النص المفهرس

صفحات 261-280

تبوك مُقْبلاً غيرَ مُدْبِر. والحديثُ غريب، من الأفراد.
قال أبو عُبيدة مَعْمَر بن المثنّى: وفيها قَتلت فارسُ مَلِكَهم شَهْرابرز
ابن شيرويه، ومَلَّكوا عليهم بُوران بنت كِسْرى، وبلغ ذلك النّبِيَّ وَّـ
فقال: ((لن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوْا أَمْرَهم امرأة)) .
وفيها: تُؤُفّي عبدالله بن سعد بن سُفْيان الأنصاريّ، من بني سالم بن
عَوف، كنيته أبو سعد. شهد أُحُداً والمشاهد. وتُوُفِّي مُنْصَرَفَ النّبيّ لَهُ
من تبوك، فيقال: إنّ النّبيّ وَّ كفّنه في قميصه .
وفي هذه المدّة: تُوُفِّي زَيْدِ بن مُهَلْهَل بن زَيْد أبو مُكْتِفِ الطَّائي،
فارس طَيِّء. وهو أحد المؤلّفة قلوبهم، أعطاه النّبيّ نَّ مئة من الإبل،
وكتب له بإقْطاع. وكان يُدعى زيد الخَيْلِ، فسمَّاه رسول الله وَلّ زيد
الخير. ثم إنه رجع إلى قومه فقال النبيّ وَّ: ((إِنْ يَنْجُ زيد من حُمَّى
المدينة)). فلما انتهى إلى نَجْدٍ أصابته الحُمَّى ومات.
وفيها: حجَّ بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ بعثه النّبِيُّ بَّه
على الموسم في أواخر ذي القعدة ليقيم للمسليمين حجّهم. فنزلت:
﴿بَرَآءَةٌ﴾ إثر خروجه.
وفي أَوَّلها نَقْضُ ما بين النّبيِّ نَّهُ وبين المشركين من العهد الذي
كانوا عليه .
قال ابن إسحاق(١) : فخرج عليٍّ رضي الله عنه، على ناقة رسول الله
وَر العَضْباء، حتى أدرك أبا بكر رضي الله عنه بالطريق. فلما رآه أبو
بكر، قال: أميراً أو مأموراً؟ قال: لا، بَلْ مأمورٌ. ثم مَضَيا. فأقام أبو
بكر للناس حجّهم، حتّى إذا كان يوم النَّحْر، قام عليّ عند الجَمْرَة فَأَذَّن
في الناس بالذي أَمَرِه رسولُ اللهِ وَّر، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل
(١) ابن هشام ٥٤٥/٢.
٢٦١

الجنَّةَ إلّ نفسٌ مسلمةٌ، ولا يَحُجّ بعد العام مُشْرِك، ولا يَطُوف بالبَيْت
عُرْيان، ومَن كان له عَهْدٌ عند رسولِ اللهِ وَّر فهو له إلى مُدَّتِه. وأَجَّلَ
الناسَ أربعة أشهرٍ من يوم أذَّن فيهم، ليرجع كلُّ قومٍ إلى مأمنهم من
بلادهم، ثُمَّ لا عَهْد لِمُشْرك.
وقال عُقيل، عن الزُّهري، عن حُميد بن عبدالرحمن، أنّ أبا
هريرة، قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مُؤَّذِنين بَعَثُهم يوم النَّحْر
يؤذِّنون بمِنىّ أنْ لا يحجّ بعد هذا العام مُشرك ولا يطوف بالبيت عُريان.
قال حُميد بن عبدالرحمن: ثم أردف النّبيّ وَّل بعليّ بن أبي طالب
فأمره أن يؤذِّن ببراءة. قال: فأذن معنا عليّ في أهل مِنى يوم النَّحْر
ببراءة، أن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريان. أخرجه
البخاري(١) . وأخرجاه(٢) من حديث يونُس، عن الزُّهريّ.
وقال سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس :
أنّ رسول الله وَ له بعث أبا بكر وأَتْبَعه عليّاً. فذكر الحديث. وفيه: فكان
عليٌّ ينادي بها، فإذا بُتَّ قام أبو هريرة فنادى بها .
وقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن زيد بن يُثَيْع، قال: سألنا عليّاً رضي
الله عنه: بأيّ شيء بُعثتَ في ذي الحجّة؟ قال: بُعثت بأربع: لا يدخل
الجنَّةَ إلّ نفسٌ مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن
وكافر في المسجد الحرام بعد عامِهِ هذا، ومن كان بينه وبين النَّبِيِّ وَل
عهد، فعهده إلى مُدَّتِه، ومن لم يكن له عهد فَأَجَلُه أربعةُ أشهر. والله
أعلم.
(١) البخاري ٦/ ٨١.
(٢) البخاري ١٨٨/٢، ومسلم ٤ /١٠٦-١٠٧.
٢٦٢

ذكر قدُوم وُفودُ العَرَب
قال ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة بن الزبير، قال: فلما
صَدَر أبو بكر وعليّ، رضي الله عنهما، وأقاما للناس الحجّ، قدِم عُرْوة
ابن مَسْعود الثقفيّ على رسول الله وَّهُ مُسْلِماً. وكذا قال موسى بن
عُقبة. وأما ابن إسحاق فذكر أنّ قدوم عُروة بن مسعود كان في إثْر رحيل
النّبِيّ وَّر عن أهل الطائف وعن مكة، وأنه لقيه قبل أن يصل إلى المدينة
فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله وَالت :
((إنهم قاتلوك)).
ثم بعد أشهرٍ، قَدِم:
وَفْدُ ثَقِيف (١)
وقال حاتم بن إسماعيل، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع، عن
عبدالكريم، عن عَلْقمة بن سُفيان بن عبدالله الثَّقَفي، عن أبيه، قال: كنّا
في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﴿ ﴿ ﴿ل، قال: فضَرَب لنا قُبَّتين عند
دار المُغِيرَة بن شُعْبَة. قال: وكان بِلاَل يأتينا بفِطْرنا فنقول: أَفْطَر رسول
الله ◌َّ؟ فيقول: نعم، ما جئتكم حتى أفطر، فيضع يده فيأكل ونأكل.
وقال حمّاد بن سَلَمة، عن حُمَيد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي
العاص الثقفي: أنّ رسول الله وَلهَ أنزلهم في قُبَّةٍ في المسجد، ليكون
أرَقَّ لقلوبهم. واشْتَرَطوا عليه حين أَسْلَموا أن لا يُحْشَروا ولا يُعْشَروا
(١) ابن هشام ٥٣٧/٢.
٢٦٣

ولا يُجَبُّوا، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا خيرَ في دينٍ ليس فيه ركوٌ، ولكم
أن لا تُحْشَروا ولا تُعْشروا))(١) .
وقال أبو داود في ((السنن))(٢): حدَّثنا الحسن بن الصَّبَّاح، قال:
حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم، قال: حدّثني إبراهيم، عن أبيه، عن
وَهْب، قال: سألت جابراً عن شأن ثقيف إذْ بايعت، قال: اشترطتْ على
النّبِيِّ نََّ أن لا صَدَقَةَ عليها ولا جهاد، وأنه سَمِعَ النّبِيَّي ◌َّر بعد ذلك
يقول: ((سيتصدَّقون ويُجاهِدون إذا أَسْلَموا)).
وقال موسى بن عُقبة، عن عُروة بمعناه، قال: فأسلم عروة بن
مسعود، واستأذن رسولَ الله وَّهِ ليرجع إلى قومه. فقال: إنّي أخاف أن
يقتلوك. قال: لو وجدوني نائماً ما أيقظوني. فأذن له رسولُ اللهِ وَله
فرجع إلى الطائف، وقدِم الطائف عَشِيّاً فجاءته ثقيف فحيّوه، ودعاهم
إلى الإسلام ونصح لهم، فاتَّهموه وعَصَوه، وأسمعوه من الأذى ما لم
يكن يخشاهم عليه. فخرجوا من عنده، حتى إذا أسحرَ وطلعَ الفجرُ،
قام على غرفةٍ له في داره فأذّن بالصلاة وتشهّد، فرماه رجل من ثقيف
بسهم فقتله.
فزعموا أنَّ رسول الله وَّ قال حين بلغه قَتْله: ((مَثَلُ عُرْوة مَثَل
صاحِب ياسين، دعا قومه إلى الله فقتلوه)).
وأقبل - بعد قتله - من وفد ثقيف بضعةً عشر رجلاً هم أشرافُ
ثقيف، فيهم كِنَانة بن عَبْد يالَيل وهو رأسهم يومئذٍ، وفيهم عثمان بن أبي
العاص بن بِشْر، وهو أصغرهم. حتى قدموا على رسول الله وَّر المدينة
يريدون الصُّلْح، حين رأوا أن قد فُتحت مكة وأسلمت عامّة العرب.
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٢٦).
(٢) أبو داود (٣٠٢٥).
٢٦٤

فقال المُغِيرة بن شُعبة: يا رسولَ الله، أَنْزِل عَليَّ قومي فأُكرِمهم،
فإنّي حديث الجُرْم فيهم. فقال: لا أمنعك أنْ تُكْرِمَ قومكَ، ولكن
منزلهم حيث يسمعون القرآن. وكان من جُرم المغيرة في قومه أنه كان
أجيراً لثقيف، وأنهم أقبلوا من مصر، حتى إذا كانوا ببُصَاق(١) ، عَدا
عليهم وهم نِيامَ فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسولَ الله وَ ل ◌َه فقال:
يا رسول الله، خَمِّسْ مالي هذا. فقال: ((وما نبأه؟)) فأخبره، فقال: ((إنّا
لسنا نَغْدِر)). وأبى أنْ يُخَمِّسه.
وأنزلَ رسول الله وَّ وفدَ ثقيف في المسجد، وبنى لهم خِياماً لكي
يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا. وكان رسولُ الله ◌َّ إذا خطبَ لم
يَذْكُر نَفْسَه. فلما سمعه وفدُ ثقيفٍ قالوا: يأمرنا أنْ نشهدَ أنه رسولُ الله،
ولا يشهد به في خُطبته. فلما بلغه ذلك قال: فإني أولُ من شهِد أنّي
رسولُ الله .
وكانوا يَغْدون على رسول الله وَّ كلَّ يوم، ويُخَلِّفون عثمان بن أبي
العاص على رِحالهم. فكان عثمان، كلّما رجعوا وقالُوا بالهاجرة، عمد
إلى رسولِ اللهِ وَّ﴿ فسأله عن الدِّين واستقرأه القرآن، حتى فَقِه في الدّين
وعَلِم. وكان إذا وجد رسولَ الله وَِّ نائماً عمد إلى أبي بكر. وكان يكتم
ذلك من أصحابه. فأعْجَب ذلك رسولَ الله وَ له وعَجِب منه وأحبّه .
فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله وَل وهو يدعوهم إلى
الإسلام، فأسلموا، فقال كِنانة بن عبد يَالِيل: هل أنت مُقاضِينا حتى
نرجع إلى قومنا؟ قال: ((نعم، إنْ أنتم أقررتم بالإسلام قاضَيْتُكُم، وإلّ
فلا قَضِيّة ولا صُلْح بيني وبينكم)). قالوا: أفرأيت الزِّنا، فإنّا قوم نغترب
لا بُدّ لنا منه؟ قال: «هو عليكم حرامٌ». قالوا: فالرِّبا؟ قال: ((لكم
(١) موضع قرب مكة، وقيل قرب أيلة.
٢٦٥

رؤوس أموالكم)). قالوا: فالخمر؟ قال: ((حرام)). وتلا عليهم الآيات
في تحريم هذه الأشياء. فارتفع القومُ وخلا بعضُهم ببعض، فقالوا:
وَيْحكم، إنّا نخاف - إنْ خالفناه - يوماً كيوم مكة. انْطَلِقُوا نُكَاتِبه على ما
سَأَلَنَا. فَأَتَوْه فقالوا: نعم، لَكَ ما سألتَ. أرأيت الرَّبَّة ماذا نصنع فيها؟
قال: ((اهدموها)). قالوا: هيهات، لو تعلم الربّة ماذا تصنع فيها أو أنك
تريد هدمها قَتَلتْ أهلها. فقال عُمر: ويحك يا ابن عبد يَا لِيل، ما
أحمقكَ، إنّما الربّة حَجَر. قال: إنّا لم نأتِك يا ابن الخطّاب. وقالوا: يا
رسولَ الله، تَوَلَّ أنتَ هَدْمَها، فأما نحن فإنّا لن نهدمها أبداً. قال:
((فسأبعث إليكم مَنْ يهدمها)). فكاتَبُوه وقالوا: يا رسول الله، أمِّر علينا
رجلاً يَؤُمّنا. فأمّر عليهم عثمان لِما رأى من حِرْصه على الإسلام. وكان
قد تعلَّم سُوَراً من القرآن.
وقال ابن عبد يَالِيل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكْتُمُوهم الإسلامَ
وخَوِّفُوهم الحربَ، وأخْبِرُوا أنّ محمداً سَأَلَنا أموراً أَبَيْناها .
قال: فخرجت ثقيف يتلقَّوْن الوفدَ. فلما رأوهم قد ساروا
العَنَقِ (١)، وقَطَروا الإبل، وتَغَشَّوا ثيابهم، كهيئة القوم قد حَزِنُوا وكُرِبُوا
ولم يرجعوا بخير. فلما رأت ثقيف ما في وجوههم، قالوا: ما وفدُكم
بخيرٍ ولا رجعوا به. فدخل الوفد فعَمدوا اللَّت فنزلوا عندها. والّلات
بيت بين ظهرَيْ الطائف يُسْتَر ويُهْدَى له الهَدْي، كما يُهدى للكعبة.
فقال ناس من ثقيف حين نزل الوفد إليها: إنه لا عَهْد لهم
برؤيتها. ثم رجع كل واحد إلى أهله، وجاء كل رجل منهم خاصَّتَه
فسألوهم فقالوا: أَتَيْنا رجلاً فَظّاً غليظاً يأخذ من أمره ما يشاء، قد ظهر
بالسيف وأدَاخ العرب ودانت له الناس. فعرض علينا أموراً شِداداً: هَذْم
(١) ضرب من السير السريع.
٢٦٦

الّلاتِ، وتَرْكَ الأموال في الرِّبا إلّ في رؤوس أموالكم، وحَرَّم الخَمْرِ
والزِّنا، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبداً. فقال الوفد: أَصْلحوا
السلاح وتهيّأوا للقتال ورمُّوا حصنكم. فمكثت ثقيف بذلك يومين أو
ثلاثة يريدون القتال. ثم ألقى اللهُ في قلوبهم الرُّعب، فقالوا: واللهِ ما لنا
به طاقة، وقد أداخ العرب كلّها، فارجعوا إليه فأعْطُوه ما سأل. فلما
رأى ذلك الوفد أنهم قد رُعِبُوا قالوا: فإنّا قد قاضَيْناه وفعلنا ووجدناه
أتقى الناس وأرحمهم وأصدقهم. قالوا: لِم كَتَمْتُمُونا وغَمَمْتُمونا أشدَّ
الغمِّ؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نَخْوَة الشيطان. فأسلموا
مکانھم .
ثم قدِم عليهم رُسُل رسولِ الله وَّة، قد أمَّر عليهم خالد بن الوليد،
وفيهم المغيرة. فلما قدموا عمدوا للَّت ليهدموها، واسْتَكَفَّت ثقيف
كلها، حتى خرج العَواتق(١) ، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة. فقام
المغيرة فأخذ الكَرْزِينَ(٢) وقال لأصحابه: والله لأَضْحِكنَكم منهم.
فضرب بالكرزين، ثم سقط يَرْكُض. فارتَجّ أهل الطائف بصيحةٍ واحدةٍ،
وقالوا: أبْعَدَ اللهُ المغيرةَ، قد قتلتْه الرَّبَّة. وفرحوا، وقالوا: من شاء
منكم فليقتربْ وليجتهدْ على هدمها، فواللهِ لا يُستطاع أبداً. فوثب
المغيرة بن شعبة فقال: قبّحكم الله؛ إنما هي لكاع حجارة ومَدر، فاقْبَلوا
عافِيَةَ الله واعبدوه. ثم ضرب البابَ فكسره، ثم عَلا على سورها، وعلا
الرجالُ معه، فهدموها. وجعل صاحب المَفْتَح يقول: لِيَغْضَبَنَّ
الأساسُ، فليخسفَنَّ بهم، فقال المغيرة لخالد: دعني أحفر أساسها .
فحفره حتى أخرجوا تُرابَها، وانتزعوا حِلْيَتَها، وأخذوا ثيابها. فبُهِتَت
(١) جمع عاتق، وهي الجارية الصغيرة أو التي لم تتزوج.
(٢) فاس كبيرة لها حَدٌّ واحد، أو نحو المطرقة.
٢٦٧

ثقيف، فقالت عجوزٌ منهم: أسلمها الرُّضَّاع وتركوا المِصَاعِ(١) . وأقبل
الوفد حتى أتوا النبيَّ وَّ بحليتها وكسوتها، فَقَسَمه.
وقال ابن إسحاق(٢) : أقامت ثقيف، بعد قتل عُروة بن مسعود،
أشهراً. ثم ذكر قدومَهم على النبيّ وََّ، وإسلامَهم. وذكر أنّ النبيّ ◌َه
بعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة يهدمان الطَّاغية.
وقال سعيد بن السَّائب، عن محمد بن عبدالله بن عِيَاض، عن
عثمان بن أبي العاص؛ أنّ النبيّ ◌َّ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيثُ
کانت طاغیتهم.
رواه أبو همّام محمد بن مُحَبَّب الدلال، عن سعيد، والله أعلم.
ولما فرغ ابن إسحاق من شأن ثقيف، ذكر بعد ذلك حجّة أبي بكرٍ
الصدّيق بالناس(٣).
(١) المصاع: الجلاد والضَّرّاب بالسيوف.
(٢) ابن هشام ٢/ ٥٤١ .
(٣) ابن هشام ٥٤٣/٢-٥٦٧.
٢٦٨

السَّنة العَاشِرَة
ثم قال ابن إسحاق(١) : ولمّا فتح الله على نبيّه مكّة، وفَرَغ من
تبوك، وأسلمتْ ثقيف، ضَرَبتْ إليه وُفودُ العرب من كلّ وَجْهِ. وإنما
كانت العربُ تَرَبَّصُ بالإسلام أَمْرَ هذا الحيّ من قريش، وأَمْرَ رسولِ الله
﴿ لَ﴿، وذلك أنّ قريشاً كانوا إمامَ الناس.
قال: فقدم عُطَارِد بن حَاجِب في وفدٍ عظيمٍ من بني تميم، منهم
الأقْرَع بن حَابِس، والزِّبْرِقَان بن بَدْر، ومعهم عُيَيْنَة بن حِصْن. فلما
دخلوا المسجد، نادوا رسولَ اللهِ وَ﴿ من وراء حُجُراته: اخرجْ إلينا يا
محمد. وآذى ذلك رسولَ الله بَّه من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: يا
محمد جئناك نفاخرك، فائذنْ لشاعرنا وخطيبنا. قال: قد أَذِنْتُ
لخطيبكم، فلْيَقُمْ. فقام عُطارد، فقال:
الحمد لله الذي له علينا الفضلُ والمَنُّ، وهو أَهْلُه، الذي جعلنا
ملوكاً، ووهب لنا أموالاً عظاماً نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزَّ أهل
المَشْرق، وأكثرَهُ عَدَداً، وأيْسره عُدّةً. فَمَنْ مِثْلُنا في الناس؟ أَسْنا
برؤوس الناس وأُولي فضلهم؟ فمن فاخَرَنا فَلْيَعْدُدْ مثل ما عَدَدْنا، وإن لو
نَشَأْ لَأَكْثَرْنا الكلام، ولكنْ نستحبي من الإكثار. أقول هذا لأنْ تَآتوا بمثل
قولنا، وأمرٍ أفضل من أمرنا.
ثم جلس، فقال رسول الله وَل﴿ لثَابِت بن قَيْس بن الشَّمَّاس
الخَزْرَجِيّ: قُمْ فأجِبْهُ. فقام، فقال:
(١) ابن هشام ٢/ ٥٦٠.
٢٦٩

الحمد لله الذي السماوات والأرضُ خَلْقُه، قضى فيهنَّ أَمْرَه، ووَسِعَ
كُرْسِيُّهُ عِلْمَهُ، ولم يكن شيء قطّ إلّ من فضله. ثم كان من فضله أنْ
جعلنا ملوكاً، واصْطَفى من خيرِ خَلْقِه رسولاً؛ أَكْرَمه نسباً، وأصدقه
حديثاً، وأفضله حَسَباً، فأنزل عليه كتابه، وائْتَمَنه على خَلقه، فكان
خِيرَةَ الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان فَآمن به المهاجرون من
قومه وذَوِي رَحِمه، أكرم الناس أحْساباً، وأحسن الناس وجوهاً، وخير
العالمين فِعالاً، ثم كان أول الخلق استجابةً إذْ دعاه رسولُ الله ◌َّ نحنُ،
فنحنُ الأنصار، أنصارُ الله ووزراءُ رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله
ورسوله. فَمَنْ آمَنَ مَنَع مالَهُ ودَمَهُ، ومن كفر جاهدناهُ في الله أبداً، وكان
قَتْلُه علينا يسيراً. أقول قَوْلي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات،
والسلام عليكم .
فقام الزِّبْرِقانُ بن بدر، فقال:
مِنّا المُلوكُ وفينا تُنْصَب البَيَعُ
نَحْنُ الكِرَامُ فَلاَ حَيٍّ يُعَادِلُنا
عِنْدَ النِّهابِ، وفَضْلُ العِزِّ يُتَّبَع
وكَمْ قَسَرْنا من الأحياءِ كُلِّهُم
من الشِّواءِ إذا لم يُؤْنَسِ القَزَعَ(١)
ونَحْنُ نُطْعِم عند القَحْطِ مَطْعَمنا
من كلّ أرضٍ هُوِيّاً ثم نَصْطَنِعِ
بما تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُم
في أبياتٍ.
فقال النبيّ وَهُوَ: قُمْ يا حَسَّانُ، فَأَجِبُهُ. فقال حسّان:
قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً للنَّاسِ تُتَّبَعُ
إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وإِخْوَتِهِمْ
تَقْوَى الإلّه وكلَّ الخير يصطنعُ
يَرْضَى بها كلُّ مَنْ كانتْ سَرِيرَتُهُ
أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ في أَشْيَاعِهِم نَفَعوا
قوْمٌ إذا حَارَبوا ضَرُوا عَدُوَّهُمُ
(١) القَزَع: السحاب الرقيق.
٢٧٠

إنّ الخلائقَ، فاعْلَمْ، شرُّها البِدَعُ
سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُم غَيْرُ مُحْدَثَةٍ
في أبيات.
فقال الأقرع بن حابس: وَأَبي، إنَّ هذا الرجلَ لَمُؤَّتِّى له. إنَّ خَطِيبَهُ
أَفْصَحُ من خطيبنا، ولَشاعرهُ أَشْعَرُ من شاعرنا.
قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وأحسن النبيّ ◌ُّ جوائزهم. وفيهم
نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
٤
[الحجرات].
وقال سليمان بن حَرْب: حدثنا حمّاد بن زيد، عن محمد بن الزُّبَيْر
الحَنْظَليّ، قال: قَدِمَ على النبيِّ وَّةَ، الزِّبْرِقان بن بدر، وقَيْس بن
عاصم، وعمرو بن الأهْتَم. فقال لعمرو بن الأهتم: أخْبِرْني عن هذا
الزِّبْرِقَان، فأمّا هذا فلستُ أسألك عنه. قال: وأُراه قال قد عرف قَيْساً.
فقال: مُطاعٌ في أدْنَيِهِ، شديد العارضة، مانعٌ لما وراء ظهره. فقال
الزِّبْرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أنِّي أفضل مما قال. فقال عَمْرو: ما
علمتكَ إلّ زَمِرَ المروءة(١)، ضيّق العَطَن، أحمق الأب، لئيم الخال.
ثم قال: يا رسول الله، قد صَدَقْتُ فيهما جميعاً؛ أرضاني فقلتُ بأحسن
ما أعلم، وأسخطني فقلت بأسْوَأ ما فيه. فقال رسول الله وَّل: ((إنّ من
البيان سِحْراً)).
وقد روى نَحْوَه عليٍّ بن حرب الطائيّ، عن أبي سعْد الهيثم بن
محفوظ، عن أبي المُقَوّم الأنصاريّ يحيى بن يزيد، عن الحَكَم بن
عُتَيْبتة، عن مِقْسم، عن ابن عباس؛ متّصلاً.
وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا الأسود بن شيبان، قال: حدثنا أبو
بكر بن ثُمامة بن النعمان الرَّاسِبِيّ، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّر، قال:
(١) أي: قليلها.
٢٧١

وَفَدَ أبِي فِي وَفْد بني عامر إلى النَّبِيّ بَّهِ، فقال: أنت سيّدُنا وذو الطَّوْل
علينا. فقال: ((مَهْ مَهْ، قُولُوا بِقَوْلكم ولا يَسْتَجْرِئَنَّكم الشيطانُ، السيّدُ
الله، السيّدُ الله)).
وقال الزُّبَير بن بكّار: حدّثتني فاطمة بنت عبدالعزيز بن مؤمّلة، عن
أبيها، عن جدِّها مؤمّلة بن جميل، قال: أتى عامر بن الطُّفيل رسولَ الله
وَلِّ فقال: يا عامرُ، أَسْلِمْ. قال: أُسْلِمُ على أنّ الوَبَر لي ولك المَدَر.
قال: يا عامر أسلمْ. فأعاد قوله. قال: لا. فولّى وهو يقول: يا محمد،
لأَمْلأنَّها عليك خَيْلاً جُرْداً ورِجالاً مُرْداً، وَلأَرْبِطَنَّ بكلِّ نَخْلةٍ فَرَساً. فقال
النّبِيّ بَ: ((اللَّهُمَّ اكْفِني عامراً واهْدٍ قَوْمَه)». فخرج حتى إذا كان بظهر
المدينة صادف امرأةً يُقال لها سَلُولِيّة، فنزل عن فرسه ونام في بيتها،
فأخذته غُدّةٌ في حَلْقه، فوثب على فَرسه، وأخذ رمحه، وجعل يجولُ،
ويقول: غدّة كغدّة البَكْر، ومَوْتٌ في بيت سلولية. فلم تزل تلك حاله
حتى سقط ميّاً.
وقال ابن إسحاق(١): قدم على رسول الله مَ ل﴿ل وفدُ بني عامر،
فيهم: عامر بن الطُّفَيْل، وأرْبَد بن قيس، وخالد بن جعفر، وحيّان بن
أسلم(٢)، وكانوا رؤساء القوم وشياطينهم. فقدِم عامرٌ عدوّ الله على
رسول الله بَّ﴿ وهو يريد أن يَغْدر به. فقال له قومه: إنّ الناس قد
أسلموا. فقال: قد كنت آَلَيْتُ أن لا أَنْتَهي حتى تَتْبَع العربُ عَقِي، فأنا
أتبعُ عَقِبَ هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأرْبَد: إذا قدِمْنا عليه فإنّي
شاغلٌ عنك وَجْهِه، فإذا فعلتُ ذلك فاعْلُهُ بالسيف.
فلما قَدمُوا على رسولِ اللهِ وَّ قال عامر: يا محمد، خَالِّني(٣).
(١) ابن هشام ٢/ ٥٦٧ -.
(٢) في سيرة ابن هشامٍ: جبار بن سلمى.
(٣) أي: انّخذني خلیلاً.
٢٧٢

فقال: لا واللهِ، حتى تؤمن بالله وحده، فقال: والله لأملأنّها عليك خَيْلاً
ورِجَالاً. فلما ولّى قال: ((اللهمّ اكْفِني عامراً)). ثم قال لأربَد: أين ما
أمرتُكَ به؟ قال: لا أباَلَكَ، واللهِ ما هممتُ بالذي أمرتني به من مرّةٍ إلّ
دَخَلْتَ بيني وبينه، أَفَأَضْرِبُكَ بالسَّيف؟ فبعث الله ببعض الطريق على
عامر الطَّاعونَ في عُنُقه، فقتله الله في بيت امرأةٍ من سلول. وأما الآخر
فأرسل الله عليه وعلى جَمَله صاعقةً أَحْرَقَتْهما .
وقال همّام، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة: حدّثني أنس،
قال: كان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتى رسولَ الله وله
فقال: أُخَيِّرك بين ثلاث خصال؛ يكون لك أهل السَّهْل ويكون لي أهل
المَدَر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغْزُوَك بغَطَفان بأَلْفِ أَشْقَر وألفٍ
شقراء .
قال: فطُعِن في بيت امرأةٍ، فقال: غُدّة كغدّة البَكْر في بيت امرأةٍ من
بني فُلان، إنْتُوني بفرسي. فركب فمات على ظهر فرسه. أخرجه
البخاري(١) .
وَافِدُ بَنِي سَعْدٍ
قال ابن إسحاق(٢)، عن محمد بن الوليد، عن كُرَيْب، عن ابن
عباس: بعثت بنو سَعْدٍ بن بَكْر، ضِمَام بن ثَعْلَبَة وافداً إلى رسول الله
وَّر، وكان جَلْداً أَشْعَرِ ذَا غَدِيرتَيْن، فأقبل حتّى وقف فقال: أيّكم ابنُ
عبدالمطّلب؟ فقال: أنا. فقال: أنت محمد؟ قال: ((نعم)). قال: إنّي
سائلُكَ ومُغَلِّظٌ عليك في المَسْأَلة، فلا تَجِدَنَّ في نفسك. أَنْشُدُكَ الله
(١) البخاري ١٣٥/٥.
(٢) ابن هشام ٢/ ٥٧٣ .
٢٧٣

إِلَهك وإلّه من قبلك وإلّه من هو كائن بعدك، الله أمَرَكَ أن تأمرنا أن
نعبده وَحْدَه ولا نشرك به شيئاً، وأن نَخْلع هذه الأنْداد؟ قال: ((اللَّهم
نعم)). قال: فأنشدكَ الله إلهك وإلّه من قبلك وإلّه من هو كائنٌ بعدك،
الله أمرك أن نُصَلِّيَ هذه الصَلَواتِ الخَمْسَ؟ قال: ((نعم)). ثم جعل يذكر
فرائضَ الإسلام يَنْشُدُه عند كل فريضة. ثم قال: فإنّي أشهد أن لا إله إلّ
الله، وأنّ محمداً رسول الله، وسأؤدّي هذه الفرائضَ، وأَجْتَنِبُ ما نَهَيْتَني
عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص.
ثم انصرف إلى بعيره راجعاً، فقال رسول الله وَله: ((إِنْ صَدَق ذو
العَقِيصَتَيْن دخل الجنة)). فقدِم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما
تكلّم به أن قال: باسْتِ اللّتِ والعُزَّى. قالوا: مَه يا ضِمام، اتَّقِ
البَرَص، اتَّقِ الجنون. قال: وَيْلكم، إنّهما والله لا يضُرّان ولا ينفعان.
إنّ الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنّي
أشهد أن لا إله إلّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده
بما أمرکم به وما نهاكم عنه .
قال: فواللهِ ما أَمْسَى ذلك اليوم وفي حاضِرِه(١) رجلٌ ولا امرأةٌ إلا
مُسْلِماً.
قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضلَ من ضِمام.
وقال إسحاق بن أبي إسرائيل المَرْوَزِيّ: حدّثني حمزة بن الحارث
ابن عُمير، قال: حدثنا أبي، عن عُبيدالله بن عمر، عن سعيد، عن أبي
هريرة، قال: جاء رجلٌ من أهل البادية إلى النّبيّ وَ﴿ فقال: أنشدك بربِّ
مَنْ قَبْلك وربِّ من بَعْدك، الله أرسلك؟ وذكر الحديث، وفيه: فإنّي قد
آمنت وصدّقت، وأنا ضِمام بن ثعلبة. فلمّا ولّى قال رسول الله ◌َله:
(١) الحاضر: الحيُّ العظيم.
٢٧٤

((فَقِه الرجل)). قال: فكان عمر يقول: ما رأيت أحداً أحسن مسألةً ولا
أوجز من ضِمام بن ثعلبة. الحارث بن عُمير ضعيف، وقصّة ضمام في
الصَّحيحيْن من حديث أنس(١).
قال ابن إسحاق(٢): وفد على رسول الله وَ لَ الجَارُود بن عمرو
أخو بني عبدالقَيْس - قال عبدالملك بن هشام (٣): وكان نَصْرانِيّاً - فدعاه
رسول الله ﴾ إلى الإسلام. فقال: يا محمد، تَضْمن لي ديني؟ قال:
((نعم، قد هداك الله إلى ما هو خيرٌ منه)). قال: فأسلم، وأسلم أصحابه .
قال ابن إسحاق(٤): وقدِم على رسول الله بَل وفد بني حنيفة،
فيهم مُسَيْلَمَة بن حبيب الكَذَّاب. فكان مَنْزَلتهم في دار بنت الحارث
الأنصارية. فحدّثني بعض علمائنا أنّ بني حَنِيفَة أتت به رسولَ الله وَ لـ
تَسْتُرُهُ بالثّياب، ورسولُ اللهِوََّ جالسٌ في أصحابه معه عَسِيبُ نخلٍ في
رأسه خُوصاتٌ. فلمّا كَلَّم النّبيّ نَّهِ وسألَهُ قال: ((لو سألتني هذا العَسيبَ
ما أعطيتگهُ».
قال ابن إسحاق(٥) : وحدّثني شيخٌ من أهل اليمامة أنّ حديثه كان
على غير هذا؛ زَعَم أنّ وفد بني حنيفة أتوا رسولَ اللهِوَّهِ وَخَلَّفوا مُسَيْلِمَة
في رحَالِهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه فأمر له رسول الله مله بمثل ما
أمر به لهم، وقال: ((أمَا إنه ليس بأشرِّكم مكانً)؛ يعني حِفْظَهُ ضَيْعَة
أصحابه. ثم انصرفوا وجاؤوه بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ارتَدَّ
عَدُوُّ الله وتَنَبَّ، وقال: إنّي أُشْرِكتُ في الأمر مع محمد، ألم يقل لكم
(١) البخاري ٢٤/١، ومسلم ٣٢/١.
(٢)
ابن هشام ٢/ ٥٧٥ .
(٣) ابن هشام ٢/ ٥٧٥ .
ابن هشام ٢ / ٥٧٦.
(٤)
(٥) ابن هشام ٢/ ٥٧٦.
٢٧٥

حين ذكرتموني له أما إنه ليس بأشرِّكم مكاناً؟ وما ذاك إلّ لِما يعلم أنّي
قد أُشركت معه. ثم جعل يَسْجَع السَّجعات فيقول لهم فيما يقول
مُضاهاةً للقرآن: لقد أنعم الله على الحُبْلى، أخرج منها نَسَمةً تَسْعَى، من
بين صِفاقٍ(١) وَحَشَى. ووضع عنهم الصلاة وأحلّ لهم الزِّنا والخمر،
وهو مع ذلك يشهد لرسول الله وَّ أنه نبيّ. فَأَصْفَقَتْ(٢) معه بنو حَنِيفة
على ذلك.
وقال شعيب بن أبي حمزة، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي
حسين، قال: حدثنا نافع بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قدِم مُسَيْلمة
الكذّاب على عهد رسول الله وَّهِ المدينةَ، فجعل يقول: إنْ جعلَ ليَ
محمدٌ الأمرَ من بعده اتّبَعْتُهُ. وقَدِمها في بَشَرِ كثيرٍ من قومه. فأقبل النّبيّ
وَلَه، ومعه ثابت بن قَيْس بن شَمَّاس، وفي يد النّبِيّ رَّ قِطعة جَرِيدٍ،
حتى وقف على مُسَيْلمة في أصحابه، فقال: ((إن سألتني هذه القطعةَ ما
أَعْطِيتُكَها، ولن تَعْدُوَ أمْرَ الله فيك، ولَئِنْ أَدْبَرَتَ لَيَعْقِرَنَّك الله، وإنّي أُراك
الذي أُريتُ فيه ما رأيتُ، وهذا ثابت بن قيس يُجِيبُك عني)). ثم
انصرف .
قال ابن عباس: فسألت عن قول النّبيّ وَّر: ((إنّك الذي أُرِيتُ فيه ما
رأيتُ))، فأخبرني أبو هريرة أنّ النّبيّ وَِّ قال: ((بَيْنا أنا نائمٌ رأيت في
يدي سِوارَيْن من ذَهَب فَأَهَمَّني شأنهما، فأُوحِيَ إليَّ في المنامِ أَنِ
انْفُخْهُما، فنفختُهما فَطَارا، فَأَوَّلْتُهما كَذَابَيْن يخرجان من بعدي)). قال:
فهذا أحدهما العَنْسيّ صاحب صَنْعاء، والآخر مُسَيْلمة صاحب اليَمَامَة.
أخر جاه(٣).
(١) الصفاق: ما رق من البطن.
(٢) أي: أجمعت.
(٣) البخاري ٢١٥/٥، ومسلم ٧/ ٥٧.
٢٧٦

وقال مَعْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة، قال رسول الله وَّ: ((بينا
أنا نائمٌ إذْ أُتيتُ بخزائنِ الأرضِ، فوُضِع في يديّ سواران من ذهب،
فَكَبُرَا عليَّ وأهمَّاني، فأُوحيَ إليَّ أن انْفُخْهما، فنفختُهما، فذهبا،
فأُوَّلْتُهُما الكذّابَينِ اللَّذيْن أنا بينهما؛ صاحب صنعاء وصاحب اليمامة)).
متَّفقٌ عليه(١) .
وقال البخاري(٢): حدثنا الصّلت بن محمد، قال: حدثنا مهديّ بن
ميمون، قال: سمع أبا رجاءٍ؛ هو العُطَارِدِيّ؛ يقول: لما بُعث النّبِيُّ ◌َّ
فسمعنا به، لَحِقْنا بمسيلمة الكذّاب؛ لحقنا بالنار؛ وكُنَّا نعبدُ الحجَر في
الجاهلية، وإذا لم نجد حجراً جَمَعْنا حَتْيةً من ترابٍ ثم حَلَبْنا عليها
اللَّبَن، ثم نطوفُ به.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء
رجل إلى ابن مسعود، فقال: إنّي مررتُ ببعض مساجد بني حنيفة وهم
يقرأون قراءةً ما أنزلها الله: الطَّاحِنات طَحْناً، والعاجنات عَجْناً،
والخابزات خَبْزاً، والثَّاردات ثَرْداً، واللّقمات لَقْماً. فأرسل إليهم
عبدالله فأُتي بهم، وهم سبعون رجلاً ورَأْسُهم عبدالله بن النَّوَّاحَة. قال:
فأمرَ به عبدالله فقُتل. ثم قال: ما كنّا بمُحْرِزِين الشَّيْطان من هؤلاء،
ولكنّا نَحْدُرهم إلى الشّام لعلّ الله أن يَكْفِيَنَاهُمْ.
وقال المسعوديّ، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبدالله، قال:
جاء ابن النّواحة وابن أُثَال رسولَيْن لمسَيْلِمة إلى رسول الله وَلّه، فقال
لهما النّبيّ وَّ: (تَشْهَدان أنّي رسول الله؟)) فقالا: نشهد أن مسيلمة
رسول الله. فقال: ((آمنتُ بالله ورُسُله، ولو كنتُ قاتلاً رسولاً لقتلتُكما)).
(١) البخاري ٢١٦/٥، ومسلم ٥٨/٧ .
(٢) البخاري ٢١٦/٥.
٢٧٧

قال عبدالله: فمَضَت السُّنَّةُ بأنَّ الرّسُل لا تُقْتَل.
قال عبدالله: أمّا ابن أُثَال فقد كفانا الله، وأما ابن النّواحة فلم يزل
في نفسي حتى أَمْكَنَ اللهُ منه. رواه أبو داود الطَّيَالِسي في ((مُسْنَده))(١)،
عن المسعودي. وله شاهد.
قال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني سعد بن طارق، عن سلمة بن
نُعيم بن مسعود، عن أبيه، سمع النَّبيَّ نَُّ حين جاءه رسولاً مسيلمةَ
الكذّاب بكتابه يقول لهما: ((وأنتما تقولان بمثلٍ ما يقولُ؟ قالا: نعم.
فقال: ((أمَا والله لَوْلا أنّ الرُّسُلَ لا تُقْتَل لَضَربْتُ أعناقَكما)).
قال ابن إسحاق(٢): وقد كان مسيلمة كتب إلى رسول الله وَّل في
آخر سنة عَشْرٍ :
من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. سلام عليك، أما بعد،
فإنّي قد أُشْركتُ في الأمرِ معك، وإنّ لنا نِصْفَ الأرض، ولكنّ قريشاً
قوم يعتدون .
فكتب إليه: ((من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب. سلام على
من اتّبع الهُدَى، أما بعدُ، فإنّ الأرض لله يُورِثها من يشاء من عباده،
والعاقبة للمتقين)).
ثم قدِم وفد طيّء، على رسول الله وَّه وفيهم زَيْدُ الخيل سَيِّدُهم،
فأسلموا، وسمّاهُ رسولُ الله ◌ِّهَ زِيدَ الخَيْرِ، وقطع له فَيْد وأرَضِينَ،
وخرج راجعاً إلى قومه، فقال رسول الله وَله: ((إنْ يَنْجُ زيدٌ من حُمَّى
المدينة)). فإنّه يقال قد سمّاها رسول الله وَّر باسم غير الحمّى، فلم
نُثْبِتْه. فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له قَرْدَة، أصابته
(١) منحة المعبود ٢٣٨/١.
(٢) ابن هشام ٢/ ٦٠٠.
٢٧٨

الحُمَّى فمات بها. قال: فعمدت امرأته إلى ما معه من كتب فحرّقَتها.
وقال شعبة: حدثنا سِمَاك بن حرب، قال: سمعت عبّاد بن حُبَيْش،
يُحدِّثُ عن عديَّ بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله وَلّ وأنا
بعَقْرَب (١) ، فأخذوا عمّتي وناساً. فلما أتوا بهم رسولَ الله، قالت: يا
رسول الله، غاب الوافِد، وانقطع الولد، وأنا عجوزٌ كبيرة، فَمُنَّ عليّ
مَنَّ اللهُ عليكَ. قال: ((مَنْ وافِدُكِ؟)) قالت: عديّ بن حاتم. قال: ((الذي
فَرَّ من الله ورسوله؟» قالت: فَمَنَّ عليَّ، ورجلٌ إلى جنبه تراه عليّاً،
فقال: سَلِيه حُمْلاناً. فأمرَ لها به. قال: فَأَتَتْني، فقالت: لقد فعلتَ فَعْلةً
ما كان أبوك يفعلها. إيتِهِ راغباً أو راهباً، فقد أتاه فلانٌ فأصاب منه،
وأتاه فلانٌ فأصاب منه .
قال عديّ: فأتَيْتُه، فإذا عنده امرأة وصَبِيّان؛ أو صبيٌّ، فذكر قربهم
من النّبِيِّ ◌َِّ. قال: فعرفتُ أنه ليس مُلْك كسرى ولا قيصر، فأسلمتُ.
فرأيت وجهه قد استبشر، وقال: ((إنّ المَغْضُوب عليهم اليهود،
والضَّالِّين النَّصارى)). وذكر باقي الحديث.
وقال حَمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، قال: قال أبو عُبيدة
ابن حُذَيفة، قال رجل: كنت أسأل عن حديث عديّ وهو إلى جنبي لا
أسأله، فأتيته، فقال: بعث الله محمداً ◌َّ فكرهته أشدَّ ما كرهت شيئاً
قطّ. فخرجت حتى أقصى أرض العرب ممّا يلي الروم. ثم كرهت
مكاني فقلت: لو أتيته وسمعت منه. فأتيتُ إلى المدينة، فاستشرفني
الناس؛ وقالوا: جاء عديّ بن حاتم، جاء عديّ بن حاتم. فقال: يا
عديّ بن حاتم، أَسْلِمْ تَسْلَم. فقلت: إنّي على دينٍ. قال: ((أنا أعلم
بدينك منك، ألست رَكُوسِيّاً؟))(٢) قلت: بلى. قال: ((ألست ترأس
(١) أُطم بالمدينة.
(٢) كتب على هامش الأصل: ((الركوسي: بين النصارى والصابئة)).
٢٧٩

قومك؟)) قلت: بلى. قال: ((ألست تأخذ المِرْباع؟))(١) قلت: بلى.
قال: ((فإنَّ ذلك لا يحلُّ في دينك)). قال: فوجدتُ بها عليَّ غَضَاضَةً.
ثم قال: ((إنه لعلَّه أنْ يمنعكَ أنْ تُسْلِمَ أنْ ترى بمن عندنا خَصَاصةً،
وترى الناسَ علينا إلّباً واحداً. هل رأيت الحِيرَةَ؟)) قلت: لم أرها، وقد
علمت مكانها. قال: ((فإنَّ الظعِينةَ سترحلُ من الحِيرة حتى تطوف بالبيت
بغير جِوار، وَلَتُفْتَحَنَّ علينا كُنوز كِسْرَى بن هُرْمُز)). قلتُ: كنوز كسرى
ابن هرمز؟ قال: ((نعم، وَلَيَفِيضَنَّ المالُ حتى يُهِمّ الرجلَ مَنْ يقبلُ مَالَهُ
منه صَدَقةٌ)). قال: فلقد رأيتُ الظعينةَ ترحلُ من الحيرة بغير جِوار،
وكنتُ في أول خيل أغارت على المدائن. ووالله لَتكُونَنَّ الثالثة، إنّه
الحديثُ رسول الله ◌َّل. وروى نحوه هشام بن حسّان، عن محمد بن
سِيرين، عن أبي عُبَيدة.
وقال ابن إسحاق(٢): قدِم على رسول الله وَ لَه فَرْوَة بن مُسَيْك
المُرادِيّ، مُفارقاً لملوك كِنْدَة، فاستعمله النبيّ وََّ على مُرَادٍ وزُبَيْد
ومَذْحِج كلها، وبعث معه على الصدقة خالد بن سعيد بن العاص، فكان
معه حتى تُوُفِّي رسول الله ◌ِلّهِ.
قال(٣): وقدِم على رسول اللّهِ وَّه وفد كِنْدَة، ثمانون راكباً فيهم
الأشْعَث بن قَيْس. فلما دخلوا على رسول الله بَّه قال: ألم تُسلموا؟
قالوا: بلى. قال: فما بَالُ هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشقُّوه
وألقَوْه .
قال (٤): وقدِم على رسول الله وَ ل صُرَد بن عبدالله الأزْدِيّ فأسلم،
(١) هو أن يأخذ ربع الغنيمة لنفسه.
(٢) ابن هشام ٢/ ٥٨١.
(٣) ابن هشام ٢/ ٥٨٥ .
(٤) ابن هشام ٢ / ٥٨٧ .
٢٨٠