النص المفهرس

صفحات 321-340

قويّ(١).
وقال حرَميّ بن عمارة: حدثنا عَزْرَة بن ثابت، عن عِلْبَاء بن أحمر،
قال: حدثني أبو زيد الأنصاريّ، قال: قال لي رسول الله ◌َّهِ أَدْنُ منّي.
قال: فمسح بيده على رأسي ولحيتي، ثم قال: ((اللّهُمَّ جَمِّلْه وأَدِمْ
جَمَاله)). قال: فبلغ بضعاً ومئة سنة وما في لحيته بياض إلّ نبذ يسير،
ولقد كان منبسطَ الوجْه لم يتقبَّضْ وجهُهُ حتى مات. قال البيهقيّ: هذا
إسناد صحيح موصول، وأبو زيد هو عَمْرو بن أخطب(٢) .
وقال عليّ بن الحسن بن شقيق: حدثنا الحسين بن واقد، قال:
حدثنا أبو نهيك الأزدي عن عَمْرو بن أخطب - وهو أبو زيد - قال:
استسقى رسول الله ◌َّ، فأتيتُهُ بإناءٍ فيه ماء، وفيه شعرة فرفعتها ثمّ
ناولتُه، فقال: «اللَّهُمَّ جَمِّلْه))، قال: فرأيته ابنَ ثلاثٍ وتسعين سنة، وما
في رأسه ولِحْيَتِه طاقةٌ بيضاء(٣) .
وقال مُعْتَمِر بن سليمان: حدثنا أبي، عن أبي العلاء، قال: كنت
عند قَتَادة بن مِلْحان في مرضه، فمرّ رجل في مؤخَّر الدار، قال: فرأيته
في وجهه، قال: وكان رسول الله بَّرَ مسح وجْهَهُ، قال: وكنتُ قَلَّما
رأيته إلّ رأيته كأنَّ على وجهه الدِّهان. رواه عارم، ويحيى بن مَعِين،
عن مُعْتَمِر (٤).
وقال عكرمة بن عمّار: حدثنا إياس بن سَلَمَة بن الأكوع، قال:
حدثني أبي أنّ رجلاً أكل عند رسول الله وَّ بشماله فقال: «كُلْ
بيمينك)). قال: لا أستطيع. قال: ((لا استطعت))، ما منعه إلا الكِبْر.
(١) أحمد ٦٥/٣.
(٢) انظر أحمد ٧٧/٥.
(٣) أحمد ٣٤٠/٥.
(٤) أحمد ٢٧/٥-٢٨.
٣٢١

قال: فما رفعها إلى فيه بعدُ. أخرجه مسلم(١).
وقال حُمَيْد، عن أَنَس، قال: جاء عبدالله بن سَلَام إلى رسول الله
رَجٌ مَقْدَمَه المدينةَ، فقال: إنّي سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمُهُنَّ إلّ نبيّ: ما
أوّل أشراط السّاعة، وما أوّلُ طعام يأكله أهل الجنّة، والولد ينزع إلى
أبيه وينزع إلى أمه. قال: ((أخبرني بهنّ جبريل آنِفًاً)) - قال عبد الله: ذاك
عدوّ اليهود من الملائكة - ((أمّا أوّل أشراطِ السّاعة، فنارٌ تحشرهم من
المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة فزيادة كَبِد
حُوت، وأمّا الولد، فإذا سبق ماءُ الرجلِ نزعه إلى أبيه، وإذا سبق ماءُ
المرأة نزعه إلى أمّه)). فأسلم ابن سَلام. وذكر الحديث. أخرجه
البخاري (٢).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن أبي مَعْشَر المدنّي، عن المَقْبُرِيّ مُرْسلاً،
فذكر نحواً منه، وفيه: ((فأمّا الشَّبَه فأيّ النُّطْفَتَين سبقت إلى الرَّحِم فالولد
به أَشْبه».
وقال معاوية بن سلّم، عن زيد بن سلّم، عن أبي سَلّم: أخبرني
أبو أسماء الرَّحَبيّ أنّ ثَوْبان حدَّثَه، قال: كنت قائماً عند رسول الله وَلَه
فجاء حبْرٌ، فقال: السّلام عليك يا محمد. فدفعتُهُ دَفعَةٌ كاد يُصْرِعَ منها،
فقال: لِمَ تَدْفَعُني؟ قلت: ألا تقول: يا رسول الله! قال: إنّما سمّيته
باسمه الذي سمّاه به أهله. فقال رسول الله وَالر: ((إنّ اسمي الذي سمّاني
به أهلي محمد)). فقال اليهودي: أين النّاس يوم تُبَدَّل الارضُ غيرَ
الأرضِ؟ قال: ((في الظُّلْمَة دون الجَسْر))، قال: فَمَن أوّل النّاس إجازةً؟
قال: ((فقراء المهاجرين)). قال: فما تُحْفَتُهُم حين يدخلون الجنّة؟ قال:
((زيادة كَبدِ نُون)). قال: فما غِذاؤهم على أثره؟ قال: ((يُنحر لهم ثَوْر
(١) مسلم ١٠٨/٦.
(٢) البخاري ٢٣/٦.
٣٢٢

الجنَّة الذي كان يأكل من أطرافها)). قال: فما شَرابُهُم عليه؟ قال: ((من
عينٍ فيها تُسَمَّى سلسبيلا))، قال: صَدَقْتَ. قال: وجئت أسألك عن شيءٍ
لا يعلمه أحدٌ من أهل الأرض إلّ نبيّ أو رجلٌ أو رجلان. قال: ((ينفعك
إِنْ حدَّثْتُكَ))؟. قال: أسمع بأذُنَيَّ. فقال: ((سَلْ)). قال: جئت أسألك
عن الولد. قال: ((ماءُ الرجل أبيضُ، وماءُ المرأة أصفرُ، فإذا اجتمعا
فَعَلا مَنِيُّ الرجلِ مَنِيَّ المرأةِ أَذْكَرا بإذن الله، وإذا عَلا مَنِيُّ المرأةِ مَنِيَّ
الرجلِ آنثا بإذن الله)). فقال اليهوديُّ: صَدَقْتَ وإنّك لَنَبِيٌّ. ثم انصرف،
فقال النبي ◌َّه: ((إنّه سألني هذا الذي سألني عنه، وما أعلم شيئاً منه
حتى أتاني الله به)). رواه مسلم(١).
وقال عبدالحميد بن بَهْرام، عن شَهْر، قال: حدثني ابن عباس،
قال: حضرتْ عصابةٌ من اليهود يوماً النبي ◌َّ فقالوا: حدِّثنا عن خِلالٍ
نسألُكَ عنها لا يعلمها إلّ نبيّ. قال: ((سَلُوا عَمّ شئتم، ولكن اجعلوا لي
ذِمَّةَ الله وما أخذ يعقوبُ على بنيه، إن أنا حدَّثْتُكم بشيءٍ تَعرفونه لَتْبَايِعُنِّي
على الإسلام. قالوا: لكَ ذلك، قال: ((فَسَلُوني عَمّ شئتم)). قالوا:
أخبِرْنا عن أربع خِلالٍ نسألك: أَخْبِرْنا عن الطّعام الذي حرَّم إسرائيلُ
على نفسه من قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ الثَّوراة، وأخبِرْنا عن ماءِ الرجلِ كيف يكون
الذَّكَرُ منه، حتى يكون ذكراً، وكيف تكون الأُنثَى منه حتى تكونَ أُنْشَى،
ومَن وَلِيُّك من الملائكة، قال: ((فَعَلَيكم عهدُ الله لئن أنا حدَّثْتُكُم
لَتْبَايِعُنّي))، فأعطوه ما شاءَ الله من عهدٍ وميثاق، قال: ((أَنْشُدُكُم بالله الذي
أنزل الثَّوْراةَ على موسى، هل تعلمون أنّ إسرائيل يعقوب مَرِضَ مرضاً
شديداً طال سَقَمُهُ منه، فَنَذَر الله لَئِنْ شَفَاهُ الله من سَقَمِه لَيُحَرِّمَنَّ أحبَّ
الشّرابِ إليه: ألبان الإبل، وأحبّ الطعام إليه لحمانُها))؟ قالوا: اللهُمَّ
نعم. فقال رسول الله وَّ: ((اللّهُمَّ اشْهَدْ عليهم))، قال: ((أَنْشُدُكُم بالله
(١) مسلم ١/ ١٧٣.
٣٢٣

الذي لا إله إلا إلا هو الذي أنزل التَّوارةَ على موسى، هل تعلمون أنّ
ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيُّهما عَلا كان له
الولد والشَّبَه بإذن الله، فإنْ عَلا ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ كان ذَكَراً بإذن
الله، وإنْ علا ماءُ المرأة ماءَ الرجلِ كانت أُنثى بإذن الله؟)) قالوا: اللّهُمّ
نعم. قال: ((اللّهُمَّ اشْهَد))، قال: أَنْشُدُكُم بالله الذي أنزل الثَّوراة على
موسى، هل تعلمون أنّ هذا النبيَّ تنام عيناهُ ولا ينام قلبُه)»؟ قالوا: اللّهُمَّ
نعم. قال: ((اللّهُمَّ اشْهد عليهم)). قالوا: أنت الآن حدِّثْنا مَن ولِيُّكَ من
الملائكة، فعندها نُجامعك أو نُفارقك. قال: ((وليِّي جبريلُ، ولم يبعث
الله نبيَّاً قطُّ إلّ وهو وليّهُ)). قالوا: فعندها نُفارقك، لو كان ولِيُّك غيره
من الملائكة لبايعناك وصدَّقناك. قال: ((ولِم))؟ قالوا: إنّه عدوُّنا من
الملائكة. فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى
قَلْبِكَ
٩٠
[البقرة] الآية. ونزلت: ﴿فَبَآءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ
٩٧
[البقرة].
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا شُعْبة، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن عبدالله
ابن سَلمَة، عن صَفْوان بن عسّال، قال: قال يهوديٌّ لصاحبه: اذهب بنا
إلى هذا النبيّ فنسأله، فقال الآخر: لا تَقُلْ نبيٌّ، فإنّه إنْ سِمِعَكَ تقول
نبيٌّ كانت له أربعة أعْيُن. فانطلقا إلى النبيِّ وَّر، فسألاه عن قوله تسع
آيَاتٍ بَيِّئات. قال: ((لا تُشْرِكوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النَّفْسَ التي حرَّمَ
الله، ولا تسرقوا، ولا تَزْنُوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى ذي
سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الرَّبا، ولا تفرُّوا من الزَّحْف، ولا تقذفوا
مُحْصَنَةٌ - شّك شُعْبَة - وعليكم خاصّة معشر اليهود أن لاتَعْدُوا في
السَّبْت)). فقبّلا يديه ورِجْلَيْه، وقالا: نشهد أنّك نبيٌّ. قال: ((فما
يمنعكما أن تُسْلِما))؟ قالا: إنّ داود سأل ربَّه أن لا يزال في ذُرّيّته نبيٌّ،
ونحنُ نخافُ إنْ أسْلَمْنا أن تقتلنا اليهود.
٣٢٤

وقال عفّان: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة، عن عطاء بن السّائب، عن أبي
عُبَيْدة بن عبدالله، عن أبيه، قال: إنّ الله ابتعث نبيَّه لإدخالِ رجالٍ
الجنّةَ، فدخل النبي ◌ِّرِ كنيسةً فإذا هو بيهود، وإذا يهوديٌّ يقرأ التَّوْراة،
فلمّا أتى على صفته أمسك، وفي ناحيتها رجلٌ مريض، فقال النبي ◌َّ :
((ما لَكُم أمسكتم))؟ فقال المريض: إنّهم أتوا على صفة نبيِّ فأمسكوا. ثم
جاء المريض يحبو حتى أخذ الثَّوراةَ، وقال: ارفعْ يدَك، فقرأ، حتى أتى
على صفته، فقال: هذه صِفتُكَ وصفةُ أُمَّتك، أشهد أنْ لا إله إلّ الله،
وأنّك رسولُ الله، ثم مات. فقال النبي وَّر (لُوا أخاكم))(١).
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة، عن الزُّبَير أبي
عبدالسّلام، عن أيّوب بن عبدالله بن مكْرَز، عن وابصة - هو الأسَدِيّ -
قال: أتيت رسولَ اللهِ وَله وأنا أريد أن لا أدع شيئاً من البِرّ والإثم إلّ
سألته عنه، فجعلت أتخطىّ النّاسَ، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول
اللهِ وَلّ. فقلت: دَعُوني أدنو منه، فإنّه من أحبِّ الناس إليّ أن أدنُوَ
منه. فقال: ((أَدْنُ يا وابصة)). فدنَوْتُ حتى مَسَّتْ رُكبتي رُكْبَتَه، فقال:
((يا وابصة أُخْبِرُك بما جئتَ تسألني عنه، أو تَسْألُني؟)). فقلت: أخبِرْني يا
رسولَ الله. قال: ((جئتَ تسألُ عن البِرّ والإثم))؟ قلت: نعم. قال:
فجمع أصابعه فجعل ينكت بها في صدري ويقول: يا وابصة استَفْتِ
قلبَكَ، استفْتِ نفسَك، البِرُّ: ما اطمأنَّ إليه القلبُ، واطمأنَّتْ إليه
النَّفْسُ، والإثم ما حاك في النَّفْس وتردّد في الصَّدر، وإنْ أفتاك الناس
وأفتوكَ(٢).
وقال ابن وَهْب: حدثني معاوية، عن أبي عبدالله محمد الأسديّ،
سمع وابصةَ الأسديّ، قال: جئت رسولَ الله ◌َّرَ أسأله عن البِرّ والإثم،
(١) طبقات ابن سعد ١٨٥/١.
(٢) أحمد ٢٢٧/٤ و٢٢٨، والدارمي (٢٥٣٦).
٣٢٥

فقال من قبل أنْ أسأَلُه: ((جئتَ تسألني عن البِرّ والإثم))؟ قلت: إي
والذي بعثك بالحقِّ، إنّه للذي جئتُ أسألكَ عنه. فقال: ((البِرُّ ما انشرح
له صدرُك، والإثم ما حاك في نفسك، وإن أفتاك عنه الناس)).
وقال محمد بن إسحاق، ورَوح بن القاسم، عن إسماعيل بن أُمَّيّة،
عن بُجَيْر بن أبي بُجَيْر، سمع عبدالله بن عَمْرو أنّهم كانوا مع رسول الله
ونَ﴿ حين خرجنا إلى الطائف، فمررنا بقبرٍ، فقال: «هذا قبرُ أبي رُغَالٍ،
وهو أبو ثقيف، وكان من قوم ثمود، فلمّا أهلك الله قومَه منعه مكانُهُ من
الحَرَم، فلمّا خرج منه أصابته النِّقْمَة التي أصابت قومَه بهذا المكان،
فدُفِن فيه، وآية ذلك أنّه دُفِن معه غصن من ذَهَب، إن أنتم نبشتم عنه
أصبتموه)). قال: فابتدرناه فاستخرجنا الغصن.
٣٢٦

باب
مِن إخباره بالكوائِن بَعده فوقعَت كما أخبرَ
شُعْبة، عن عِدِيّ بن ثابت، عن عبدالله بن يزيد، عن حُذَيْفَة، قال:
لقد حدّثني رسول الله وَّهُ بما يكونُ حتى تقومَ الساعة، غير أنّي لم أسأله
ما يُخرج أهلَ المدينة منها. رواه مسلم(١) .
وقال الأعمش، عن أبي وائل، عن حُذَيفة، قال: قام فينا رسول الله
وَلَّ مقاماً ما تركَ فيه شيئاً إلى قيام الساعة إلّ ذكره، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَه،
وجَهِلَه من جَهِلَهُ - وفي لفظ: ((حَفِظَه مَن حَفِظه)) - وإنّ ليكون منه الشيء
فأذكره كما يذكر الرَجلُ وجهَ الرجل إذا غابَ عنه، ثمّ إذا رآه عرفه.
رواه الشيخان بمعناه (٢).
وقال عَزْرَة بن ثابت: حدثنا عِلْباء بن أحمر، قال: حدثنا أبو زيد،
قال: صلّى بنا رسول الله وَّ الفجر، ثم صعِد المنبرَ فَخَطَبنا حتى
حَضَرتِ الظُّهْر، ثمّ نزل فصلّى، ثمّ صعد المنبر، فَخَطَبنا حتى أظنّه
قال: حضرت العصرُ، ثمّ نزل فصلّى، ثم صعد فَخَطَبنا حتى غربت
الشمس، قال: فأخبرنا بما كانَ وبما هو كائنٌ، فأحْفَظُنَا أَعْلَمُنا. رواه
مسلم(٣) .
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن خَبَّاب، قال: شَكَوْنا
(١) مسلم ٨/ ١٧٢ .
(٢) البخاري ١٥٤/٨، ومسلم ٨/ ١٧٢ .
(٣) مسلم ٨/ ١٧٢ .
٣٢٧

إلى رسول الله وَّ وهو متوسِّدٌ بُرْدَه في ظلّ الكعبة فقلنا: أَلا تدعو الله
لنا، ألا تستنصر الله لنا؟ فجلس محمارّاً وجهُهُ، ثمّ قال: ((والله إنّ مَنْ
كان قبلكم لَيُؤْخَذُ الرجلُ فَتُحْفَرُ له الحُفْرَةِ، فيوضع المنشارُ على رأسه
فيُشَقّ باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، أو يُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما بين
عَصَبِهِ ولَحْمِهِ، ما يصرفه عن دِينه، وَلِيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ، حتى يسيرَ
الراكبُ منكم من صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْت لايخشى إلّ الله عزّ وجلّ أو
الذِّئبَ على غَنَمِه، ولكنكم تَعَجَّلُون)). مُتفقٌ عليه(١).
وقال الثَّوْرِيّ، عن ابن المُنْكَدِر، عن جابر قال لي رسول الله وَلّى:
((هل لك من أنماطٍ(٢))). قلت: يا رسول الله وأنَّى يكونُ لي أنماطٌ؟
قال: أما إنّها سُتكونُ. قال: فأنا أقول اليوم لامرأتي: نَحِّي عنِّي
أنماطَكِ، فتقول: ألم يقل رسولُ اللهِ وَّ إنّها ستكون لكم أنماط
بعدي، فأتركها. مُتَّفقٌ عليه(٣) .
وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزُّبَير، عن سفيان
ابن أبي زُهير التُّمَيْرِي، قال: سمعت رسولَ الله وَله يقول: ((تُفتح اليمن،
فيأتي قوم يَبِسُون (٤) فيتحمَّلون بأهليهم ومَنْ أطاعهم، والمدينة خيرٌ لهم
لو كانوا يعلمون، ثم تُفتح الشام، فيأتي قوم فيبسُّون فيتحمّلون بأهليهم
ومَن أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، ثم تُفتح العراق،
فيأتي قوم فيبسّون فيتحمّلون بأهليهم ومَن أطاعهم، والمدينة خيرٌ لهم لو
كانوا يعلمون)). أخرجاه(٥).
(١) البخاري ٢٤٤/٤ و٥٦/٥ ٢٥/٩ وليس في مسلم، ويراجع المسند الجامع
٣٢٠/٥ حديث (٣٦٠٦)، وتحفة الأشراف (٣٥١٩).
(٢) ضرب من البُسُط له خمل رقيق.
(٣) البخاري ١٨٤/٤، ومسلم ٦/ ١٤٦.
(٤) بَسَسْتُ الناقة وأبسستها: إذا سقتها وزجرتها، وقلت لها: بِس بِس.
(٥) البخاري ٢٧/٣، ومسلم ١٢٢/٤.
٣٢٨

وقال الوليد بن مسلم، عن عبدالله بن العلاء بن زبر: حدثنا بُسْر بن
عُبَيْد الله، أنه سمع أبا إدريس الخَوْلاني يقول: سمعتُ عَوْف بن مالك
الأشجعيّ يقول: أتيتُ رسولَ الله ◌ِوَّ في غزوة تَبُوك، وهو في قُبَّه من
أَدَم، فقال لي: ((يا عَوْف أُعدُدْ سِتّاً بين يدي السّاعة: موتي، ثمّ فَتْح بيتٍ
المقدس، ثمّ مُؤْتان، يأخذ فيكم كَقُعَاص الغنم، ثم استفاضة المال
فيكم، حتى يُعطى الرجلُ مئة دينارٍ فيظلّ ساخطاً، ثمّ فتنةٌ لا يبقى بيتٌ
من العرب إلّ دَخَلْه، ثم هدنةٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون
فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحتَ كُلِّ غايةٍ اثنا عشر ألفاً)). أخرجه
(١)
البخاري
٠
وقال ابن وَهْب: أخبرني حَرْمَةُ بن عمران، عن عبدالرحمن بن
شُماسة، سمع أبا ذَرّ يقول: قال رسول الله وَّه: ((إنّكم ستفتحون أرضاً
يُذْكَر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً، فإنَّ لهم ذِمّةً ورَحِماً)). رواه
مسلم(٢) .
وقال اللَّيْث وغيره، عن ابن شهاب، عن ابنِ لكَعْب بن مالك، أن
رسول الله وَلّ قال: ((إذا فتحتم مصرَ فاستوصوا بالقِبْطِ خيراً، فإنّ لهم
ذِمَّةً ورَحِماً)). مُرْسَلٌ مليح الإسناد.
وقد رواه موسى بن أَعْيَن، عن إسحاق بن راشد، عن ابن شهاب،
عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه متّصِلاً.
قال ابن عُيَيْنَة: من النّاس مَنْ يقول: هاجَرُ أمُّ إسماعيل كانت
قبطيّة، ومن النّاس مَن يقول: مارية أمّ إبراهيم قبطيّة .
وقال مَعْمَر، عن همّام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه :
(١) البخاري ١٢٣/٤-١٢٤.
(٢) مسلم ٧/ ١٩٠ .
٣٢٩

((يهلِكُ كِسْرَى، ثمّ لا يكونُ كِسْرَى بعده، وقيصر ليهلكنّ، ثمّ لا يكونُ
قيصر بعده، ولَتُنْفَقَنَّ كنوزُهما في سبيلِ الله)). مُتفقٌ عليه(١) . .
أما كِسْرَى وقيصر الموجودان عند مقالته ◌َّ﴿ فإنّهما هلكا، ولم يكن
بعد كِسْرَى كِسْرَى آخر، ولا بعد قيصر بالشام قيصر آخر ونفقت کنوزُهما
في سبيل الله في إمرةٍ عمر رضي الله عنه، وبقي للقياصرة مُلْك بالروم
وقسطنطينية، بقول النبي وَله ((ثَبْتَ مُلْكُه)) حين أكرمَ كتابَ النبيِّ وَّهِ إِلى
أن يقضي الله تعالى فتْحَ القسطنطينية، ولم يبق للأكاسرة مُلْكٌ لقوله عليه
السلام («يُمَزَّقُ مُلْكُه)) حين مزّق كتاب النبي ◌َلِيمٍ(٢).
وروى حمّاد بن سَلَمَة، عن يونس، عن الحَسَن، أنّ عمر رضي الله
عنه أُنْي بفرَوْة كِسْرَى فوُضِعَتْ بين يديه، وفي القوم سُرَاقة بن مالك بن
جُعْشُم، قال: فألقى إليه سِواري كِسْرى بن هُرْمُز، فجعلهما في يديه
فبلغا منكبيه، فلما رآهما عمر في يدي سُرَاقة قال: الحمد لله سوارا
كِسْرَى في يد سُراقة، أعرابيّ من بني مُذْلج.
وقال ابن عُيَيْنَة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عَدِيّ
ابن حاتم، قال: قال النبيُّ نَّهِ: مُثلت لي الحِيرةُ كأنيابِ الكلاب وإنّكم
ستفتحونها. فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله هَبْ لي ابنة بُقَيْلَة، قال:
((هيَ لك)). فأعطوه إياها، فجاء أبوها فقال: أتبيعها؟ قال: نعم. قال:
بِكَم؟ احكم ما شئت. قال: ألف درهم. قال: قد أخذتُها، قالوا له: لو
قلت ثلاثين ألفاً لأخذها. قال: وهل عددٌ أكثر من ألف.
وقال سعيد بن عبدالعزيز، عن ربيعة بن يزيد، ومكحول، عن أبي
إدريس الخَوْلاني، عن عبدالله بن حَوَالة الأزدي، قال: قال رسول الله
رَله : ((إنكم ستُجَنِّدون أجناداً، جُنْداً بالشام، وجُنْداً بالعراق، وجُنْداً
(١) البخاري ٧٧/٤ و١٠٤، ومسلم ١٨٧/٨.
(٢) البخاري ٧٧/٤ و١٠٤ و١٠/٦.
٣٣٠

باليمن)). فقلت: يا رسول الله خِرْ لي. قال: ((عليك بالشام، فمن أَبَى
فَلْيَلْحَقِ بَيَمَنِهِ ويَسْق (١) من غُدُرِهِ، فإن الله قد تكفّل لي بالشام وأهله))،
قال أبو إدريس: من تكفَّلَ اللهُ به فلا ضَيْعَةَ عليه. صحيح (٢).
وقال مَعْمَر، عن همَّام، عن أبي هُريرة: قال رسول الله وَلٍّ: ((لا
تقومُ الساعةُ حتى تقاتلوا خُوزَ وكِرْمان - قوماً من الأعاجم - حُمْر
الوجوه، فُطْس الأُنُوف، صغار الأَعْيُن، كأنّ وجوههم المَجَانُّ
المُطْرَقة(٣). وقال: ((لا تقوم السّاعة حتى تقاتلوا قوماً نِعالهم الشَّعْر)).
البخاري (٤) .
وقال هُشَيْم، عن سَيَّار أبي الحَكَم، عن جَبْر بن عَبيدة، عن أبي
هريرة، قال: وَعَدَنا رسولُ اللهِ وَ لَه غزوةَ الهند، فإنْ أدركتُها أُنْفِقُ فيها
مالي ونفسي، فإن استُشْهِدْتُ كنت من أفضلِ الشهداء، وإنْ رجعتُ فأنا
أبو هريرة المُحرَّر(٥) . غريب(٦).
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنَس، قال النبي ◌َّ: ((رأيتُ
ذات ليلةٍ كَأنَّا في دار عُقْبة بن رافع، وأُّتِينا برُطَبٍ من رُطَبِ ابنِ طاب،
فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لنا في الدنيا والعاقبةَ في الآخرة وأنّ دِيننا قد طاب)). رواه
(٧)
مسلم (٧) .
وقال شُعْبة، عن فُرات القزّاز، سمع أبا حازم، يقول: قاعدتُ أبا
هريرةَ خمس سنين، فسمعته يقول عن النبي نَّه قال: ((كانت بنو
(١) هكذا بخط المؤلف، وفي المسند: وليسق.
(٢) أحمد ٣٣/٥.
(٣) المجان: التروس الملبسة بالجلود.
(٤)
البخاري ٢٣٨/٤.
(٥)
أي: المُعْتَق .
(٦) النسائي ٤٢/٦، وأحمد ٢٢٩/٢ و ٣٦٩.
(٧) مسلم ٥٦/٧ .
٣٣١

إسرائيل تَسُوسُهُم الأنبياءُ، كلَّما هلك نبيٌّ خَلَفَ نبيٌّ، وإنّه لا نبيَّ
بعدي، وستكون خلفاء فتكثُرُ)). قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((فُوا ببيعةٍ
الأوّلِ فالأوَّل، وأعطوهم حقَّهم، فإنَّ اللهَ سائِلُهم عَمَّا استرعاهم)). اتّفقا
عليه(١) .
وقال جرير بن حازم، عن ليث، عن عبدالرحمن بن سابط، عن أبي
ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجرّاح، ومُعاذ بن جَبَل، عن النبي وَّلـ
قال: ((إنّ الله بدأ هذا الأمر نُبُوَّةً ورحمةً، وكائناً خلافةً ورحمةٌ، وكائناً
مُلْكاً عَضُوضاً، وكائناً عَتْوَةً وجبريّة وفساداً في الأُمّة، يستحِلُون الفُرُوجَ
والخُمُورَ والحريرَ ويُنْصَرُون على ذلك ويُرْزَقُون أبداً حتى يلقوا الله)).
وقال عبد الوارث وغيره، عن سعيد بن جُمهان، عن سَفِينة، قال:
قال رسول الله وََّ: ((خلافة النُّهُوَّة ثلاثون سنة، ثمّ يؤتي الله المُلْكَ مَن
يشاء)). قال لي سَفِينة: أمسك أبو بكر سنتين، وعمر عشراً، وعثمان
اثنتي عشرة، وعليّ ستّاً. قلتُ لسَفِينَة: إنّ هؤلاء يزعمون أنّ علياً لم
يكن خليفة؟ قال: كذبت أسْتَاهُ بني الزَّرْقاء، يعني بني مروان. كذا قال
في عليّ ((ستّ))، وإنّما كانت خلافة عليّ خمس سِنين إلّ شهرين، وإنّما
تكمل الثلاثون سنة بعشرة أشهر زائدة عمّا ذُكِرَ لأبي بكر وعمر. أخرجه
أبو داود(٢).
وقال صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب، عن عُرْوة، عن عائشة،
قالت: دخل عليَّ رسول الله وَّل في اليوم الذي بُدِىء فيه، فقلت:
وارَأْسَاه. فقال: ((ودِدْتُ أنّ ذاك كان وأنا حيّ، فهيّأتُكِ ودفنتُكِ)). فقلتُ
غَيْرَى: كأنِّي بكَ في ذلك اليوم عروساً ببعضٍ نسائك. فقال: ((بل أنا
وارأساه، ادْع لي أباك وأخاك، حتى أكتبَ لأبي بكرٍ كتاباً، فإنّي
(١) البخاري ٢٠٦/٤، ومسلم ٦/ ١٧ .
(٢) أبو داود (٤٦٤٦) و(٤٦٤٧).
٣٣٢

أخافُ أن يقولَ قائلٌ ويتمنى مُتمنٌّ: إنّ، ولا، ويأبَى الله والمؤمنون إلّ
أبا بكر)). رواه مسلم(١)، وعنده: فإنّي أخاف أن يتمنَّى متمنٌّ ويقول
قائل: إنَّا، ولا(٢) .
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن أنَس، قال: صعِد النبي
وَلّ أُحُداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه النبي ◌َّ
بِرِجْله، وقال: ((آثبُتْ عليك نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشهيدان)). أخرجه
البخاري(٣) .
وقال أبو حازم، عن سهل بن سعد نَحْوَه، لكنّه قال ((حِراء)) بدل
(ُحد))، وإسناده صحيح.
وقال سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله
وَالر كان على حِراء، هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة،
والزُّبَيْر، فتحرّكت الصخرة، فقال النبي وَّر: ((اهدأ فما عليك إلّ نبيٌّ أو
صِدِّيق، أو شهيد)). رواه مسلم(٤) .
أبو بكر صدِّيق، والباقون قد استشهدوا.
وقال إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب: أخبرني إسماعيل بن محمد
ابن ثابت الأنصاريّ، عن أبيه، أنّ ثابت بن قيس، قال: يا رسول الله لقد
خشيت أن أكون قد هلكت. قال: ولِمَ؟ قال: نهانا الله أن نحبّ أن
نُحْمَد بما لم نفعلْ، وأجِدُني أُحِبُّ الحمدَ، ونهانا عن الخُيَلاء، وأجدني
أحبُّ الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا فوقَ صوتك، وأنا جهير
(١) مسلم ٧/ ١١٠.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وهو كما في رواية صحيح مسلم (انظر شرح النووي
١٥٥/١٥).
(٣) البخاري ١١/٥ و١٤ و١٩.
(٤) مسلم ١٢٨/٧ .
٣٣٣

الصَّوْتِ. فقال: ((يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتُقْتَل شهيداً،
وتدخل الجنة))؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فعاش حميداً، وقُتل
شهيداً يوم مُسَيْلمة الكذَّب. مُرْسَل، وثبت أنّه قُتِل يوم اليَمَامة.
وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله
وَلَهُ : ((إنَّ الشيطانَ قد أَيس أنْ يعبده المصلُّون في جزيرة العرب ولكنِ
التحريش)). رواه مسلم(١).
وقال الشَّعْبيّ، عن مسروق، عن عائشة: حدَّثَتْني فاطمة: أنّ رسول
الله ◌َّهُ أَسَرَّ إليَّ إنّكِ أوّل أهلِ بيتي لُحُوقاً بي ونِعْمَ السَّلف أنا لكِ. مُتفقٌ
عليه(٢).
وقال سعد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمَة، عن عائشة، قالت: قال
رسول الله وَله: ((إنّه كان في الامم مُحَدَّثون، فإنْ يكن في هذه الأمّة فهو
عمر بن الخطّاب)). رواه مسلم(٣) .
وقال شُعْبَة، عن قيس، عن طارق بن شِهاب، قال: كنّا نتحدّث أنّ
عمر ينطق على لسان مَلَك.
ومن وُجُوهِ، عن عليّ: ما كنّا نُبعد أنّ السّكينة تنطق على لسان
عمر .
وقال يحيى بن أيّوب المصري، عن ابن عَجْلان، عن نافع، عن ابن
عمر، أنّ عمر بعث جيشاً، وأمّر عليهم رجلاً يُدْعَى سارية، فبينما عمر
يخطب، فجعل يصيح: يا ساريَ الجبلَ، فقدِم رسولٌ من ذلك الجيشِ
فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدوّنا فهزمونا، فإذا صائحٌ يصيحُ: يا ساريَ
الجبلَ، فأسندنا ظُهورَنا إلى الجبل فهزمهمُ الله، فقلنا لعمر: كنتَ تصیحُ
(١) مسلم ١٣٨/٨.
(٢) البخاري ١٤٨/٤، ومسلم ١٤٠/٧.
(٣) مسلم ١١٥/٧ .
٣٣٤

بذلك .
وقال ابن عَجْلان: وحدَّثنا إياس بن معاوية بذلك.
وقال الجُرَيْري، عن أبي نَضْرَة، عن أُسَيْر بن جابر، فذكر حديث
أُوَيْس القَرَنيّ بطوله، وفيه: فوفد أهل الكوفة إلى عمر، وفيهم رجل
يُدْعى أُوَيْساً، فقال عمر: أمَا ها هنا من القرَنييّن أحد؟. قال: فدُعيَ
ذلك الرجلُ، فقال عمر: إنّ رسول الله وَّر حدّثنا أنّ رجلاً من أهل
اليمن يقدم عليكم، ولا يدع بها إلّ أُمّاً له، قد كان به بياضٌ فدعا الله أن
يُذْهبه عنه، فأذهبه عنه إلّ مثل موضع الدرهم، يقال له أُوَيْس، فمن لقيه
منكم فلْيأمره فلْيستغفِرْ لكم. أخرجه مسلم مختصراً(١) عن رجاله عن
الجُرَيْرِيّ، وأخرجه أيضاً مختصراً من وجهٍ آخر(٢).
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن الجُرَيْرِيّ، عن أبي نَضْرَة، عن أُسَيْر،
قال: لمّا أقبل أهل اليمن جعل عمر يستقرىء الرِّفاق، فيقول: هل فيكم
أحدٌ من قَرَن؟ حتى أتى على قَرَن، قال: فوقع زمام عمر أو زمام أُوَيْس،
فناوله عمرٌ(٣) ، فعرفه بالنَّعْت، فقال عمر: ما اسْمُكَ؟ قال: أُوَيْس.
قال: هل كانت لك والدة؟ قال: نعم. قال: هل كان بك من البياض
شيء؟ قال: نعم، دعوتُ الله فَأَذْهَبَه عنّي إلّ موضِع الدِّرهم من سُرَّتي
لأذكر به ربّي. فقال له عمر: استغفِرْ لي. قال: أنت أحق أنْ تستغفر
لي، أنت صاحبُ رسولِ الله ◌ِّ. فقال: إنّي سمعتُ رسولَ الله وَله
يقول: ((إنّ خير التّابعين رجل يقال له أُوَيْس القَرَنيّ، وله والدة، وكان به
بياض)). الحديث (٤) .
(١) مسلم ١٨٨/٧ .
(٢) مسلم ١٨٨/٧ .
(٣) وضع المصنف حركتين على راء عمر: الضمة والفتحة.
(٤) مسلم ١٨٨/٧ .
٣٣٥

وقال هشام الدَّستواتّي، عن قتادة، عن زرارة بن أَوْفَى، عن أُسَيْر بن
جابر، قال: كان عمر إذا أتت عليه أمداد اليمن سألهم: أَفِيكم أُوَيْس بن
عامر؟ حتى أتى على أُوَيْس، فقال: أنت أُوَيْس بن عامر؟ قال: نعم.
قال: من مراد ثمّ من قَرَن؟ قال: نعم. قال: كان بك بَرَصُ فبرأت منه
إلّ موضع دِرْهم؟ قال: نعم. قال: ألَكَ والدة؟ قال: نعم. فقال:
سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول: ((يأتي عليكم أُوَيْس بن عامر مع أمداد
اليمن من مراد ثمّ من قَرَن، كان به بَرَصٌ فبرأ منه إلّ موضع دِرْهم، له
والدة هو بها بَرٍّ، لو أقسم على الله لأَبَرَّه، فإن استطعتَ أن يستغفِر لك
فافْعل)) فاستغفِرْ لي. فاستغفرَ له، ثمّ قال له عمر: أين تريد؟ قال:
الكوفة. قال: ألا أكتب إلى عاملها فيستوصوا بك خيراً؟ فقال: لأن
أكون في غَبْراء(١) النّاس أحب إليَّ. فلمّا كان في العام المقبل حجّ
رجلٌ من أشرافهم، فسأله عمر عن أُوَيْس، كيف تركته؟ قال: رثّ البيت
قليل المتاع، قال عمر: سمعتُ رسول الله وَل يقول: ((يأتي عليكم
أُوَيْس مع أمداد اليمن، كان به بَرَصٌ فبرأ منه إلّ موضع دِرْهم، له والدة
هو بها بَرٍّ، لو أقسم على الله لأَبَرَّه، فإن استطعتَ أن يستغفِرَ لك
فافعلْ)). فلمّا قدِمِ الرجلُ أتى أُوَيْساً فقال: استغفِرْ لي. قال: أنتَ
أحدث عهداً بسفرٍ صالح فاستغفِرْ لي. وقال: لِقِيتَ عمرَ بنَ الخطاب؟
قال: نعم. قال: فاستغفرَ له. قال: ففطِن له النّاس، فانطلق على
وجهه. قال أُسَيْر بن جابر: فَكَسَوْتُهُ بُرْداً، فكان إذا رآه إنسان، قال: من
أين لأُوَيْس هذا. رواه مسلم بطوله(٢).
وقال شَرِيك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى،
قال: لمّا كان يوم صِفّين، نادى مُنَادٍ من أصحاب معاوية أصحابَ عليّ:
في نسخة أخرى ((غمار)) على هامش الأصل.
(١)
(٢) مسلم ١٨٨/٧ .
٣٣٦

((أفِيكم أُوَيْس القَرَنّي))؟ قالوا: نعم. فضرب دابَّتَه حتى دخل معهم، ثم
قال: سمعت رسولَ اللهِ وَلَه يقول: ((خيرُ التّابعين أُوَيْس القَرَنِيّ)) (١).
وقال الأعمش، عن شقيق، عن حُذَيْفة، قال: كنّا جُلُوساً عند عمر
رضي الله عنه فقال: أَيُّكُم يحفظ حديثَ رسولِ اللهِ وَّر في الفتنة؟
قلت: أنا. قال: هات إنّك لجريء. فقلت: ذكر فتنةَ الرجلِ في أهله
وماله وولده وجاره، تُكَفِّرُهَا الصلاةُ والصَّدَقَة والأمر بالمعروف والنَّهْي
عن المُنكَر. قال: ليس هذا أعني، إنّما أعني التي تموجُ مَوْجَ البحر.
قلت: يا أمير المؤمنين ليس ينالك من تلك شيء، إنّ بينك وبينها باباً
مُغْلقاً. قال: أرأيتَ الباب يُفتح أو يُكْسَر؟ قال: لا، بل يُكسَر. قال: إذاً
لا يُغْلَق أبداً. قلتُ: أجل. فقلنا لحُذَيْفة: أَكان عمر يعلم مَن الباب؟
قال: نعم، كما يعلم أنّ غداً دونه اللّيلة، وذلك أنّي حدَّثْتُهُ حديثاً ليس
بالأغاليط. فسأله مسروق: مَن الباب؟ قال: عمر. أخرجاه(٢).
وقال شَريك بن أبي نَمِر، عن ابن المسيّب، عن أبي موسى
الأشعريّ في حديث القُفّ(٣): فجاء عثمان، فقال النبيُّ وَّ: ((ائذَنْ له
وبشِّرْه بالجنة، على (٤) بَلْوَى - أو بلاء - يصيبه)). مُتفقٌ عليه(٥).
وقال القطّان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي سهلة
مولى عثمان، عن عائشة، أنّ رسول الله وَلّ قال: ((اذعي لي - أو ليت
عندي - رجلاً من أصحابي)). قالت: قلت: أبو بكر؟ قال: ((لا))، قلت:
عمر؟ قال: ((لا))، قلت: ابن عمّك عليّ؟ قال: ((لا))، قلت: فعثمان؟
(١) حلية الأولياء ٨٦/٢.
(٢) البخاري ١٤١/٢ و٣١/٣ و٢٣٨/٤ و٦٨/٨، ومسلم ٨٩/١.
(٣) القُفّ: ما ارتفع من الأرض وصلبت حجارته، وهي كالدكة حول البئر يُجلسُ
عليها .
(٤) وفي نسخة أخرى: ((مع)) كتبت على هامش الأصل.
(٥) البخاري ١٠/٥ و٦٩/٩-٧٠، ومسلم ١١٦/٧ .
٣٣٧

صَلَى اللّه
قال: (نعم)). قالت: فجاء عثمان، فقال: قومي. قال: فجعل النبي
يُسِرُّ إلى عثمانَ، ولَوْنُ عثمان يتغيّر، فلمّا كان يوم الدّار قلنا: ألا تقاتل؟
قال: لا، إنّ رسول اللهَ وَّلِ عهِد إليَّ أمراً، فأنا صابرٌ نفسي عليه (١).
وقال إسرائيل وغيره، عن منصور، عن رِبعيّ، عن البراء بن ناجية
الكاهليّ - فيه جهالة - عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله وَله: ((تدور
رَحَى الإسلام عند رأس خمس أو ستٍّ وثلاثين سنة، فإنْ يهلكوا فسبيل
مَن هلك، وإلّ تُرُوخِيَ عنهم سبعين سنة)). فقال عمر: يا رسولَ الله أمِن
هذا أو من مُسْتَقْبَله؟ قال: ((من مُسْتَقْبَلِه))(٢) .
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، قال: لما بلغتْ عائشةُ
بعضَ ديار بني عامر، نبحت عليها كلابُ الحَوْأَب، فقالت: أيُّ ماءٍ
هذا؟ قالوا: الحَوْأَب. قالت: ما أظنّ إلّ راجعة، سمعتُ رسولَ الله
وَلٌ﴿ يقول: ((كيف بإحداكنّ إذا نَبَحَتْها كلاب الحوأب)». فقال الزُّبَير:
تقدّمي لعلَّ الله أنْ يُصلِحَ بك بين النّاس(٣) .
وقال أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: قال رسول الله وَالٍ:
((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلةٌ عظيمة،
دعواهما واحدة)). رواه البخاري (٤).
وأخرجا(٥) من حديث همّام، عن أبي هريرة نحوَه.
وقال صَفْوان بن عَمْرو: كان أهل الشام ستّين ألفاً، فقُتِل منهم
عشرون ألفاً، وكان أهل العراق مئة ألف وعشرين ألفاً، فقُتل منهم
(١) أخرجه الحميدي (٢٦٨)، وأحمد ٥١/٦و٢١٤، وابن ماجة (١١٣).
(٢) أبو داود (٤٢٥٤).
(٣) أحمد ٦/ ٥٢ و ٩٧.
(٤) البخاري ٩/ ٢٢ و٧٤.
(٥) البخاري ٢٤٣/٤، ومسلم ١٧٠/٨.
٣٣٨

أربعون ألفاً، وذلك يوم صِفِّين.
وقال شُعبة: حدثنا أبو مَسْلَمَة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد،
قال: حدّثني مَنْ هو خيرٌ منّي - يعني أبا قَتَادة - أنّ النبي ◌َّ- قال لعمّار
((تقتُلُكَ الفِئَةُ الباغية)).
وقال الحسن، عن أمّه، عن أمّ سَلَمَة، عن النبي ◌َّ مثله. رواهما
مسلم (١) .
وقال عبدالرزاق: أخبرنا ابن عُيَيْنَة، قال: أخبرني عَمْرو بن دينار،
عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، قال: قال عمر لعبدالرحمن
ابن عَوْف: أما عِلِمْتَ أنّا كنّا نقرأ: جاهدوا في الله حقَّ جهاده في آخر
الزمان كما جاهدتم في أوّله! قال: فقال عبدالرحمن: ومتى ذلك يا أمير
المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أُمَيَّة الأمراء وبنو المُغِيرة الوزراء. رواه
الرماديّ عنه .
وقال أبو نَضْرَة، عن أبي سعيد: قال رسول الله وَّل: ((تمرق مارقةٌ
عند فِرْقةٍ من المسلمين يقتلها أَوْلَى الطّائفتين بالحقّ)). رواه مسلم (٢) ..
وقال سعيد بن مسروق، عن عبدالرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي
سعيد، أنّ عليّاً رضي الله عنه بعث إلى رسول الله وَل ـ يعني وهو
باليمن - بذهب في تُرْبتها، فَقَسَمَها رسول الله وَّهِ بين أربعةٍ: بين عُبَيْنَة
ابن بدر الفَزَارِيّ، وعَلْقَمة بن عُلاثة الكلابيّ، والأقرع بن حابس
الحَنْظَلّي، وزيد الخيل الطّائي، فغضبتْ قريش والأنصار، وقالوا:
يُعطي صناديدَ أهل نجدٍ ويَدَعُنا. فقال رسول الله وَّر: ((إنّما أُعطيهم
أتألَّفُهم)). فقام رجلٌ غائر العينين، محلوق الرأس، مشرف الوجنتين،
(١) مسلم ١٨٤/٨.
(٢) مسلم ١١٢/٣.
٣٣٩

ناتىء الجبين، فقال: اتّقِ الله. فقال رسول الله وَّل: ((فَمَن يُطِع الله إنْ
عصيتُه أيأمنُني أهلُ السماء ولا تأمنوني)»؟ فاستأذنه رجلٌ في قَتْلِهِ، فأبى
ثمّ قال: ((يخرج من ضئضيء هذا قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز
تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السَّهْم من الرَّمِيّة، يقتلون أهلَ
الإسلام، ويَدَعُون أهلَ الأوثان، والله لئن أدركتهم لأقتُلَنَّهم قَتْلَ عاد)).
رواه مسلم(١)، وللبخاري بمعناه(٢).
الأوزاعيّ، عن الزُّهْرِيّ: حدثني أبو سَلَمَة، والضَّحَّاك، يعني
المِشْرَقي، عن أبي سعيد، قال: بينا رسول الله وَّرْ يَقْسِم ذات يوم
قَسْماً، فقال ذو الخُوَيْصِرَة من بني تميم: يا رسول الله اعْدِلْ! فقال:
((ويْحَكَ ومَنْ يعدِل إذا لم أعدِل)). فقام عمر فقال: يا رسول الله ائذَنْ لي
فأضرب عُنُقَه. قال: ((لا، إنَّ له أصحاباً يحقِرُ أحدُكم صلاتَه مع
صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَمْرُقُون من الدِّين مُرُوق السَّهْم من
الرَّمِيَّة، يُنْظَر إلى نصْلِه فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى رِصافه(٣) فلا
يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى نَضِيِّه(٤) فلا يوجد فيه شيء، ثمّ يُنْظَر إلى
قُذَذِه(٥) فلا يوجد فيه شيء آيتُهُم رجلٌ أدعج إحدى يديه مثل ثذي
المرأة، أو مثلُ البَضْعة تَدَرْدر. قال أبو سعيد: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ هذا من
رسول الله وَل﴾، وأشهد أنّي كنتُ مع عليٍّ رضي الله عنه حين قتلهم،
فالتُّمِسَ في القتلى وأُّتِي به على النَّعْت الذي نعت رسولُ الله ◌ِصلّ. أخرجه
(٦)
البخاري
(١) مسلم ١٠٩/٣ .
(٣) الرصاف: عقب يُلوى على مدخل النصل فيه.
(٢)
البخاري ٩/ ١٥٥.
(٤)
أي: نصل السهم.
(٥) القذذ: آذان السهم.
(٦) البخاري ٢٤٣/٤ و٢٤٣/٦-٢٤٤ و٤٧/٨ ١٥٥/٩ و ١٩٨.
٣٤٠