النص المفهرس

صفحات 201-220

دخل عليه لَتُقْتَلُنَّ عن آخِرِكم، فقام إليه في أصحابه حتَّى اختلجه(١) عن
سعد وأجلسه في أصحابه، وأرسل إلى أهل مصر: إنْ كنتم تريدون قتْلَه
فأسرعوا. فدخلوا عليه فقتلوه.
وعن أبي حبيبة، قال: لمّا اشتدَّ الأمرُ، قالوا لعثمان - يعني الذين
عنده في الدّار - ائذَنْ لنا في القتال، فقال: أعْزِمُ على مَنْ كانت لي عليه
طاعةٌ أنْ لا يقاتل .
أبو حبيبة هو مَوْلى الزُّبَيْر، روى عنه موسى بن عُقْبة .
وقال محمد بن سعد (٢): حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني
شُرَحْبيل بن أبي عَوْن، عن أبيه. وحدّثني عبدالحميد بن عمران، عن
أبيه، عن مِسْوَر بن مَخْرَمة. (ح) وحدَّثني موسى بن يعقوب، عن عمّه،
عن ابن الزُّبَيْر. (ح) وحدثنا ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصَين، عن
عِكْرَمة، عن ابن عبّاس، قالوا: بعث عثمان المِسْوَر بن مَخْرَمَة إلى
معاوية يُعْلِمُهُ أنّه محصورٌ، ويأمره أنْ يُجَهِّزَ إليه جيشاً سريعاً. فلمّا قدِم
على معاوية، ركب معاوية لوقْته هو ومسلم ابن عُقْبة، ومعاوية بن
حُدَيْج، فساروا من دمشق إلى عثمان عشراً. فدخل معاوية نصف الليل،
وقبّلَ رأسَ عثمان، فقال: أين الجيش؟ قال: ما جئتُ إلّ في ثلاثة
رهط. فقال عثمان: لا وَصَلَ الله رحِمَكَ، ولا أعزَّ نَصْرَكَ، ولا جزاكَ
خيراً، فَوالله لا أُقْتل إلّ فيكَ، ولا يُنْقَمُ عليَّ إلّ من أجلك. فقال: بأبي
أنت وأمّي، لو بعثتُ إليك جيشاً فسمعوا به عاجَلُوك فقتلوك، ولكنَّ
معي نجائب، فاخرجْ معي، فما شَعَرَ بي أحد، فَوَالله ما هي إلّ ثلاثٌ
حتَّى نرى معالم الشَّامِ. فقال: بئس ما أشرْتَ به، وأبى أنْ يُجيبه.
(١) أي: جذبه ونزعه.
(٢) نقله المصنف من تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٧٩ - ٣٨٠) من المجلد الخاص
بعثمان .
٢٠١

فأسرع معاويةُ راجعاً، ورد المسْوَرُ يريد المدينة فلقيَ معاويةَ بذي المَرْوَة
راجعاً، وقدِم على عثمان وهو ذامٌ لمعاوية غيرُ عاذٍ له.
فلمَّا كان في حَصْرِه الآخر، بعث المِسْوَرَ ثانياً إلى معاوية ليُنْجِدَه،
فقال: إنَّ عثمان أحسَنَ فأحسنَ اللهُ به، ثمَّ غيَّرَ فغيَّرَ اللهُ به، فشددتُ
عليه، فقال: تركتم عثمان حتى إذا كانت نفسُه في حُنْجُرَته قلتُم: اذهب
فادفع عنه الموتَ، وليس ذلك بيدي، ثمّ أنزلني في مَشْرَبَةٍ(١) على
رأسه، فما دخل عليَّ داخلٌ حتّى قُتِلُ عثمان(٢).
وأمّا سَيْق بن عمر، فروى عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لمَّا
أتى معاوية الخبر أرسل إلى حبيب بن مَسْلَمَة الفِهْرِيّ، فقال: أشِرْ عليّ
برجلٍ منفذ لأمري، ولا يقصِّر، قال: ما أعرف لذاك غيري، قال: أنت
لها. وجعل على مقدّمته يزيد بن شجعة الحِمْيَريّ في ألفٍ وقال: إنْ
قدِمْتَ يا حبيب وقد قُتِلَ، فلا تَدَعَنَّ أحداً أشار إليه ولا أعانَ عليه إلّ
قتلته، وإنْ أتاك الخبرُ قبل أن تصِلَ، فأقمْ حتَّى أنظر. وبعث يزيد بن
شجعةً في ألفٍ على البغال، يقودون الخيل، معهم الإبل عليها الرَّوايا
فأغَذَّ السَّير، فأتاه قتْلُهُ بقُربْ خَيْبَرَ. ثمَّ أتاه النُّعمانُ بن بشير، معه
القميصُ الذي قتلوه فيه، فيه الدِّماء وأصابع امرأته نائلة، قد قطعوها
بضربةِ سيفٍ، فرجعوا، فنصب معاوية القميص على منبر دمشق،
والأصابع معلّقة فيه، وآلى رجالٌ من أهل الشّام لا يأتون النِّساء ولا
يمشُون الغُسْلَ إلّ من حُلُم، ولا ينامون على فراشٍ حتّى يقتلوا قَتَلَة
عثمان، أو تَفْنَى أرواحُهم، وبَكَوْه سنةً.
وقال الأوزاعيُّ: حدَّثني محمد بن عبدالملك بن مروان، أنَّ المُغيرة
ابن شُعبة، دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنّك إمام العامَّة،
(١) أي: غرفة.
(٢) انظر تاريخ دمشق ٣٧٩ -٣٨٠.
٢٠٢

وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرضُ عليك خِصالاً: إمَّا أنْ تخرج
فتقاتلهم، فإنّ معك عدداً وقوّة، وإمَّا أنْ تَخْرِق لك باباً سوى الباب
الذي هُمْ عليه، فتقعد على رواحلك فتَلْحق بمكة، فإنَّهم لن يستحلُّوك
وأنتَ بها، وإمَّا أنْ تلحق بالشَّام، فإنَّهم أهلُ الشَّام، وفيهم معاوية.
فقال: إني لن أفارقَ دار هجرتي، ولن أكون أوَّلَ مَنْ خَلف رسولَ الله
وَ فِي أُمَّته بسفْك الدِّماءِ(١) .
وقال نافع(٢) ، عن ابن عمر: أصبح عثمان يحدّث النَّاسَ، قال:
رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ اللَّيلةَ في المنام، فقال: ((أفطِرْ عندنا غداً))، فأصبح
صائماً، وقُتِلَ من یومه.
وقال محمد بن سيرين: ما أعلمُ أحداً يتَّهم عليّاً في قتْل عثمان،
وقُتِلَ وإنّ الدَّارَ غاصَّة، فيهم ابن عمر، والحَسَن بن عليّ، ولكنَّ عثمان
عزم عليهم أنْ لا يقاتلوا.
ومن وجهٍ آخر، عن ابن سيرين، قال: انطلق الحَسَن والحسين وابنُ
عمر، ومروان، وابنُ الزُّبير، كُلُّهم شاك السِّلاح، حتَّى دخلوا على
عثمان، فقال: أعزِمُ عليكم لَمَا رَجعْتُمْ فوضعتم أسلحَتكم ولزِمْتُمْ
بيوتكم، فقال ابن الزُّبير، ومروان: نحن نعزِمُ على أنفسنا أنْ لا نِبْرَح.
وخرج الآخرون.
وقال ابن سيرين: كان مع عثمان يومئذٍ في الدَّار سبع مئة، لو
يَدَعُهُمْ لَضَرَبُوهم حتّى يُخْرِجُوهم من أقطارها .
ورُوي أنَّ الحَسَن بن عليٍّ ما راحَ حتّى جُرحَ.
وقال عبدالله بن الزُّبَيْر: قلتُ لعثمان: قاتِلْهم، فوَالله لقد أحلَّ اللهُ
(١) انظر تاريخ دمشق ٣٨٧-٣٨٨.
(٢) طبقات ابن سعد ٣/ ٧٥.
٢٠٣

لكَ قِتَالَهم، فقال: لا أقاتلهم أبداً، فدخلوا عليه وهو صائم. وقد كان
عثمان أمَّرَ ابنَ الزُّبَيْر على الدّار، وقال: أطيعوا عبدالله بن الزُّبَيْر.
وقال ابن سيرين: جاء زيد بن ثابت في ثلاث مئة من الأنصار،
فدخل على عثمان، فقال: هذه الأنصارُ بالباب. فقال: أمّا القِتالُ فلا.
وقال أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلتُ على عثمان يوم الدَّار
فقلتُ: طاب الضَّرْبُ. فقال: أيسُرُكُ أنْ يُقْتَل النّاسُ جميعاً وأنا معهم؟
قلتُ: لا، قال: فإنّك إنْ قتلتَ رجلاً واحداً، فكأنّما قتلتَ النَّاسَ
جميعاً. فانصرفتُ ولم أقاتل.
وعن أبي عَوْن مولى المِسْوَر، قال: ما زال المصريّون كافِّين عن
القتالِ، حتّى قدِمَتْ أمدادُ العراق من عند ابن عامر، وأمدادُ ابن أبي
سَرْحٍ من مصر، فقالوا: نُعاجِلُهُ قبل أن تَقْدَم الأمداد.
وعن مسلم أبي سعيد، قال: أعتق عثمان عشرين مملوكاً، ثمّ دعا
بسراويل، فشدَّها عليه، ولم يَلْبَسْها في جاهلية ولا إسلام(١)، وقال:
إنِّي رأيتُ رسولَ اللهِ وَلّ البارحة، وأبا بكرٍ، وعمر، فقال: ((اصْبِرْ فإنّك
تُفْطِرِ عندنا القابلة)). ثمّ نشر المُصْحَفَ بين يديه، فقُتِلَ وهو بين يديه.
وقال ابن عَوْن، عن الحَسَن: أنبأني وثَّب مولى عثمان، قال: جاء
رُونجل كأنّه ذِئبٌ، فاطلع من بابٍ، ثمّ رجع، فجاء محمد بن أبي بكر
في ثلاثة عشر رجلاً، فدخل حتَّى انتهى إلى عثمان، فأخذَ بلحيته، فقال
بها حتَّى سمعتُ وقْعَ أضْراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية، ما أغنى
عنك ابنُ عامر، ما أغْنَتْ عنك كُتُبُك. فقال: أرسِلْ لِحْيَتي يا ابن أخي.
قال: فأنا رأيتُهُ استَعْدَى رجلاً من القوم عليه يُعِينُهُ، فقام إلى عثمان
بِمِشْقَصٍ، حتَّى وَجَأ به في رأسه ثمّ تَعَاوَرُوا عليه حتّى قتلوه .
(١) أي: لبسها لئلا تبدو عورته إذا قتل رضي الله عنه.
٢٠٤

وعن ريطة مولاة أسامةَ، قالت: كنتُ في الدَّار، إذْ دخلوا، فجاء
محمد (١) فأخذ بلحيةِ عثمان فَهَزَّها، فقال: يا ابن أخي دعْ لِحْيَتَي فإنك
لَتَجْذُب ما يعزُّ على أبيك أنْ تُؤْذِيها. فرأيتُه كأنَّه استحيى، فقام، فجعل
بطرف ثوبه هكذا: ألا ارجعوا ألا ارجعوا. قالت: وجاء رجلٌ من خلف
عثمان بسعَفَة رَطْبة، فضرب بها جبهَتَه فرأيتُ الدَّمَ يسيل، وهو يمسحه
ويقول: ((اللَّهُمَّ لا يطلب بدمي غَيْرُكَ))، وجاء آخر فضربه بالسَّيف على
صدره فأقْعَصَه(٢) ، وتَعَاوَرُوه بأسيافهم، فرأيتُهم ينْتَهِبُون بيته .
وقال مجالد، عن الشَّعبي، قال: جاء رجل من تُجِيب من
المصريّين، والنّاسُ حول عثمان، فاسْتَلَّ سيفه، ثمّ قال: أفْرِجوا،
ففرجوا له، فوضع ذُباب سيفه في بَطْنِ عثمان، فامسكت نائلة بنتُ
الفَرافصة زوجةُ عثمان السّيف لتمنع عنه، فحزّ السَّيف أصابعها .
وقيل: الذي قتله رجلٌ يقال له حمار.
وقال الواقديُّ: حدَّثني عبدُالرحمن بن عبدالعزيز، عن عبدالرحمن
ابن محمد بن عَبْدٍ، أنَّ محمد بن أبي بكر تَسَوَّر من دار عَمْرو بن حَزْم
على عثمان، ومعه كِنَانة بنُ بِشْر، وسُودان، وعَمرو بن الحَمِقِ، فوجدوه
عند نائلة يقرأ في المُصْحَف، فتقدَّمهم محمد، فأخذ بلحيته، وقال: یا
نَعْثَل قد أخزاكَ الله. فقال: لستُ بنَعْثَل ولكنَني عبدالله، وأميرُ
المؤمنين. فقال محمد: ما أغنى عنك معاوية وفُلانٌ وفُلان. قال: يا
ابن أخي دع لِحْيَتَي، فما كان أبوك ليَقْبِضَ على ما قَبَضْتَ. فقال: ما
يُراد بك أشدّ من قبضتي، وطعن جَنْبَه بِمِشْقَصٍ، ورفع كِنَانةُ مَشَأَقِصَ
فوجأ بها في أذُن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلْقه، ثمّ علاه
(١) هو ابن أبي بكر الصديق.
(٢) أي: قتله قتلاً سريعاً.
٢٠٥

بالسَّيف. قال عبدالرحمن بن عبدالعزيز: فسمعت ابن أبي عَوْن يقول:
ضرب كِنانة بن بشر جبينَهُ بعمود حديد، وضربه سُودان المُرَاديُّ فقتله،
ووثب عليه عَمْرو بن الحَمِقِ، وبه رَمَق، وطعنه تسع طَعْنَاتٍ، وقال:
ثلاثٌ لله، وستُّ لما في نفْسي عليه.
وعن المغيرة، قال: حصروه اثنين وعشرين يوماً، ثمّ أحرقوا
الباب، فخرج مَنْ في الدَّار.
:
وقال سليمان التَّيْميُّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد مولى أبي
أُسَيد، قال: فتح عثمان البابَ ووضع المُصْحَف بين يديه، فدخلَ عليه
رجلٌ، فقال: بيني وبينك كتابُ الله، فخرج وتركه، ثمّ دخل عليه آخر،
فقال: بيني وبينك كتابُ الله، فأهوى إليه بالسَّيف، فاتَّقاه بيده فقطعها،
فقال: أما والله إنّها لأوّلُ كفِّ خَطَّت المُفَصَّل(١) ، ودخل عليه رجلٌ
يقال له: الموت الأسود، فخنقه قبل أن يُضْرب بالسّيف، قال: فَوَالله ما
رأيتُ شيئاً ألْيَن من حلْقه، لقد خنقتُهُ حتَّى رأيت نفسَهُ مثل الجان(٢)
تَردَّد في جسده(٣) .
وعن الزُّهري، قال: قُتِلَ عند صلاة العصر، وشدّ عبدٌ لعثمان على
كِنانة ابن بِشْر فقتله، وشدّ سُودان على العبد فقتله.
وقال أبو نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: ضربوه فجرى الدَّمُ على
المُصْحَف على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
١٣٧
[البقرة] (٤).
وقال عمران بن حُدَيْر، إلّ يكن عبدالله بن شقيق حدَّثني: أنّ أوّل
(١) أي: كتبت القرآن الكريم.
(٢) ضَرْبٌ من الحيات، وهو الدقيق الخفيف. قال تعالى: ﴿تهتز كأنها جان﴾.
(٣) تاريخ خليفة ١٧٤ - ١٧٥ .
(٤) تاريخ خليفة ١٧٥ .
٢٠٦

قطرةٍ قطرت من دمه على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فإنَّ أبا حُرَيْث ذكر أنَّه
ذهب هو وسُهَيْل المُرِّيّ، فأخرجوا إليه المُصْحَفَ، فإذا قطْرةُ الذَّم على
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ قال: فإنَّها في المُصْحَف ما حُكَّتْ.
وقال محمد بن عيسى بن سُمَيْع، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهْري:
قلتُ لسعيد بن المسيّب: هل أنتَ مُخْبري كيف كان قتلُ عثمان؟ قال:
قُتِلَ مظلوماً، ومَنْ خَذَلَهُ كان معذُوراً، ومَن قتله كان ظالماً، وإنّه لمَّا
استُخْلف كره ذلك نفرٌ من الصَّحابة، لأنه كان يحبُّ قومَهُ ويولّيهم،
فكان يكون منهم ما تُنْكره الصَّحابة فيُسْتَعْتَبُ فيهم، فلا يعزِلُهُمْ، فلمّا
كان في السِّتِّ الحِجَج الأواخِر استأثر ببني عمِّه فولّهم وما أشرك
معهم، فولّى عبدَالله بنَ أبي سَرْحِ مصرَ، فمكث عليها، فجاء أهلُ مصرَ
يَشْكُونه ويتظلَّمون منه. وقد كان قبل ذلك من عثمان هَنَاتٌ إلى ابن
مسعود وأبي ذَرِّ وعمّار فحنق عليه قومُهم، وجاء المصريُّون يشكونَ ابنَ
أبي سَرْح، فكتب إليه يَتهذَّدُهُ فأبى أنْ يقبلَ، وضرب بعضَ مَنْ أتاه ممّن
شكاه فقتله .
فخرج من أهل مصر سبع مئة رجلٍ، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى
الصَّحابة ما صنع ابنُ أبي سَرْح بهم، فقام طلحة فكلُّم عثمان بكلامٍ
شديد، وأرسلتْ إليه عائشة تقول له: أنصِفهم من عاملك، ودخل عليه
عليٍّ، وكان متكلّم القوم، فقال: إنّما يسألونكَ رجلاً مكان رجلٍ، وقد
اذَّعوا قِبَلَه دماً، فاعزلْهُ، واقْضٍ بينهم، فقال: اختاروا رجلاً أُوَلِّه.
فأشاروا عليه بمحمد بن أبي بكر، فكتب عهده، وخرج معهم عددٌ من
المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سَرْح. فلمّا
كان محمد على مسيرة ثلاثٍ من المدينة، إذا هم بغلام أسود على بعيرٍ
مسرعاً، فسألوه، فقال: وجَّهني أميرُ المؤمنين إلى عامل مصر، فقالوا
له: هذا عاملُ أهلِ مصر، وجاؤوا به إلى محمد، وفتَّشوه فوجدوا إداوته
٢٠٧

تَتَفَلْقَل، فشقّوها، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابنِ أبي سَرْح، فجمع
محمد مَنْ عنده من الصَّحابة، ثمّ فكَّ الكتابَ، فإذا فيه: إذا أتاك
محمد، وفلانٌ، وفلانٌ فاستحِلَّ قَتْلَهُم، وأَبْطِلْ كتابه، واثْبُتْ على
عملكَ. فلمّا قرأوا الكتاب رجعوا إلى المدينة، وجمعوا طَلْحة، وعليّاً،
والزُّبَيرِ، وسعداً، وفَضُّوا الكتابَ، فلم يبقَ أحدٌ إلّ حِقَ على عثمان،
وزاد ذلك غضباً وحنقاً أعوانُ أبي ذَرّ، وابنٍ مسعود، وعمّار.
وحاصر أولئك عثمان وأجلبَ عليه محمد بن أبي بكر ببني تَيْم،
فلمّا رأى ذلك عليٍّ بعث إلى طلْحة، والزُّبَيْر، وعمّار، ثمّ دخل على
عثمان، ومعه الكتابُ والغلامُ والبعيرُ فقال: هذا الغلامُ والبعيرُ لك؟
قال: نعم، قال: فهذا كتابكَ؟ فحلف أنَّه ما كتبه ولا أمرَ به، قال:
فالخاتمُ خاتمك؟ قال: نعم. فقال: کیف یخرج غلامك ببعیرك بکتاب
عليه خاتمك ولا تعلم به !. وعرفوا أنّه خطّ مروان. وسألوه أنْ يدفع
إليهم مَرْوان، فأبَى وكان عنده في الدّار، فخرجوا من عنده غِضاباً،
وشكُوا في أمره، وعِلِمُوا أَنَّه لا يحلف بباطلٍ ولزموا بيوتهم.
وحاصره أولئك حتَّى منعوه الماءَ، فأشرف يوماً، فقال: أفيكُمْ
عليٌّ؟ قالوا: لا، قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا، فسكت، ثم قال: ألا
أحدٌ يَسْقينا ماءً. فبلغ ذلك عليّاً، فبعث إليه بثلاث قِرَبٍ فجُرِح في سببها
جماعةٌ حتَّى وصلت إليه، وبلغ عليّاً أنّ عثمان يراد قتْلُهُ، فقال: إنّما
أردنا منه مَرْوان، فأمّا عثمان، فلا نَدَعُ أحداً يصلُ إلیه.
وبعث إليه الزُّبَيْر ابنه، وبعث طَلْحة ابنه، وبعث عدّةٌ من الصّحابة
أبناءهم، يمنعونَ الناسَ منه، ويسألونه إخراجَ مَرْوان، فلمّا رأى ذلك
محمد بن أبي بكر، ورمى النّاسُ عثمانَ بالسِّهام، حتّى خُضِب الحَسَن
بالدِّماء على بابه، وأصاب مروانَ سهمٌ، وخُضِب محمد بن طلحة،
وشُجَّ قَتْبر مولى عليّ، فخشيَ محمد أنْ يغضب بنو هاشم لحال
٢٠٨

الحَسَن، فاتّفق(١) هو وصاحباه، وتسؤُّروا من دارٍ، حتّى دخلوا عليه،
ولا يعلم أحدٌ من أهل الدّار، لأنّهم كانوا فوق البيوت، ولم يكن مع
عثمان إلّ امرأتُهُ. فدخل محمد فأخذ بِلِحْيَتِهِ، فقال: والله لو رآك أبوك
لَساءه مكانُك مِنِّي. فتراخت يدُه، ووثب الرجُلان عليه فقتلاه، وهربوا
من حيث دخلوا، ثمّ صرخت المرأة، فلم يُسمع صُراخُها لِمَا في الدَّارِ
من الجَلَبَة. فصعَدَتْ إلى النّاس وأخبرتهم، فدخل الحَسَن والحُسين
وغيرهما، فوجدوه مذبوحاً .
وبلغ عليّاً وطلحةَ والزُّبَيْرِ الخبرُ، فخرجوا - وقد ذهبت عقولُهم -
ودخلوا فرأوه مذبوحاً، وقال عليٍّ: كيف قُتِلَ وأنتم على الباب؟ ولطم
الحَسَنَ وضرب صَدْرَ الحُسين، وشتم ابن الزُّبَيْر، وابنَ طلحة، وخرج
غضْبانَ إلى منزله. فجاء النَّاسُ يُهْرعون إليه ليُبايعوه، قال: ليس ذاك
إليكم، إنما ذاك إلى أهلٍ بدر، فمن رضوه فهو خليفة. فلم يبقَ أحدٌ من
البدريّين إلّ أتى عليّاً، فكان أوّلَ من بايعه طلْحةُ بلسانه، وسعدٌ بيده،
ثمّ خرج إلى المسجد فصعِدَ المنبرَ، فكان أوّلَ من صعِدَ إليه طلحةُ،
فبايعه بيده، ثمّ بايعه الزُّبَيْر وسعدٌ والصَّحابةُ جميعاً، ثمّ نزل فدعا
النَّاسَ، وطلب مروانَ، فهربَ منه هو وأقاربهُ.
وخرجت عائشة باكيةً تقول: قُتِل عثمان، وجاء عليٍّ إلى امرأة
عثمان، فقال: مَن قتله؟ قالت: لا أدري، وأخبرتُهُ بما صنع محمد بن
أبي بكر. فسأله عليٌّ، فقال: تَكذِبُ، قد واللهِ دخلتُ عليه، وأنا أريدُ
قْلَه، فذكر لي أبي، فقمتُ وأنا تائبٌ إلى الله، واللهِ ما قتلتُّهُ ولا
أمسكتُهُ، فقالت: صَدَقَ، ولكنّه أدخل اللَّذَیْن قتلاه.
وقال محمد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة بن وقّاص، عن أبيه، عن جدّه،
(١) سياق العبارة: ((فلما رأى ذلك محمد ... فاتفق)) ولو قال: ((اتفق)) لكان
أحسن، لكن الذهبي رحمه الله عجل في الكتابة.
٢٠٩

قال: اجتمعنا في دار مَخْرَمة للبيعة بعد قتل عثمان، فقال أبو جَهْم بن
حُذَيْفة: أمّا مَنْ بايَعْنَا منكم فلا يحولُ بيننا وبين قَصاصٍ. فقال عمّار:
أمّا دم عثمان فلا. فقال: يا ابنَ سُمَيّة، أَتَقْتَصُّ من جَلْداتٍ جُلِدَتَهُنَّ،
ولا تقتصّ من دم عثمان! فتفرَّقوا يومئذٍ عن غير بَيْعَة .
وروى عمر بن عليّ بن الحُسين، عن أبيه، قال: قال مَروانُ: ما
كان في القوم أدفعَ عن صاحبنا من صاحِبِكم - يعني عليّاً عن عثمانَ -
قال: فقلت: ما بالُكُم تسُبُّونه على المنابر! قال: لا يستقيمُ الأمرُ إلّ
بذلك. رواه ابن أبي خَيْثَمَة. بإسناد قويٍّ، عن عمر.
وقال الواقديُّ، عن ابن أبي سَبْرَة، عن سعيد بن أبي زيد، عن
الزُّهْريّ، عن عُبَيْدالله بن عبدالله، قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قُتِل
ثلاثون ألف ألف دِرْهم، وخمسون ومئة ألف دينار، فانتُهِبَتْ وذهبت،
وترك ألف بعيرٍ بالرَّبَذَة، وترك صدقاتٍ بقيمة مئتي ألف دينار.
وقال ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: بلغني أنَّ الرَّكْب
الذين ساروا إلى عثمان عامَّتُهُم جُنُّوا.
وقال لَيث بن أبي سُلَيم، عن طاووس، عن ابن عبّاس سمع عليّاً
يقول: والله ما قتلتُ - يعني عثمانَ - ولا أمرتُ، ولكن غُلِبتُ، يقول
ذلك ثلاثاً. وجاء نحوُه عن عليٍّ من طُرُق، وجاء عنه أنَّه لعن قَتَلَةَ
عثمان(١) .
وعن الشَّعبيِّ، قال: ما سمعتُ من مرائي عثمانَ أحسن من قولٍ
كعب بن مالك(٢):
فَكَفَّ يديه ثمّ أغلق بابه
وأيقن أنَّ اللهَ ليس بغافِلٍ
(١) انظر تاريخ دمشق ٤٦٢ -٤٦٨.
(٢) انظر ديوانه ٣٠٩.
٢١٠

وقال لأهلِ الدَّار: لا تقتلوهمُ
فكيف رأيتَ اللهَ صبَّ عليهمُ الـ
وكيف رأيتَ الخيرَ أدبر بَعده
ورثاه حسّانُ بنُ ثابتٍ بقوله(١) :
مَنْ سَرَّه الموتُ صِرْفاً لا مِزَاجَ له
ضحَّوا بأشْمَطَ (٢) عُنْوانُ السُّجُود به
صِبْراً فِدّى لكمُ أمّي وما وَلَدَتْ
لَيُسْمَعَنَّ وشِيكاً في دِيارهُم:
عفا اللهُ عن كلِّ امرىء لم يُقاتِلِ
ـعداوَة والبَغْضاءَ بعد التَّواصُلِ
عن النّاس إدبارَ النَّعامِ الجَوَافِلِ
فلْيأْتِ مأدُبةً في دار عُثْمانا
يُقَطِّعِ اللَّيلَ تسبيحاً وقُرآنًا
قد ينفع الصَّبْرُ في المكروه أحيانا
اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عثمانا
فصل
فِيهِ ذِكْرُ مَنْ توفي في خِلافَة عُثمان تقريباً (٣)
أَوْس بن الصَّامت بن قيس بن أصْرم الأنصاريّ، أخو عُبَادة،
وكلاهما قد شهد بدراً. وأوس هو زوجُ المُجَادِلَةِ في زوجها خَوْلة -
ويقال لها: خُوَيْلَة - بنت ثعلبة، وقد آخى رسولُ اللهِ وَلّهِ بينه وبين مَرْئَد
ابن أبي مَرْتَد الغَنَويّ .
أَنَس بن مُعَاذ بن أَنَس بن قيس الأنصاريّ النَّجَّارِيّ، ويقال: اسمه
أُنَيْس، فرُبَّما صُغِّر. شهد بدْراً والمشاهدَ. تُوُفِي في خلافة عثمان.
(١) انظر ديوانه ٢١٥.
(٢) أي: الأشيب.
(٣) حذفنا منهم من ترجمهم المؤلف في هذا الكتاب، وهم سبعة: الحارث بن
نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، وخبيب بن يساف، وعبدالله بن حذافة أبو
حذافة السهمي، وعمير بن سعد الأوسي، ومعاذ بن عمرو بن الجموح،
ومعبد بن العباس بن عبدالمطلب، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي.
٢١١

أوس بن خَولي من بني الحُبْلى.
أنصاريٌّ شهِد بذْراً. وهو الذي حضر غَسْلَ رسولِ اللهِّهِ ونزلَ في
قبره. تُوُفي قبلَ مَقْتلٍ عثمان.
الجدّ بن قيس. يقال: إنه تاب من النِّفاق وحَسُنَ أمرُه.
الخُطَيئة الشاعر، أبو مُلَيْكة العَبْسِيُّ، قيل: اسمه جَرْوَل.
عاش دَهْراً في الجاهلية وصدْراً في الإسلام، ودخل على عمر
وأنشده:
مَنْ يفعلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَه لا يذهب العُرْفُ بين اللهِ والنّاسِ
وكان جَوَّالاً في الآفاق يمتدحُ الكبارَ ويَسْتَجْدِيهم، وكان سَؤُولاً
بخيلاً، ركب مرّةً ليَفِدَ على الملوك، فقال لأهله:
ودَعِي الشُّهُورَ فإنَّهنَّ قِصارُ
عُدِّي السِّنِينَ إذا خرجتُ لغَيْبَةٍ
زيد (١) بن خارجة بن زيد بن أبي زُهَير الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ
المتكلِّمُ بعد الموت. له صُحْبة ورواية، قُتِل أبوه يوم أُحُد.
قال سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب،
أنَّ زيدَ بن خارجة تُؤُفِّي زمن عثمان، فسُجِّيَ بثوبٍ ثمّ إنَّهم سمعوا
جلْجلةً في صدره، ثمّ تكلَّمَ، فقال: أحمد أحمد في الكتاب الأوّل،
صدق صدق أبو بكر الضَّعيفُ في نفسه القويُّ في أمرِ الله في الكتاب
الأوّل، صدق صدق عمر القويُّ الأمينُ في الكتاب الأوّل، صدق صدق
عثمان على مِنْهاجهم، مَضَتْ أربعُ سِنين وبقيتْ سنتان، أتت الفِتَنُ وأكل
الشَّديد الضَّعيف، وقامت السّاعة، وسيأتيكم خَبَرُ بئر أريس وما بِثْر
(١) تهذيب الكمال ٤٥٢/١-٤٥٣ .
٢١٢

أریس.
قال ابن المسيِّب: ثمّ هَلَكَ رجلٌ من بني خَطْمَة، فسُجِّ بثوبٍ
فسمعوا جَلْجَلَةً في صدره، ثمّ تكلَّمَ، فقال: إنَّ أخا بني الحارث بن
الخزْرَج صَدَق صَدَق .
قال ابن عبدالبرّ(١): هذا هو الذي تكلَّمَ بعد الموتِ لا يختلفون في
ذلك، وذلك أنّه غُشِيَ عليه وأُسْرِيَ بروحه، ثمّ راجَعَتْهُ نفسُه فتكلّم
بكلام في أبي بكر، وعمر، وعثمان، ثمّ مات لوقته. رواه ثِقاتُ
الشَّامِيِّين عن النُّعْمان بن بشير.
سلمان(٢) بن ربيعة الباهليّ، يقال: له صُحْبة.
وقد سمع من عمر. روى عنه: أبو وائل، والصُّبَيُّ بن مَعْبَد،
وعمرو بن ميمون. وكان بطلاً شجاعاً فاضلاً عابداً، ولّه عمرُ قضاءَ
الكوفة، ثمّ وَلِيَ زمَن عثمان غزوَ أرمينية فَقُتِل بَلَنْجَر، وقيل: بل الذي
قُتِل بها أخوه عبدالرحمن، وقيل: إنَّ الثُّرْكَ إذا قَحِطُوا يستسقون بقبر
سَلْمان، وهو مدفونٌ عندهم، وقد جعلوا عظامه في تابوت. روى له
مسلم .
عبدالله بن سُراقة بن المُعْتَمِر العَدَوِيّ.
له صُحبة ورواية. شهِد أُحُداً وغيرها، وقال الزُّهْرِيّ: إنّه شهِد
بذْراً. روى عنه عبد الله بن شقيق، وعُقْبة بن وَسَّاج، وغيرُهما. وروى
أيضاً عن أبي عُبَيْدة، وهو أخو عَمْرو. وقيل: إنّ الذي روى عن أبي
عُبَيْدة وروى عنه عبدالله بن شقيق في الدّجّال أَزْدِيٍّ شريف من أهل
دمشق. قاله الغَلابِيُّ وغيره(٣) .
(١) الاستيعاب ٢/ ٥٤٧ .
(٢) تهذيب الكمال ٢٤٠/١١ .
(٣) انظر تفاصيل ذلك في تهذيب الكمال ١٠/١٥ -١٣.
٢١٣

عبدالله بن قيس بن خالد الأنصاريّ النّجّاريّ المالكي، شهِد بدْراً.
قال الواقديُّ (١) : لم يبقَ له عِقب، وتُؤُنِّي في زمن عثمان.
عبدالرحمن بن سهل بن زيد الأنصاريُّ الحارثيُّ .
قال ابن عبدالبَرّ(٢): شهد بذراً.
وقال أبو نُعَيْم: شهِد أُحُداً، والخَنْدَق، وهو الذي نُهش فَرَقَاه عُمارة
ابن حَزْم. استعمله عمر على البصرة بعد موت عُثْبة بن غَزْوان.
وعن القاسم بن محمد، قال: جاءت جدّتان إلى أبي بكر فأعطى
الشُّدُسَ أمَّ الأمِّ دون أمّ الأبِ، فقال له عبدالرحمن بن سهل، رجل من
بني حارثة قد شهد بذراً: أعطيتَ التي لو ماتت لم يَرِثْها، وتركْتَ التي
لو ماتت لَوَرِثَها، فجعله أبو بكر بينهما.
وقد ورد أنَّ هذا غزا في خلافة عثمان.
عَمْرو بن سُرَاقة بن المُعْتَمِر بن أنَس القُرَشيّ العَدَوِيُّ، بدريّ كبير،
وهو أخو عبدالله.
روى عامر بن ربيعة، قال: بَعَثَنَا رسولُ اللهِ نَّهِ فِي سَرِيَّةٍ ومعنا
عَمْرو بن سُراقة - وكان لطيفَ البطْن طويلاً - فجاع، فانثنى صُلْبه،
فأخذنا صفيحةً من حجارةٍ فربطْناها على بَطْنه، فمشى يوماً، فجِئْنا قوماً
فضيَّفُونا، فقال عَمْرو: كنت أحسِبُ الرِّجْلَين تحمل البطْنَ فإذا البطن
يحمل الرِّجْلَیْن!
عُزْوة بن حزام، أبو سعيد.
شابٌّ عُذْرِيّ قتله الغرام، وهو الذي كان يشبِّب بابنةِ عمَّه عَفْراء بنت
(١) طبقات ابن سعد ٤٩٥/٣.
(٢) الاستيعاب ٨٣٦/٢.
٢١٤

مهاصر. خرج أهلُها من الحجاز إلى الشّام فتبِعَهُم عُرْوة وامتنع عنُّه من
تزويجه بها لفَقْرِهِ، وزوَّجَها بابن عمَّ آخَرَ غنيّ فهلك في محبَّتها عُرْوة.
ومن قوله فيها :
وما هو إلاَّ أنْ أراها فُجَاءَةً فأُنْهَت حتّى ما أكادُ أُجِيبُ
وأَصْرِفُ عن رأي الذي كنتُ أَرْتَئي وأَنْسَى الذي أعددتُ حين تَغِيبُ
عُيَيْنَة بن حِصْن بن حُذَيْفة بن بدر بن عَمْرو بن جوية بن لوذان بن
ثَعْلَبَة بن عِدِيّ بن فَزَارَة الفَزَارِيُّ، من قَيْسٍ غَيْلان، واسم عُيَيْنَة حُذَيفة،
فأصابته لِقْوَةٌ(١) فجحظت عيناه فسُمِّي عُيَيْنة. ويُكْنَى أبا مالك، وهو
سيّد بني فَزارة وفارسهم .
قال الواقديُّ: حدّثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: أَجْدَبَتْ
بلادُ آل بدر، فسار عُيَيْنة في نحو مئة بيتٍ من آلِهِ حتَّى أشرفَ على بطْنِ
نَخْلٍ فهاب النَّبِيَّ وََّ، فَوَرَدَ المدينة ولم يُسْلِم ولم يَبْعُد، وقال: أُريد
أدنو من جِوارِك فَوادِعْني، فوادعه النَّبِيُّ نَّه ثلاثةَ أشهر، فلمّا فَرَغَتْ
انصرف عُيَيْنَةُ إلى بلادهم فأغار على لقاح النَّبِيِّ بَ هَ بالغابة، فقال له
الحارث بن عَوْف: ما جزيت محمداً سَمِنتَ في بلاده ثمّ غزوته!؟
وقال الواقديُّ(٢): حدّثني عبد العزيز بن عُقْبة بن سَلَمَة، عن عمّه
إياس بن سَلَمَة، عن أبيه، قال: أغار عُبَيْنَة في أربعين رجلاً على لِقاح
رسولِ الله وَلّ وكانت عشرين لِقْحَةً فساقها وقتل ابناً لأبي ذرٍّ كان فيها،
فخرج النَّبِيُّ وََّ في طلبهم إلى ذي قَرَد فاستنقذ عشْرَ لِقاحٍ وأفلت القومُ
بالباقي، وقتلوا حبيب بن عُيَيْنَة، وابن عَمِّه مَسْعَدَة، وجماعة.
(١) لقوة: مرض يصيب الوجه، فيميله إلى أحد جانبيه (وهو المعروف عندنا
بالشرجي).
(٢) المغازي للواقدي ٥٣٧/٢ فما بعده بتصرف.
٢١٥

الواقديُ(١) ، عن محمد بن عبدالله، عن الزُّهْريّ، عن ابن
المسيّب، قال: كان عُيَيْنَة بن حِصْن أحدَ رؤوس الأحزاب، فأرسل النَّبيُّ
وَّل إليه وإلى الحارث بن عَوْف: أرَأيتُما إنْ جعلتُ لكم ثُلُثَ تَمْرِ
المدينة، أتَرْجِعان بِمَنْ معكما؟ فرضيا بذلك، فبينا النَّبِيُّ وَلَ يريد أنْ
يكتبَ لهم الصُّلْحَ جاء أُسَيْدُ بن حُضَيْرِ، وعُبَيْنَة ماد رِجْلَيْه بين يدي
رسولِ اللهَ وَّرُ فقال: يا عين الهِجْرِس(٢) اقبضْ رِجْلَيْكَ، واللهِ لولا
رسولُ اللهِ وَلَ خَضَبْتُكَ بالرُّمْح، ثم أقبل على النّبيِّ وَّهِ وقال: إنْ كان
أمرٌ من السماء فامْضٍ له، وإنْ كان غير ذلك فَوَاللهِ لا نُعطيهمْ إلّ
السَّيْفَ، متى طمعتم بهذا منَّا. وقال السَّعْدانُ كذلك(٣).
فقال النَّبِيُّ وَّهِ: شُقَّ الكتابَ، فَشَقَّه، فقال عُيَيْنَة: أما واللهِ لََّّتي
تركتم خيرٌ لكم من الخُطّة التي أخذتم، وما لكم بالقوم طاقة، فقال عبّاد
ابن بشْر: يا عُيَيْنَة، أبالسَّيْفِ تُخَوِّفُنا! ستعلم أيُّنا أجْزَع، واللهِ لولا مكانُ
رسولِ الله وَل﴿ ما وصلْتُم إلى قومكم. فرجعا وهما يقولان: والله ما نرى
أنَّا نُدْرِكُ منهم شيئاً.
قال الواقديّ: فلما انكشف الأحزاب ردّ عُيَيْنَة إلى بلاده، ثمّ أسلم
قبل الفتح بیسیر .
ابن سعد (٤) : أخبرنا عليّ بن محمد، عن عليّ بن سُلَيْم، عن الزُّبَيْر
ابن خُبَيْب، قال: أقبل عُيَيْنَة بن حِصْن، فتلقّه رَكْبٌ خارجينَ من
المدينة، فسألهم فقالوا: النَّاسُ ثلاثة: رجلٌ أسلم فهو مع رسول الله وَّة
يقاتل العربَ، ورجلٌ لم يُسْلِم فهو يقاتِلُهُ، ورجلٌ يُظْهر الإسلامَ ويُظْهِر
(١) المغازي ٢/ ٤٧٧ فما بعد.
(٢) يقال لولد الثعلب: هجرس، وللقرد أيضاً.
(٣) أي: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة.
(٤) لم يطبع هذا القسم من طبقات ابن سعد.
٢١٦

القُرَيْشِ أنّه معهم، قال: ما يُسَمَّى هؤلاء؟ قال: يُسَمَّوْنَ المنافقين. قال:
ما في مَن وصفتم أحزم من هؤلاء، اشْهَدُوا أنَّني منهم.
ثم ساق ابنُ سعد قصةً طويلة بلا إسنادٍ في نفاق عُبَيْنَة يومَ الطّائف،
وفي أسْرِهِ عجوزاً يوم هَوَازِن يلتمس بها الفِداء، فجاء ابنُها فبذل فيها مئةً
من الإبل، فتقاعد عُيَيْنَة، ثمّ غاب عنه، ونزّله إلى خمسين، فامتنع ثمّ
لم يزل به إلى أن بذل فيها عشرةً من الإبلِ، فغضِب وامتنع، ثمّ جاءه
فقال: يا عمّ أطلِقْها وأشكُرُك، قال: لا حاجة لي بمدْحِكَ، ثمّ قال: ما
رأيت كاليوم أمراً أنْكَد، وأقبل يلُومُ نفسَه، فقال الفتى: أنت صنعتَ
هذا: عمدتَ إلى عجوزٍ واللهِ ما تَدْيُها بناهِد ولا بطنُها بوالِد، ولا فُوها
ببارِد، ولا صاحبُها بواجِد، فأخذتها مِنْ بين مَنْ تَرى، فقال: خُذْها لا
بارَكَ اللهُ لكَ فيها. قال الفتى: إنَّ رسولَ اللهِ وَّرْ قد كسا السَّبيَ فأخطأها
من بينهم الكِسْوَة، فَهَلّ كَسَوْتَها؟ قال: لا واللهِ. فما فارقه حتَّى أخذ منه
سَمْل ثَوْبٍ، ثمّ ولّى الفتى وهو يقول: إنّك لَغَيْرُ بصيرٍ بالفُرَص.
وأعطى النَّبِيُّ ◌َِّ عُبَيْنَة من الغنائم مئةً من الإبلِ(١).
الواقديّ: حدَّثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التَّيْمَيّ، عن أبيه، عن
أبي سَلَمَة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل عُيَيْنَة بن حِصْن على
النَّبِيِّ وَّهُ وأنا عنده، فقال: مَن هذه الحُمَيْراء؟ قال: ((هذه عائشة بنت
أبي بكر)). فقال: ألا أنْزِلُ لكَ عن أحسن النَّاس: ابنة جمرة؟ قال: لا،
فلمّا خرج، قلت: يا رسول الله مَن هذا؟ قال: ((هذا الحَمِقُ المُطاع)).
قال ابن سعد: قالوا: وارتدّ عُيَيْنَة حين ارتدّت العربُ، ولحِق
بِطُلَيْحَة الأسَدِيّ حين تنبّأ فآمن به، فلمّا هُزم طُلَيْحة أخذ خالد بن الوليد
عُيَيْنَة فأوثقه وبعث به إلى الصِّدِّيق، قال ابن عبّاس: فنظرتُ إليه
(١) انظر بعض هذا في طبقات ابن سعد ١٥٣/٢ و ١٥٤.
٢١٧

والغلمان يَنْخَسُونه بالجريد ويضربونه ويقولون: أي عدُوَّ اللهِ كفَرْتَ بعد
إيمانك! فيقول: واللهِ ما كنتُ آمنتُ، فلمّا كلَّمَهُ أبو بكرٍ رجعَ إلى
الإسلام فأمَّنَه .
المدائنيُّ، عن عامر بن أبي محمد، قال: قال عُيَيْنَة لعمر: احْتَرِس
أو أخْرِجِ العَجَمَ من المدينة فإنّي لا آمن أن يطعنَكَ رجلٌ منهم.
المدائنيُّ، عن عبدالله بن فائد، قال: كانت أمُّ البنين بنت عُيَيْنَة عند
عثمان، فدخل عُيَيْنَة على عثمان بلا إذْنٍ، فَعَتَبَهُ عثمان، فقال: ما كنت
أرى أنّني أُحْجَب عن رجلٍ من مُضَر، فقال عثمان: ادْنُ فأصِبْ من
العَشَاء. قال: إنّي صائم، قال: تصوم الَّليل! قال: إنِّي وجدتُ صومَ
الليلِ أيسر عليَّ!
قال المدائنيُّ: ثمّ عَمِي عُيَيْنَة في إمرة عثمان.
أبو الأشهب، عن الحَسَن(١)، قال: عاتب عثمان عُيَيْنَة، فقال: ألم
أفعل ألم أفعل وكنتَ تأتي عمرَ ولا تأتينا؟! فقال: كان عمرُ خيراً لنا
منك، أعطانا فأغنانا، وأخشانا فأتقانا.
قطبة بن عامر، أبو زيد الأنصاري السُّلمي، شهد بدراً والعقبتين.
قيس بن قَهْد(٢) بن قيس بن ثَعْلَبة الأنصاريّ، أحد بني مالك بن
النَّجَّار.
قال مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ: هو جدُّ يحيى بن سعيد الأنصاريّ. وخالفه
الأكثر، وقيل: هو جدُّ أبي مريم عبدالغفّار بن القاسم الكوفيّ.
وقال ابن ماكولا(٣): إنّه شهِد بدْراً، روى عنه ابنه سُلَيْم، وقيس بن
(١) هو الحسن البصري.
(٢) بالقاف انظر توضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٧/ ١٢٠.
(٣) الإكمال ٧٧/٧ .
٢١٨

أبي حازم.
وله حديث في الرَّكْعَتَيْن بعد الفَجْر.
لَبيد بن ربيعة العامريُّ، الشاعر المشهور الذي قال فيه النَّبيُّ ◌َّه:
أصدقُ كلمة قالتها العرب كلمة لَبِيد:
** ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ﴾(١)
قال مالك(٢): بلغني أنَّ لبيداً عُمِّر مئة وأربعين سنة، ويُكْنَى أبا
عَقِیل .
قال ابن أبي حاتم(٣): بعث الوليد بن عُقْبة إلى منزل لَبِيد عشرين
جَزُوراً فنُحِرَت .
وقيل : إنّه تُوقِي سنة إحدى وأربعين.
المسيّب بن حَزْن بن أبي وهْب المخزوميُّ، مِمَّنْ بايعَ تحت
الشَّجَرَة. روى عنه: ابنه سعيد بن المسيِّب.
محمد بن جعفر بن أبي طالب، أبو القاسم الهاشميّ.
وَلَدَتْه أسماءُ بنتُ عُمَيْس بالحَبَشَة في أيّامِ هجرة أبَوَيْه إليها، وتُوُقِّي
شابًّاً .
قال أبو أحمد الحاكم: إنّه تزوَّج بأمِّ كُلُثُوم بنت عليٍّ بعد عمر بن
الخطّاب.
وقال ابن عبدالبَرّ(٤): إنّه اسْتُشْهِد بتُسْتَر، فالله أعلم.
قال جرير بن حازم: حدثنا محمد بن أبي يعقوب، عن الحَسن بن
(١) من حديث أبي هريرة، وهو في الصحيحين.
(٢) الجرح والتعديل ٧ / الترجمة (١٠٢٥).
(٣) نفسه .
(٤) الاستيعاب ١٣٦٨/٣.
٢١٩

سعد، عن عبدالله بن جعفر، أنّ النّبيّ مَّ لمّا نَعَى أباه جعفراً أمهل ثلاثاً
لا يأتيهم، ثمّ أتاهم، فقال: ((لا تَبْكُوا على أخي بعد اليوم))، ثمّ قال:
((ادْعُوا لي بني أخي))، فَجِيءَ بنا كأنَّنَا أفْرُخٌ، فأمر بحلاقٍ فحلق رُؤوسنا،
ثمّ قال: ((أمّا محمد فيُشْبِه عمَّنَا أبا طالب، وأمّا عبد الله فيُشْبِه خَلْقي
وخُلُقي))، ثمّ أخذ بيدي فأشالها، وقال: ((اللَّهُمَّ أَخْلُفْ جعفراً في أهله
وبارِكْ لعبدالله في صفْقَة يمينه)). ثلاثاً، ثمّ جاءت أُمُّنا أسماء، فذكرت
يُتْمَنَا، فقال: «العَيْلَةَ تخافينَ عليهم، وأنا ولِيُّهُم في الدُّنيا والآخرة)»!
منقذ بن عَمْرو الأنصاريُّ، أحد بني مازن بن النَّجَّار.
كان قد أصابته آمَّة(١) في رأسه فكسرت لِسَانَهُ(٢) ونازَعَتْ عقله.
وهو الذي كان يُغْبَنُ(٣) في البُيُوعِ فقال له النَّبِيُّ وَّهِ: ((إذا بِعْتَ فَقُل: لا
خِلابة)) .
نُعَيْم (٤) بن مسعود، أبو سَلَمَة الغَطَفَانيُّ الأشجعيُّ.
أسلم زمن الخندق، وهو الذي خَذَّلَ بين الأحزاب، وكان يسكن
المدينة. وله عقب. روى عنه ابنه سَلَمَة .
أبو خُزَيْمة بن أوس بن زيد، أحد بني النّجّار.
شَهِدَ بذْراً والمشاهد، وهو الذي وجه زيد بن ثابت معه الآيتين من
آخر سورة براءة. تُوُفِّي زمن عثمان.
أبو ذُوَّيْب الهُذَلِيُّ، خُوَيْلد بن خالد، الشاعر المشهور.
أدرك الجاهلية وأسلم في خلافة الصِّدِّيق، وكان أشعر هُذَيْل،
(١) الآمَّة، بتشديد الميم: الضربة التي تبلغ أم الرأس، فهي الشجة البليغة.
(٢) في بعض النسخ: ((أسنانه)) وما أثبتناه هو الصواب، كما تدل عليه ترجمته،
والنص عند ابن عبدالبر.
(٣) يُغْبَن: يُخْدَع.
(٤) تهذيب الكمال ٢٩/ ٤٩١ .
٢٢٠