النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
يسأل عما ظهر له فأمّا ما غاب عنه فلا يسألنّ عن ذلك، سمعتُ
رسول الله عَّى يقول: ((المتحدث عن ذلك كالمارين يتسافدان
في الطريق))(١).
وعن أبي قُلابة أن رجلاً دخل على سلمان وهو يَعجن فقال :
ماهذا ؟ قال : بشنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين .
ثم قال : فلان يقرئك السلام . قال : متى قدمت ؟ قال منذ كذا
وكذا فقال: أما إنك لو لم تؤدها كانت أمانة لم تؤدّها (رواه احمد).
ذكر كبد وعمد بيده:
عن النعمان بن حميد قال : دخلت مع خالي على سلمان الفارسي
بالمدان وهو يعمل الخوص فسمعته يقول : أشتري خوصاً بدرهم فأعمله
فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهماً فيه وأنفق درهماً على عيالي وأنصدق
بدرهم(٢)، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت .
(١) الحديث أخرجه أصحاب السنن نحوه من حديث أبي هريرة بسند صحيح
وأحمد نحوه أيضاً من حديث أسماء بنت يزيد ولفظه عندم (( إنما مثل
شيطانة لقيت شيطاناً في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون اليه)).
(٢) بعده في المختصر (٩٦): ((وكان لا يأكل من صدقات الناس)).

٥٤٢
وعن الحسن قال : كان سلمان يأكل من سفيف يده (١).
ذكر نبذه من ورهم:
عن أبي ليلى الكندي قال : قال غلام سلمان لسلمان : كانِبْني .
قال : ألكَ شيء ؟ قال: لا . قال : فمن أين ؟ قال : أسأل الناس .
قال : تريد أن تطعمني غُسالة الناس(٢).
ذكر نبذة من تواضع:
عن ثابت قال : كان سلمان أميراً على المدائن(٣) فجاء رجل من
أهل الشام ومعه حِمل ثُبْنٍ وعلى سامان أنْدَرا(٤) وِرْدٍ وعباءة فقال
(١) السفيف: ما يُنسج من الخوص، كالزّبيل ونحوه.
(٢) الغسالة من الشيء: ماؤه الذي غُسل به ، وهي هنا مجاز .
(٣) في المختصر قبل هذه الجملة ما يلي (٩٦): ((وكان الناس يسخرونه
في حمل أمتعتهم لرثاثة حاله فربما عرفوه فيريدو [ ن ] أن يحملوا عنه
فيقول : لا ، حتى أوصلكم الى المنزل، وهو إذ ذاك أمير على المدائن .
وفي رواية : كان سلمان أميراً على المدائن .. الخ)).
(٤) الأثدر : نوع من الثياب ، هو فوق الثُّان ودون السراويل : يغطي
الركبة ، منسوب الى ( ورد ) وهو صانع أو مكان .

٥٤٣
السامان : تعالَ احمل ، وهو لا يعرف سلمان . حمل سلمان فرآه
الناس فعرفوه فقالوا : هذا الأمير . فقال: لم أعرفك . فقال له
سلمان : لا حتى أبلغ منزلك . وفي رواية أخرى : إِني قد نويت فيه
نيةً فلا أضعه حتى أبلغ بيتك .
وعن عبد الله بن بريدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشيء
اشترى به لحما ثم دما المجذومين فأكلوا معه .
وعن عمر بن أبي قرّه الكندي قال : عرض أبي على سلمان
أخته أن يزوجه فأبى، فتزوج مولاة يقال لها بقيرة . فأناه أبو قرّة
فأخبر أنه في مَبْقَلة له . فتوجه اليه فلقيه معه زنبيل فيه بَقْل قد
أدخل عصاه في عروة الزنبيل وهو على عاتقه .
وعن ميمون بن مهران، عن رجل من عبد القيس قال : رأيت
سلمان في سرّيّة وهو أميرها على حمارٍ عليه سراويل وخَدَ متاء (١)
نَذِ بْذَبان والجند يقولون: قد جاء الأمير. قال سلمان: إِنما الخير
والشرّ بعد اليوم.
(١) الخدمة: الخلخال. وأراد بخَدَمتيه ساقيه لأنها موضع الخدَمتيْن.
وقيل : أراد بها مخرَج الرجلين من السراويل .
:

٥٤٤
وعن أبي الأحوص قال افتخرتْ قريش عند سلمان ، فقال
سلمان : لكنّي خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفةً مُنتنة ، ثم
يؤدى بي [ إِلى](١) الميزان فان ثقلت فأنا كريم وإِن خفت(٢)
فأنا لئيم .
وعن أبي البَخْتَريّ قال : صحب سلمانَ رجلٌ من بني عبس
ليتعلم منه. خرج معه جعل لا يستطيع أن يفضُله في عمل: إِن معجن
جاء سلمان فيز وإِن هيأ الرجل علَفاً للدواب ذهب سلمان فسقاها .
حتى انتهوا إلى شطْ دجلة وهي تطفح فقال سلمان للعبسي : انزل
فاشربْ . فنزل فشرب . فقال له سلمان : ازدد . فازدادَ . فقال له
سلمان: كم تراك نقصتَ منها؟ فقال العبسي له: وما عسى أن أنقص منها
فقال سلمان: كذلك العلم تأخذ منه ولا ينقص(٣) فعليك بالعلم بما ينفعك.
قال: ثم عبر إِلى نهر دَنَّ(٤) فاذا الأكداس عليه من الحنطة
(١) زيادة من المختصر (٩٧) ساقطة من المطبوع.
(٢) في المختصر: ((خففت)).
(٣) قط : ولا تنقصه .
(٤) نهر دَن: أعمال بغداد قرب إيوان كسرى ، كان احتفره أنو شروان
العادل ( ياقوت ) .
مـ

م
٣٥
٥٤٥
ج١
والشعير فقال سلمان : يا أخا بني عبس أما ترى إلى الذي فتح خزان
هذه علينا كأن نراها ومحمد حيّ ؟ قال فقلت بلى . قال : فوالذي
لا إله غيره لقد كانوا يُمسون ويصبحون وما فيهم قفيز(١) من قمح .
قال ثم سرنا حتى انتهينا إِلى جَدُولاء(٢) قال فذكر ما فتح الله عليهم
وما أصابوا فيها من الذهب والفضة فقال : يا أخا بني عبس أما ترى
إلى الذي فتح خزائن هذه علينا كأن نراها ومحمد حيّ ؟ قال : قلت
بلى. قال: والذي لا إله غيره لقد كانوا يُمْسون ويُصْبحون وما فيهم
دينار ولا درهم .
ذكر ثناء الناس على سلمان واعترافهم بفضل:
عن ابن عباس قال : قدم سلمان من غيبة له فتلقاه عمر فقال :
أرضاك لله عبداً . قال: فزوجني فسكت عنه فقال : أترضاني الله
عبداً ولا ترضاني لنفسك ؟ فلما أصبح أناه قوم فقال : حاجة؟ قالوا :
نعم . قال : ماهي ؟ قالوا : تُضرب عن هذا الأمر ، يعنون خطبته
إلى عمر ، فقال: أما والله ماحملني على هذا إمرته ولا سلطانه ولكن
(١) نوع من المكابيل .
(٢) مدينة في العراق على طريق خراسان، عندها انتصر المسلمون على جيش
الفرس سنة ١٩ هـ .

٥٤٦
قلت رجل صالح عسى الله عز وجل أن يخرج مني ومنه
نسمة صالحة .
وعن أبي الأسود الدؤلي قال : كنا عند علي ذات يوم فقالوا
ياأمير المؤمنين حدّثنا عن سلمان قال : من لكم بمثل لقمان الحكيم ؟
ذلك امرؤ منا وإلينا أهل البيت ، أدرك العلم الأول والعلم الآخر
وقرأ الكتاب الأول والآخر « بحر لا ينزِف، وأوصى معاذ بن جبل
رجلاً أن يطلب العلم من أربعةٍ سلمانُ أحدم .
ذكر نبذة من كلامه ومواعظه:
عن حفص بن عمرو السعدي عن عمه قال: قال سلمان لخذيفة :
يا أخا بني عبس (١) العلم كثير والعمر قصير، نفذ من العلم ما تحتاج
اليه في أمر دينك ودع ما سواه فلا تعانه .
وعن أبي سعيد الوهي عن سلمان قال: إِنما مثل المؤمن في
الدنيا كمثل المريض(٢) معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه فاذا اشتهى
(١) قط : بني حذيفة.
(٢) قط : كمريض - المختصر كمثل مريض .
أ
م

٥٤٧
ما يضره منعه وقال لا تقربه فانك إِن أتيته أهلكك . فلا يزال يمنعه
حتى يبرأ من وجعه . وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة مما قد
فضل به غيره من العيش فيمنعه الله عز وجل إِياه ويحجزه حتى يتوفاه
فيدخله الجنة .
وعن جرير قال : قال سلمان : ياجرير تواضع لله عز وجل فانه
من تواضع لله عز وجل في الدنيا رفعه الله يوم القيامة . ياجرير هل
تدري ما الظلمات يوم القيامة ؟ قلت : لا . قال : ظلم الناس بينهم في
الدنيا . قال ثم(١) أخذ عُويدً لا أكاد أراه بين إِصبعيه. قال: ياجرير
لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده . قال : قلت يا أبا عبد الله
فأين النخل والشجر ؟ قال : أصولها اللؤلؤ والذهب ، وأعلاها الثمر .
وعن أبي البَختَريّ عن سلمان قال : مثل القلب والجسد مثل
أعمى ومُقعد . قال المقعد : إني أرى تمرة ولا أستطيع أن أقوم اليها
فاحملني حمله فأكل وأطعمه(٢).
(١) كذا في قط والمختصر (٩٨). وفي صف: ثم قال.
(٢) زاد بعده في المختصر (٩٧): ((يعني أن الروح والبدن اشتركا في
المعصية فاستحقا العقوبة )) .

٥٤٨
وعن قتادة قال: قال سلمان : إِذا أسأت سيئة في سريرة
فأحسن حسنة في سريرة ، وإِذا أسأت سيئة في علانية فأحسن حسنة
في علانية لكي تكون هذه بهذه .
وعن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب
إلى سلمان : هلمّ إِلى الأرض المقدسة . فكتب إليه سلمان : إِن
الأرض لا تقدّس أحداً وإِنما يقدس الإِنسانَ عملُه وقد بلغني أنك
جُعلت طبيباً فان كنت تُبرىء فنعمالك وإِن كنت متطبياً فاحذر أن
أن تقتل إِنسانًا فتدخل النار . فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين
فأدبرا عنه نظر اليهما وقال متطبب والله ، ارجِما إلي أعيدا قصتكما .
عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : ثلاث أعجبتني
حتى أضحكتنى : مؤمل دنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه
وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط ربّ العالمين عليه أم راض عنه.
وثلاث أحزنني حتى أبكيفني (١): فراق محمد وحِزْبه، وهول المطلع
والوقوف بين يدي ربي عز وجل ولا أدري إلى جنة أو إِلى نار .
وعن حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان
(١) المختصر (٩٧) («أحزنتني حتى أبكتني)).

٥٤٩
قال: مامن مسلم يكون بفيء(١) من الأرض فيتوضأ أو يتيمم ثم
يؤذن ويقيم إِلا أمّ جنودًا(٣) من الملائكة لا يرى طَرفهم ، أو قال:
طر فاه .
وعن ميمون بن مهران قال : جاء رجل إلى سلمان فقال أوصني
قال لا تكلَّمْ . قال : لا يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم .
قال: فان تكلمت فتكلم بحق أو اسكتْ قال: زدني . قال : لا تغضب
قال : إِنه ليغشاني مالا أملكه . قال : فان غضبت فأمسك لسانك
ويدك. قال زدني : قال : لانلابس الناس . قال: لا يستطيع من عاش
في الناس أن لا يلابسهم . قال : فان لا بستهم فاصدق الحديث وأدْ
الأمانة .
وعن أبي عثمان عن سلمان قال: إِن العبد إِذا كان يدعو الله
في السراء فنزلت به الضراء فدما قالت الملائكة: صوت معروف من
آدمي ضعيف . فيشفعون له . وإِذا كان لا يدعو الله في السراء فنزات
به الضراء قالت الملائكة: صوت منكر من آدمي ضعيف فلا يشفعون له
:
(١) بعده في المختصر (٩٨) :! يعني بفلاةٍ)).
(٢) قط والمختصر : جنداً .

٥٥٠
وعن حارثة بن مضرب قال : سمعت سلمان يقول: إني لأعدّ
العِراق(١) على الخادم خشية الظن. ورواه زهير عن أبي اسحق قال:
إِني لأعد عراق القدر مخافة الظن(٢) بخادمي .
وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال : كنت مع مولاي زيد
ابن صوحان في السوق فمر علينا سلمان الفارسي وقد اشترى وَسْقاً(٣)
. طعام فقال له زيد : يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب
رسول الله عَّةٍ؛ قال: إِن النفس إِذا أحرزت قوتها اطمأنت وتفرغت
للعبادة ويئس منها الوسواس .
وعن أبي عثمان عن سلمان قال: لما افتح المسلمون جَوْخَى(٤)
دخلوا يمشون فيها وأكداس الطعام فيها أمثال الجبال . قال: ورجل
يمشي إلى جنب سلمان فقال: يا أبا عبد الله ألا ترى إلى ما أعطانا الله؟
(١) العراق ( بكسر العين وضمها ): مفردها (عَرْق ) وهو العظم الذي
أخذ عنه معظم اللحم .
(٢) قط : أن أظن .
(٣) الوَسْق : ستون صاعاً ، وقيل : حمل البعير ، ج أوساق .
(٤) بفتح الجيم والحاء: بلد بالعراق، ولم يكن عند الفرس كورة تعدلها
وكان خراجها ثمانين مليوناً .

٠
:
٥٥١
فقال سلمان: وما يعجبك فما ترى إلى جنب كل حبة مما ترى حساب
( رواه الامام أحمد ) .
وعن سعيد بن وهب قال : دخلت مع سلمان على صديق له
من كندة نَعوده ، فقال له سلمان : إِن الله عز وجل يبتلي عبده
المؤمن بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارةً لما مضى، فَيستعتب (١) فيما
بقي ، وإِن الله عز وجل يبتلي عبده الفاجر بالبلاء ثم يعافيه فيكون
كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه فلايدري فيم عقلوه ولا فيم أطلقوه حين
أطلقوه ؟ .
وعن محمد بن قيس عن سالم(٢) بن عطية الأسدي قال: دخل
سلمان على رجل يعوده وهو في النزع فقال : أيها الملك ارفق
به . قال: يقول الرجل: إِنه (٣) يقول إني بكل مؤمن رفيق.
والسلام .
(١) يسترضي.
(٢) قط : مسلم .
(٣) العبارة كذلك في الحلية أيضاً (١ / ٢٠٤) وفي المختصر: ((ارفق
به . فقال الرجل: إنه .. )) .
:

٥٥٢
ذكر وفاة سلمان رضي اللّه عنه:
عن حبيب بن الحسن وحميد بن(١) مورق العجلي أن سلمان لما
حضرته الوفاة بكى فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : عهدٌ عهِده الينا
رسول الله عَّي، قال: (( ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب(٢)))
قال: فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا (٣) في بيته إِلا إِكافاً ووطاء
ومتاعاً قُوّم نحواً(٤) من عشرين درهماً(٥).
وعن عامر بن عبد الله عن سلمان أنه حين حضر الموت عرفنا
به (٦) بعض الجزع فقالوا: ما يجزعك يا أبا عبد الله وقد كان لك
سابقة في الخير ؟ شهدت مع رسول الله صَُّي مغازي حسنة وفتوحاً
عظاماً. قال: يحزنني أن حبيبنا محمداً عَ ◌ّه عهد الينا حين فارقنا ،
فقال (( لِيِكْفِ المؤمنَ كزاد الراكب)) فهذا الذي أحزنني .
(١) قط : عن .
(٢) الحديث صحيح أخرجه الطبراني .
(٣) قط : فلم يروا .
(٤) المختصر : بنحو .
(٥) أخرج الطبراني بسند جيد قال: بيع متاع سلمان فبلغ أربعة عشر درهما .
(٦) قط : فيه .

٥٥٣
قال : جمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر ديناراً ، هكذا
قال عامر والباقون من الرواة يذكرون الدرام .
عن أبي سفيان عن أشياخه قال : ودخل سعد بن أبي وقاص
على سلمان يعوده، فبكى سلمان. فقال له سعد: ما يبكيك ياأبا عبد الله
توفي رسول الله عي وهو عنك راضٍ وترد عليه الحوضَ. قال :
فقال سلمان : أما إني ما أبكي جزءاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا
ولكن رسول الله عَ ي عهد إلينا فقال: ((لتكن بُلْغة أحدكم مثل
زاد الراكب )» وحولي هذه الأساود وإِنما حوله إجابة أو جَقة أو
مطهرة(١) . قال فقال له سعد: يا أبا عبد الله اعهدْ الينا بعهد فنأخذ
به بعدك . فقال: ياسعد اذكر الله عند همّك إِذا هممت ، وعند
حُكمك إذا حكمت ، وعند بذل(٢) إِذا قسمت.
(١) الأساود: في الأصل الجماعة المتفرقة . ومنه قيل للشخص : سواد لأنه
يُرى من بعيد أسود . ويريد بالأساود : الشخوص من المتاع الذي كان
عنده . وكل شخص من انسانٍ أو متاع أو غيره سواد . ويجوز أن
يريد بالأساود : الحيّات ، جمع أسود ، شبها بها لاستضراره بمكانها
( النهايه = سود ) .
والاجّانة: إناء تغسل فيه الثياب - والجفنة : القصعة الكبيرة
والمطهرة ( بكسر الميم ): إناء يُتطهّر به .
(٢) قط : والمختصر : يدك .

٥٥٤
وعن الشعبي قال : أصاب سلمان صرّة مسك يوم فتح جَاولاء
فاستودعها امرأته . فلما حضرته الوفاة قال : هاتي المسك فمَرسها في
ماء ثم قال : انضحيها حولي فانه يأتيني زوار الآن ليس بأنس ولا
جان. ففعلتْ. فلم يمكث بعد ذلك إِلا قليلا حتى قُبض . وفي
أخرى أنه قال : يجدون الريح ولا يأكلون الطعام .
وعن سعيد بن سوقة قال : دخلنا على سلمان نعوده وهو مَبْطون
فقال لامرأته: ما فعلتِ بالمسك الذي جئنا به منن بَلَنجَر (١)؟
قالت: هُوَذا . قال: ألقيه في الماء ثم اضربي بعضه بعض ثم انضحي
حول فراشي فانه الآن يأتينا قوم ليس بانس ولا جن . ففعلت ،
وخرجنا عنه ثم أنيناه فوجدناه قد قُبض رضي الله عنه .
عن الشعبي قال : حدثني الجزل عن امرأة سلمان ، بقيرة ،
قالت : لما حضر سلمان الموت دعاني وهو في عليّة لها أربعة أبواب
فقال : افتحي هذه الأبواب يابقيرة فان لي اليوم زواراً لا أدري من
أي هذه الأبواب يدخلون علي . ثم دعا بمسكٍ له ثم قال لها : اديفيه
(١) مدينة ببلاد الروم شهد فتحها عدد من الصحابة ، منهم سلمان .

في توْر(١) . ففعلت ثم قال انضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكئي
فسوف تطلعين فتربني على فراشي. فاطلعت فاذا قد أُخذ روحه كأنه
نأثم على فراشه ، أو نحو هذا .
قال أهل العلم بالسير : كان سلمان من المعمَّرين . أدرك وصيّ
عيسى بن مريم عليه السلام ، وعاش مائتين وخمسين سنة ، ويقال
أكثر. وتوفي بالمدائن في خلافة عثمان. وقيل مات سنه ثنتين وثلاثين.
قال أبو بكر بن أبي داود : لسلمان ثلاث بنات ، بنت
بأصبهان وبنتان بمصر.
وعن عبد الله بن سلام أن سلمان قال له : يا أخي أينا مات
قبل صاحبه فلْيتَرايا له (٢) . قال عبد الله بن سلام : أو يكون
ذلك ؟ قال : نعم إِن نسمة المؤمن مخلاَّة تذهب في الأرض حيث
شاءت ونسمة الكافر في سجّين(٣) . فمات سامان.
(١) أدافه: خلطه وأذابه في الماء. والتّوْر (بفتح التاء ): إناء صغير.
(٢) يقال: تراءى له، أي تصدى له وظهر حتى يراه. وقلبت الهمزة ياءً
حملاً على (رياء) في (رثاء). ( انظر شواهد التوضيح ١٨٣ ).
(٣) سِجِّين: من السَّجين بمعنى الحبس. وهو اسم على النار أيضاً .
.- ......

٥٥٦
قال عبد الله فبينا(١) أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير
لي فأغفيت إِغفاءة إِذ جاء سلمان فقال : السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته. فقلت: السلام عليك ورحمة الله يا أبا عبد الله ، كيف
وجدت منزلك ؟ قال : خيراً وعليك بالتوكل فنم الشيء التوكل .
· ردّده ثلاث مرات رحمه الله .
٦٠ - أبو موسى الأشعري
عبد الله بن قيس بن سليم
أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة. ثم قدم مع أهل السفينتين(٢)
ورسول الله عَ ل بخيبر وبعضهم ينكر هجرته إلى الحبشة.
عن أبي موسى أن رسول الله عنّ ي بعث معاذاً وأبا موسى إلى
اليمن وأمرهما أن يعلّما الناس القرآن. (رواه الإمام أحمد ) .
وقد صحّ من حديث أبي موسى قال : قال رسول الله
(١) قط: فبينما .
(٢) هما السفينتان اللتان حملتا المسلمين من الحبشة فقدموا على الرسول عنقال
وهو بخيير بعد الحديبية .
:

٥٥٧
(( لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة. لقد أوتيت مزماراً من
مزامير آل داود)) فقلت : يارسول الله لو علمت أنك تسمع قراءتي
لخبرته لك تحبيراً (١).
:
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال : خرجنا مع
رسول الله عَُّّجُل في غزاةٍ ونحن ستة نفر على بعيرٍ نعْتقبه. قال
فنُقبت أقدامُنا وُنقبت قدمي وسقطت أظفاري فكنا نلفَ على
أرجلنا الخرق فسميت غزاةَ ذات الرّقاع لما كنا نَعصب على أرجلنا
من الحِرَق، قال أبو بردة: حدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره
" ذلك وقال: ماكنت أصنع بأن أذكره. قال: كأنه كره أن يكون
شيئاً من عمله أفشاه .
وعن أبي سلمة قال : كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى :
ذكرنا ربنا تعالى فيقرأ .
:
وعن أبي عثمان النهدي قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري صلاة
الصبح فما سمعت صوت صَنّجَ ولا بَرَبْطٍَ(٢) كان أحسن صوتاً منه.
(١) الحديث صحيح أخرجه البخاري في فضائل القرآن ومسلم في الصلاة
والترمذي في فضائل أبي موسى الأشعري برقم ٣٨٥٤.
(٢) البَربَط المزهَر .

٥٥٨
وعن أبي كبشة السدوسي قال : خطبنا أبو موسى الأشعري
فقال: ((إِن الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من
الجليس السوء، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر إِلا يَحْذَاءِ (١)
يعبق بك من ريحه ألا وإِن مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير
إِلا يحرقْ ثيابك يعبق من ريحه أَلا وإِنما سمّي القلب من تقلبه.
وإِنّ مثل القلب كمثل ريشة بأرض فضاء تضربها (٢) الريح ظهراً
البطن . ألا وإِن من ورائكم فِتْنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل
فيها مؤمنا ويمسي كافراً والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير
من الماشي والماشي خير من الراكب )) .
قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : كونوا أحلاس(٣) البيوت.
وعن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعري أنه جمع الذين قرؤوا
القرآن فاذا هم قريب من ثلاث مائة . فعظم القرآن وقال : إن هذا
القرآن كأن لكم أجراً وكأن (٤) عليكم وِزْرًاً فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم
(١) حذاء يحذوه : أعطاه .
(٢) قط : تصرفها .
(٣) الأحلاس: الأكسية توضع على ظهور الابل وغيرها. ج حِلْس .
(٤) المختصر (٩٩) : أو كائن .

٥٥٩
القرآن فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة ومن تبعه
القرآن زُجُّ(١) في قفاه فقذفه في النار .
وعن أنس أن أبا موسى كان له ثُبّان(٢) ينام فيه مخافة أن
ينكشف .
وعن أبي مجلز قال : قال أبو موسى : إِني لاغتسل في البيت
المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي عز وجل .
وعن قسامة (٣) بن زهير قال : خطبنا أبو موسى فقال : أيها
الناس ابكوا فان لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون الدموع
حتى تنقطع ثم بيكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت .
( روى هذه الأحاديث الثلاثة الإمام أحمد رحمه الله ) .
وعن أبي بردة عن أبي موسى قال : خرجنا غازين في البحر
والريح لنا طيّبة والشراع لنا مرفوع فسمعنا(٤) مناديًا ينادي : يا أهل
(١) زجَّ بالشيء: رمى به. وزجّه: طعنه بالزّح أو بالريح. وفي المختصر:
(((زخٌّ)) يقال: زخّه أي دفعه أو وقعه في وهدة .
(٢) الثُبّان (بضم التاء وتشديد الباء ) سراويل صغير يستر العورة .
(٣) قط : قتادة .
(٤) كذا والصواب حذف الفاء .

٥٦٠
السفينة قفوا أخبرْ كم. حتى والى بين سبعة أصواتٍ . قال أبو موسى
فقمت على صدر السفينة فقلت من أنت ومن أين أنت ؟ أوَ ماترى
أين نحن؟ وهل نستطيع وقوفاً؟ قال: فأجابي الصوت : ألا أخبركم
بقضاء قضاه الله على نفسه ؟ قال: قلت بلى أخبرْنا . قال : فان الله
قضى على نفسه أنه من عطَّش نفسَه لله في يوم حارّ كان حقاً على الله
أن يُرويه يوم القيامة. قال: فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار
الشديد الحر الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان فيصومه .
وعن أبي إدريس قال: صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال(١)
فقيل له لو أجْمَعتَ نفسك(٢). فقال: أَيْهات(٣) إِنِما يَسبق من
الخيل المضمَّرةُ . قال : وربما خرج من منزله فيقول لامرأته : شدي
رحلك فليس على جسر(٤) جهنم معبَر.
عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب قال : دعا أبو موسى
(١) الخلال: العود الذي تُختل به الأسنان. وهو أيضاً العود الذي
يُجعل في لسان الفصيل لئلا يرضع .
(٢) ترَكتّها تستريح .
(٣) لغة في هيهات .
(٤) المختصر (١٠٠ ) : ظهْر.