النص المفهرس

صفحات 381-400

عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، يقول: ليبلّغ الشاهدُ الغائبَ،
وأبلِغُوني حاجةَ مَن لا يستطيع إبلاغَها، فإنّه مَن أبلغَ سلطاناً حاجةً مَن لا
يستطيع إبلاغَها، ثَبَّتَ اللهُ قدمَيْه يوم القيامة، ولا يُذْكَر عنده إلّ ذلك ولا
يقبل من أحدٍ غيره، يدخلون رُوَّاداً، ولا يفترقون إلّ عن ذَواق
ويخرجون أدِلّة، يعني على الخير.
فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان يخزن لسانه إلّ
ممّا يعنيه، ويؤلِّفهم ولا يُنَفِّرهم، ويُكرِم كريمَ كلِّ قومٍ ويُوَلّيه عليهم،
ويحذَرُ النّاسَ ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحدٍ بِشْرَه ولا
خُلُقه، ويتفقّد أصحابه، ويسألُ النّاسَ عمّا في النّاس، ويحسِّنُ الحَسَن
ويقوِّيه، ويُقَبِّحُ القبيحَ ويوهِّيه، معتدلَ الأمر غيرَ مختلف، لا يغفل
مخافةَ أنْ يغفلوا أو يَمَلُّوا، لكلِّ حالٍ عنده عتاد، لا يقصّر عن الحقّ،
ولا يجاوزه، الذين يَلُونَهُ من النّاس خيارهم، وأفضلُهم عنده أعمّهم
نصيحةً، وأعظمهم عنده أحسنهم مواساة (١) .
فسألته عن مجلسه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسولُ الله ◌َله
لا يقوم ولا يجلس إلّ على ذِكْر، ولا يوطِن الأماكنَ ويَنْهَى عن إيطانها،
وإذا انتهى إلى قومٍ جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يُعطي
كلَّ جُلَسائه نصيبَهُ، ولا يحسَبُ جليسُه أنَّ أحداً أكرم عليه منه. مَنْ
جالسه أو قاومه لحاجةٍ صابَرَهُ حتى يكون هو المنصرفَ. ومَن سأله
حاجةً لم يردّه إلّ بها، أو بميسورٍ من القَوْل. قد وَسِعَ النّاسَ منه بَسْطُهُ
وخُلُقُهُ، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحقّ سواءً. مجلِسُهُ مجلس
حِلْمٍ وحَيَاءٍ وصبرٍ وأمانةٍ، لا تُرْفَع فيه الأصوات، ولا تُؤْبَنُ فيه الحُرَم،
ولاَ تُنْثَى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتَّقْوَى، متواضعين يوقّرون فيه
(١) كتب ابن البعلي على هامش الأصل: ((بلغت قراءة على مؤلفه الحافظ أبي
عبدالله الذهبي، كتبه ابن البعلي، وذلك في الخامس عشر)).
٣٨١

الكبيرَ، ويرحمون فيه الصّغيرَ، ويُؤْثِرُون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
أخرج التِّرْمِذِيُّ أكثَرَه مُقَطَّعاً في ((كتاب الشّمائل))(١).
ورواه زكريا بن يحيى السِّجْزيّ، وغيرُه، عن سُفْيان بن وكيع .
ورواه إسحاق بن رَاهَوَيْه، وعليّ بن محمد بن أبي الخصيب، عن
عَمْرو بن محمد العَنْقَزيّ، قال: حدثنا جُمَيْع بن عمر العِجْلِيّ، عن رجل
يقال له يزيد بن عمر التميميّ - من ولد أبي هالة - عن أبيه، عن الحسن
ابن عليّ(٢)، وفيه زائد من هذا الوجه وهو: فسألته عن سيرته في
جُلَسائه، فقال: كان دائم البِشْر، سَهْلَ الخُلُق، لَيِّنَ الجانب، ليس بفظًّ
ولا غليظٍ ولا سخّاب، ولا فَحّاش، ولا عَيَّاب، ولامَزَّاح، يتغافل عمّا
لا يشتهيه، ولا يُؤْيَس منه، ولا يحبّب فيه، قد تَرَكَ نفسه من ثلاثٍ: من
المِراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث: كان لا يذمُّ
أحداً ولا يعيِِّه، ولا يطلب عَوْرَتَه، ولا يتكلّم إلّ فيما رجا ثوابه. إذا
تكلّم أطرق جُلَساؤه كأنّما على رؤوسهم الطَّير، فإذا سكت تكلّموا، ولا
يتنازعون عنده الحديثَ، من تكلّم أنصتوا له، وكان يضحك ممّا
يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون، ويصبر للغريب على الجَفْوة في
مَنْطِقِه ومسألته، حتى إنْ كان أصحابُه ليستجلبونهم، ويقول: ((إذا رأيتم
صاحبَ الحاجة يطلبها فارفدوه))، ولا يقبل الثَّناءَ إلّ عن مكافىءٍ، ولا
يقطع على أحدٍ حديثَه بنَهْيٍ أو قيامٍ .
فسألته: كيف كان سُكُوتُه؟ قال: على أربع: على الحِلْم، والحَذَر،
والتدبّر، والتفكُّر، فأمّا تَدَبُّرُه، ففي تسوية النَّظْر والاستماع بين النّاس،
وأمّا تفكُّرُهُ ففيما يبقَى ويفْنَى، وجُمِع له الحِلْم في الصَّبر، فكان لا
(١) الشمائل للترمذي ٣٢٩ و٣٤٤.
(٢) ابن سعد ٤٢٢/١-٤٢٤.
٣٨٢

يُغْضِبه شيءٌ ولا يستفزّه. وجُمِع له الحَذَرُ في أربع: أخذه بالخير(١)
لِيُقْتَدَى به، وترْكِه القبيحَ ليُنْتَهَى عنه، واجتهاده الرأَيَ فيما يُصْلحِ أُمَّته
والقيام بهم، والقيام فيما جمع لهم أمرَ الدنيا والآخرة والت.
ورواه بطوله كلّه يعقوب الفَسَوِيّ(٢): حدثنا أبو غسّان النَّهْدِيّ،
وسعيد بن حمّاد الأنصاريّ المصري، قالا: حدثنا جُمَيْع بن عمر، قال:
حدثني رجل بمكة، عن ابنٍ لأبي هالة، فَذَكَرَه.
ورواه الطبرانيُّ، عن عليّ بن عبدالعزيز، عن أبي غسّان النَّهْدي.
قرأتُ على أبي الهُدَى عيسى بن يحيى السبتي، أخبركم عبدالرحيم
ابن يوسف الدمشقي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ،
قال: أخبرنا أبو سعد الحسين بن الحسين الفانيذي، وأبو مُسْلم
عبدالرحمن بن عمر السِّمْناني، وأبو سعد محمد بن عبدالملك الأسدي،
قالوا: أخبرنا أبو عليّ الحسن بن أحمد بن إبراهيم التّاجر، قال: أخبرنا
أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عُبَيْدالله بن
الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب العَلَوي المعروف
بابن أخي أبي طاهر، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن
جعفر بن محمد بن عليّ، قال: حدثني عليّ بن جعفر بن محمد بن
عليّ، عن أخيه موسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن
الحسين، قال: قال الحسن بن عليّ رضي الله عنهما: سألت خالي هند
ابن أبي هالة، عن حِلْية رسولِ الله وََّ، وكان وصّافاً، وأنا أرجو أن
يصف لي منه شيئاً أتعلَّقُ به، فقال: كان فَخْماً مفخَّماً. فذكر مثلَ حديث
جُمَيْع بن عمر بطُوله، إلّ في ألفاظٍ: فقال في عريض الصدر: فسيح
الصدر، وقال: رَحْب الجبهة بدل رحب الراحة، وقال: يبدأ بدل يبدرُ
(١) على هامش الأصل: ((بالحسن)) في نسخة أخرى.
(٢) المعرفة والتاريخ ٢٨٤/٣-٢٨٧.
٣٨٣

مَنْ لَقِيهُ بالسلام، وقال: طويل السكوت بدل السَّكْت، وقال: لم يكن
ذَوَّاقاً ولا مُدَحة بدل لا يذمّ ذَواقاً ولا يمدحه، وأشياء سوى هذا
بالمعنى .
قوله متماسك: أي ممتلىء البدن غير مُسْتَرْخٍ ولا رَهِلٍ، والمتجرّد:
المُتَعَرّي، واللَّة: النَّحْر، والسّائر والسّائل : هو الطويل السّابغ،
والأخمص: ما يلصق من القدم بالأرض، والممسوح: الأملس الذي
ليس فيه شُقُوق، ولا وسخ، ولا تَكَشُّر، فالماء ينبو عنهما لذلك إذا
أصابهما .
وقوله: زال قَلْعاً، المعنى أنّه كان يرفع رِجْلَيْه من الأرض رفعاً بقوّةٍ
لا كَمَنْ يمشي اختيالاً ويشحط مَدَاسه دلكاً بالأرض، ويُرْوَى: زال
قَلَعاً. ومعناه: التثبُّت، والذَّريع: السريع. يسوق أصحابه: أي يُقَدِّمهم
أمامَه، والجافي: المتكبِّر، والمَهين: الوضيع، والذَّواق: الطّعَّام،
وأشاح: أي اجتنب ذاك وأعرض عنه. وحَتُّ الغمام: البَرَد، والشّكل:
النَّحو والمذهب، والعتاد: ما يُعَدُّ للأمرِ مثل السلاح وغيره.
وقوله: لا تُؤْبَن فيه الحُرَمُ: أي: لا تُذْكر بقبيح، ولا تُنْثَى فَلَتَاتُه:
أي: لا تُذاع، أي: لم يكن لمجلسه فَلَتَات فَتُذَاعٍ، والنَّثا في الكلام:
القبيح والحَسِن.
وقد مرّ في حديث الإسراء أنّه قال: رأيتُ إبراهيم وهو قائمٌ يصلّي،
فإذا أشبهُ النّاس به صاحبُكم، يعني نفسه صلّى الله عليهما .
وقال إسرائيل عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، أنّ قريشاً
أتوا كاهنةً فقالوا لها: أخبرينا بأقربنا شَبَهاً بصاحبٍ هذا المقام، قالت:
إِنْ جَرَرْتُم كساءً على هذه السَّهلة، ثمّ مشيتم عليها أنبأتكم. ففعلوا،
فأبصرت أثَرَ قدم محمد نَّوَ قالت: هذا أقربكم شَبَهاً به. فمكثوا بعد
٣٨٤

ذلك عشرين سنة أو نحوها، ثمّ بُعِث عليه السلام.
وقال أبو عاصم، عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي
مُلَيْكة، عن عُقبة بن الحارث، قال: صلّى بنا أبو بكر رضي الله عنه
العَصْر، ثمّ خرج هو وعليّ يمشيان، فرأى الحَسَنَ يلعب مع الغِلْمان،
فأخذه فحمله على عاتقه ثم قال:
بأبي شبيه النبيِّ ليس شبيهاً بعليّ
وعليّ يتبسّم. أخرجه البخاري(١) ، عن أبي عاصم.
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانىء بن هانىء، عن عليّ
رضي الله عنه قال: الحَسَن أشبه برسول الله وَّ ما بين الصَّدْر إلى
الرأس، والحُسين أشبه برسولِ اللهِ وَّ ما كان أسفلَ من ذلك.
(١) البخاري ٣٣/٥.
٣٨٥

باب قوله تعالى
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
قال النبي ◌َّ: «أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خُلُقاً».
وقال البخاري ومسلم(١): مالك، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن
عائشة، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله وَلَّ بين أمرين، إلّ أخذ أيْسَرَهُما، ما
لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعدَ النّاس منه، وما انتقم لنفسه إلّ أنْ
تُنْتَهَكَ محارمُ الله، فينتقم لله بها.
وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما ضرب
رسولُ اللهِ وَّه بيده شيئاً قطّ، لا امرأةً ولا خادماً، إلّ أنْ يجاهد في سبيل
الله، ولا نِيلَ منه شيءٌ قطّ، فينتقم من صاحبِهِ، إلّا أنْ يُنْتَهَك شيءٌ من
محارم الله، فينتقم لله. رواه مسلم (٢) .
وقال أنس: خَدَمْتُهُ وَِّ عشرَ سِنين، فَوَالله ما قال لي أُنفِّ قطّ، ولا
قال لشيءٍ فعلتُهُ: لِمَ فعلتَ كذا، ولا لشيءٍ لم أفعلْه: ألا فعلتَ كذا؟.
وقال عبدالوارث، عن أبي التّاح، عن أنس، قال: كان رسول الله
وَلَ﴿ أحسنَ النّاس خُلُقاً. أخرجه مسلم(٣).
وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنَس: كان نَِّ أَجْوَدَ النّاس،
(١) البخاري ٢٣٠/٤ و٣٦/٨ و١٩٨/٨، ومسلم ٨٠/٧.
(٢) مسلم ٧/ ٨٠.
(٣) مسلم ٦ / ١٧٦ .
٣٨٦

وأجملَ الناس، وأشجعَ النّاس. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال فُلَيْح، عن هلال بن عليّ، عن أنَس: لم يكن رسولُ اللهِ وَل
سَبَّاباً ولا فاحشاً، ولا لَعَّاناً، كان يقول لَأَحَدِنا عند المَعْتِبَة: ما لَهُ تَرِبَ
جبينُهُ. أخرجه البخاري(٢) .
وقال الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبدالله بن عَمْرو، أنّ
رسول الله وَُّ لم يكن فاحشاً ولا متفحِّشاً، وأنّه كان يقول: خيارُكُم
أحسنُكُم أخلاقاً. مُتَّفقٌ عليه(٣).
وقال أبو داود(٤) : حدثنا شُعْبة، عن أبي إسحاق، سمع أبا عبدالله
الجَدَليّ يقول: سألتُ عائشةَ عن خُلُق رسولِ اللهِ وَّلَه فقالت: لم يكن
فاحشاً، ولا متفحّشاً، ولا سخّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسّيئة
السَّيِّئَةَ، ولكنْ يعفو ويَصْفَح.
وقال شُعْبة، عن قَتَادة: سمعت عبدَالله بن أبي عُتْبة، قال: سمعتُ
أبا سعيد الخُدْرِيّ يقول: كان رسول الله وَّ أشدَّ حياءً من العَذْراء في
خِدْرِها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه. مُتَّفقٌ عليه (٥) .
وقال ابن عمر: قال رسول الله وَلجر: ((الحياء من الإيمان))(٦).
وقال مالك، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس، قال:
كنتُ أمشي مع النبيِّ ◌َّهِ وعليه بُرْد غليظ الحاشية، فأدركه أعْرابيٌّ فجبذَ
بردائه جَبْذاً شديداً، حتّى نظرتُ إلى صفحة عاتقه قد أثَّرَتْ بها حاشيةٌ
(١) البخاري ٤٧/٤ و١٦/٨، ومسلم ٧٢/٧.
(٢)
البخاري ١٥/٨ و١٨.
(٣) البخاري ١٦/٨، ومسلم ٧/ ٧٧.
(٤) هو الطيالسي، وهو في منحة المعبود ١١٩/٢.
(٥) البخاري ٢٣٠/٤ و٣١/٨-٣٢ و٣٥، ومسلم ٧/ ٧٧.
(٦) البخاري ٩/١، ومسلم ١/ ٤٦ .
٣٨٧

البُرْد، ثمّ قال: يا محمد مُرْ لي من مالِ اللهِ الذي عندك، فالتفت إليه
النّبِيُّ ◌َّهِ فضحكَ، ثم أمرَ له بعطاء. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال عُبَيْدالله بن موسى، عن شَيْبان، عن الأعمش، عن ثُمامة بن
عُقْبة، عن زيد بن أرقم، قال: كان رجلٌ من الأنصار يدخل على النبيِّ
وَلَّه ويأمنه، وأنّه عقد للنّبيِّ وَِّ عُقداً، فألقاه في بئرٍ فَصَرع ذلك النّبيَّ
﴿لِ﴿ فأتاه مَلَكان يعودانه، فأخبراه أنَّ فلاناً عَقَد له عُقداً، وهي في بئر
فُلان، ولقد اصْفَرَّ الماءُ من شدّة عقده، فأرسل النّبيُّ وَّ فاستخرج
العقد، فوجد الماءَ قد اصْفَرَّ، فحلّ العقد، ونام النّبيُّ نَِّ. فلقد رأيتُ
الرجلَ بعد ذلك يدخلُ على النّبِّ وََّ، فما رأيته في وجه النّبيّ وَُّ حتّى
مات.
وقال أبو نُعَيْم: حدثنا عِمْران بن زيد أبو يحيى المُلائيّ، قال:
حدثني زيد العَمي، عن أنس: كان رسولُ اللهِوَّه إذا صافحه الرجلُ لا
ينزعُ يده من يده، حتّى يكون الرجلُ ينزع، وإِنِ اسْتَقْبَلَه بوجهه، لا
يَصْرفه عنه، حتّى يكون الرجل ينصرف، ولم يُرَ مُقَدِّماً رُكْبَتَهُ بين يدي
جليس له. أخرجهما الفَسَوي عنهما في تاريخه(٢) .
ے
وقال مبارك بن فَضَالة، عن ثابت، عن أنَس: ما رأيتُ رجلاً التقم
أُذُنَ النّبِيِّ وَّةِ فَيُنَخِّي رأسه، حتّى يكون الرجلُ هو الذي يُنَحِّي رأسَه،
وما رأيتُ رسولَ الله أخذ بيد رجلٍ فترك يده، حتّى يكونَ الرجلُ هو
الذي يَدَعُ يده. أخرجه أبو داود (٣).
وقال سليمان بن يسار، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله وَ له
(١) البخاري ٢٩/٨، ومسلم ١٠٣/٣.
(٢) المعرفة والتاريخ ٢٨٩/٣.
(٣) أبو داود (٤٧٩٤).
٣٨٨

مستجمعاً ضاحكاً، حتّى أرى منه لهَوَاته، إنّما كان يتبسّم. مُتَّفقٌ
عليه(١) .
وقال سِماك بن حرب: قلت لجابر بن سَمُرَة: أُكُنْتَ تجالسُ النّبيَّ
وَّهُ؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مُصَلّه حتّى تَطْلُعَ الشمسُ،
وكانوا يتحدّثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسّم. رواه
مسلم(٢) .
وقال اللَّيْث بن سعد، عن الوليد بن أبي الوليد، أنّ سليمان بن
خارجة أخبره، عن أبيه، أنّ نَفَراً دخلوا على زيد بن ثابت أبيه، فقالوا:
حدِّثْنا عن بعض أخلاق رسول الله وَ لَه، فقال: كنت جارَه، فكان إذا نزل
الوحيُ بعث إليَّ فَتِيه، فأكتبُ الوحيَ، وكنّا إذا ذكرنا الدُّنيا ذكرها معنا،
وإذا ذكرنا الآخرةَ ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطَّعام ذكره معنا.
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب، عن عليّ
قال: لمّا كان يوم بدر، اتّقينا المشركين برسول الله وَلّ، وكان أشدَّ
النّاس بأساً، وما كان أحدٌ أقرب إلى المشركين منه.
وقال الثَّوْرِيّ، عن محمد بن المُنْكَدِر، قال: سمعت جابراً يقول:
لم يُسأل النّبِيُّ وَّهِ شيئاً قطّ فقال: لا. مُتَّفقٌ عليه(٣).
وقال يونس، عن الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله، عن ابن عباس: كان
رسولُ اللهِ وَّ أَجْوَدِ النّاس، وكان أجْودَ ما يكون في رمضان. مُتَّفَقٌ
عليه (٤) .
وقال حُميد الطّويل، عن موسى بن أنَس، عن أبيه، قال: أتى رجلٌ
(١) البخاري ١٦٧/٦ و٢٩/٨ -٣٠، ومسلم ٢٦/٣.
(٢) مسلم ٧٨/٦.
(٣) البخاري ١٦/٨ وفى ((الأدب المفرد)) ٢٧٩ و٢٩٨، ومسلم ٧٤/٦.
(٤) البخاري ٢٢٩/٤، ومسلم ٧٣/٦
٣٨٩

النّبيَّ ◌َّ فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومَه فقال: أسْلِمُوا فإنَّ
محمداً يعطي عطاءَ مَنْ لا يخافُ الفاقة. أخرجه مسلم (١) .
وقال مَعْمَر، عن الزُّهرِيّ، عن عُرْوة، عن عائشة: كان رسولُ الله
وَّ إذا كان في بيته يخصِف نَعْلَه، ويَخِيطِ ثَوْبَه، ويعمل في بيته كما
یعمل أحدكم في بيته .
وقال أبو صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد،
عن عَمْرة، قيل لعائشة: ما كان رسولُ اللهَ وَّلَه يعمل في بيته؟ قالت:
كان بَشَراً من البَشَر، يفلي ثوبه، ويحلبُ شاتَه، ويخدم نفسه .
وقال شُعْبة: حدثني مسلم الأعور أبو عبدالله، سمع أنَساً يقول:
كان رسولُ اللهِ وَّه يركبُ الحمارَ، ويلبسُ الصُّوفَ، ويُجيب دعوةَ
المملوك، ولقد رأيتُهُ يومَ خَيْبَر على حمارٍ، خطامُهُ من لِيف.
وقال مروان بن محمد الطّاطَريّ: حدثنا ابن لَهِيعة، قال: حدثني
عمار بن غَزِيّة، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنَس، قال:
كان رسولُ الله ◌َّر من أفْكَه النّاسِ مع صبيٍّ.
وفي ((الصحيح))(٢) أنَّ النّبيَّ نَّهِ قال: أبا عُمَيْر ما فعل النُّغَيْر؟.
وقال حمّاد بن سَلَمَة: أخبرنا ثابت، عن أنس، أنّ امرأةً كان في
عقلها شيءٌ، فقالت: يا رسولَ الله إنَّ لي إليك حاجةٌ، فقال: يا أُمَّ
و
فلانٍ، انظُرِي، أيَّ طريقٍ شئتِ قومي فيه، حتّى أقومَ معكِ، فخلا معها
يُنَاجيها، حتّى قضت حاجَتَها. أخرجه مسلم(٣).
(١) مسلم ٦/ ٧٤ .
(٢) البخاري ٣٧/٨و ٥٥، ومسلم ١٢٧/٢ و١٧٦/٦ و٧٤/٧.
(٣) مسلم ٧٩/٦ .
٣٩٠

باب ھَيْبَتِهِ وَجَلَالِهِ وحُبّهِ وَشجاعَتِهِ
وقوَّتِهِ وَفصاحَتِه
قال جرير بن عبدالحميد، عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمي، عن
أبيه، عن أبي مسعود، قال: إنّي لَأَضْرِبُ غلاماً لي، إذ سمعتُ صوتاً
من خلفي: ((اعلم أبا مسعود))، قال: فجعلتُ لا أَلْتَفِتُ إليه من الغضب،
حتّى غَشِيَني، فإذا هو رسول الله وََّ، فلمّا رأيتُه وقع السَّوْط من يدي
من هيبته، فقال لي: ((واللهِ، لَلَّهُ أقدرُ عليكَ منكَ من هذا))، فقلتُ: والله
يا رسول الله لا أضربُ غلاماً لي أبداً. هذا حديث صحيح.
وقال شُعبة، عن قَتَادة، عن أنَس، أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قال: لا يؤمنُ
أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين. أخرجه
مسلم(١) .
وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّّ وَلَا
﴾ [الحجرات]. فقال أبو بكر
تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوّلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ!
٢
وغيره: لا نُكَلِّمك يا رسولَ الله إلّ كأخي السِّرار.
وقال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأَ قَدْ
يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَّاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ: أَن
﴾ [النور].
(٦٣
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ:
(١) مسلم ٤٩/١.
٣٩١

٢٧٣
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الشَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ
[التوبة].
وعن النَّبِيّ وَّهِ قال: ((نُصِرْتُ بالرُّعْب، يسير بين يديَّ مسيرةً شهر)).
وقال زُهَير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب،
عن عليّ رضي الله عنه، قال: كنّا إذا احْمرَّ البأسُ، ولقي القومُ القومَ،
اتَّقَيْنا برسولِ اللهَِّ، فما يكون منّ أحدٌ أقربَ إلى القوم منه، وقد ثَبتَ
النّبِيُّ ◌َّه يوم أُحُدٍ ويوم حُنَيْن، كما يأتي (١) في غزواته.
قال زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن يوم حُنَيْن، أنّ رسول
الله وَل بقيَ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب
يقود بلجامها، فنزل الشَّبِيُّ ◌َّ واستنصر، ثم قال:
أنا النّبيُّ لا کذِبْ
أنا ابنُ عبد المطّلب
ثم تراجع النّاس.
وسيأتي هذا مُطَوَّلاً (٢).
وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنَس، قال: كان رسولُ الله
وَّ: أجملَ الناس وجهاً، وأجْوَدهم كفّاً، وأشجعهم قلباً، خرجَ وقد
فَزِعَ أهلُ المدينة، فركبَ فرساً لأبي طلحة عُرْياً، ثم رجع وهو يقول:
لن تُرَاعُوا، لن تُراعوا. مُتَّفقٌ عليه(٣) .
وقال حاتم بن اللَّيْث الجَوْهريّ: حدثنا حمّاد بن أبي حمزة
السُّكَّريّ، قال: حدثنا عليّ بن الحسين بن واقد، قال: حدثنا أبي، عن
عبدالله بن بُرَيْدة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: يا رسولَ الله ما
(١) كذا قال، ولو قال: كما مضى أو جاء لكان أحسن.
(٢) هكذا قال، فكأنه كتب الترجمة قبل المغازي.
(٣) البخاري ٦٣/٤، ومسلم ٧٢/٦ .
٣٩٢

لك أفصحُنا ولم تخرجْ من بين أظهرنا؟ قال: ((كانت لغةُ إسماعيل قد
دَرَسَتْ، فجاء بها جبريلُ فحفَّظَنِيها)). هذا من ((جزء الغطْريف)).
وقال عَبَّاد بن العوَّام: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التَّيْميّ،
عن أبيه، قال رجل: يا رسول الله ما أفصحكَ، ما رأيت الذي هو أعرب
منك. قال: ((حُقَّ لي، وإنّما أُنزِل القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبين)).
وقال هُشَيْم، عن عبدالرحمن بن إسحاق القُرَشي، عن أبي بُرْدَة،
عن أبي موسى: قال رسول الله وَله: ((أُعْطِيتُ فواتحَ الكَلِم وخواتِمَه
وجوامِعَه)). قُلْنا: عَلِّمْنا ممّا علَّمَكَ اللهُ، فعلَّمَنا التشهُّدَ في الصّلاة.
٣٩٣

صلى الله
بابُ زُهدِه وَلِيُّ
وبذلك يُوزنُ الزّهدُ وَبِهِ يُحَدُّ
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُذَّنَ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوْقِ
(٣١)﴾ [طه].
الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى
قال بقيّة بن الوليد، عن الزُّبَيْدِيّ، عن الزُّهْرِيّ، عن محمد بن
عبدالله بن عبّاس، قال: كان ابن عبّاس يُحَدِّثُ أنَّ الله تعالى أرسل إلى
نبيِّهِ وَّل﴿ مَلَكاً من الملائكة معه جبريل عليه السلام، فقال المَلَك: إنّ الله
يُخَيِّرُك بين أن تكونَ عبداً نبيّاً، وبين أنْ تكونَ مَلِكاً نبيّاً. فالتفت النبي
وَلَ﴿ إلى جبريلَ كالمُستشير له، فأشار جبريلُ إلى رسولِ اللهِ وَل ◌َ أنْ
تَواضَعْ، فقال رسول الله وَّهِ: ((بل أكونُ عبداً نبيًّا)). قال: فما أَكَلَ بعد
تلك الكلمةِ طعاماً متكِئاً حتى لقيَ ربَّه تعالى.
وقال عِكرمة بن عمّار، عن أبي زُمَيْل، قال: حدثني ابن عباس، أنّ
عمر رضي الله عنهم قال: دخلتُ على رسول الله وَّه في خزانته، فإذا هو
مضطّجِعٌ على حصيرٍ، فأدنى عليه إزارَه وجلسَ، وإذا الحصيرُ قد أثَّر
بجَنْبه، فقلَّبْتُ عيني في خزانةِ رسول الله بَّ، فإذا ليس فيها شيءٌ من
الدنيا غير قبضتين - أو قال قبضةً - من شعير، وقبضة من قرظ، نحو
الصَّاعَيْن، وإذا أفِيقٌ معلَّقٌ أو أفِيقان، قال: فابتدرتْ عينايَ، فقال
رسول اللهِ وَّهُ: ((ما يُبْكيكَ يا ابن الخطَّاب))؟ قلت: يا رسولَ الله وما ليَ
لا أبكي وأنتَ صفْوَةُ الله عزَّ وجَلَّ ورسولُه وخِيرتُه، وهذه خزانتك!
وكِسْرَى وقَيْصر في الثمار والأنهار، وأنت هكذا. فقال: ((يا ابن
٣٩٤

الخطّاب أما ترضى أنْ تكونَ لنا الآخرةُ ولهمُ الدنيا»؟ قلتُ: بلى يا
رسولَ الله، قال: ((فاحْمَدِ الله عزَّ وجَلَّ)). أخرجه مسلم (١).
وقال مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْدالله بن عبدالله بن أبي ثور، عن
ابن عبّاس، عن عمر في هذه القصّة، قال: فما رأيتُ في البيت شيئاً يردّ
البَصَرَ إِلّ أُهُبِّ ثلاثة، فقلت: ادْعُ اللهَ يا رسولَ اللهِ أنْ يُوسِّعَ على أُمَّتِك،
فقد وسَّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالساً
وقال: ((أفي شكّ أنتَ يا ابنَ الخطّاب؟ أولئك قوم عُجِّلَتْ لهم طَيِّاتُهم
في الحياةِ الدُّنيا)). فقلتُ: أستغفر الله، وكان أقسمَ أنْ لا يدخلَ على
نسائه شهراً من شِدَّةِ مَوْجِدته عليهنّ حتى عاتبه الله تعالى. اتفقا عليه من
حديث الزُّهْرِيّ(٢).
قرأت على إسماعيل بن عبدالرحمن المُعَدَّل، سنة أربع وتسعين،
أخبركم العلامة أبو محمد بن قُدامة، أنَّ شُهْدَةَ بنت أبي نصر أخبرتُهُم،
قالت: أخبرنا أبو غالب الباقلاني، قال: أخبرنا أبو عليّ بن شاذان،
قال: أخبرنا أبو سهل بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال:
حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا مُبَارك بن فَضالة، عن الحَسَن،
عن أنس، قال: دخلتُ على النّبِيِّ بَّهِ وهو على سريرٍ مرمول(٣)
بشريط، وتحت رأسه مِرْفَقَة حَشْوُها لِيف، فدخل عليه ناسٌ من
أصحابه، فيهم عمر رضي الله عنه، فاعْوَجَّ النّبيُّ نَّهِ اعْوِ جاجةً، فرأى
عمرُ أثَرَ الشَّريط في جَنْب النبيِّرَ فبكى، فقال له الَنَّبِيّ ◌َّ: ((ما
يُبْكيكَ))؟ قال: كِسْرَى وقَيْصَر يعيثان فيما يعيثان فيه، وأنتَ على هذا
السرير! فقال: ((أما ترضى أنْ تكونَ لهمُ الدنيا ولنا الآخرة))؟ قال: بلى،
(١) مسلم ٨٨/٤.
(٢) البخاري ٣٦/٧-٣٩، ومسلم ٩٣/٤.
(٣) أي: نُسجَ وجهه بالسَّعَف.
٣٩٥

فقال: ((فهو والله كذلك)). إسناده حَسَن.
وقال المسعوديُّ، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن
عبدالله قال: اضطجع النّبيُّ نَّهِ على حصيرٍ، فأثَّرَ بجلده، فجعلت
أمسحه عنه وأقول: بأبي وأمّ ألا آذَنْتَنَا فنبسط لك؟ قال: ((ما لي
وللدنيا، إنّما أنا والدُّنيا كراكبٍ استظلّ تحت شجرةٍ، ثمّ راح وتركها».
هذا حديث حَسَن قريب من الصِّحَّةِ .
وقال يونس، عن الزُّهرِيّ، عن عُبَيْد الله، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ
الله ◌َّ قال: ((لو أنَّ لي مثل أُحُدٍ ذَهَباً ما يَسُرُّني أن تأتي عليَّ ثلاثُ
ليالٍ، وعندي منه شيءٌ، إلّ شيءٌ أُرْصِدُه لِدَيْني)). أخرجه
البخاري(١) .
وقال الأعمش، عن عمارة بن القَعْقاع، عن أبي زُرَعة، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَّر: ((اللَّهُمَّ اجعلْ رِزْقَ آلِ محمدٍ قُوتًا)).
أخرجه مسلم والبخاريُّ من وجهٍ آخر(٢) .
وقال إبراهيم النَّخعيّ، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ما شبع
رسولُ اللهِ وَّ﴿ ثلاثة أيامٍ تِباعاً من خُبْزِ بُرِّ حتى تُوُفِّي. أخرجه مسلم(٣) .
وقال الثَّوْرِيّ: حدثنا عبدالرحمن بن عابس بن ربيعة، عن أبيه، أنَّ
عائشةَ قالت: كنّا نُخْرِجُ الكُراعِ بعد خمس عشرة فنأكله. فقلت: ولم
تفعلون؟ فضحكتْ وقالت: ما شبع آلُ مُحمدٍ وَِّ من خُبزٍ مأدومٍ حتى
لحِقَ بالله. أخرجه البخاري (٤) .
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كنّا يمر بنا الهلالُ
(١) البخاري ٧٤/٨ و١١٧ و١٠٢/٩.
(٢) البخاري ١٢٢/٤، ومسلم ١٠٢/٣.
(٣) مسلم ٢١٧/٨.
(٤) البخاري ٩٨/٧ و ١٠٢.
٣٩٦

والهلال والهلال، ما نُوقد بنارٍ لطعام، إلّا أنّه التمر والماء، إلّ أنَّ حولنا
أهل دُورٍ من الأنصار، فيبعثون بغزيرة الشاة إلى النّبِيِّ بَّ، فكان للنبي
وَ﴿ من ذلك اللَّبَن. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال همّام: حدثنا قَتَادة: كنّا نأتي أنَسَ بنَ مالك، وخبّازه قائم،
فقال: كُلُوا، فما أعلمُ رسولَ اللهِّهِ رأى رغيفاً مُرَقَّقاً، حتّى لَحِقَ بالله،
ولا رأى شاةً سميطاً بعينه قطّ. أخرجه البخاري(٢).
وقال هشام الدَّسْتَوَائِيّ، عن يونس، عن قَتَادة، عن أنَس، قال: ما
أكلَ النّبِيُّ وََّ على خُوان، ولا في سُكُرُّجَةٍ (٣) ولا خُبزَ له مُرَفَّقٌ. فقلتُ
لأنَسَ: على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَر. أخرجه البخاري (٤).
وقال شُعْبَة، عن أبي إسحاق: سمعت عبدالرحمن بن يزيد يحدّث،
عن الأسود، عن عائشة، قالت: ما شبعَ رسولُ اللهِ وََّ من خُبْزِ شعيرٍ
يومين متتابعين، حتّى قُبِض. أخرجه مسلم(٥) .
وقال هشام بن أبي عبدالله، عن قَتَادة، عن أنَس، أنّه مشى إلى النبي
وَّ بخبز شعيرٍ، وإهالة سَنِخة. ولقد رهن دِرْعَه عند يهوديّ، فأخذ
لأهله شعيراً، ولقد سمعتُه ذاتَ يومٍ يقول: ما أمسى عند آل محمدٍ صاحُ
تمرٍ ولا صاعُ حَبِّ، وإنّهم يومئذٍ تسعة أبيات. أخرجه البخاري(٦) .
وقال هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة: كان فِراش رسولِ الله
وَ﴿ من أدَم حَشْوُهُ لِيف. مُتَّفقٌ عليه(٧).
(١) البخاري ٢٠١/٣ و١٢١/٨، ومسلم ٢١٨/٨.
(٢) البخاري ٧/ ٩٠ و ٩٨.
(٣) إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم.
(٤) البخاري ٧ / ٩١ و ٩٧.
(٥) مسلم ٢١٧/٨.
(٦) البخاري ٧٤/٣ و ١٨٦.
(٧) البخاري ١٢١/٨، ومسلم ١٤٥/٦.
٣٩٧

أخبرنا الخَضِر بن عبدالله بن عمر، وأحمد بن عبدالسلام، وأحمد
ابن أبي الخير، كتابةً، أنّ عبدالمنعم بن عبدالوهاب بن كُلَيْب أجاز لهم،
قال: أخبرنا عليّ بن بُنان، قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرنا
أبو عليّ الصّفار سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، قال: حدثنا الحسن بن
عَرَفَة، قال: حدثنا عبّاد بن عبّاد المهلَّبيّ، عن مُجالد، عن الشَّعبيّ، عن
مسروق، عن عائشة، قالت: دَخَلَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ، فرأتْ
فراشَ رسولِ اللهِ وََّ عباءةٌ مَثْنِيَّةً، فانطلقتْ فبعثتْ إليَّ بفراشٍ حشوُهُ
الصُّوف، فدخل عليَّ رسولُ اللهِ بَّر فقال: ((ما هذا يا عائشة))؟ قلت:
فلانة رأتْ فراشكَ، فبعثتْ إليَّ بهذا. فقال: ((رُدِّيه يا عائشةُ)). قالت:
فَلَمْ أرذَّهُ، وأعجبني أنْ يكونَ في بيتي، حتّى قال ذلك ثلاثَ مِرار،
قالت: فقال: رُدِّيه فَوَالله لو شئتُ لأجرى اللهُ معي جبالَ الذَّهب
والفضّة.
أخرجه الإمام أحمد في ((الزُّهد))(١)، عن إسماعيل بن محمد، عن
عبّاد بن عبّاد - وهو ثقة - عن مُجالد، وليس بالقويّ.
وأخرجه محمد بن سعد الكاتب(٢)، عن سعيد بن سليمان
الواسطي، عن عبّاد بن عبّاد.
وقال زائدة: حدثنا عبدالملك بن عُمَيْر، عن رِبْعيّ بن حِراش، عن
أمّ سَلَمَة، قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ◌ِّهِ وهو ساهمُ الوجه، فحسبتُ
ذلك من وجع، فقلتُ: يا رسولَ الله ما لي أراكَ ساهمَ الوجْه؟ قال: من
أجلِ الدَّنانيرِ السبعة التي أتتنا أمس، وأمسينا ولم نُنفقهنّ، فَكُنَّ في خُملِ
الفراش. هذا حديث صحيح الإسناد.
(١) الزهد ص ٢٠.
(٢) الطبقات الكبرى ٤٦٥/١ .
٣٩٨

وقال بكر بن مُضَر، عن موسى بن جُبَيْر، عن أبي أمامة بن سهل،
قال: دخلتُ على عائشة أنا وعُرْوَة، فقالت: لو رأيتما رسولَ الله ◌ِّل في
مرضٍ له، وكانت عندي ستّةُ دنانير أو سبعة، فأمرني أنْ أُفرِّقَها، فشغلني
وجَعُهُ حتى عافاه الله، ثمّ سألني عنها، ثمّ دعا بها فوضعها في كفّه
فقال: ما ظنُّ نبيِّ الله لو لقيَ اللهَ وهذه عنده.
وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنَس، أنّ النّبِيَّ وََّ كان لا
يَدَّخِرُ شيئاً لغد.
وقال بكّار بن محمد السِّيرِيني: حدثنا ابن عَوْن، عن ابن سِيرِين،
عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِ وَ له دخل على بلال، فوجد عنده صُبَراً من
تمر، فقال: ((ما هذا يا بلال)»؟ قال: تمراً أدَّخِره. قال: ((وَيْحَكَ يا
بلال، أوَ ما تخافُ أنْ يكون لك بُخارٌ في النّار، أنفِقْ بلالُ ولا تَخْشَ من
ذي العرشِ إقلالاً)). بكّار ضعيف.
وقال معاوية بن سلام، عن زيد، أنّه سمع أبا سلّم، قال: حدثني
عبد الله أبو عامر الهَوْزَنيّ، قال: لقيتُ بلالاً مؤذِّنَ رسولِ الله وَّ بحلب،
فقلتُ: حدِّثني كيف كانت نفقةُ النّبيِّ وَّر. فقال: ما كان له شيءٌ من
ذلك، إلّ أنا الذي كنتُ أَلِي ذلكَ منه، منذُ بَعثه اللهُ إلى أنْ تُوُفِّي، فكان
إذا أتاه الإنسانُ المسلم، فرآه عارياً يأمرني فأنطلق فأستقرِض فأشتري
البُرْدَة والشيءَ فأكسوه وأُطْعِمه، حتى اعترضَني رجلٌ من المشركين،
فقال: يا بلال إنّ عندي سَعَة فلا تستقرض من أحدٍ إلّ منّي، ففعلتُ،
فلمّا كان ذات يوم، توضّأتُ، ثمّ قمتُ لأؤذِّنَ بالصّلاة، فإذا المشركُ في
عصابةٍ من الثُّجَّار، فلمّا رآني قال: يا حبشيّ! قلت: يا لَيِّيه، فتجهّمني،
وقال قولاً غليظاً، فقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب.
قال: إنّما بينكَ وبينه أربع ليالٍ، فَآخذك بالذي لي عليكَ، فإنّي لم
أُعْطِكَ الذي أعطيتُك من كرامتك، ولا من كرامةِ صاحبكَ، ولكنْ
٣٩٩

أعطيتك لتَجِبَ لي عبداً، فأردّك ترعى الغَنمَ، كما كنتَ قبل ذلك. فأخذ
في نفسي ما يأخذ في أنفس النّاس، فانطلقتُ ثمّ أذّنتُ بالصّلاة، حتّى إذا
صلَّيتُ العَتمة رجع النّبيُّ وََّ إلى أهله، فاستأذنتُ عليه، فأذِنَ لي،
فقلت: يا رسولَ الله بأبي أنت وأمّي إنَّ المُشْرِكَ قال لي كذا وكذا،
وليس عندك ما تَقْضِي عني، ولا عندي، وهو فَاضِحِي، فَأُذَنْ لي أنْ آتَيَ
بعضَ هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا، حتّى يرزق اللهُ رسولَه ما يقضي
عنّي. فخرجتُ، حتى أتيتُ منزلي، فجعلتُ سيفي وجرابي ورُمحي
ونَعْلي عند رأسي، واستقبلتُ بوجهي الأُفُقَ، فَكُلَّما نمتُ انتبهتُ، فإذا
رأيت عليَّ ليلاً نمتُ، حتى انشقَّ عمودُ الصُّبْح الأول، فأردتُ أنْ
أنطلقَ، فإذا إنسانٌ يسعى، يدعو: يا بلال أجِبْ رسولَ اللهِ وَلّهه
فانطلقتُ حتَّى أتيتُهُ، فإذا أربعُ ركائب عليهنَّ أحمالهنَّ، فأتيتُ النّبيَّ
وَه، فاستأذنتُ، فقال لي النّبيُّ ◌َّهِ: ((أبشِرْ، فقد جاءك الله بقضائك)).
فحمدتُ الله، قال: ((ألم تمرَّ على الركائب المُناخات الأربع؟». قلتُ:
بلى. قال: ((فإنَّ لكَ رِقَابَهُنَّ وما عليهنّ)). فإذا عليهنّ كِسْوَةٌ وطعامٌ
أَهْداهنَّ له عظِيمُ فَدَك، فحطَطْتُ عنهنّ، ثمّ عَقَلْتُهنَّ، ثمّ عمدتُ إلى
تأذينِ صلاة الصُّبْحِ، حتّى إذا صلّى رسولُ الله ◌َّهِ خرجتُ إلى البقيع،
فجعلتُ إصبعي في أُذُني، فناديتُ وقلت: مَنْ كان يطلبُ رسولَ الله وَّل
دَيْناً فلْيحضر، فما زلتُ أبيع وأقضي حتّى لم يبقَ على رسولِ اللهِّ دَيْنٌ
في الأرض، حتّى فَضُلَ عندي أُوقِيَّتان، أو أوقيّة ونصف، ثم انطلقتُ
إلى المسجد، وقد ذهب عامَّةُ النّهار، فإذا رسول الله وَّرَ قاعدٌ في
المسجد وحده، فسلَّمتُ عليه، فقال لي: ((ما فعل ما قِبَلُك))؟ قلت: قد
قضى الله كلَّ شيءٍ كان على رسولِ الله ◌ِّر فلم يبقَ شيءٌ. فقال: ((فضُل
شيءٌ))؟ قلت: نعم ديناران. قال: ((انظُرْ أنْ تُرِيحني منهما، فلستُ
بداخلٍ على أحدٍ من أهلي حتّى تُرِيحني منهما)). فلم يأتِنا أحدٌ، فبات
٤٠٠