النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الأدواء (١) النفس، إِلا أنك شكوتَ من إطالته بالأحاديث
المسندة التي لا تليق به وبكلامٍ عن بعض المذكورين
كثير قليل الفائدة ، وسألتني أن أختصره لك وأنتقي
محاسنه ، فقد أعجبني منك أنك أَصبتَ في نظرك، إلا
أنه لم يكشف لك كل الأمر، وأنا أكشفه لك فأقول:
اعلم أن كتاب ((الحلية)) قد حوى من الأحاديث
والحكايات جملة حسنة إلا أنه تكدّر بأشياء وفانته أشياء.
مساوئه
فالأشياء التي تكدر بها عشرة :
الأول - أن هذا الكتاب إنما وضع لذكر أخبار
١- ذكر أسماء ولم
، يترجم لأصحابها الأخيار، وإِنما يراد من ذكرهم شرْح أحوالهم وأخلافهم
ليقتدي بها السالك، فقد ذكر فيه أسماء جماعة ثم لم ينقل
عنهم شيئاً من ذلك، ذكر عنهم ما يروونه عن غيرم أو
ما يسندونه من الحديث، كما ملأ ترجمة هشام بن حسان
بما يروى عن الحسن (٢)، وذلك الحكايات ينبغي أن
(١) الأدواء : ج داء .
(٢) الأزدي القُردوسي ، محدّث بصري، وهو من المكثرين عن
الحسن البصري ( - ١٤٧ هـ ).
(٣) هو الحسن البصري، تابي ، كان إمام أهل البصرة وعالم
الأمة في عصره ( - ١١٠ هـ ).

٢٢
تدخل في ترجمة الحسن لا في ترجمة هشام ، وكذلك
ملأ ترجمة جعفر بن سليمان(١) بما يروى عن مالك بن
دينار(٢) ونظرائه، ولم يذكر له عنه شيئاً .
٢- ذكر مالا
يليق بالکتاب
والثاني - أنه قَصد ماينقل عن الرجل المذكور ،
ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا ؟ مثل ما ملأ ترجمة
مجاهد(١) بقطعة من تفسيره، وترجمةَ عكرمة (٤) بقطعة
من تفسيره، وترجمة كعب الأحبار(٥) بقطعة من التوراة
وليس هذا بموضع هذه الأشياء .
والثالث - أنه أعاد أخباراً كثيرة مثل ماذكر في
٣- تكرار
الأخبار
(١) هو جعفر بن سليمان الضُبتي، كان صدوقاً زاهداً، روى
عن مالك بن دينار وغيره ( - ١٧٨ هـ ).
(٢) مالك بن دينار البصري ، من رواة الحديث وأصحاب الورع
( - ١٣١ هـ ) .
(٣) مجاهد بن جبر ، تابعي ، من أهل مكة ، وشيخ القراء
والمفسرين ( - ١٠٤ هـ ) .
(٤) عكرمة بن عبد الله المدني ، تابي، من أعلم الناس بالتفسير
والمغازي ( - ١٠٥ هـ ) ...
(٥) من التابعين، أخذ عنه الناس كثير من أخبار الأمم الغابرة ..
وكان من كبار علماء اليهود في اليمن قبل إسلامه زمن .
أبي بكر ( - ٣٢ هـ ) .
:

٢٣
ترجمة الحسن البصري من كلامه ، ثم أعاده في تراجم
أصحابه الذين يرونَ كلامه، وذكر في ترجمة أبي سليمان
الداراني(١) من كلامه، وأعاده في ترجمة أحمد بن أبي
الحواري(٢) بروايته عن أبي سليمان .
والرابع - أنه أطال بذكر الأحاديث المرفوعة التي
يرويها الشخص الواحد فينسى ما وُضع له ذكر الرجل
من بيان آدابه وأخلاقه ، كما ذكر شُعبة وسفيان ومالك
وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل(٣) وغيرهم ، فانه
ذكر عن كل واحد من هؤلاء من الأحاديث التي يرويها
مرفوعة جملةٍ كثيرة، ومعلوم أن مثل كتابه الذي يقصد
به مداواة القلوب إِنما وُضع لبيان أخلاق القوم لا الأحاديث،
(١) زاهد متصوف من أهل ((داريًا)) (في غوطة دمشق )
( - ٢١٥ هـ ).
(٢) ثقة زاهد. ( - ٢١٥ هـ ).
(٣) شعبة بن الحجاج، من أئمة الحديث ، والعلماء بالأدب والشعر
( - ١٦٠ هـ ). وسفيان الثوري: أمير المؤمنين في
الحديث ، ولابن الجوزي كتاب في مناقبه ( - ١٦١ هـ ).
وعبد الرحمن بن مهدي العنبري ، من كبار حفاظ الحديث
( - ١٩٨ هـ). وأحمد بن حنبل، هو إمام المذهب
الحنبلي ، ولابن الجوزي كتاب في مناقبه ( - ٢٤١ هـ ).
٤- الاطالة فيما
يروى من
الاحاديث

٢٤
ولكل مقام مقال ، ثم لو كانت الأحاديث التي ذكرها
من أحاديث الزهد اللائقة بالكتاب لَقَرُبَ الأمر؛
ولكنها من كل فن ، وعمومها من أحاديث الأحكام
والضعاف . أو لو كان اقتصر على الغريب من روايات
المكثرين ، او رخم (١) ما يرويه المقلون - كما روي عن
الجنيد(٢) أنه لم يُسنِدِ إِلا حديثاً واحداً - لكان ذكرُ
مثلِ هذا حسناً لكنه أمعن [ فيما لا يتعلق ](٣) ذكره
بالكتاب .
٥- ذكر أحاديث
باطله
والخامس - أنه ذكر في كتابه أحاديث كثيرة
باطلة وموضوعة ، فقصد بذكرها تكثير حديثه وتنفيقُ
رواياته ، ولم يبين أنها موضوعة ومعلوم أن جمهور المائلين
الى التبرّر(٤) يخفى عليهم الصحيح من غيره، فَسَتْرُ
ذلك عنهم غشٌ من الطبيب لا نُصح .
(١) كذا يقال: رخَمت الدجاجة بيضها : حضنته . ومن المجاز
قولهم: ألقى عليه رحمته، إذا لهج به وتولع . ولعل
المراد : التزم وتقيد .
٦
(٣) الجنيد بن محمد البغدادي ، شيخ مذهب التصوف (-٢٩٧هـ)
(٣) في المطبوع: ((أمعن .. تعلق)) والسياق يقتضي ما أثبت.
(٤) تبرّر الرجل: صاراً باراً. والبير (بالكسر) الصلاح والصدق
.

٢٥
والسادس - السجع البارد في التراجم ، الذي لا يكاد
٦ - السجع البارد
يحتوي على معنى صحيح خصوصاً في ذكر حدود التصوف.
والسابع - اضافة التصوف الى كبار السادات
كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وشُريح(١) وسفيان
وشعبة ومالك والشافعي وأحمد، وليس عند هؤلاء القوم
خَبَر من التصوف .
٧-إضافةالتصوف
الى غير الصحابة
فإن قال قائل : إِنما عنَى به الزهدَ في الدنيا
وهؤلاء زهاد ، قلنا : التصوف مذهب معروف عند
أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد بل له صفات وأخلاق
يعرفها أربابه ولولا أنه أمر زِيدَ على الزهد ما نُقل عن
بعض هؤلاء المذكورين ذمته ، فانه قد روى أبو نُعيم
في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: ((التصوف
مبني على الكسل، ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت
الظهر إلا وهو أحمق)). وقد ذكرتُ الكلام في
التصوف ووسعتُ القول فيه في كتابي المسمى بتلبيس
إبليس .
(١) هو شريح بن الحارث .. الكندي)، من أشهر القضاة
الفقهاء ( - ٧٨ هـ ) .

٢٦
والثامن - أنه حكى في كتابه عن بعض المذكورين
٨- إطالة الكلام
فيما لاطائل فيه
كلاماً أطال به لا طائل فيه ، تارةً لا يكون في ذلك
الكلام معنى صحيح كجمهور ماذَ كر عن الحارث المحاسبي(١)
وأحمد بن عاصم ، وتارة يكون ذلك الكلام غير اللائق
بالكتاب ، وهذا خلل في صناعة التصنيف ، وإِنما ينبغي
للمصنف أن ينتقي (٢) فيتوقّى ولا يكون كماطب ليل(٣)
فالنّطاف العِذاب (٤) تروي لا البحر .
٩- ذكر أشياء عن
الصوفية لا يجوز
فىلہا
والتاسع - أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز
فعلها ، فربما سمعها المبتدىء القليل العلم فظها حسنةً
فاحتذاها ، مثل ما روي عن أبي حمزة الصوفي أنه وقع
فى بئر فجاء رجلان فَطمّاها (٥) ، فلم ينطق حملاً لنفسه
(١) الحارث بن أسد المحاسبي : من أكابر الصوفية والوعاظ في
البصرة وبغداد ( - ٢٤٣ هـ). وأحمد بن عاصم هو أبو
محمد البلخي ، كان زاهداً ( - ٢٢٧ هـ ).
(٢: تنقى الشيءَ: اختاره، وفي الاصل: ((ينقى)) تحريف.
(٣) يضرب هذا القول مثلاً للرجل يجمع كل شيء ولا يميز الجيد
من الرديء ، والحاطب : جامع الحطب .
(٤) النطاف : ج نطفة وهي الماء الصافي قلّ أو كثر، والعذاب
( بالكسر ) : الطيبة المستساغة .
(٥) طمّ البئر: سواها ودفتها .

٢٧
على التوكل نزعمه ، وسكوت هذا الرجل في مثل هذا
المقام إِعانة على نفسه وذلك لا يحل ، ولو فهم معنى
التوكل لعلم أنه لا ينافي استغائته في تلك الحال ، كما لم
يخرج رسول اللّه عَّ ٤٣ من التوكل باخفائه الخروج من
مكة واستئجاره دليلاً واستكتامه ، واستكفائه ذلك الأمر
واستتاره في الغار ، وقوله لسُراقةً(١): أخفٍ عنا(٢).
فالتوكل الممدوح لا يُنال بفعل محذور، وسكوت
هذا الواقع في البئر محظور عليه ، وبيان ذلك أن اللهعن
وجل قد خلق للآدمى آلة يدافع بها عن نفسه الضرر
وآلة يجتلب بها النفع ، فاذا عطلها مدعياً للتوكل كان
جهلاً بالتوكل ورداً لحكمة الواضع لأن التوكل إنما هو
(١) سراقة بن مالك بن جُعشم الكناني، صحابي شاعر، عرف
بالفراسة والعلم باقتصاص الأثر ، ( القيافة ) ، أرسله أبو
سفيان ليقتاف أثر النبي صَّه حين خرج إلى النار مع
أبي بكر ، وأسلم بعد غزوة الطائف ( - ٢٤ هـ ).
(٢) حديث ((اخف عنا)) أخرجه البخاري في باب ((هجرة
النبي صَّ وأصحابه الى المدينة)) عن عائشة وهو جزء من
حديث طويل، وفي حديث أنس ((فقال: يانبي الله مرفي
بما شئت ، قال : فقف مكانك لا تتركن أحداً يلحق
بنا)) - انظر فتح الباري ٨ / ٢٤٢.

٢٨
اعتماد القلب على الله سبحانه وليس من ضرورته قطع
الأسباب، ولو أن إنساناً جاع فلم يأكل ، أو احتاج فلم
يسأل ، أو عري فلم يلبس ، فمات دخل النار ، لأنه قد
دُلّ على طريق السلامة فاذا تقاعد عنها أعان على نفسه.
وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال : أخبرنا محمد
ان ... (١) قال أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال:
حدثنا محمد بن العباس بن أيوب، قال: حدثنا عبد الرحمن
ابن يونس الرّقي قال: حدثنا مُطَرِّفِ بن مازن عن
الثوري قال: ((من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار)).
١
قلت: ولا التفات إلى أبي حمزة في .. (٢) حكايته
((فجاء أسد فأخرجني))، فانه ان صح ذلك فقد يقع
مثله اتفاقاً ، وقد يكون لطفاً من الله تعالى بالعبد الجاهل،
ولا يُنكَر أن يكون الله تعالى لطف به ، انما يُنكر
فعلُه الذي هو كسبه ، وهو إعانته على نفسه التي هي
وديعة الله تعالى عنده وقد أمر بحفظها .
(١) كلمة ممحوة في الاصل .
(٢) نقص في الاصل أيضاً، ويبدو أن فيه أصل العبارة التي تلت.
٠
٠

٢٩
وكذلك روى (١) عن الشبلي أنه كان إذا لبس
ثوباً خرقه وكان يحرق ... (٢) والخبزَ والأطعمةَ التي ينتفع
بها الناسُ بالنار ، فلما سئل عن هذا احتج بقوله :
( فطفق مسحاً بالسُوق والأعناق(٣) )، وهذا في غاية
القبح لأن سليمان عليه السلام في معصوم فلم يفعل إلا
ما يجوز له ، وقد قيل في التفسير إنه مَسح على نواصيها
وسُوقها وقال: أنت في سبيل الله، وإِن قلنا إنه عَقرها
فقد أطعمها الناس ، وأكل لحم الخيل جائز ، فأما هذا
الفعل الذي حكاه عن الشبلي فلا يجوز في شريعتنا فان
رسول الله عَليه نهى عن إضاعة المال(٤) - وحكى عنه
(١) أي أبو نعيم في الحلية .
(٢) كلمة ممحوة في الاصل .
(٣) الآية ٣٣ من سورة (ص)، وقبلها: ((ووهبنا لِدّاود
سليمان ، نعم العبد إنه أواب . إذا عُرض عليه بالمشيّ
الصافنات الجياد ، فقال إني أحببت حبّ الخير عن ذكر
ربي حتى توارت بالحجاب ، ردّوها علي ، فطفق مسحاً
بالسوق والأعناق » .
(٤) والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة منها ما أخرجه مسلم في
صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهَ مَ ◌ّه ((إن
اللّه تعالى يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم :-

۔۔
٣٠
لما مات ولده حلَق لحيته وقال : قد جزت أمه شعرها
على مفقود أفلا أحلق أنا لحيتي على موجود ؟.
إلى غير ذلك من الأشياء السخيفة الممنوعِ منها
شرعاً .
١٠ - خلط في
ترتيب التراجم
والعاشر - أنه خلط في ترتيب القوم فقدّم من
ينبغي أن يؤخر وأَخْر من ينبغي أن يقدّم ، فَعل ذلك
في الصحابة وفيمن بعدهم ، فلا هو ذكرهم على ترتيب
الفضائل ، ولا على ترتيب المواليد ، ولا جمع أهل كل
بلد في مكان ، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط ،
خصوصاً في أواخر الكتاب فلا يكاد طالب الرجل يهتدي
إلى موضعه ومن طالع كتاب هذا الرجل ممن له أنس
بالنقل انكشف له ما أشرت اليه .
الأشياء التي فاقت
«الحلية))
وأما الاشياء التي فانته فأهمها ثلاثة أشياء :
أحدها - أنه لم يذكر سيد الزهاد وإمام الكل
= أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله
جميعاً ولا تفرقوا ، ويكره لكم: قيل وقال ، وكثرة
السؤال ، وإضاعة المال )) وفي البخاري ما يماثل هذا في
النهي عن إضاعة المال من حديث آخر ذكره في كتاب
الرقاق ، باب ما يكره من قيل وقال .

٣١
وقدوة الخلق وهو نبينا معَة ◌ٍ فانه المتَّبَعُ طريقه المقتدى
بحاله .
والثاني - أنه ترك ذكر خلق كثير قد نُقل
عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير ، ولا يجوز أن يُحمل
ذلك منه على أنه قصد المشتهرين بالذكر دون غيرهم ،
فانه قد ذكر خلقاً لم يُعرفوا بالزهد ولم ينقل عنهم شيء
وربما ذَكر الرجل فأسند عنه أبيات شعرٍ فحسب ،
ففعله يدل على أنه أراد الاستقصاء ، وتقصيره في ذلك
ظاهر .
والثالث - أنه لم يذكر من عوابد النساء إِلا عدداً
قليلا ، ومعلوم أن ذكر العابدات مع قصور الأنونية ،
يونِب المقصّر(١) من الذكور، فقد كان سفيان الثوري
ينتفع برابعة(٣) ويتأدب بكلامها.
وقد حداني جِدّك ، أيها المريد ، في طلب أخبار
الدافع الى تأليف
ومغ الصفوة)) الصالحين وأحوالهم أن أجمع لك كتابًا يغنيك عنه ،
(١) أوثبه يُوثبه: جعله ينب وينشط .
(٢) مي رابعة العدوية ، الصالحة المشهورة ، من أهل البصرة ،
لها أخبار وشعرٌ في العبادة والنسك (١٣٥ هـ ).

٣٢
ويحصّل لك المقصود منه ، ويزيد عليه بذكر جماعة لم
يذكرهم ، وأخبار لم ينقلها ، وجماعة وُلدوا بعد وفاته ،
وينقص عنه بترك جماعة قد ذكرم لم ينقل عنهم كبير
شيء وحكاياتٍ قد ذكرها ، فبعضها لا ينبغي التشاغل
به ، وبعضها لا يليق بالكتاب على ما سبق بيانه .
فصل
في بيان وضع كتابنا والكشف عن قاعدة
لما كان المقصود بوضع مثل هذا الكتاب ذكر
وضع کتاب
((الصفة)» وطريقته
أخبار العاملين بالعلم ، الزاهدين في الدنيا ، الراغبين في
الآخرة، المستعدين للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح ،
ذكرت من هذه حاله دون مَن اشتهر بمجرد العلم ولم
يشتهر بالزهد والتعبد .
ولما سَمّيتُ كتابي هذا (( صفة الصفوة)) رأيت
أن أفتحه بذكر نبينا محمد بي فانه صفوة الخلق
وقدوة العالم .
فانْ قال قائل: فهلاّ ذكرت الأنبياء قبله فانهم

١
٣
٣٣
ج ١
م
صفوة أيضاً ؟ .
فالجواب - أن كتابنا هذا إنما وُضع لمداواة القلوب
وترقيقها وإصلاحها ، وإِنما نُقل الينا أخبار آحاد من
الأنبياء ثم لم يُنقل في أخبار أولئك الآحاد ما يناسب
كتابنا الا ان يُذكر عن عبّاد بي اسرائيل ماحملوا على
أنفسهم من التشديد ، أو عن عيسى عليه السلام وأصحابه
ما يقتضيه الترهبن ، وذلك منقسم إلى ما تبعد صحته ،
وإلى ما نهى عنه في شرعنا، وقد ثبت أن نبينا ◌َله
أفضل الأنبياء ، وأن أمته خير الأمم ، وأنن شريعته
حاكمة على جميع الشرائع ، فلذلك اقتصرنا على ذكره
وذكر أمته .
فصل
في بيان ترتيب كتابنا
أنا أبتدىء بتوفيق الله سبحانه ومعونته فأذكر
بيان ترتيب
الكتاب
باباً في فضل الأولياء والصالحين ، ثم أردفه بذكر نينا
محمد عَّة وشرح أحواله وآدابه وما يتعلق به، ثم أذكر
٠
١٠٠٠

٣٤
المشتهرين من أصحابه بالعلم المقترن بالزهد والتعبد ، وآتي
بهم على طبقاتهم في الفضل ثم أذكر المصطَفيات من
الصحابيات على ذلك القانون ، ثم أذكر التابعين ومن
بعدم على طبقاتهم في بلدانهم.
وقد طفت الأرض بفكري شرقاً وغرباً ،
واستخرجت كل من يصلح ذكره في هذا الكتاب من
جميع البقاع. ورب بلدة عظيمة لم أَرَ فيها من يصلح
لكتابنا . وقد حصرتُ أهل كل بلدة فيها وتريدبهم على
طبقاتهم : أبدأ بمن يُعرف اسمه من الرجال ، ثم أذكر
بعد ذلك من لم يُعرف اسمه. فاذا انتهى ذكرت عابدات
ذلك البلد على ذلك القانون ، وربما كان في أهل البلد من عقلاء
المجانين من يصلح ذكره من الرجال والنساء فأذكره .
وإِنما ضبطت هذا الترتيب تسهيلاً للطلب على
الطالب ، ولما لم يكن بدّ من مركز يكون كنقطة
للدائرة رأيت أن مركزنا وهو بغداد أولى من غيره ،
إلا أنه لما لم يمكن تقديمها على المدينة ومكة لشرفها،
بدأت بالمدينة لأنها دار الهجرة، ثم ثنّيت بمكه ثم ذكرت
٠

٣٥
الطائف لقربها من مكة ثم اليمن وعدت إلى مركزنا
بغداد فذكرت المصطفين منها ثم انحدرت الى المدائن
ونزلتُ إلى واسط ، ثم إلى البصرة ، ثم الى الأُبلة ثم
عَبّادان ثم تسْتر(١) ثم شيراز ثم كرمان ثم أرّجان(٣)
ثم سمستان ثم دَيْبُل ثم البحرين(٣) ثم الحمامة ثم الدِينَوَر.
ثم حمَذان(6) ثم قَزوين ثم أصبهان ثم الرّي(*) ثم دامَفان
(١) الأبَلّة (بضم الهمزة والباء وتشديد اللام ): على شاطىء
دجلة ، قرب البصرة .
وعبّادان (بفتح العين وتشديد الباء ) : تقع في
جزيرة بين شطري دجلة قرب البحر .
وتُسْتَرَ ( بضم الأول وسكون السين وفتح التاء ):
أعظم مدينة بخوزستان ، وأنهارها كثيرة .
(٢) شيراز : بلد عظيم مشهور في بلاد فارس ، ومثله كرمان
(بفتح الكاف وقد تكر )، وأرجان (بفتح فتشديد ).
(٣) سجستان : ناحية كبيرة جنوبي هراة. ودَيْبُل (بفتح
وسكون فضم ) : مدينة على ساحل بحر الهند بين
البصرة وعمان.
(٤) اليمامة : في جهة البحرين ، فتحها خالد بن الوليد سنة
١٢ هـ. والدينور (بكسر الدال وفتح النون والواو )
وهمذان : مدينتان مشهورتان في بلاد فارس .
(٥) قزوين ، وأصبهان ، والرَّي : في فارس أيضاً .
٠

٣٦
ثم بسطام ثم تَيسابور(١) ثم طُوس ثم هراة ثم مَرو (٢)
ثم بَلْخ ثم يرمِذ ثم بخارى(٣) ثم فرغانة ثم تخشَب(٤)
ثم ذكرت عبّاد المشرق المجهولين البلاد والأسماء.
فلما انتهى ذكر أهل المشرق عدنا الى مركزنا وارتقينا
منه إلى المغرب، وقد ذكرنا(٥) أهل عُكْبَرا ثم الموصل
ثم البرقةِ (١) ثم طبقات أهل الشام ثم المقدسيين، ثم أهل
(١) دامتغان (بفتح الميم ) : بين الري ونيسابور . وبسطام
( بكسر الباء ): على جادة الطريق الى نيسابور. ونيسابور
مدينة عظيمة في بلاد فارس ، وكانت منبع العلماء .
(٢) طوس ، وهراة ، ومرو: أسماء مدن في فارس أيضاً .
(٣) بَلْخ ( بفتح فسكون ) : مدينة في خراسان . وترمذ
(بكسر التاء والميم على الأشهر ) : على نهر جيحون .
وبخارى : من أعظم مدن ماوراء النهر قرب جيحون .
(٤) فَرغانة (بفتح الفاء ): مدينة واسعة فيما وراء النهر متاخمة
لتركستان .
ونَخْشَب ( بفتح النون والشين ): من مدن ماوراء
وراء النهر بين جيحون وسمر قند على طريق بحارى .
(٥) قط فذكرنا .
(٦) عُكْبَرا: (بضم العين وفتح الباء ): تبعد عن بغداد
عشرة فراسخ . وبَرْقَة : اسم صقع كبير يشتمل على مدن
وقرى بين الاسكندرية وإفريقية بهذا الاسم ، ولعله يريد
تلك التي في خراسان .
١

٣٧
جبلة(١) ، ثم أهل العواصم والتغور ، ثم من لم يعرف
بلده من عبّاد أهل الشام ، ثم عسقلان (١) ثم مصر ثم
مصر ثم الاسكندرية ثم المغرب ، ثم عبّاد الجبال ، ثم
عبّاد الجزائر ، ثم عباد السواحل ، ثم أهل البوادي
والفلوات ، ثم من لم نعرف له مستقراً من العبّاد وإِنما
◌ُتي في طريق : فمنهم من لتي في طريق مكة ، ومنهم
من لُقي بعرفة ، ومنهم من لقي في الطواف ، ومنهم
من لُقي في غزاة، ومنهم من لقي في طريق سفر أو
طريق سياحة .
ثم ذكرت من لم يُعرف له اسم ولا مكان من
العباد . ثم ذكرت طَرفاً من أخبار بُنياتٍ صغار
تكلمن بكلام العابدات الكبار . ثم ذكرت طرفاً من
من أخبار عبّاد الجن فتمت بذلك الكتاب والله الموفق .
(١) جَبَلة (بفتح الجيم والباء): اسم لمدة مدن وقرى ،
أشهرها قرب اللاذقية .
(٢) عَسقلان : من أعمال فلسطين ، على ساحل البحر بين
غزة وبيت جبرين .

٣٨
وإِنما أنقل عن القوم محاسن ما نقل مما يليق بهذا
ينقل عن القوم
محاسنهم
الكتاب ولا أنقل كل مانقل . إذ لكل شيء صناعة ،
وصناعة العقل حسن الاختيار . وكما أني لا أذكر مالا
يصلح؛ لا أذكر مالا يصلح أن يقتدى به ممن هو في
صورة العلماء والزهاد . وقد تجوزت بذكر جماعة من
المتصوفة ورَدت عنهم كلمات منكرة وكلمات حسان ،
فانتخبت من محاسن أقوالهم لأن الحكمة ضالة المؤمن .
ومع تنقينا وتوقينا وحذف من لا يصلح وما لا يصلح ،
فقد زاد عدد من في كتابنا على ألف شخص : يزيد
الرجال على ثمانمائة زيادة بيّنة ، وتزيد النساء على مائتين
زيادة كثيرة. ولم يبلغ عدد رجال («الحلية)) الذين
ذكرت أحوالهم في تراجمهم ستمائة ، بل قد ذكر جماعة
لم يذكر لهم شيئاً ولا أظنه ذكر في جميع الكتاب
عشرين امرأة .
وإِلى الله سبحانه أرغب في النفع بكلمات المتقين ،
واللحوق بدرجات أهل اليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

٣٩
باب ذكر فضل الاولياء والصالحين
الأولياء والصالحون هم المقصود من الكون ، وهم الذين علموا
فعملوا بحقيقة العلم .
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مٍَّ: إن الله تعالى قال:
((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأفضل
من أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى
أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر
به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . ولئن سألني
لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله
ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)). رواه
البخاري(١) .
وعن أنس بن مالك(٣) عن الني تَّة، عن جبريل ، عن ربه
عن وجل قال: (( من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت
(١) أخرج البخاري في صحيحه صدر الحديث بلفظ يقارب ما ذكرناه هنا .
(٢) أنس بن مالك الخزرجى الأنصاري، صاحب رسول اللّه مَّال وخادمه (-٥٩٣)

٠
٤٠
عن شيء أنا فاعله، ماترددت في قبض نفس مؤمن أكره مساءته
ولا بد له منه ، وان من عبادي المؤمنين من يريد بابًا من العبادة
فأكفّه عنه لئلا يدخله عُجْب فيفسده ذلك ، وما تقرب إلي عبدي.
مثل أداء ما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتفل حتى أحبه ، ومن
أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً ، دعاني فأجبته، وسألني
فأعطيته ، ونصح لي فنصحت له . وإن من عبادي المؤمنين من
لا يُصلح إيمانه إِلا الفقر ، وان بسطت حاله أفسده ذلك وإِن من عبادي من
لا يُصلح إِيمانَه إِلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي
المؤمنين مَن لا يُصلح إيمانَه إلا السقم ولو أصمحته لأفسده ذلك ،
وإِن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته
لأفسده ذلك . إني أُدتر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير)). ورواه
عبد الكريم الجزري عن أنس مختصراً وقال فيه إني لأسرع شيء الى
نصرة أوليائي ، إني لأغضب لهم أشدّ من غضب الليث الحرب))(١)
وعنه قال: قال رسول الله تَ ◌ّه: ((إِن من عبادِ اللَّه مَن لو
أقسم على الله لأبره(٢))).
(١) الحرب (بفتح فكسر): الشديد الغيظ. وقد حرب حرباً: إذا
اشتد غيظه .
(٢) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي وابن ماجه والامام أحمد .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ان أخت الربيع أم حارثة جرحت=
.
٠