النص المفهرس

صفحات 561-580

٣٦
ـه
٥٦١
ج ١
فتيانه حين حضرته الوفاة فقال : اذهبوا فاحفروا وأوسعوا وأعمقوا .
فجاؤوا فقالوا: قد حفرنا وأوسعنا وأعمقنا . فقال: والله إنها لإحدى
المنزلتين : أما لَيوسعَنّ على قبري حتى يكون كل زاوية منه أربعين
ذراعاً ، ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة فلأنظرن إِلى أزواجي ومنازلي
وما أعدّ الله عز وجل لي من الكرامة ، ثم ليصيبني من ريحها
ورَوْحها حتى أبعث ، ولئن كانت الأخرى - ونعوذ بالله منها -
ليضيقنَّ على قبري حتى أكون في أضيقَ من القناة في الرُّجُ(١)،
ثم ليفتحنّ لي باب من أبواب جهنم فلا نظرن إِلى سلاسلي وأغلالي
وقرنائي ، ثم ليصيبني من سمومها وجميعها حتى أبعث .
وعن أبي بردة قال: لما حضرت أبا موسى الوفاةُ قال : يابَنِيّ
اذكروا صاحب الرغيف . قال : كان رجل يتعبد في صومعته ، أراه
قال سبعين سنة ، لا ينزل إلا في يوم واحد . قال فشبّه أو شب
الشيطان في عينه امرأة. قال. فكان معها سبعة أيام أو سبع(٣) ليال.
قال : ثم كشف عن الرجل غطاؤه فرج تائباً . فكان كلما خطا
(١) الزُجّ: الحديدة التي في أسفل الرع.
(٢) صف : تسعة .

٥٦٢
خطوة صلى وسجد فآواه الليل إلى دكان عليه اثنا عشر مسكيناً فأدركه
الاعياء فرمى بنفسه بين رجلين منهم وكان ثمَّ راهب يبعث اليهم كل
ليلة بأرغفة فيعطي كل إنسان رغيفاً . نجاء صاحب الرُّغف فأعطى
كل إِنسان رغيفاً . فقال المتروك لصاحب الرغف : مالك لم تعطني
رغيفي؟ قال: أتراني أمسكه (١) عنك؟ سل هل أعطيتُ أحداً منكم
رغيفين ؟ قالوا : لا . قال: أتراني أمسكه (١) عنك؟ والله لا أعطيك
الليلة شيئاً. فعمد التائب إِلى الرغيف الذي دفعه اليه فدفعه الى الرجل
الذي تُك. فأصبح التائب ميتاً. قال : فوزنت السبعون سنة بالسبع
ليالي(٢) فرجحت الليالي . فوزن الرغيف بالسبع الليالي فرجح الرغيف،
فقال أبو موسى : يابني اذكروا صاحب الرغيف ، رضي الله عنه .
قال : أصحاب(٣) السير : توفي أبو موفى سنة اثنتين وخمسين ،
وقيل: اثنتين وأربعين . وقيل: أربع وأربعين. ودفن بمكة . وقيل
دفن بالشّويّة على ميلين من الكوفة .
(١) قط والمختصر : أمسكته.
(٢) كذا . وفي المختصر (١٠١): ((بالسبع الليالي» وهو ما ذكر بعدُ
والأحسن في مثل هذا أن يعرف المعدود باللام فيقال: ((بسبع الليالي ».
(٣) قط : أهل .

2
٥٦٣
٦١ - ياسر بن عامر بن مالك (أبو عمار)
قدم مكة خالف أبا حذيفة بن المغيرة فزوجه أبو حذيفة أمةً له
يقال لها سُميّة بنت خياط(١) فولدت له عمّاراً. رحمهم الله .
ثم جاء الله بالاسلام فأسلم ياسر وعمّار . فلما أسلم ياسر أخذته
بنو مخزوم فجعلوا يعذبونه، ليرجع عن دينه .
قال عثمان بن عفان: أقبلتُ أنا ورسول الله عَ جِ وهو آخذ
بيدي حتى أتينا على أبي عمار وعمار وأمه وهم يعذبون . فقال ياسر :
الدهر هكذا. فقال النبي عمّ: اصبر(٢) اللهم اغفر لآل ياسر وقد
فعلتَ(٣) . رضى الله عنه .
٦٢ - عبد الله بن عمر بن الخطاب
يكنى أبا عبد الرحمن . أمه زينب بنت مظعون. أسلم بمكة
(١) في الاصابة: خباط بضم الخاء المعجمة وتشديد الموحدة .
(٢) قط : صبراً .
(٣) الحديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند .

٥٦٤
مع أبيه ولم يكن بالغاً حينئذ وهاجر مع أبيه إلى المدينة وعُرض على
رسول الله عَليه يوم بدر فردّه ويوم أحد فرده لصغر سنه. وعُرض
عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه .
عن نافع عن ابن عمر أن النبي مَّ ◌ُّ عرضه يوم أحد وهو ابن
أربع عشرة فلم يجزه ، ثم عرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة
فأجازه .
وعن سالم عن ابن عمر قال : كان الرجل في حياة رسول الله
له
إِذا رأى رؤيا قصتها على الني صَّة. قال: وكنت غلاماً شاباً
عزباً فكنت أنام في المسجد على عهد رسول ◌ٍَّ . فرأيت في النوم
كأن ملكين أخذاني فذهبا بي الى النار فاذا هي مطوية كلي البئر
وإِذا لها قرنان وأرى فيها ناسا قد عرفتهم جعلت أقول : أعوذ بالله
من النار أعوذ بالله من النار. فلقيهما ملك آخر فقال لي: لن تُرع»(١)
(١) كذا بالجزم والوجه النصب لوجود (أن ) قبل الفعل. وتوجيه ذلك أن
تكون سكون عين ( تراع ) للوقف ثم شبهه بسكون المجزوم فذف
الألف قبله ، كما تحذف قبل سكون المجزوم ، ثم أجرى الوصل مجرى
الوقف . ويجوز أن يكون السكون سكون جزم ، على لغة من يجزم
بلن ، وهي لغة حكاها الكسائي ( شواهد التوضيح ١٦٠ ) وانظر مني
اللبيب ( الأداة : لن ) .

٥٦٥
فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله مَّةٍ فقال: ((نعم
الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)) ، قال سالم: فكان
عبد الله بعد لا ينام من الليل إلا قليلا. ( أخرجاه في الصحيحين)(١)
وعن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: رأيت في المنام كأن
بيدي قطعة من إستبرق ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إِلا طارت
بي اليه. فقصّتها حفصة على الني مَّة فقال: إن أخاك رجل صالح
أو إِن عبد الله رجل صالح. (أخرجاه في الصحيحين)(٢).
وعن أبي الزناد قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله
بنو الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا تمنوا . فقال عبد الله بن الزبير: أما
أنا فأتمنى الخلافة . وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم ،
وقال مصعب : أما أنا فأتخى إِمرة (٣) العراق والجمع بين عائشة بنت
طلحة وسكينة بنت الحسين . قال عبد الله بن عمر : أما أنا فأنى
المغفرة .
(١) الحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في فضائل عبد الله بن عمر.
(٢) الحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم والترمذي في فضائل ابن عمر .
(٣) المختصر (١٠١): إمارة.

١
٥٦٦
قال . فنالوا ماتمنوا ، ولعل ابن عمر غفر له .
وعن نافع قال : دخل ابن عمر الكعبة فسمعته وهو ساجد
يقول: قد تعلم ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك.
عن طاوس قال: مارأيت رجلاً أورع من ابن عمر ، ولا
رأيت رجلاً أعلم من ابن عباس .
وقال سعيد بن المسيب: لو كنت شاهداً لرجل(١) من أهل
العلم أنه من أهل الجنة لشهدت لعبد الله بن عمر .
وعن عروة قال : سئل ابن عمر عن شيء فقال: لاعلم لي به.
فلما أدبر الرجل قال لنفسه : سئل ابن عمر عما لا علم له به فقال
لا علم لي به .
وعن نافع أن رجلاً سأل ابن عمر عن مسألة فطأطأ رأسه ولم
يجبه حتى ظن الناس أنه لم يسمع مسألته. فقال له : يرحمك الله
أما سمعت مسألتي ؟ قال بلى ولكنكم كأنكم ترون أن الله تعالى ليس
بسائلنا عما تسألونا عنه ، اتر كنا رحمك الله حتى تفهم في مسألتك ،
فان كان لها جواب عندنا وإلا أعلمناك أنه لا على لنا به .
(١) قط والمختصر (١٠١): لأحد.

....
٥٦٧
وعن ابراهيم قال: قال عبد الله: إِن أَمْلكَ شباب قريش
لنفسه عن الدنيا عبدُ اللّه ابن عمر.
وعن محمد قال : نبئت أن ابن عمر كان يقول: إِني لقيت
أصحابي على أمر، وإني أخاف إن خالفتهم أن لا ألحق بهم .
وعن سعيد بن المسيب قال : كان أشْبَهَ ولَدِ عمر بعمر
عبدُ الله ، وأشبه ولد عبد الله بعبد الله سالم .
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال : ماناقة أضلّت فصيلها في
فلاة من الأرض بأطلبَ لأثرها من ابن عمر لعمر بن الخطاب .
وعن المطعم بن مقدام الصنعاني قال: كتب الحجاج بن يوسف
إلى عبد الله بن عمر : بلغني أنك طلبت الخلافة ، وإِن الخلافة لا تصلح
لِعَيّ(١) ولا يخيل ولا غَيور.
فكتب إليه ابن عمر: أما ماذكرت من أمر الخلافة أني طلبتها
فما طلبتها وما هي من بالي، وأما ماذكرت من العيّ والبخل والغيرة
فانّ من جمع كتاب الله عز وجل فليس بعي ومن أدى زكاة ماله
(١) العيّ (بفتح العين ): الذي يعجز عن إحكام النطق.
٠٠
.. ..
..- ---

٥٦٨
فليس ببخيل . وأما ماذكرت فيه من الغَيْرة فان أحقّ ماغرتُ
فيه ولدي ، أن يشر كني فيه غيري .
وعن عائشة قالت : مارأيت أحداً ألزم للأمر الأول من
عبد الله بن عمر .
وعنها قالت: مارأيت أحداً أشبه بأصحاب رسول الله عَ ل الذين
دفنوا في النمار(١) من عبد الله بن عمر.
وعن عبد الله بن أبي عثمان قال : كان عبد الله بن عمر أعتق
جاريته التي يقال لها رُمَيئة ، فقيل: إني سمعت الله عز وجل قال في
كتابه: ( لن "نالوا البِرّ حتى تُنفِقوا مما تحبون)(٢) وإني والله
إن كنت لأحِبُّك في الدنيا . اذهبي فأنت حرة لوجه الله .
وعن حمزة بن عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر قال :
خطرت هذه الآية ((لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما يحبّون))
فتذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئاً أحب إلي من جاريثي رميئة،
فقلت : هذه حرة لوجه الله فلا أعود في شيء جعلتُه لله، ولولا ذلك
(١) اسم موضع اختلف في تحديده.
(٢) آل عمران ٩٢.
١

٥٦٩
لنكحتها (١) . فأنكحها نافعاً وهي أم ولده .
قال: وعن نافع قال : كان ابن عمر إِذا اشتد مجيه بشيء من
ماله قرّبّه لربه (٢) عن وجل . قال نافع : كان رقية ) قد عرفوا ذلك
منه فربما شمر أحدهم فلزم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال
الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه: يا أبا عبد الرحمن والله ما بهم إِلا أن
يخدعوك . فيقول ابن عمر : فمن خدعنا بالله انخدعْنا له .
قال نافع: فلقد رأيتنا ذات عشية وراح ابن عمر على نجيب (٣)
له قد أخذه مال فلما أعجبه سيره أماخه مكانه ثم نزل عنه فقال : يا نافع
انزعوا زمامه ورحله وجللوه وأشعروه وأدخلوه في البُدْن(٤).
وعن سعيد بن أبى هلال أن عبد الله بن عمر نزل الجحفة وهو
شأكٍ فقال : إني لأشتهي حيتاناً. فالتمسوا له فلم يجدوا إِلا حوناً
(١) قط: ((فلولا أني لا أعود في شيء جعلته الله لنكحتها)).
(٢) قط : لوجه الله .
(٣) جمل كريم الأصل .
(٤) أشعره: جعل له علامة. والبدنة (بفتح الدال ): الناقة المسمّنة .
وإشعار البُدن ( بضم الباء ) : أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى
يسيل دمها ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هدي، أي مهيأة للنحر .

٥٧٠
واحداً فأخذته امرأته صفية بنت أبي عبيد فصنعته ثم ق بته اليه .
فأتى مسكين حتى وقف عليه فقال له ابن عمر : خذه . فقال أهله :
سبحان الله قد عنيتنا ومعنا زاد نعطيه . فقال : إِن عبد الله يحبه .
وعن أبي بكر بن حفض قال: لما اشتكى ابن عمر انتهى (١)
حوناً فصُنع له . فلما وُضع بين يديه جاء سائل فقال: أعطوه الحوت
فقالت امرأته : نعطيه درهماً فهو أنفع له من هذا واقض أنت
شهوتك منه . فقال : شهوتي ما أريد .
وعن نافع ، عن ابن عمر أنه كان لا يعجبه شيء من ماله إلا
خرج منه الله عز وجل. قال: وربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين
الفاً : قال : وأعطاه ابن عامر مرتين ثلاثين ألفاً ، قال : فقال ابن
عمر : يا نافع إني أخاف أن تفتني درام ابن عامر، اذهب فأنت حر .
وكان لا يدمن اللحم شهراً إلا مسافراً أو رمضان . قال :
وكان يمكث الشهر لا يذوق فيه مُزْعة(٢) لم.
وعن ميمون بن مهران قال: أنت ابنَ عمر اثنان وعشرون
(١) قط: ((قال: اشتكى ابن عمر فاشتهى)).
(٢) المُزعة : القطعة .

٥٧١
الف دينار في مجلس فلم يقم حتى فرقتها .
وعن عاصم بن محمد ، عن أبيه ، قال : أعطي ابن عمر بنافع
عشرة آلاف أو الف دينار فقلت : يا أبا عبد الرحمن فما تنظر (١) أن
تبيع ؟ قال : فهلا ما هو خير من ذلك؟ فهو حر لوجه الله عز وجل
( روى هذه الثلاثة أحاديث الإِمام أحمد ) .
وعن أبي بكر بن حفص أن عبد الله بن عمر كان لا يأكل
طعاماً إِلا وعلى خوانه يتيم ( رواه عبد الله بن أحمد ).
وعن نافع قال: مامات ابن عمر حتى أعتق الف إنسان أو زاد.
وعنه قال : أني ابن عمر ببضعة وعشرين ألفاً فما قام من مجلسه
حتى أعطاها وزاد عليها. قال : ولم يزل يعطي حتى أنفد ما كان عنده
فجاءه بعض من كان يعطيه فاستقرض من بعض من كان أعطاه
فأعطاه إياه .
وعنه قال: كان يرسل إلى عبد الله بن عمر بالمال فيقبله ويقول:
لا أسأل أحداً شيئاً ولا أردّ ما رزقني الله .
(١) المختصر (١٠٢): ما تنتظر.

٥٧٢
وعنه قال : كان ابن عمر يقبض على لحيته ويأخذ(١) ما جاوز
القبضة .
وعنه أن معاوية بعث إلى ابن عمر بمائة الف فلما أراد أن يبايع
ليزيد قال: أرى ذلك أراد، إِن ديني عندي إِذاً لرخيص (رواه محمد
ابن سعد ) .
وعنه أن معاوية بعث إلى ابن عمر بمائة الف فما حال الحول
وعنده منها شيءٍ .
وعن أبي الوازع قال : قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير
ما أبقاك الله لهم . قال : فغضب ثم قال: إني لأحسبك عراقياً وما
يدريك ما يغلق عليه ابنُ أَمّك(٢) بابه .
عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، عن نافع أن
ابن عمر اشتكى فاشتري له عنقود عنب بدرم نجاء مسكين فقال :
أعطوه إِياه . مخالف اليه(٣) إِنسان فاشتراه منه بدرهم ثم جاء به اليه .
(١) قط : ثم يأخذ .
(٢) أي أخوك ، يعني نفسه .
(٣) خالف اليه : قصده .
.

٥٧٣
فجاءه المسكين يسأل فقال : أعطوه اليه. ثم خالف اليه إِنسان فاشتراه
منه بدرم ، فأراد أن يرجع تُنِحَ ولو علم ابن عمر بدلك العنقود
ماذاقه .
وفي رواية أخرى: اشتهى ابن عمر عنباً وهو مريض، فذكر
نحو ذلك .
وعن ميمون بن مهران أن امرأة ابن عمر عوتبت فيه فقيل
لها : ما تلطّفين هذا الشيخ ؟ قالت : فما أصنع ؟ لا نصنع له طعاماً
إلا دعا عليه مَن يأكله (١). فأرسلتْ إِلى قوم من المساكين كانوا
يجلسون بطريقه إذا خرج من المسجد فأطعمشهم وقالت لهم لاتجلسوا
بطريقه ثم جاء إلى بيته فقال : أرسلوا إِلى فلان وإِلى فلان . وكانت
امرأته أرسلت اليهم بطعام وقالت إِن دحاكم فلا تأتوه . فقال ابن
عمر : أردتم أن لا أتعشى الليلة . فلم يتعشّ تلك الليلة .
وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال : لو أن طعامًاً كثيراً كان
عند عبد الله بن عمر ماشبع منه بعد أن يجد له آكلاً . فدخل عليه
ابن مطيع يَعوده فرآه وقد نَحُل جسمه فقال لصفية: ألا تلطّفيه ؟
(١) طلب من يأكل ، ودعاه إلى الطعام.

٥٧٤
فلعله أن يرتد اليه جسمه ، تصنعين له طعاماً. قالت: إِنا لنفعل ذلك
ولكنه لا يدع أحداً من أهله ولا من يحضره إِلا دعاه عليه فكلمه
أنت في ذلك . فقال ان مطيع : يا أبا عبد الرحمن لو اتخذت طعاماً
فرجع اليك جسمك . فقال: إِنه ليأتي علىّ ثمان سنين(١) ما أشبع
فيها شبعة واحدة . - أو قال : لا أشبع فيها إِلا شبعة واحدة -
فالآن تريد أن أشبع حين لم يبق من عمري إلا ظُمْ؛ حمار(٢).
وعن عبد الله بن عدّي - وكان مولىَ لا بن عمر - أنه قدم
من العراق نجاءه فسلم عليه فقال : أهديتْ لك هدية . قال : وما
هي ؟ قال : جوارش(٣) . قال: وما جوارش؟ قال : يهضم الطعام .
قال : ما ملأتُ بطنى طعامًاً منذ أربعين سنة ، فما أصنع به ؟
وعن ميمون بن مهران أن رجلاً من بني عبد الله بن عمر
استكساه إِزاراً وقال: قد تخرّق إزاري. فقال: ارقع(٤) إِزارك .
(١) قط : ثمانون سنة .
(٢) أي مدة عطش الحمار . والظيمء: العطش.
(٣) كذا ، ولم يذكرها صاحب القاموس واللسان .
(٤) قط : اقطع .

٥٧٥
ثم البسه ، فكره الفتى ذلك فقال له عبد الله : ويحك اتق الله ولا
تكونَ من القوم الذين يجعلون مارزقهم الله عز وجل في بطونهم
وعلى ظهورهم .
وعن سفيان قال: أراد أن عمر مرّة الصَّدَر (١) من مكة
فانخذ له ان صفوان سُفرةً(٢) من نقىَ وفالوذج وأخبصة(٣) وبعث
بها إليه فأتي بها فلما نظر اليها بكى وقال: ما هكذا كنا ، ماشبعتُ
منذ أسلمت ، وأمر بها فقسمت على أهل الماء ، ودعا بسفرته وقال
لا خير إلا فيما يقى نفعه غداً .
وعن القاسم بن أبي بزة(٤) قال: حدثني من سمع ابن عمر قرأ
(وَيْلُّ للمطفّفِين)) حتى بلغ ((يوم يقوم الناس لرب العالمين))(٥).
قال: فبكى حتى حنّ وامتنع من قراءة مابعد .
(١) الرجوع أو السفر .
(٢) السُفرة : طعام المسافر .
(٣) النقى : كل عظم ذي خ . ج أنقاء . والخبيص : الحلواء المخبوصة.
(٤) صف : ابن أبى قرة.
(٥) المطففين (١ - ٦).

٥٧٦
وعن البراء بن سليم قال : سمعت نافعاً يقول : ماقراً ان عمر
هاتين الآيتين قطُ من آخر سورة البقرة إِلاَ بكى ((وإِنْ تُبْدُوا
ما في أنفُسِكم أو تُخْفوه)) (١) ثم يقول: إِن هذا لإحصاء شديد
( رواهما الامام أحمد ) .
وعن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال : جاء سائل الى ان
عمر، فقال لابنه : أعطه ديناراً . فلما انصرف قال له ابنه تقبَّل الله
منك يا أبتاه . فقال : لو علمتُ أن الله يقبل مني سجدة واحدة
وصدقةَ درمٍ لم يكن غائب أحبَّ إِلى من الموت ، أندري ممن
يتقبل؟ انما يتقبل الله من المتقين.
وعن مجاهد قال : صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان
يخدمني أكثر .
وعن وهيب أن ابن عمر رحمه الله باع جملاً فقيل: لو أمسكته
فقال : لقد كان موافقاً ولكنه أذهب شُعبةً من قلبي فكرهت أن
أشغل قلي بشيء ( رواهما الأمام احمد ) .
وعن محمد(٢) بن زيد أن أباه أخبره أن عبد الله بن عمر كان
(١) البقرة (٢٨٤).
(٢) قط : عمر بن محمد .

م - ٣٧
٥٧٧
ج ١
له مِهراس فيه ماء فيصلي ما قُدّر له ثم يصير إلى الفراش فَيُغْنِي
إِغفاء الطير ، ثم يثب فيتوضأ ثم يصلي ، يفعل ذلك الليلة أربع مرارٍ
أو خمس مرار .
وعن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يحي الليل صلاةً ثم يقول :
يا نافع أَسْحَرْنا ؟ فأقول : لا فيعاود الصلاة ، ثم يقول : يا نافع
أسْحرنا ؟ فأقول : نعم . فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح . وعنه
عن ابن عمر أنه كان يحيى ما بين الظهر إلى العصر .
وعن طاوس قال: ما رأيت مصليًا كهيئة عبد الله بن عمر أشد
استقبالاً للكعبة بوجهه وكفّيه وقدميه .
وعن عبد الله بن سبرة قال: كان ابن عمر إذا أصبح قال :
اللهم اجعلني من أعظم(٢) عبادك نصيباً في كل خير تقسمه الغداةَ ،
ونورٍ تهدي به ، ورحمةٍ تنشرها، ورزقٍ تبسطه، وضُرّ تكشفه،
وبلاءٍ ترفعه ، وفتنةٍ تصْرفها .
(١) المهراس: حجر منقور مستطيل ثقيل يكون فيه الماء، أو يُدقّ فيه .
(٢) المختصر (١٠٢): أفضل.

٥٧٨
وعن سمير الرياحي عن أبيه قال : شرب عبد الله بن عمر ماء
مبرّداً فيكي فاشتد بكاؤه ، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : ذكرت
آية في كتاب الله عز وجل: ((وَحِيلَ بِنْهَم وبينَ مايَشْتَهُون))(١)
فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئاً ، شهوتهم الماء ، وقد قال الله
عز وجل: ((أفيضُوا علَينا مِنَ الماء أوْ ممّا رزَفَكم الله)(١).
وعن جابر بن عبد الله قال : ما أدركنا أحداً - أو قال:
مارأينا أحداً - إِلا قد مالت به الدنيا أو مال بها إِلا عبد الله بن عمر.
ءَ
وعن نافع قال : كان ابن عمر إِذا قرأ: ((
آمنوا أن تَخْشَعَ قُلوبُهم لذكْرِ الله))(٣)؟ بكى حتى يغلبه البكاء .
يأَنِ الذين
ء
وعن مجاهد عن ابن عمر قال : لا يصيب عبدٌ شيئاً من الدنيا
إِلا نقص من درجاته عند الله عز وجل وإِن كان عليه كريماً .
وعن عمر بن ميمون ، عن أبيه قال : قيل لعبد الله بن عمر :
(١) سبأ ٥٤ .
(٢) الأعراف ٥٠ .
(٣) الحديد ١٦ .
٠

٥٧٩
توفي فلا الأنصاري . قال : رحمه الله . فقال : ترك مائة الف:
قال : لکن هي لم تتركه .
وقال رجل لابن عمر : ياخير الناس وابن خير الناس . فقال
ابن عمر : ما أنا بخير الناس ولا ان خير الناس ، ولكني عبد من
عباد الله عز وجل ، أرجو الله عز وجل وأخافه ، والله لن تزالوا
بالرجل حتى تهلكوه .
وعن نافع قال : كان البرّ لا يُعرف في عمر ولا في ابنه حق
يقولا أو يعملا .
وعنه، عن ابن عمر أنه نزل على رجل فلما مضت ثلاث قال :
يا نافع أنفق علينا من مالنا .
وعن قتادة قال: سئل ابن عمر عن ((لا إله إلا الله)) هل
يضر معها عمل ، كما ينفع مع تركها عمل ؟ قال ابن عمر : عش
ولا تغتر .
وعن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَل٤٣ ((أحبّ

٥٨٠
في الله وأبغض في الله(١) ومادٍ في الله فانك لن تنال ولاية الله إلا
بذلك ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى
يكون كذلك وصارت مؤاخاة الناس في أمر الدنيا وإن ذلك لا يجزى
عند الله(٢) شيئاً.
قال وقال لي ابن عمر(٣): إِذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء
وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح ، وخذ من صحتك لسقمك
ومن حياتك لموتك ، فانك ياعبد الله لا تدري ما اسمك غداً (٤).
قال: وأخذ رسول الله عَُّي ببعض جسدي فقال: كن في
الدنيا غريباً أو عابر سبيل وعُدَ نفسك من(٥) أهل القبور ( رواه
(١) بعده في المختصر (١٠٣): ووالٍ في اللّه.
(٢) قط : لا يجزى عن أهله .
والحديث أخرجه الطبراني في الكبير وفيه ليت ابن ابي سليم صدوق
اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك - التقريب - .
(٣) كذا ولعل الصواب ((قال ابن عمر: وقال لي ... )) على أن ما في
الاصل موافق لما في سنن الترمذي .
(٤) الحديث أخرجه الترمذي برقم ٢٣٣٤ جزء من الحديث الذي بعده .
(٥) قط : في .