النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
أن بعضكم كفانيه، ألا وإنكم إِن كلفتموني أن أعمل فيكم (مثل (١))
عمل رسول الله تع لم أقم به. كان رسول الله عَ ليهو عبداً أكرمه.
الله بالوحي وعصمه به، الا وإنما أنا بشر ولست بخيرٍ من أحد منكم
فراعوني (٢) فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت
فقوموني واعلموا أن لي شيطاناً يعتربني فإذا رأيتموني غضبت
فاجتنبوني لاأوثر في أشعاركم وأبشاركم
وعن يحيى (٣) أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في
خطبته (( أن الوضاء (٤) الحسنةُ وجوههم المعجبون بشأنهم ؟ أين
الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان ؟ أن الذين كانوا يعطون
الغلبة في مواطن الحرب ؟ قد تضعضع بهم الدهر فأصبحوا في
ظلمات القبور ، الوَحا الوَحَا (٥) ، النجاء النجاء))
(١) ليس في قط
(٢) راقبوني وانظروا ماذا أفعل .
(٣) قط : يحيى بن أبي كثير .
(٤) مفردها وَضيء. من الوضاءة وهي الحسن والبهجة والنظافة
(٥) أي: السرعة السرعة، يمدّ ويقصر، وتوخَّيت: أسرعت. وهو منصوب
على الاغراء بفعل محذوف .

٢٦٢
وعن عبد الله بن عكيم قال : خطبنا أبو بكر فقال:
أما بعد فاني اوصيكم بتقوى الله وأن تُثنوا عليه بما هو أهله
وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإِلحاف بالمسألة . إِن الله أثنى على
زكريا وأهل بيته فقال: ((إِنهم كانوا يُسَارعون في الخيرات
ويدُعوَنا رَغباً وَرَهباً وكانوا لنا خاشعين (١))) اعلموا عباد الله
أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى
منكم القليل الفاني بالكثير الباقي ، وهذا كتاب الله فيكم لاتغنى
عجائبه ، ولا يطفأ نوره ، فصد قوا قوله وانتصحوا كتابه واستضيئوا
منه ليوم القيامة (٢) وإِنما خلقكم لعبادته ووكل بكم الكرام الكاتبين
يعلمون ما تفعلون . ثم اعلموا عباد الله أنكم تَغدون وتروحون في
أجل قد ◌ُغيّب عنكم علمه، فان استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في
عمل الله فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم
قبل أن تنقضي آبالكم فتردكم إلى سوء (٣) أعمالكم، فان أقواماً جعلوا
(١) الأنبياء : ٩٠
(٢) قط : ليوم الظلمة .
(٣) قط : أسوأ .

آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم ، الوحا الوحا
النجاء النجاء إِن وراءكم طالبًا حثيثاً مرّه سريع))
ذكر مرض أبي بكر ووفاء رضي اللّعنـ
عن عبد الله بن عمر قال: كان سبب موت أبي بكر وفاة
رسول الله تَجِ كَمِدْ، فمازال جسمه يحري (١) حتى مات.
وعن ابن هشام أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان
حَرِيرةٌ (٢) أهديت لأبي بكر . فقال الحارث لأبي بكر : ارفع
ياخليفة رسول الله، والله إن فيها لسم سنة ، وأنا وأنت نموت في
يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند
انقضاء السنة .
وقيل : كان بدء عرضه أنه اغتسل في يوم بارد فحمّ خمسة
عشر يوماً.
(١) ينقص .
(٢) الدقيق يطبخ بلبنٍ أو دسم . والحارث بن كلدة الثقفي : طبيب العرب
وأحد الحكماء المشهورين . وقد اختلف في إسلامه .

٢٦٤
وعن أبي السفر قال : مرض أبو بكر فعاده الناس ، فقالوا :
ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد رآئي . قالوا : فأَيَّ شيء قال لك؟
٠
قال : إِني فعَّال لما أريد.
وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال: لما حضر أبا بكر
الصديق الموتُ دما عمر فقال له (( اتق الله ياعمر، واعلم أن الله
عملاً بالنهار لا يقبله بالليل ، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار ، وأنه
لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضته، وإِنما نقلت موازين من ثقلت موازينه
يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا ونقله عليهم، وحق لميزان
يوضع فيه الحقُ غدًاً أن يكون ثقيلاً، وإنماخفت موازين من خفت
موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم ، وحقً
مِيزَانٍ يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وإن الله تعالى ذكر
أهل الجنة فذكرم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه ، فاذا ذكرتهم
قلت : إني لأخاف أن لاألحق بهم. وإِن الله تعالى ذكر أهل النار
فذكرهم بأسوأ أعمالهم ، ورد عليهم أحسنه ، فإذا ذكرتهم قلت :
إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغباً راهباً ، لا
يتمنى على الله ، ولا يقنط من رحمة الله . فان أنت حفظت وصيتي

٢٦٥
فلايك غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك ، وإن أنت ضيعت
وصيتي فلايك غائب أبغض اليك من الموت ، ولست تعجزه .
وعن عائشة قالت : لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه
قال : انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإِمارة فابعثوا به إلى
الخليفة من بعدي . فنظرنا فاذا عبدٌ ◌ُنوبيّ (١) كان يحمل صبيانه ،
وإِذا ناضح (٢) كان يسقي بستاناً له. فبعثنا بهما إلى عمر . قالت:
فأخبرني جدي (٣) أن عمر بكى وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد
أتعب من بعده تعباً شديداً .
وعنها قالت : لما حضر أبا بكر الوفاة جلس فتشهد ثم قال :
(( أما بعد يابنية، فان أحب الناس غنىَ إلى بعدي أنتٍ ، وإن أعن
(١) نسبة إلى الثوبة، وهي بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر، أولها
بعد أسوان .
(٢) البعير الذي يستقى عليه الماء، ج: نواضح
.
(٣) في المطبوع: ((حربى)) وهو تحريف . والتصويب من طبقات ابن سعد
١٩٢/٣ ( طبعة بيروت .)

٢٦٦
الناس على فقراً بعدي أنت ، وإِني كنت نحلتُك (جداد ) (١)
عشرين وْسقاً من مالي فوددت والله أنك ◌ُخْزته وانما هو (٢)
أخواك وأختاك . قالت : قلت : هذان أخواي فمن أختاي ؟ قال :
ذو بَطْن ابنة خارجةَ فاني أظنها جارية (٣) وفي راوية قد ألقي في
روعي أنها جارية فولدت ام كلثوم .
وعنها قالت لما ثقل أبو بكر قال: أي يوم هذا؟ قلنا: يوم الاثنين.
قال: فاني أرجو مابيني وبين الليل قالت : وكان عليه ثوب عليه ردع
منِ مْشقٍ (٤) فقال إِذا أنامت فاغسلوا ثوبي هذا وضوا إِليه ثوبين
(١) من قط. والجَداد : مصدر بمعنى قطع ثمرة النخل . والذي في النهاية
(((جاد" )) وهي بمعنى المجدود أي المقطوع، أي نخل يُجَدً منه ما يبلغ
عشرين وسقاً . والوسق : ستون صاعاً، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلاً
عند أهل الحجاز .
(٢) قط: هم. وفي المطبوع قبلة: ((حُزْتيه)) بدل ((حُزْتِه))
(٣) ابنة خارجة : هي حبيبة بنت خارجة بن زيد ، زوج أبي بكر ، وقوله :
(( ذو بطن)) يشير إلى أنها حامل ، وفي بطنها جنين. وقد ولدت حبيبة
له بعد وفاته جارية سميت أم كلثوم .
(٤) المشق: المغرة ( بفتح الميم والغين ) وهو نوع من الأصباغ كالزعفران
والردع : اللطخ . أي أن هذا الصبغ لم يعم الثوب كله ، بل كان
هناك لطْخ منه .
مـ

٢٦٧
جديدين وكفنوني في ثلاثة أثواب (١) فقلنا: أفلا نجعلها جدداً كلّها؟
قال: لا ، إِنما هو للمهلة (٢) فمات ليلة الثلاثاء -- أخرجه البخاري -
قال أهل السير : توفي ابو بكر ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان (٣)
ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، وهو
ابن ثلاث وستين وأوصى أن تغسله أسماء زوجته ( فغسلته (٤))
وأن يدفن إلى جنب رسول الله عٍَّ. وصلى عليه عمر بين القبر
والمنبر ، ونزل في حفرته ابنه عبد الرحمن وعمر وعثمان وطلحة بن
عبيد الله .
رحمه الله ورضي عنه وحَشرنا (٥) في زمرته وأماننا على سنته ومحبته
٦
(١) قال الفقهاء يستحب التكفين بثلاثة أثواب لأن رسول الله كفن في ثلاثة
أثواب ، ولم يكن اللّه ليختار لنبيه الا الأفضل .
(٢) المهلة والمهل ( بضم فسكون : القيح والصديد الذي يذوب فيسيل من
الجسد .)
(٣) كذا، والصواب ((لِثماني)) باثبات الياء، ولم تحذف إلا في الضرورة.
(٤) زيادة من قط .
(٥) في المطبوع: ((وأحشرنا))، تحريف.

٢٦٨
أبو حفص عمر بن الخطاب
ابن ◌ُنفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن
رزاح بن عدي بن کعب بن لؤي .
وأمه : حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو
ابن مخزوم ، أسلم سنة ست من النبوة وقيل سنة خمس .
ذكر سبب اسلام
عن إن عمر أن النبي ◌َّةٍ قال اللهم أعنّ الإِسلام أحبّ
الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فكان
أحبهما إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وعن شريح بن عبيد قال : قال عمر بن الخطاب : خرجت
أتعرض لرسول الله عَّي قبل أن أسلم ، فوجدته قد سبقني الى المسجد
فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقَّة جعلت أتعجب (١) من تأليف
(١) قط : أعجب
٣٠م

٢٦٩
القرآن قال : فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش قال : فقرأ
(( إَنْهَ لَقولُ رَسولٍ كريم، وما هو بقَولِ شاعرٍ قليلاً
ما تُومنون)) (١) قال: قلت: كاهن. قال: ((ولا بقَولِ كاهنٍ
قليلاً ماَنَذَ ◌َّ كرون ، تزيلٌ من رب العالمين ، ولو تقَوَّلَ علينا
بعضَ الأقاويلِ لِأُخْذنا مِنه باليمين )) إلى آخر الآية (٢) فوقَع
الإِسلام في قلبي (٣)
وعن أنس بن مالك، قال: خرج عمر متقلداً بالسيف فوجده (٤)
رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد يا عمر ؟ قال : أريد أن اقتل
محمداً . قال : وكيف تأَمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت
محمداً؟ فقال له عمر : ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي
أنت عليه. قال: أفلا أدلك على العجب؟ يا عمر إِن أختك وَختنك (٥)
(١) الحاقة. الآية (٤١) وما بعدها ..
(٢) قط : السورة .
(٣) اخرج هذا الحديث الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلا أن شريخ بن
عبيد لم يدرك عمر .
(٤) قط: ((فلقيه)) والرجل هو نعيم بن عبدالله كما في سيرة ابن هشام.
(٥) الختن : الصهر ، ويطلق على زوج البنت أو الأخت . وهو هنا سعيد بن
زيد بن عمرو ، زوج فاطمة بنت الخطاب .

٢٧٠
قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه فمشى عمر ذامراً (١) حتى
أناهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خَباب فلما سمع خباب
حس عمر توارى في البيت . فدخل عليهما فقال : ماهذه الهيئة (٢)
التي سمعتها عندكم؟ قال: وكانوا يقرؤون ( طه)) فقالا ما عدا (٣)
حديثاً تحدثناه بيننا قال : فلعلكما قد صبوتما فقال له ختنه : أرأيت
يا عمر إِن كان الحق في غير دينك ؟ فونب عمر على خَتنه فوطئه
وطئاً شديداً فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها (٤) نفحة بيده
فَدَ مِيَ (٥) وجهها ، فقالت وهي غضبى: أرأيت ياعمر إِن كان الحق في
غير دينك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله
فلما يئس عمر قال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه
وكان عمر يقرأ الكتب - فقالت أخته : إِنك رجس ولا يمسه إلا
المتطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ
(١) متهدّداً .
(٢) الكلام الخفي الذي لا يُفهم .
(٣. ما تجاوز الأمر.
(٤) ضربها .
(٥) تلوّث بالدم .

٢٧١
((طه)) حتى انتهى إلى قوله (( إنني أنا اللهُ لا إله إلا أنا فأُ عبدني
وأقِ الصلاةَ لذٍ كري)) (١) فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع
خباب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر فاني أرجو أن
تكون دعوة رسول الله عَ ◌ّه لك ليلة الخميس ((اللهم أعزّ الاسلام
بعمر بن الخطاب أو بعمروبن هشام (٣) قال: ورسول الله عَ اجِ ( في
الدار التي في (٣).) أصل الصفا فانطلق عمر حتى أتى الدار . قال :
وعلى الباب حمزة وطلحة وناس من أصحاب رسول الله عَ ليه ، فلما
رأى حمزة وجل الناس (٤) من عمر قال حمزة : نعم هذا عمر ، فان
"يُرد الله بعمر خيراً يسلم ويتبع النبي عَّهِ، وإِن يُرد غير ذلك يكن
قتله علينا هيّناً قال والني صَّة داخل يوحى إليه . قال : فقام
(١) طه. الآيات (١ - ١٤ )
(٢) الحديث : بهذه الرواية عن أنس أخرجها البيهقي في دلائل النبوة، وهذا
الحديث ((اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام))
أخرجه أيضاً الامام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وابن سعد في
الطبقات والبيهقي في الدلائل وإلحاكم في صحيحه بألفاظ مختلفة . واخرجه
الحاكم في المستدرك ((اللهم اعز الاسلام بعمر)) وقال صحيح الإسناد
ولم يخرجاه .
(٣) من قط
(٤) قط : القوم

٢٧٢
حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف
رسول اللّه صَالله
فقال : ما أنت منتهياً ياعمر حتى يُنزِلَ الله -يعني بك - من الخزي
والنكال مانزل بالوليد بن المغيرة ؟ ( اللهم هذا عمر بن الخطاب (١))
اللهم أعن الدين بعمر بن الخطاب . فقال عمر : أشهد إِنك كرسول
الله . فأسلم وقال : اخرج يارسول الله .
وعن ابن عباس ، قال: سألت عمر بن الخطاب لأي شيء
مُسميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلي ثلاثة أيام، ثم شرح الله
صدري للاسلام فقلت : الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ، فما في
الأرض نسمة أحب إلي من نسمة رسول الله عَ ليه . فقلت : أين
رسول الله ؟ فقالت أختي هو في دار الأرقم ابن أبي الأرقم (٥) عند
الصفا فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار ، ورسول الله
عَّة في البيت ، فضربت الباب ، فاستجمع القوم فقال لهم حمزة :
مالكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب. قال: فخرج رسول الله عَلَه
(١) من قط .
(٢) صاحب حلف الفضول ومن المهاجرين الأولين ، قديم الاسلام، أسلم في
داره كبار الصحابة في ابتداء الاسلام . توفي سنة (٥٥) « وهو ابن
بضع وثمانين سنة ( الاستيعاب ) .

م - ١٨
٢٧٣
ج ١
بمجامع ثيابه ثم هزه هزة (١) فما تمالك أن وقع على ركبته ، فقال :
ما أنت بمنته ياعمر ؟ قال : قلت : أشهد أن لا إله إلا الله وحده
لاشريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، قال: فَكبر أهل الدار
تكبيرة سمعها أهل المسجد . قال : فقلت : يارسول الله ألسنا على
الحق إِن متْنا وإِن حَيينا ؟ قال : بلى والذي نفسي بيده إنكم على
الحق إِن مّتم وإِن ◌َيتم . فقلت : ففيم الاختفاء ؟ والذي بشك
بالحق لنخرجن فأخرجْناه في صفّين ، حمزة في أحدهما ، وأنا في
الآخر ، له كديد (٢) كَكَدِيد الطحين ، حتى دخلنا المسجد .
قال: فنظرتْ إِلىّ قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها
فسماني رسول الله عَّج يومئذ الفاروق .
قال أهل السير : أسلم عمر وهو ابن ست وعشرين سنة بعد
أربعين رجلاً وقال سعيد بن المسيّب : بعد أربعين رجلاوعشر نسوة.
(١) قط: ((ثر ثرة))
(٢) التراب الناعم فاذا وطىء ثار غباره ، أراد أنهم كانوا في جماعة ، وأن
الغبار كان يثور من مشيهم ، كنبار الطحين .

٢٧٤
وقال عبد الله بن ثعلبة بن ◌ُعَير: (١) بعد خمسة وأربعين رجلاً
وإِحدى (٢) عشرة امرأة .
وعن داود بن الحُصين (٣) والزهري، قالا: لما أسلم عمر نزل
جبريل عليه السلام فقال : يا محمد استبشر أهل السماء باسلام عمر (٤).
وقال ابن مسعود : مازلنا أعزةً منذ أسلم عمر (٥).
وقال صهيب : لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلّقاً ، وطفنا
وانتصفنا ممن غلظ علينا .
(١) من بني عذرة، ولد قبل الهجرة بأربع سنين، توفي سنة (٨٩) ه،
له رؤية ، ولم يثبت له سماع ( الاستيعاب والتقريب).
(٢) في المطبوع: ((أحد)) تحريف .
(٣) هو أبو سليمان المدني الأموي، ثقة، لكنه رمي برأي الخوارج مات سنة
(١٣٥) ه. (التقريب).
(٤) الحديث : أخرجه ابن سعد في الطبقات وأول الخبر: أسلم عمر بعد أن
دخل رسول اللّه دار الأرقم ... ثم قالا : لما أسلم عمر نزل جبريل
عليه السلام ...
(٥) أخرجه البخاري في مناقب عمر .

٢٧٥
ذكر صفة عمر رضى اللّه عنه
كان أبيض أمهق(١)، تعلوه حمرة، طوالا أصلع أجلح، (٢)
شديد حمرة العين ، في عارضه خفة وقال وهب : صفته في التوراة :
قرن من حديد ، أمير شديد .
ذكر أولاده
كان له من الولد عبد الله ، وعبد الرحمن ، وحفصة : أمهم زينب
بنت مظعون ، وزيد الأكبر ورقية : أمهما أم كلثوم بنت علي ،
وزيد الأصغر وعبيد الله : أمهما أم كلثوم بنت جرول ، وعاصم :
(٣)
أمه جميلة ، وعبد الرحمن الأوسط : أمه لهية أم ولد ، وعبد الرحمن
الأصغر : أمه أم ولد ، وفاطمة: أمها أم حكيم بنت الحارث ،
وعياض : أمه عاتكة بنت زيد ، وزينب : أمها فكيهة أم ولد .
ذكر نزول القرآن بموافقة
عن أنس قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وافقت
(١) شديد البياض كلون الجص .
(٢) انحسر الشعر عن جانبي رأسه .
(٣) ق: ((وأم جميلة)) والصواب ما اعتمدناه، كما في الاستيعاب، وهي جميلة
(٤) ق : امهم، والصواب ما اعتمدناه .
بنت ثابت ابن ابي الاقلح .

٢٧٦
ربي عز وجل في ثلاث . قلت : يارسول الله لو اتخذنا من مقام
إبراهيم مصلى، فنزلت (( واتخذوا من مقامِ ابراهيم مصلى)) (١)
وقلت : يارسول الله ان نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو
أمرنهن أن يحتجبن. فنزلت آية الحجاب . واجتمع على رسول الله
صَ ل٤٣ نساؤه في الغيرة فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله
أزواجاً خيراً منكن . فنزلت كذلك (٢) حديث متفق عليه (٣) ..
ذكر جمدة من مناقبه وفضائد
قال أهل العلم ، لما أسلم عمر عنَّ الاسلام، وهاجر جهراً
وشهد بدراً وأُحُداً والمشاهد كلها . وهو أول خليفة ◌ُدُعي بأمير
المؤمنين ، وأول من كتب التاريخ للمسلمين (٤) وأول من جمع
(١) البقرة : (١٢٥ )
(٢) وهي الآية (٥) من سورة التحريم ، باللفظ المذكور .
(٣) الحديث في الصحيحين في فضائل عمر بلفظ ((وافقت ربي عز وجل في
ثلات في مقام إبراهيم ، وفي الحجاب وفي أسارى بدر)) وذكره
البخاري بنحو ما ذكره المصنف في تفسير سورة البقرة. وفي قوله تعالى
((واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وأخرج أجزاء منه في تفسير سورتي
الأحزاب والتحريم .
(٤) أي أمر أن يؤرخ بالهجرة .

٢٧٧
(٢)
القرآن في المصحف (١) وأول من جمع الناس على صلاة التراويح
وأول من عمّس (٣) في عمله، وحمل الدّرَة وأدّب بها، وفتح
الفتوح ، ووضع الخراج ومصر الأمصار ، واستقضى القضاة، ودون
الديوان، وفرض الأعطية، وحج بأزواج رسول الله عَّةٍ في آخر
حجة حجها .
عن عائشة، عن التي تم٣ّ ، قال: قد كان في الأمم محدثون،
فان يكن في أمتي فعمر - حديث متفق عليه (٤)
١
وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي عَُّله أنه قال لعمر: والذي
نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إِلا سلك فاً غير فجَّك
- أخرجاه في الصحيحين _ (٥).
(١) قط : الصحف
(٢) قط : على قيام رمضان
(٣) طاف في الليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة ، ومنه العسس.
(٤) الحديث أخرجه البخاري ومسلم في فضائل عمر. ومحدّثون: مفهمّون.
(٥) الحديث أخرجه البخاري ومسلم في فضائل عمر من حديث النسوة من
قريش اللاتي كن يسألن رسول الله عالية أصواتهن .
:

٢٧٨
وعن ابن عمر، قال: استأذن عمر الرسول عَّةٍ في العمرة،
فقال : ياأخي أشركنا في صالح دمائك ولا تنسنا (١).
وعنه قال: قال رسول الله عَ ◌ّهِ: عمر بن الخطاب سراج
أهل الجنة (٢).
وعن أنس عن النبي ◌َّه قال: أشد أمتي في أمر الله عمر (٣)
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله(عزوجلايه
قال : رأيت الناس مجتمعين في صعيد فقام أبو بكر فنزع ذنوباً أو
ذنوبين (٤) وفي بعض نزعه ضعف ، والله يغفر له . ثم أخذها عمر
(١) الحديث أخرجه الترمذي في الدعوات ١٠٩ وابن ماجه في المناسك وأحمد
في المسند ٢٩/١ و ٦٥٥٥٩/٢ بلفظ فيه بعض الاختلاف.
(٢) الحديث ضعيف ، أخرجه البزار عن ابن عمر ، وأبو نعيم في الحليه عن
أبي هريرة وابن عساكر في التاريخ عن الصعب بن جئامة .
(٣) الحديث صحيح أخرجه الترمذي في المناقب برقم ٣٧٩٣ وابن ماجه في
في المقدمة والحاكم في المستدرك وابن عدي وابن عساكر، وهو جزءمن
حديث أوله (( أرأف أمتي بأمتي أبو بكر ... )) ولفظ الترمذي ((أرحم
أمتي ... ))
(٤) الذنوب : الدلو .

٢٧٩
فاستحالت في يده غرباً (١) فلم أر عبقرياً يَغري فرِّيه حتى ضرب
الناسُ بعطَن (٢) حديث متفق على صحته (٣).
وعنه قال (٤) كان النبي صَّة يحدّث فقال: بينما أنا نائم أثِيت
بقدح فشربت منه حتى إني أرى الرّي يخرج من أطرافي (٥) ثم
أعطيت فَضلي عمر فقالوا: فما أوّلتَ ذلك يارسول الله ؟ قال: العلم
- وهذا متفق على صحته - (٦) .
(١) الفَرْب (بسكون الراء ): الدلو العظيمة. وبفتح الراء: الماء السائل
بين البئر والحوض . قال ابن الأثير: ((وهذا تمثيل ، ومعناه أن عمر
لما أخذ الدلو ليستقي عظمت في يده ، لأن الفتوح كانت في زمنه أكثر
منها في زمن أبي بكر . ومعنى استحالت : انقلبت عن الصفر إلى الكبر)
النهاية ٣٤٩/٣ ٠
(٢) العبقري: السيد - ويفري فريه: يعمل عمله ويقطع قطعه - والعطَن
مَبرك الابل حول الماء . ضرب ذلك مثلاً لا تّساع الناس في زمن عمر،
وما فتح الله عليهم من الأمصار .
(٣) الحديث أخرجه البخاري ومسلم في فضائل عمر .
(٤) قط: ((عن سالم عن أبيه قال)).
(٥) قط: ((أظفارى)) وبهامشها: ((أطرافي)).
(٦) الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي في فضائل عمر .

٢٨٠
ذكر خلاقة
قال حمزة بن عمرو: توفي أبو بكر مساء ليلة الثلاثاء الثمان
بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة ، فاستقبل عمر بخلافته
يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكر .
عن جامع بن شداد ، عن أبيه ، قال : كان أول كلام تكلم به
عمر حين صعد المنبر أن قال : اللهم إِني شديد قَلَيّنيّ ، وإِني ضعيف
فَقوني ، وإني بخيل فَسِخْني .
ذكر اهتمام برعين
عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : خرجت مع عمر إِلى
السوق فلحقته امرأة شابة فقالت : ياأمير المؤمنين هلك زوجي وترك
صبية صغاراً والله ماينضجون كراما (١) ولا لهم زرع ولا ضرع
وخشيت (٢) عليهم الضّبْعْ (٣) وأنا ابنة خفاف بن ايماء الغفاري وقد
(١) الكُراع : ما دون الركبة من الساق .
(٢) قط : وخشينا .
(٣) في الاصل الضبع ، تصحيف ، والضبع: السنة المجدبة الشديدة ، وفي
البخاري (( وخشيت عليهم أن تأكلهم الضبع)). وخفاف : صحابي كان
امام مسجد غفار ، توفي في خلافة عمر بن الخطاب .