد العَوج، والثِقاف
تقويم الرماح وغيرها ، واندفر تفرّق، وانتاش الدّين أنى أزال عنه
ما يُخاف عليه، ونَشَهُ رفعه، فَنَخَ الكفرةَ أي أذْلها، ودَيِها: أى
دوّخها - وفى رواية: ذّها، بالنون، أى صفّرها، شذَرَ (مذَر) أى
تفريقاً، وبعج الأرض أى شقّها، وكذلك تَخَعها، وتَرْأَمَهُ، أى
تعطف عليه ، وتصدى له : تعرّض .
وعن الأحنف بن قيس قال : سمعت خطبة أبى بكر الصديق
وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب ، فما سمعت
الكلام مِن فى مخلوق أحسن ولا أفخم من فى عائشةَ رحمة الله عليهم اجمعين(٣).
وعن سفيان قال: سأل معاوية زياداً: أىّ الناس أبلغ؟ قال : أنت
ياأمير المؤمنين . قال: أعزم عليك. قال: إذا عزمتَ على فعائشة .
فقال معاوية : ما فتحت بابًا قط تريد أن تغلقه إلا أغلقته ولا أغلقت
باباً قط تريد أن تفتحه إلاّ فتحته .
(١) ق : شرق الإسلام على غرب .
(٢) الغرّ ( بفتح الغين ): كل كسر متثنٍ فى ثوب أو جلد ، يقال: طويت
الثوب على غرّه، أى كسره الأول . فى ◌ُرور .
(٣) ط: رضى الله عنها.
١

- ٣٧ -
ذكر وفاة عائشة رضى الله عنها
عن ذكوان حاجب عائشة أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على
عائشة فجئت وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن فقلت :
هذا ابن عباس يستأذن . فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال: هذا
ابن عباس. فقالت: دعنى من ابن عباس. فقال لها: يا أماه إن ابن عباس
من صالحى بنيك يسلم عليك ويودعك . فقالت : ائذن له إن شئت .
فادخلتُهُ (فلما دخل )(١) قال أبشرى فما بينك وبين أن تلقَى محمداً
صلى الله عليه وسلم والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد. كنت
أحبَّ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم يكن رسول الله (َلّى يحب إلا طيباً وسقطتْ قلادتك ليلة
الأبواء فأصبح رسول الله عَلّه حتى تصبح فى المنزل وأصبح الناس ليس
معهم ماء فأنزل الله عز وجل: ((فتيمموا صعيداً(٣))) فكان هذا من
سببك (٣) وما أنزل الله عز وجل لهذه الأمة من الرخصة ، وأنزل
الله عز وجل براءتك من فوق سبع سموات جاء به الروح الأمين فأصبح
ليس مسجدٌ من مساجد الله عز وجل يُذكر فيه الله إلا تتلى فيه آناء
الليل وآناء النهار .
(١) قط : جلس.
(٢) النساء ٤٣ والمائدة ٦ .
(٣) قط : فكان ذلك فى سبيلك .
٨

- ٣٨ -
فقالت : دعنى منك يا ابن عباس ، فو الذى نفسى بيده لوددت
أنى كنت نسياً منسيّاً .
قال الواقدى: توفيت عائشة رضى الله عنها ليلة الثلاثاء لسبع عشرة
من رمضان سنة ثمان وخمسين وهى ابنة ست وستين سنة .
وقال غيره: توفّت سنة سبع وخمسين وأوصت أن تُدفَن بالبقيع
مع صواحباتها ، وصلّى عليها أبو هريرة، وكان خليفةً مروان بالمدينة.
وعن هشام بن عروة قال : مات أبو هريرة وعائشة سنة
سبعٍ وخمسين .
٢٨ - حفصة بنت عمر بن الخطاب
رضى الله عنهما
١
كانت عند خنيس بن حُذافة السهمى ، وهاجرت معه إلى المدينة
فمات عنها بعد الهجرة مقدَمَ النبي ◌ُ ◌ّ من بدر. فخلف عليها رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب قال : تأيمتْ حفصة بنت عمر
من خنيس بن حذيفة أو حذافة (شكّ عبد الرزاق) وكان من أصحاب
رسول الله م لتم ممن شهد بدراً فتوفى بالمدينة .
قال عمر : فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقلت : إن

- ٣٩ -
شئت أنكحتُك حفصة. فقال: سأنظر فى ذلك. فلبثتُ ليالى، فلقينى
فقال: ما أريد أن أتزوج يومى هذا. قال عمر فلقيتُ أبا بكر فقلت
إن شئت أنكحتُك حفصة . فلم يرجع إلى شيئاً فكنت أوجَد عليه
منى على عثمان. فلبثت ليالىَ فخطبها إلى رسول الله ◌َّ فأنكحتها إياه
فلقينى أبو بكر فقال: لعلك وجدت على حين عرضتَ علىّ حفصة فلم
أرجع إليك شيئًا؟ قال: قلت نعم . قال: فإنه لم يمنعنى أن أرجع إليك
شيئاً حين عرضها على إلا أنى سمعت رسول الله عز ◌ّ يذكرها ولم
أكن لأفشى سرّ رسول الله ◌َّ ولو تركها لنكحتها (الفرد
بإخراجه البخارى ))
وعن قيس بن زيد أن النبى ◌ُ طلق حفصة بنت عمر فدخل عليها
خالاها قدامة وعثمان ابنا مظّعون، فبكتْ وقالت : والله ماطّقنى عن
شِبَع، وجاء الغبى ◌َّ فتجلبيت . قال : فقال لى جبرئيل عليه السلام:
راجع حفصة فإنها صوّامة قوّمة وإنها زوجتك فى الجنة(٢).
عن عمار بن ياسر قال: أراد رسول الله ◌ّ أن يطلق حفصة نجماء
جبريل عليه السلام فقال: لا تطلّقها فإنها صوّامة قوّمة وإنها
زوجتك في الجنة(٣) .
(١) أخرجه البخاري في النكاح باب عرض الانسان ابنته او اخته على
اهل الخير، والنسائي ٨٣/٦.
(٢) الحديث صحيح أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ، مجمع
الزوائد ٢٤٥/٩ .
(٣) الحديث ضعيف ، اخرجه البزار والطبراني . وفي اسناده الحسن
بن أبي جعفر وهو ضعيف ، كما في مجمع الزوائد ٢٤٤/٩.

- ٤٠ -
قال الواقدى : توفيت حفصة فى شعبان سنة خمس وأربعين فى خلافة
معاوية وهى ابنة ستين سنة . وقيل : ماتت فى خلافة عثمان بالمدينة .
١٢٩ - أم سلمة واسمها هند بنت
أبى أمية، واسمه سهيل
ويقال له زاد الرّكْب بن المغيرة بن عبد الله بن عمروبن مخزوم
وكانت عند أبى سامة بن عبد الأسد فيها جربها إلى أرض الحبشة الهجرتين
جميعاً. ومات أبو سامة سنة أربع من الهجرة فتزوجها رسول الله برج .
عن ابن أم سلمة أن أبا سامة جاء إلى أم سلمة فقال: لقد سمعت من
رسول الله وَ لَ حديثاً أحبّ إلى من كذا وكذا لا أدرى ما عدل به .
سمعت رسول الله الى يقول: (( لا يصيب أحداً مصيبة فيسترجع عند
ذلك ويقول اللهم عندك أحتسب مصيبتي هذه، اللهم اخلفنى فيها خيراً
منها، إلا أعطاه الله عز وجل !"
قالت أم سلمة : فلما أُصِبت بأبى سلمة قلت : اللهم عندك أحتسب
مصيحتى هذه. ولم تطب نفسى أن أقول: اللهم اخلفنى فيها بخير منها .
ثم قالت مَن خير من أبى سامة أليس أليس(٢)؟ ثم قالت ذلك.
فلما انقضت عِدّتها أرسل إليها أبو بكر يخطبها فأبت. ثم أرسل
(١) أخرجه أبو داود وابن ماجة في الجنائز، والترمذي في الدعوات
برقم ٣٥٠٦ والامام احمد ٢٧/٤ و٠٣١٣/٦
(٢) ق : اليسر اليسر .