النص المفهرس
صفحات 121-140
جسده بضعاً وسبعين، بين طعنةٍ ورَمْيَة . وقال مُصْعَب الزُّبَيرِي وغيرُه، عن مُغِيرة: بضعاً وتسعين. أخرجه البخاري (١) وقال الواقديّ(٢): حدّثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحَكَم، عن أبيه، قال: جاء الثُّعمان بن مَهْص(٣) اليهوديّ، فوقف مع النّاس. فقال النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((زيد بن حارثة أميرُ النّاس، فإنْ قُتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإنْ قُتِل فعبدالله بن رَوَاحة، فإنْ قُتِلَ عبدالله فليرتضِ المسلمون رجلاً فليجعلوه عليهم)). فقال النُّعمان: أبا القاسم، إنْ كنتَ نبيّاً، فسمَّيتَ من سَمَّيْت قليلاً أو كثيراً أُصِيبوا جميعاً. إنّ الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجلَ على القوم، فقالوا: إنْ أُصيب فلانٌ ففلان، فلو سمَّوا مئة أُصيبوا جميعاً. ثم جعل اليهوديّ يقول لزيد: اعْهد، فلا ترجِعُ إنْ كان محمد نبيّاً. قال زيد: أَشْهَد أنّه نبيٌّ باٌّ صادِقٍ. وقال يونس، عن ابن إسحاق: كان على مَيْمَنة المسلمين قُطْبة بن قَتَادَة العُذْريّ، وعلى الميسرة عَبَايَة بن مالك الأنصاريّ. والتقى النّاس، فحدّثني يحيى بن عَبّاد بن عبدالله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، قال: حدّثني أبي من الرّضاعة، وكان أحد بني مُرَّة بن عَوْف، قال: والله لَكَأنّي أنظرُ إلى جعفر بن أبي طالب يوم مُؤْتة حين اقتحم عن فرس له شقراء فَعَقَرها ثم تقدّم فقاتل حتى قُتِلَ. قال ابن إسحاق: فهو أول من عقر في الإسلام، وقال جعفر: طيّبةً باردةً شَرابُها يا حَبّذَا الجنَّةُ واقْترابُها (١) البخاري ١٨٢/٥، وانظر المسند الجامع حديث (٨١٤٣). (٢) المغازي ٧٥٦/٢ . (٣) هكذا في النسخ مجودة، وفي المطبوع من مغازي الواقدي: ((فنحص))، وإنما غيّر محققه جونس الصواب بالخطأ، كما أشار في الحاشية . ١٢١ عليَّ إنْ لاقيتُها ضِرابُها والرّومُ روم قد دنا عذابُها قلما قُتِلَ أخذ الرايةَ عبدالله بن رواحة. حدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر، عن عُرْوة، قال: أخذها عبدُالله بنُ رَواحة فالتوى بها بعضَ الالتواءِ، ثم تقدّم بها على فرسه فجعل یستنزل نفسه ويتردّد. حدّثني عبدالله بن أبي بكر، أنّ ابن رَوَاحة قال عند ذلك: طائعةً أو سوف تُكْرَهِنَّه أقسمْتُ يا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّةْ ما لي أراك تَكْرَهين الجَنَّة إِنْ أجلبَ النّاسُ وشدّوا الرَّنَّهُ(١) هل أنتِ إلّ نُطْفة فِي شَنَّةُ(٢) يا طالما قد كنتِ مُطْمئنَّة ثم نزل فقاتل حتى قُتِل. قال ابن إسحاق(٣): وقال أيضاً: هذا حِمامُ الموتِ قد صلِيتِ يا نفس إنْ لا تُقتلي تموتي إنْ تفعلي فِعلَهُما هُديتٍ وما تمنَّتِ فقد أُعْطِتِ وإنْ تأخَّرتِ فقد شَقِيتِ فلما نزل أتاه ابنُ عمِّ له بعَرْق لحم، فقال: شُدَّ بها صُلْبَك، فنهس منه نهسة، ثم سمع الحَطْمة (٤) في ناحيةٍ، فقال: وأنتِ في الدنيا؟ فألقاهُ من يده. ثم قاتل حتى قُتِل. فحدّثني محمد بن جعفر، عن عُرْوة، قال: ثم أخذ الرايةَ ثابت بن أقرم، فقال: اصطلحوا يا معشر المسلمين على رجل. قالوا: أنتَ لها. (١) صوتُ ترجيع شبه البكاء. (٢) أي: السقاء البالي. (٣) ابن هشام ٣٧٩/٢. (٤) أي: زحام الناس وحطم بعضهم بعضاً. ١٢٢ فقال: لا، فاصطلحوا على خالد بن الوليد. فحاش (١) بالنّاس، فدافع وانحاز وانْحِيزَ عنه، ثم انصرف بالنّاس. وقال حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن حُمَيْد بن هلال، عن أنس، قال: نَعَى النّبيّ نَ جعفراً وزيدَ بنَ حارثة، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تذرفان. أخرجه البخاري(٢)، وزاد فيه: فَنَعَاهم، وقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها ابن رَوَاحة فأُصيب. ثم أخذ الراية بعدَهم سيفٌ من سيوف الله: خالد بن الوليد. قال: فجعل يحدّث النّاسَ وعيناه تذرفان. وقال سليمان بن حرب: حدثنا الأسود بن شَيْبان، عن خالد بن سُمَيْر، قال: قدِم علينا عبدُالله بن رباح الأنصاريّ، وكانت الأنصار تُفَقّهه، فغشيه النّاسُ، فغشيتُه فيمن غَشِيهُ من النّاس، فقال: حدثنا أبو قَتَادَة فارسُ رسولِ اللهِ وََّ، قال: بعث رسولُ اللهَ وَّل جيشَ الأمراء، وقال: ((عليكم زيدُ بن حارثة، فإنْ أُصيب فجعفر، فإنْ أُصيب جعفر فعبدالله بن رواحة))، فوثب جعفر فقال: يا رسولَ الله، ما كنت أرهب أن تستعمل زيداً عليَّ. قال: فامضٍ. فإنّك لا تدري أيَّ ذلك خير. فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله. فصعد رسول الله وَّ﴿ المنبرَ، وأمر فَنُودي: الصلاةُ جامعة. فاجتمع النّاسُ إلى رسول الله وَّر فقال: ((أخبركم عن جيشكم هذا: إنّهم انطلقوا فلقوا العدوَّ، فقُتِل زيدٌ شهيداً))، فاستغفر له. ثم قال: ((أخذ اللواء جعفرٌ فشدَّ على القوم حتى قُتل شهيداً)، شهدَ له بالشهادةِ واستغفر له. ((ثم أخذ اللواءَ عبدُالله بن رواحة، فأثبت قدميه (١) حاش بهم: أحاز بهم. (٢) البخاري ١٨٢/٥. ١٢٣ حتى قُتِل شهيداً))، فاستغفر له، ((ثم أخذ اللواءَ خالدُ بنُ الوليد، ولم يكن من الأمراء وهو أمَّر نفسه)»، ثم قال: اللَّهُمَّ إنّه سيفٌ من سيوفكَ، فأنت تنصُره)). فَمِنْ يومئذٍ سُمِّيَ خالد ((سيف الله))(١) . وقال البكّائي، عن ابن إسحاق(٢): بلغني أنّ رسول الله بَلّ قال: ((أخذ الرايةَ زيد فقاتل بها حتى قُتِل شهيداً، ثم أخذها جعفر فقاتل حتى قُتِل شهيداً))، ثم صَمَتَ، حتى تغيّرت وجوهُ الأنصار، وظنّوا أنه قد كان في عبدالله بعضُ ما يكرهون. فقال: ((ثم أخذها عبدُالله بنُ رَوَاحة فقاتلَ بها حتى قُتِل شهيداً))، ثم قال: ((لقد رُفِعُوا إلى الجنَّةِ فيما يَرَى النَّائمُ على سُرُرٍ من ذهب. فرأيتُ في سريرِ عبدالله ازوراراً عن سريرَيْ صاحَبيْه. فقلت: عَمَّ هذا؟ فقيل لي: مَضَيا وتردَّد عبدُالله بعضَ التردُّدِ ثم مضی)». وقال الواقديّ(٣): حدّثني عبدالله بن الحارث بن فُضَيْل، عن أبيه، قال: لما أخذ خالد الراية: قال رسول الله وَ ل: ((الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ)). قال(٤) : فحدّثني العَطَّاف بن خالد، قال: لما قُتِلَ ابنُ رَوَاحة مساءً، بات خالد، فلما أصبح غدا وقد جعل مُقدّمتَهُ سَاقةً، وساقَتَه مقدِّمةً، وميمَنَتَه مَيْسَرَةً، ومَيْسَرَتَهُ مَيْمَنَةً. فأنكروا ما كانوا يَعْرِفُونَ من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مَدَدٌ، فرُعِبُوا فانكشفوا منهزمين، فَقُتِلوا مَقْتَلةً لم يُقْتَلْها قومٌ. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس: سمعتُ خالد بن الوليد يقول: لقد اندقَّ في يدي يوم مُؤُّتة تسعةُ أسيافٍ، فما بقيَ في يدي إلّ (١) تاريخ الطبري ٤٠/٢-٤١ . (٢) ابن هشام ٣٨٠/٢. (٣) المغازي ٧٦٤/٢. (٤) الواقدي في المغازي ٧٦٤/٢. ١٢٤ صفيحةٌ يمانية. أخرجه البخاري(١) . وقال الواقدي(٢): حدّثني محمد بن صالح التّمّار، عن عاصم بن عمر بن قَتَادة، أنَّ النَّبِيَّ وَ قال: ((لمّا قُتِلَ زيدٌ أخذ الرايةَ جعفرٌ فجاءه الشيطان فحبَّبَ إليه الحياةَ وكَرَّه إليه الموتَ ومَنَّهُ الدنيا، فقال: الآن حين استحكَمَ الإيمانُ في قلوب المؤمنين، تُمنِّيني الدنيا؟ ثم مضى قُدُماً (٣) حتى استُشْهِدَ))، فصلّى عليه ودعا له، وقال: ((استغفروا له، فإنَّه دخلَ الجنَّةَ وهو يطيرُ في الجنَّةِ بجناحين من ياقوت حيث يشاءُ من الجنة)). وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعْبي أنّ ابن عمر كان إذا سلَّمَ على عبدالله بن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجَنَاحَين. رواه (٤) البخاري . وقال عبدالوهاب الثقفي: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرتْني عَمْرة، قالت: سمعتُ عائشة تقول: لما جاء قَتْلُ جعفر وابن حارثة وابنٍ رَوَاحة، جلس رسولُ اللهِبَّ في المسجد يُعرَف فيه الحُزْن، وأنا أطَّلِع من شقّ الباب، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ نساء جعفر؛ وذكر بكاءهنَّ، فأمره أنْ يَنْهاهنَّ. فذهب الرجلُ ثم أتى فقال: قد نَهيتُهنَّ. وذكر أنَّهُنَّ لم يُطِعْنَهُ، فأمره الثانيةَ أنْ ينهاهُنّ، فذهب ثم أتى فقال: والله قد غَلَبْتَنَا. فزعمتْ أنّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((فاحْثُ في أفواههنّ الثُّرابَ)). فقلت: أرغم اللهُ أنفَكَ، ما أنت تفعل(٥) ، وما تركتَ رسولَ (١) البخاري ١٨٣/٥. (٢) المغازي ٧٦١/٢ -٧٦٢. (٣) كتب على هامش الأصل: ((القُدُم بضمتين: الرجل الشجاع، ومضى قُدماً مثله لم یعرج)). (٤) البخاري ١٨٣/٥. (٥) ما هنا تعضده رواية البخاري. ١٢٥ الله ◌َّهُ من العَناء. أخرجاه عن محمد بن المثنّى، عنه(١) وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني عبدالله بن أبي بكر بن حزم، عن أم عيسى الجزّار، عن أمّ جعفر، عن جدّتها أسماء بنت عُمَيْس، قالت: لما أُصيب جعفر وأصحابُه، دخل عليَّ رسولُ اللهِ وَل وقد عجنت عجيني وغسلت بَنِيَّ وَدَهَّتْتهم ونظّفتهم. فقال: ((ائتيني ببنِي جعفر)). فأتيتُهُ بهم، فشمَّهم، فدمعت عيناه. فقلتُ: يا رسولَ الله بأبي أنت وأمّي ما يُبْكيك؟ أبَلَغَكَ عن جعفر وأصحابه؟ فقال: ((نعم. أُصيبوا هذا اليوم)). فقمتُ أصيحُ، واجتمع الناسُ(٣). فرجع رسولُ الله ◌َّل إلى أهله، فقال: ((لا تُغْفِلوا آلَ جعفر أنْ تصنعوا لهم طعاماً، فإنّهم قد شُغِلوا بأمر صاحبهم)) . قال ابن إسحاق: فسمعتُ عبدالله بن أبي بكر، يقول: لقد أدركتُ النّاسَ بالمدينة إذا مات لهم مَيّتٌ؛ تكلّف جيرانُهم يومَهم ذلك طعامَهم؛ فَلَكَأنّي أنظر إليهم قد خبزوا خُبزاً صِغاراً، وصنعوا لحماً، فُيجعل في جَفْنةٍ، ثم يأتون به أهلَ الميّت، وهم ييكون على ميّتهم مُشتغلين فيأكلونه. ثم إنّ النّاس تركوا ذلك. فائدة: أخرج مسلم في صحيحه(٤) ، من حديث عَوْف بن مالك، قال: خرجتُ في غزوة مؤتة، فرافقني مَدَدِيٌّ من أهل اليمن، ليس معه غير سيفه. فنحر رجلٌ جَزُوراً فسأله المَدَدِيّ (٥) طائفةً من جلده، فأعطاه (١) البخاري ١٠٤/٢ و١٠٦ و١٨٢/٥، ومسلم ٤٥/٣ و٤٦، وانظر المسند الجامع حديث (١٦٣٧٦)، والسيرة لابن هشام ٣٨١/٢. (٣) في نسخة (ع): ((النساء)). (٢) ابن هشام ٢/ ٣٨٠. (٤) مسلم ١٤٩/٥، والمسند الجامع حديث (١٠٩٥٢). (٥) المدديُّ والأمداد: هو الرجل أو الرجال أو الأعوان الذين جاؤوا يمدونهم بالمعونة . ١٢٦ فاتّخذه كهيئة الدَّرَقة. ومضينا فلقينا جموعَ الروم، وفيهم رجلٌ على فَرَس له أشقر وعليه سرج مذهَّب وسلاح مُذهب، فجعل يَفْري بالمسلمين. وقعد له المَدَدِيُّ خلف صخرة، فمرَّ به الروميُّ فعرقبَ فرسه، فخرَّ وعلاه فقتله وحاز فَرَسَه وسلاحَه. فأخذه منه خالد بن الوليد، فأتيتُه فقلت: أما عَلِمَتَ أنَّ رسولَ الله وَّ قضى بالسَّلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكنّي استكثرتُه. قلت: لَتَرُدَنَّه أو لُعَرِّفَنَكَها عند رسولِ الله وَلّ. قال: فاجتمعنا، فقصصتُ على رسولِ اللهِ وَّ القصَّةَ، فقال لخالد: ((ما حَمَلَكَ على ما صنعتَ))؟ قال: استكثرتُه. قال: ((رُدَّ عليه ذلك)). فقلتُ: دونكَ يا خالد، ألم أقلْ لك؟ فقال رسولُ الله: ((ما ذاك)»؟ فأخبرتُه. قال: فغضب وقال: ((يا خالد لا تَرُدَّه عليه. هل أنتم تاركو لي أُمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم گَدْرُه)). وقال الواقديّ (١): حدّثني محمد بن مسلم، عن يحيى بن أبي يَعْلَى، قال: سمعت عبدالله بن جعفر يقول: أنا أحفظُ حين دخلَ رسولُ اللهَ وَّل على أُمِّي، فَنَعَى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهراقان الدموع، ثم قال: ((اللهم إنّ جعفراً قد قَدِمَ إليكَ إلى أحسن ثوابٍ، فاخلفه في ذُرِّيته بأحسن ما خلفتَ أحداً من عبادك في ذُرِّيَّته)). ثم قال: ((يا أسماء، ألا أُبَشّرُك))؟ قالت: بلى، بأبي أنتَ وأميّ. قال: ((إنّ الله جعل لجعفر جناحَين يطير بهما في الجنّة)). قالت: فأعلم النّاس ذلك. وذكر الحديث. وقال الواقديّ(٢): حدّثني سليمان بن بلال، قال: حدّثني عبدالله ابن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبدالله، قال: أُصيب بها ناسٌ من المسلمين، وغَنِمَ المسلمون بعضَ أمتعة المشركين. فكان مما غنموا (١) المغازي ٧٦٦/٢ -٧٦٧. (٢) المغازي ٧٦٨/٢. ١٢٧ خاتمٌ جاء به رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وََّ، قال: قتلت صاحبه يومئذٍ، فَنَفَّلَه رسولُ الله ◌ِ﴾ إيّاه . وقال عَوْف بن مالك الأشجعيّ: لقيناهم في جماعةٍ من قُضَاعة وغيرهم من نصارى العرب، فصافُوا، فجعل رجلٌ من الروم يشتدّ على المسلمين، فجعلتُ أقول في نفسي: مَن لهذا؟ وقد رافقني رجل من أمداد حِمْيَر، ليس معه إلّ السيّق، إذ نحر رجلٌ جَزُوراً فسأله المَددِيُّ طائفةً من جِلْده، فوهبه منه، فجعله في الشمس وأوتد في أطرافه أوتاداً، فلما جفَّ اتخذ منه مقْبَضاً وجعله دَرَقَةً. قال: فلما رأى ذلك المَدَدِيُّ فِعْلَ الرُّومَيّ، كَمنَ له خلف صخرةٍ، فلما مَرَّ به خرج عليه فعرقب فرسه، فقعد الفرسُ على رِجليه وخرّ عنه العِلْجُ، فشدّ عليه فَعَلاه بالسیفِ فقتله. قال: وحدّثني بُكَيْر بن مسمار، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، قال: حضرتُ مُؤْتَة فبارزني رجلٌ منهم، فأصبته وعليه بيضةٌ له فيها ياقوتة، فأخذتها، فلما انكشفنا فانهزمنا رجعتُ إلى المدينة، فأتيتُ بها رسولَ اللهِ وَ لَ فَنَفَّلَنِيها، فبعتُها زمنَ عثمان بمئة دينار، فاشتريت بها حديقة نخلٍ . وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(١) : حدّثني محمد بن جعفر، عن عُرْوة، قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقّاهم رسولُ الله ◌َِاله والمسلمون معه. فجعلوا يحثون عليهم التُرابَ ويقولون: يا فُرَّار فَرَرْتُم في سبيلِ الله؟ فقال النّبِيّ ◌َّهِ: (لَيْسُوا بالفُرَّار، ولكنّهم الكُرَّار إن شاء الله)) . فحدّثني عبدالله بن أبي بكر، عن عامر بن عبدالله بن الزُّبَيْر، أنَّ أمّ (١) ابن هشام٣٨٢/٢-٣٨٣. ١٢٨ سَلَمَةٍ قالت لامرأة سَلَمَةَ بن هشام بن المُغيرة: مالي لا أرى سَلَمَة يحضر الصّلاةَ مع رسولِ الله ◌ِ ◌ّرَ؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلّما خرج صاح بن النّاسُ: يَا فُرَّار، فَرَرْتُم في سبيل الله. وكان في غزوة مؤتة. وعن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيماً لعبد الله بن رَوَاحة في حِجْره، فخرج بي في سَفَرَه ذلك، مُرْدِفي على حقيبة رَحْله، فَوَالله إنَّه لَيَسِيرُ إِذْ سمعته ینشد أبیاته هذه: مَسِيرَة أربعٍ بعد الحِسَاءِ إذا أدْنَيْتِني وحملتِ رَحلي ولا أرْجعْ إلى أهلي وَرَائي فشأنُكِ فانعمي وخَلاكِ ذَمٌ بأرضِ الشامِ مشهور الثَّواءِ وآب المسسلمون وغادرُوني إلى الرحمن منقطع الإخاء وردَّكِ كُّ ذي نَسَبٍ قریبٍ ولا نخل، أسَافِلُها رِواءٍ هنالك لا أُبْالي طَّلْعَ بَعْلٍ فلما سمعتُهنّ بكيت، فَخَفَقَنِي بِالدِّرَّة، وقال: ما عليك يا لُكَع أن يرزقني الله الشهادةَ وترجع بين شُعْبَتَيْ الرَّحْل! وقال عبدالملك بن هشام(١) : حدّثني مَنْ أثق به أنّ جعفرًا أخذ اللواء بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضُدَيْه حتى قُتل وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة. فأثابه الله تعالى بذلك جناحَيْن في الجنّة يطيرُ بهما حيث شاء. وروي أنّهم قتلوه بالرِّماح. ترجمة جعفر بن أبي طالب(٢) قلت: وكان جعفر من السّابقين الأوّلين، هاجر الهجرتين. قال له (١) ابن هشام ٣٧٨/٢ . (٢) كتبت على هامش الأصل. ١٢٩ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أشبهت خَلْقِي وخُلُقي)) (١) . وقال عِكْرِمة، عن أبي هريرة، قال: ما احْتَذى النِّعال ولا ركب المطايا بعد رسولِ الله ◌َ﴿ أفضل من جعفر. وكُنَّا نُسمِّيه أبا المساكين(٢). وقال مُجَالِد، عن الشَّعْبيّ، عن عبدالله بن جعفر، قال: ما سألتُ عليّاً رضي الله عنه شيئاً بحقِّ جعفر إلاَّ أعطانيه. وعن ابن عمر، قال: وجدت في مقدَّم جَسَد جعفر يوم مُؤْتة بضعاً وأربعين ضَرْبةً. ولما قَدِم جعفرٌ من الحَبَشَة عند فتح خيبر، رُوي أنَّ النّبِيَّ وََّ اعتنقه وقال: ((ما أدري أنا أَسَرُّ بقدُوم جعفر أو بفتح خيبر؟))(٣). وقال مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبدالله بن أبي يعقوب، عن الحَسَن بن سعد، عن عبدالله بن جعفر، قال: لما نعَى رسولُ اللهِ وَآت جعفراً أتانا فقال: أخْرِجوا إليَّ بني أخي. فأخرَجْنا أمُّنَا أُغَيْلِمَةً ثلاثةً كأنّهم أَفْرُخ: عبدالله، وعَوْن، ومحمد. ترجمة زيد بن حارثة (٤) وأمَّا أبو أسامة زيد بن حارثة بن شَرَاحيل الكلْبيُّ حِبُّ رسولِ الله وَل (١) أخرجه البخاري ٢١/٣ و٢٤ و١٧٩/٥ وغيره من حديث البراء بن عازب، وأخرجه أحمد ٢٣٠/١ من حديث ابن عباس، ومن حديث عبيدالله بن أسلم (٣٤٢/٤) . (٢) أخرجه أحمد ٤١٣/٢، والترمذي (٣٧٦٤)، والنسائي في فضائل الصحابة (٥٤)، وانظر المسند الجامع حديث (١٤٨٣٢). (٣) طبقات ابن سعد ٣٥/٤، والحاكم ٢١١/٣. (٤) كتب على هامش الأصل. ١٣٠ وأوّل مَنْ آمن به من الموالي؛ فإنّه من كبار السابقين الأوّلين وكان من الرُّماة المذكورين. آخى رسولُ اللهِ وَ لا بينه وبين حمزة بن عبدالمطّلب، وعاش خمساً وخمسين سنة، وهو الذي سمَّى اللهُ في كتابه في قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ يعني من زينب بنت جَحْشِ: ﴿زَوَّجْنَكَهَا ٣٧) [الأحزاب]. وكان المسلمون يدعونه زيد ابن النّبيِّوَ ◌ّ حتى نزلت: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ الْمَ﴾ [الأحزاب]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ (٥)﴾ [الأحزاب]. وقال ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اُلَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ [الأحزاب]. ٥ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمّ روى عن زيدٍ ابنُه أسامة وأخوه جَبَلَة . واختلف في سِنِّه، فروى الواقديّ أنّ محمد بن الحَسَن بن أسامة بن زيد حدّثه، عن أبيه، قال: كان بين رسول الله مَ﴾ وبين زيد بن حارثة عشْرُ سنين؛ رسول الله أكبر منه، وكان قصيراً شديد الأدمةِ أفْطَس. قال محمد بن سعد (١) : كذا صِفَته في هذه الرواية، وجاءت من وجه آخر أنّه كان أبيض وكان ابنه أسود. ولذلك أُعجِب النّبيُّ نَّل بقول مُجرِّز المُدلجي القائف: ((إنّ هذه الأقدام بعضُها من بعض)). قلت: وعلى هذه الرواية أيضاً يكون عُمُرُه خمسين سنة أو نحوها. وقال أبو إسحاق السّبيْعيّ: إنّ زيد بن حارثة أغارت عليه خيلٌ من تِهامة، فوقع إلى خديجة فاشترته، ثم وَهَبَتَه للنّبِيّ وََّ. ويُروَى أَنّها اشترته بسبع مئة درهم. (١) طبقات ابن سعد ٦٣/٤. وأخرجه الحميدي (٢٣٩) و (٢٤٠)، وأحمد ٣٨/٦ و ٨٢ و٢٢٦، والبخاري ٢٢٩/٤ و٢٩/٥ و١٩٥/٨، ومسلم ١٧٢/٤ ، وانظر المسند الجامع، حديث (١٧١٩٣). ١٣١ وقال الزُّهْري: ما علمنا أحداً أسلم قبله . وقال موسى بن عقبة: حدثنا سالم بن عبدالله، عن ابن عمر، قال: ما كنّا ندعوا زيداً إلّ زيدَ بن محمد. فنزلت: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَآنِهِمْ ٥ [الأحزاب](١). وقال يزيد بن أبي عُبَيْد عن سَلَمَةَ بن الأكْوَع قال: غزوتُ مع زيد بن حارثة سبع(٢) غَزَوات، كان النّبيُّ وَ لَ يُؤَمِّره علينا. كذا رواه الفسوي(٣) عن أبي عاصم عن يزيد. وقال ابن عُيَيْنَة: أخبرنا عبدالله بن دينار، سمع ابنَ عمر يقول: إنَّ رسول الله وَ﴿ أَمَّرَ أسامة على قومٍ، فطعن النَّاسُ في إمارته. فقال: ((إنْ تَطْعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وأيْمُ الله إنْ كان لَخَلِيقاً للإمارة، وإنْ كان لمن أحبِّ النّاس إليَّ وإنّ ابنه هذا لأحبّ النّاسِ إليَّ بعده)) (٤) . وقال ابن إسحاق، عن يزيد بن عبدالله بن قُسَيْط، عن محمد بن أسامة، عن أبيه، قال رسول الله وَل﴿ لأبي: ((يا زيد أنتَ مولاي ومنِّي وإليَّ وأحبُّ القوم إليّ))(٥). (١) أخرجه أحمد ٧٧/٢، والبخاري ١٤٥/٦، ومسلم ٧/ ١٣٠ و ١٣١، والترمذي (٣٢٠٩) و (٣٨١٤)، وانظر المسند الجامع حديث (٨٢١١). (٢) يحتمل أنَّ الذهبي اختصره على عادته، وهو في البخاري ١٨٣/٥ و١٨٤ على الشكل الآتي: ((غزوت مع النبي ◌َّ سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوثات تسع غزوات، مَرَّةً علينا أبو بكر، ومرةً علينا أسامة))، وانظر المسند الجامع (٤٩١٩). (٣) المعرفة والتاريخ ٢٩٩/١. (٤) أخرجه أحمد ٢٠/٢ و١١٠، والبخاري ٢٩/٥ و١٧٩ و١٩/٦ و١٦٠/٨ و٩١/٩، ومسلم ١٣١/٧، والترمذي (٣٨١٦). وانظر المسند الجامع حديث (٨٢٠٨). (٥) أخرجه أحمد ٢٠٤/٥، وانظر المسند الجامع حديث (١٥٧). ١٣٢ وقال محمد بن عبيد: حدثنا إسماعيل، عن مجالد، عن عامر، عن عائشة أنّها كانت تقول: ((لو أنّ زَيْداً كان حيّاً لاستخلفه رسولُ الله مَ لٍ))(١). وسته ورواه محمد بن عُبَيْد مرَّةً أخرى، فقال: حدثنا وائل بن داود، عن البَهيِّ، عن عائشة، قالت: ما بعث رسولُ اللهِ وَّل زيد بن حارثة في جيشٍ قطّ إلّ أمَّره عليهم، ولو بقيَ بعده استخلفه(٢) . وقال حسين بن واقد، عن عبدالله بن بُرَيْدة، عن أبيه، أنّ رسول الله وَ لّ، قال: ((دخلت الجنّة فاستقبلَتْني جارية شابة، فقلت: لمن أنتِ؟ قالت: لزيد بن حارثة (٣) . إسنادَه حَسَن، رواه الرُّويَّاني في مُسْنَدِه. ورواه حمّاد بن سَلَمَة عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد، يرفعه. وقال حماد بن زيد، عن خالد بن سَلَمَة المخزومي، قال: أُصيب زيد فَأَتّى النّبِيُّ وَّهِ منزلَهُ، فجهشتْ بنتُ زيدٍ في وجِهِ رسولِ اللهِ وَلَه فبكى حتى انتحب. فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: ((شوقُ الحبيبِ إلى حبيبه)) (٤) . [ترجمة ابن رَوَاحة](٥) وأما عبدالله بن رَوَاحة بن ثعلبة الخَزْرَجيّ الأنصاريّ أبو عَمْرو، أحد النُّقباء ليلة العَقَبَة، شهد بدْراً والمشاهدَ، وكان شاعر النبيِ وَّر، (١) أخرجه أحمد ٢٢٦/٦ و٢٥٤ و٢٨١، وانظر المسند الجامع حديث (١٧٢٠٥). (٢) تقدم تخريجه . (٣) كنز العمال ٣٣٢٩٩ و ٣٣٣٠٢. (٤) طبقات ابن سعد ٣٢/٣. كتب على هامش الأصل: ((هنيئاً له رضي الله عنه)). (٥) إضافة مني للتوضيح. ١٣٣ وأخا أبي الدَّرْداء لُأُمِّه. روى عنه أبو هُرَيرة، وابنُ أخته النُّعمان بن بشير، وزيد بن أرقم، وأنَس قوله، وأرسل عنه جماعة من التّابعين. وقال الواقديّ: كُنْيَتُه أبو محمد. وقيل: أبو رَوَاحة . ورَوَتْ أمّ الدَّرْداء، عن أبي الدَّرْداء قال: كُنَّا مع النَّبيِّ ◌َّ في السفر في يوم شديد الحَرّ، وما فينا صائمٌ إلّ رسول الله وَّه وعبد الله بن رَوَاحة(١) . وقال مَعْمَر، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: تزوَّج رجلٌ امرأةَ عبدالله بن رَوَاحة فقال لها: هل تدرين لِمَ تزوَّجْتك؟ قالت: لا، قال: لتُخْبريني عن صنيع عبدالله في بيته. فذكرتْ له شيئاً لا أحفظه، غيرَ أنّها قالت: كان إذا أراد أنْ يخرجَ من بيته صَلَّى ركعتين، وإذا دخل بيته صلّى ركعتين، لا يَدَعُ ذلك أبداً. وقال هشام بن عُرْوة، عن أبيه، قال: لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَبِعُهُمُ : [الشعراء]، قال ابن رَوَاحة: قد عَلِمَ اللهُ أَنِّي منهم. (٢٢٤) اُلْغَاؤُونَ فأُنزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ • [الشعراء] الآية . وقيل هذا البيت لعبدالله بن رَوَاحة يخاطب زيد بن أرقم: تطاول اللّيلِ هُدِيتَ فانزِلِ يا زيدَ زيدَ اليَعمَلاتِ (٢) الذُّبَّلِ يعني : انزل فَسُقْ بالقوم. وعِن مُصْعَب بن شَيْبة، قال: لما نزل ابنُ رَوَاحة للقتال طُعِنَ (١) البخاري ٤٣/٣ و٤٤، ومسلم ١٤٥/٣، وانظر المسند الجامع حديث (١١٠٠٣). (٢) جمع يعملة، وهي الناقة السريعة القوية. والذبل: الضامرة. ١٣٤ فاستقبل الدَّم بيده، فدلَكَ به وجهه. ثم صُرِعَ بين الصَّفَّيْن فجعل يقول: يا معشر المسلمين ذبُّوا عن لحم أخيكم. فكانوا يحملون حتى يجوزونه. فلم یزالوا كذلك حتى مات مكانه. وقال ابن وهب: حدّثني أسامة بن زيد اللَّيْئي، قال: حدّثني نافع، قال: كانت لابن رَوَاحة امرأة وكان يَتَّقيها. وكانتْ له جاريةٌ فوقعَ عليها، فقالت له وفَرِقَتْ أنْ يكونَ قد فعلَ فقال: سبحان الله. قالت: اقرأ عليَّ إذاً، فإنَّك جُنُب. فقال: شهدتُ بإذنِ الله أنَّ محمداً رسولُ الذي فَوق السمواتِ من عَلُ وإنّ أبا يحيى ويحيى كِلاهُما له عَمَلٌ من ربّه مُتَقَبَّلُ وقد رُويا لحَسَّان . وقال ابن وهب، عن عبدالرحمن بن سَلْمان، عن ابن الهاد، أنّ امرأة عبدالله بن رَوَاحة رأته على جاريةٍ له فجحدها. فقالت له: فاقرأ. فقال : وأنَّ النَّار مَثْوَى الكافرينا شهدتُ بأنَّ وْدَالله حقّ وفوقَ العرشِ رَبُّ العَالَمِينا وأنَّ العرشَ فوق الماءِ طافٍ ملائكةُ الإلِهِ مُقَرَّبِينا وتحمِلُهُ ملائكةٌ كِرامٌ فقالت: آمنْتُ بالله وكذَّبتُ البصَرَ. فحدّث ابنُ رَوَاحَةَ النَّبِيَّ وَلِّ، فضحك . وقال موسى بن جعفر بن أبي كثير: حدثنا عبدالعزيز الماجشُون، عن الثّقة أنّ ابن رَوَاحة اتّهَمتْه امرأته. فذكر القصّة. وقال ابن إسحاق: لم يُعْقِب ابن رواحة. ١٣٥ واسْتُشْهِدَ بمؤْتَةٍ(١) : عبّاد بن قيس الخَزْرَجي؛ أحدُ من شهِد بدْراً، والحارث بن التُّعمان ابن أُساف النَّجاري، ومسعود بن سُوَيْد بن حارثة الأنصاريّ، ووهب بن سعد بن أبي سرح العامريّ، وزيد بن عُبَيْد بن المُعَلَّى الخَزْرَجيّ؛ الذي قُتِلَ أبوه يوم أُحُد، وعبدالله بن سعيد بن العاص بن أُمّة الأموي، وقيل: قُتِل هذا يوم اليمامة، وأبو كلاب، وجابر ابنا أبي صعصعة الخزرجيّ رضي الله عنهم. ذكر رُسُلِ النَّبِي ◌ِّلـ وفي هذه السنة كتب النّبيّ نَّ إلى ملوك النَّواحي يدعوهم إلى الله تعالی. قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن أنَس، أنّ رسول الله وَل كتب قبل موته إلى كِسْرَى، وإلى قيصر، وكتب إلى النَّجاشيّ، يعني الذي مَلَكَ الحبشةَ بعد النَّجاشيِّ المسلم، وإلى كلِّ جبّارٍ يدعوهم إلى الله عَزَّ وجل. رواه مسلم(٢) . وليس في هذا الحديث أنّ النّبيَّ نَّه كتب إلى النَّجاشيّ الثاني يدعوه إلى الله في هذه السنة. بل ذلك مَسْكوتٌ عنه، وإنّما كان ذلك بعد النّجاشي الأول المسلم وموته، كما سيأتي في سنة تسع. والله أعلم. وقال إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب، عن عُبَيْدالله بن عبدالله، عن ابن عبّاس أنّه أخبره أنّ رسول الله وَّ كتب إلى (١) ابن هشام ٣٨٨/٢-٣٨٩. (٢) مسلم ١٦٦/٥ وهو عند أحمد ١٣٣/٣، والترمذي (٢٧١٦)، وانظر المسند الجامع ٢٨٤/٢، حديث (١٢٢٧). ١٣٦ قيصر يدعوه إلى الإسلام. وبعث بكتابه إليه مع دِخْية الكَلْبِيّ، وأمره رسول الله ◌َ﴾ أن يدفعه إلى عظيم بُصْرَى ليدفعه إلى قيصر. فدفعه عظيم بُصْرَى إلى قيصَر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنودَ فارس، مشی من حمص إلى إيلياء شُكْراً لما أبلاه الله تعالى. فلما أنْ جاء قيصرَ كتابُ رسولِ اللهِ وَّ، قال حين قرأه: التمسوا لي هاهنا أحداً من قومه لنسألهم . قال ابن عبّاس: فأخبرني أبو سُفيان أنّه كان بالشام في رجالٍ من قريش قَدِمُوا للتجّارة، في المدة التي كانت بين رسولِ اللهِوَ لَه وبين كُفّار قریش. قال أبو سُفيان: فَوَجَدَنا رسولُ قيصرَ ببعض الشام، فانطلق بنا حتى قَدِمنا إيلياء، فَأُدخِلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلسه وعليه التَّاجُ، وحوله عُظماء الروم، فقال لترْجُمَانه: سَلْهُم أيُّهُم أقرب نَسَبَاً من هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ؟ قلتُ: أنا أقربهم إليه نَسَباً. قال: ما قرابةُ ما بينك وبينه؟ قلت: هو ابن عَمِّي. قال: وليس في الرَّكْب يومئذٍ أحدٌ من بني عبدمناف غيري، قال: أدْنُوه مني. ثم أمر بأصحابي فجعلهم خلف ظَهْري، عند كتفي، ثم قال لترْجُمانه: قل لأصحابه إنّ سائلُه عن هذا الذي یزعم أنّه نبيٌّ، فإنْ كذب فکذِّبوه. قال أبو سُفْيان: والله لولا الحياء يومئذٍ أن يأثر عنِّي أصحابي الكذِبَ لكذبته عنه. ثم قال لترجمانه: قل له كيفَ نَسَبُ هذا الرجل فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نَسَب. قال: فهل قال هذا القولَ أحدٌ منكم قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أنْ يقولَ ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل من آبائه مِنْ مَلَكَ؟ قلت: لا. قال: فأشرافُ الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: فيزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدّ أحدٌ سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ ١٣٧ قلت: لا. قال: فهل يَغْدرُ؟ قلت: لا. ونحن الآن منه في مدّة ونحن نخاف منه أن يغدر؛ ولم يمكنّي كلمةً أُدخلُ فيها شيئاً أتَنَقَصُّه بها، لا أخاف أن تُؤثر عنّي غيرها. قال: فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قلت: نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قلت: كانت دولاً وسجالاً، يُدالُ علينا المرّة ويُدال عليه الأخرى، قال: فماذا يأمركم به؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نُشرك به شيئاً، وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصِّدْق والعَفَاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة . قال: فقال لترجُمانه قلْ له: إنّي سألتك عن نَسَبه فيكم، فزعمت أنّه ذو نَسَبٍ، وكذلك الرُّسَلَ تُبعث في نَسَب قومها. وسألتك: هل قال هذا القولَ أحدٌ قبله، فزعمتَ أنْ لا، فقلت: لو كان أحدٌ منكم قال هذا القولَ قبله لقلت: رجلٌ يأتمُّ بقولٍ قد قِيلَ قَبْلَه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذِبِ قبل أنْ يقول ما قال، فزعمتَ أنْ لا، فعرفت أنّه لم يكن لِيَدَع الكذِبَ على النّاس ويكذبَ على الله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك، فزعمت أنْ لا، فقلت: لو كان من آبائه ملكٌ قلتُ: رجلٌ يطلب مُلْك آبائه. وسألتك: أشرافُ النّاس يتبعونه أو ضعفاؤهم، فزعمت أنّ ضعفاءَهم اتّبعوه، وهم أتباع الرُّسُل. وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون، فزعمتَ أنّهم يزيدون، وكذلك الإيمانُ حتى يتمّ. وسألتك: هل يرتدّ أحدٌ سخطة لدينه بعد أن يدخلَ فيه، فزعمت أنْ لا ، وكذلك الإيمانُ حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. وسألتك: هل يغدر، فزعمت أنْ لا، وكذلك الرُّسُل لا يغدرون. وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلکم، فزعمت أن قد فعل، وأنّ حربکم وحربه یکون دولاً ، وكذلك الرسل تُبْتَلى وتكون لها العاقبة. وسألتك ماذا يأمركم به، فزعمت أنّه يأمركم أنْ تعبدوا الله ولا تُشْرِكوا به شيئاً وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصّلاة والصِّدق والعَفاف والوفاء بالعهد وأداء ١٣٨ الأمانة، وهذه صفة نبيّ، قد كنتُ أعلمُ أنّه خارج، ولكن لم أظنّ أنّه منكم؛ وإنْ يكن ما قلتَ حقاً فيوشك أنْ يملكَ موضع قَدَمَيَّ هاتين، ولو أرجوا أن أخلص إليه لتجشّمت لُقِيَّهُ، ولو كنت عنده لَغَسَلْتُ قدَمْيه. قال: ثم دعا بكتاب رسول الله بَ ل﴿ وأمر به فقُرىء فإذا فيه : ((بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبدالله ورسوله إلى هِرَفْل عظيم الروم : سلامٌ على من اتَّبع الهُدَى. أمّا بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلِم تَسْلَم، وأسْلِمِ يُؤْتِك الله أجْرَك مرّتين. وإن تولَّيت فعليك إثم الأَريسيِّينَ(١). و: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ الَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ [آل عمران]. فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لَّ قال أبو سُفْيان: فلمّا أنْ قضى مقالَتَه عَلَتْ أصواتُ الذين حوله من عظماء الروم وكَثُرَ لَغَطُهُمْ، فلا أدري ما قالوا، وأمر بنا فُأُخْرِجنا. فلما أنْ خرجتُ مع أصحابي وَخَلوْتُ بهم قلتُ لهم: لقد أَمِرَ (٢) أَمْرُ ابن أبي كَبْشَة؛ هذا ملِك بني الأصفر يخافه . قال أبو سُفْيان: ووالله ما زلت ذليلاً، مستيقناً بأنّ أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كارِهُ. أخرجاه(٣) من حديث إبراهيم(٤). وأخرجاه من حديث مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن عُبَيْدالله، عن ابن عبّاس أنّ أبا سُفْيان حذَّثه، قال: انطلقتُ في المدّة التي كانت بيني وبين (١) الأريسيون: فرقة من فرق النصارى. (٢) كتب على هامش الأصل: أمِرَ، أي: كَبُرَ. (٣) البخاري ٤/١-٨ و٥٤/٤-٥٧، ومسلم ١٦٣/٥. (٤) هو: إبراهيم بن حمزة. ١٣٩ رسول الله ( 19؛ فبينا أنا بالشّام. فذكر كحديث إبراهيم(١). ورواه يونس بن بُكَيْرِ، عن ابن إسحاق، عن الزُّهري بسَنَدِه. وفيه قال أبو سُفْيان: فلما كانت هدنة الحُدَيْبية بيننا وبين النّبِيِّ بَّ خرجتُ تاجراً إلى الشام. فَوَالله ما علمت بمكةَ امرأةً ولا رجلاً إلّ قد حمَّلني بضاعةً. فقدِمْتُ غزَّة، وذلك حين ظهر قَيْصر على مَن كان ببلاده من الفرس، فأخرجهم منها. ورُدَّ عليه صليبهُ الأعظم، وكان منزله بحمص فخرج منها متشكراً إلى بيت المقدس، تُبْسَط له البُسُطُ وتُطرح له عليها الرَّياحين. حتى انتهى إلى إيلياء، فصلّى بها. فأصبح ذات غداة مهموماً يقلّب طَرْفَه إلى السماء، فقالت له بَطَارِقتُه: أيّها الملك، لقد أصبحت مهموماً. فقال: أجل. قالوا: وما ذاك؟ قال: أُرِيتُ في هذه اللّيلةِ أنَّ مَلِكَ الخِتَان ظاهر. فقالوا: والله ما نعلم أمّة من الأمم تختتن إلّ يهود، وهم تحت يدك وفي سلطانك، فإنْ كان قد وقع هذا في نفسك منهم، فابعثْ في مملكتك كلّها فلا يبقى يهوديٌّ إلّ ضربت عنقه فتستريح من هذا الهمّ. فبينما هم في ذلك؛ إذ أتاهم رسولُ صاحب بُصْرَى برجلٍ من العرب قد وقع إليهم. فقال: أيّها الملك هذا رجلٌ من العرب من أهل الشاء والإبل، يحدّثك عن حَدَثٍ كان ببلاده، فَسَلْه عنه. فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سَلْه ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله فقال: هو رجل من قريش خرج يزعمُ أنّه نبيٌّ، وقد تبعه أقوامٌ وخالفه آخرون، فكانت بينهم ملاحم، فقال: جرِّدوه. فإذا هو مختون فقال: هذا والله الذي أُرِيت، لا ما تقولون. ثم دعا صاحب شُرطته فقال له: قلِّب لي الشامَ ظَهْراً وبطناً حتى تأتي برجلٍ من قوم هذا أسأله عن شأنه. فوالله (١) البخاري ٤٣/٦، ومسلم ١٦٣/٥. ١٤٠