النص المفهرس

صفحات 61-80

السَّنَة السَّابعة
((غزوة خيبر))
قال عبدالله بن إدريس، عن ابن إسحاق: حدّثني عبدالله بن أبي
بكر، قال: كان افتتاح خيبر في عقِب المحرَّم، وقدِم رسولُ الله وَّلال في
آخر صفر .
قلت: وكذا رواه ابن إسحاق عن غير عبدالله بن أبي بكر(١).
وذكر الواقديّ(٢)، عن شيوخه، في خروج النّبيّ نَّ إلى خيبر: في
أول سنة سبع .
وشدَّ الزُّهْري فقال، فيما رواه عنه موسى بن عُقْبة في مغازيه، قال:
ثم قاتل رسول الله وَ له يوم خيبر من سنة ستّ. وهذا لا يصح إلا إذا
جعلنا ذلك في السنة السادسة من ساعة قدومه المدينة، والله أعلم.
وخيبر: بُلَيْدَةٌ على ثمانية بُد من المدينة .
قال وُهَيْب: حدثنا خُثَيْم بن عِرَاك، عن أبيه، عن نفر من بني غفار،
قالوا: إنّ أبا هريرة قدِم المدينة وقد خرج النبيُّ رَّ إلى خيبر،
واستخلف على المدينة سباع بن عُرْفُطة الغِفَاري. قال أبو هريرة:
فوجدناه في صلاة الصُّبح، فقرأ في الركعة الأولى ﴿كَهيعَصّ
[مريم]، وقرأ في الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين]. قال أبو
(١) ابن هشام ٣٢٨/٢.
(٢) المغازي ٢/ ٦٣٤.
٦١

هريرة: فأقول في صلاتي: ويلٌ لأبي فلانٍ له مِکْيالان، إذا اكتال اكتال
بالوافي، وإذا كال كال بالنّاقص. قال: فلما فرغنا من صلاتنا أتينا سباعَ
ابنَ عُرْفُطَة فزوّدنا شيئاً حتى قدِمْنا على رسول الله وَّل وقد فتح خيبر،
فكلّم المسلمين فأشرکونا في سُهمانهم.
وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَيْر بن يسار: أخبرني سُوَيْد
ابن النُّعمان، أنّه خرج مع رسول الله وَّه عام خيبر، حتى إذا كانوا
بالصَّهْباء - وهي أدنى خيبر - صلّى العصرَ، ثم دعا بأزوادٍ فلم يُؤْتَ إلّ
بالسّويق، فأمر به فتُرِّي، فأكل رسول الله وَّرَ وأكلنا. ثم قام إلى
المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلّى ولم يتوضّأ. أخرجه
البخاري(١) .
وقال حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عُبَيْد، عن سَلَمَة، قال:
خرجنا مع النّبيّ وَّه إلى خيبر فسرنا ليلاً. فقال رجل من القوم لعامر بن
الأكْوَع: ألا تُسْمِعنا من هُنَيْهاتِك؟. وكان عامر رجلاً شاعراً فنزل يحدو
بالقوم ويقول :
ولا تصدَّقْنا ولا صلَّيْنا
اللَّهُمَّ لولا أنت ما اهتدينا
وثبّتِ الأقدامَ إنْ لاقِيْنا
فاغْفرْ فِداءً لك ما اقتفينا
إنّا إذا صِيحَ بنا أتينا
وألْقِيَنْ سكينةً علينا
وبالصّیاح عَوَّلُوا علينا
فقال رسول الله وَ لجر: ((مَن هذا السائق))؟ قالوا: عامر. قال:
((رحمه الله)). قال رجل من القوم: وجَبَتْ يا رسولَ الله، لولا أمْتَعْتَنَا
به. فأتينا خيبرَ فحاصرهم، حتى أصابتنا مَخْمَصَةٌ شديدة. فلما أمسى
(١) البخاري ٦٣/١ و٦٤ و٦٦/٤ و١٦٠/٥ و١٦٦ و٩٠/٧ و١٠٥، وانظر
المسند الجامع حديث (٥١٦٤) لمزيد من التفصيل.
٦٢

النّاس مساءَ اليوم الذي فُتِحَت عليهم أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسولُ الله
وَلَّهُ: ((ما هذه النّيران على أيّ شيءٍ تُوقَد))؟ قالوا: على لحم حُمُرٍ إنسيّة.
فقال: ((أهْرِيقُوها واكْسِرُوها)). فقال رجل: أوَ يهْرِيقُوها وَيغسلوها.
قال: أو ذاك.
قال: فلما تصافَّ القومُ كان سيف عامر فيه قِصَر، فتناول به ساق
يهوديّ ليضربه، فيرجع ذُبابُ سيفه فأصاب عينَ رُكبةٍ عامر، فمات منه.
فلما قفلوا قال سَلَمَة، وهو آخذ بيدي لما رآني رسول اللهِوَِّ ساكتاً،
قال: مالك؟ قلت: فداك أبي وأمي، زعموا أنّ عامراً حَبِطَ عملُهُ. قال:
مَن قاله؟ قلت: فلان وفلان وأُسَيْدُ بنُ حُضَيْر. فقال: كَذَبَ مَنْ قاله، له
أجران، وجمع بين أصبعيه، إنّه لجاهدٌ مجاهد قَلَّ عربيٌّ مشى بها مثله.
مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال مالك، عن حُمَيْد، عن أنَس، أنّ رسول الله مَّز حين خرج
إلى خيبر أتاها ليلاً. وكان إذا أتى قوماً بليل لم يُغِرْ حتى يُصْبح. فلما
أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومَكَاتِلهم، فلما رأوه قالوا: محمدٌ
والله، محمدٌ والخميسُ(٢). فقال رسول الله وَلَّمَ: ((الله أكبر خربَتْ
خيبر. إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فَسَاءَ صباحُ المُنْذَرِين)). أخرجه
البخاري(٣). وأخرجاه من حديث ابن صُهَيْب، عن أنس (٤) .
وقال غيرُ واحد: شُعبة، وابن فُضَيْل، عن مسلم المُلائي، عن
أنَس، قال: كان رسول الله وَّ يَعُودُ المريضَ، ويتبعُ الجنازةَ، ويُجيب
(١) البخاري ١٧٨/٣ و١٦٦/٥ و١١٧/٧ و٤٣/٨ و٩٠ و٩/٩، ومسلم
١٨٥/٥ و٦٥/٦. وانظر المسند الجامع حديث (٤٩٠٣).
(٢) أي: والجيش.
(٣) البخاري ٥٨/٤ و١٦٧/٥. وانظر المسند الجامع حديث (١٢٩٤).
(٤) البخاري ١٠٣/١ و١٩/٢، ومسلم ١٤٥/٤ و١٤٦ و١٨٥/٥.
٦٣

دعوةَ المملوك، ويركب الحمار، ولقد رأيتُهُ يومَ خيبر على حمارٍ خطامُه
لِيف.
وقال يعقوب بن عبدالرحمن، عن أبي حازم: أخبرني سهل بن
سعد، أنّ رسول الله وَّ قال يوم خيبر: لُأُعْطِيَنَّ الرايةَ غداً رجلاً يفتح اللهُ
على يديه يحبُّ اللهَ ورسولَهُ ويحبُّه اللهُ ورسولُه. قال: فبات النّاس
يدوكون ليلتهم أيُّهُمْ يُعطاها؟ فلما أصبح النّاس غَدَوا على رسول الله
﴿َّ، كلّهم يرجوا أن يُعْطاها. فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ قيل: هو
يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأُتي به فبصق رسول الله
في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الراية، فقال
عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: ((انفذ على رسلك
حتى تنزل بساحتهم، ثم ادْعُهُم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم
من حقّ الله فيه، فَوَالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن
يكون لك حُمْرُ النَّعَم)). أخرجاه عن قُتَيِّبة، عن يعقوب (١) .
وقال سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله
وَر: (لأَعْطِيَنَّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله علی یدیه)).
فقال عمر: فما أحببتُ الإمارةَ قطّ حتى يومئذٍ. فدعا عليّاً فبعثه، ثم
قال: ((اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفتْ))، قال عليّ: عَلَامَ
أقاتِلُ النَّاس؟ قال: ((قاتِلْهم حتى يشهدوا أنْ لا إله إلّ الله وأنّ محمداً
عبده ورسوله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلّ
بحقِّها، وحسابُهمْ على الله)). أخرجه مسلم(٢)، وأخرجا نحوه من
(١) البخاري ٥٧/٤ و٧٣ و١٧١/٥، ومسلم ١٢١/٧، وانظر المسند الجامع
حدیث (٥١٣٢).
(٢) مسلم ١٢١/٧، وهو عند أحمد ٣٨٤/٢. وانظر المسند الجامع ١٨٦/١٨
حديث (١٤٨٢٨).
٦٤

حديث سَلَمَةَ بن الأْوَعِ(١) .
وقال عِكْرِمة بن عمّار: حدّثني إياس بن سَلَمَة بن الأكْوَع، قال:
حدّثني أبي أنّ عمّه عامراً حدا بهم، فقال له النّبيّ نَّ: غَفَرَ لك رَبُّك.
قال: وما خُصَّ بها أحدٌ إلّ استُشهِد. فقال عمر: هلّ متَعتَنا بعامر؟
فقدِمنا خيبرَ، فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه، ويقول:
قد عِلِمَتْ خيبرُ أنّي مَرْحَبُ شاكي السلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إذا الحُروبُ أقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فبرز له عامر، وهو يقول:
شاكي السلاح بَطَلٌ مُغَامِرُ
قد عِلِمَتْ خيبرُ أنّي عامِرُ
قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مَرْحَب في ترس عامر، فذهب
عامر يسفُلُ له، فرجع بسيفه على نَفْسِهِ فقطع أكحلَه، وكانت فيها نَفْسُهُ.
قال سَلَمَة: فخرجت فإذا نفرٌ من أصحاب النّبيّ نَّهِ يقولون: بَطَلَ عَمَلُ
عامر، قتل نَفْسَه. فأتيتُ رسولَ اللهِ وَله وأنا أبكي، قال: ((ما لك))؟
فقلت: قالوا إنّ عامراً بَطَلَ عَمَلُه. قال: ((من قال ذلك))؟ قلت: نفرٌ من
أصحابك. فقال: ((كذب أولئك بل له من الأجر مرَّتين)) قال: فأرسل
إلى عليّ يدعوه وهو أرمد فقال: لِأُعطِيَنَّ الرايةَ اليومَ رجلاً يحبّ الله
ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول
اللهِ وََّ في عينيه فَبَرأ، فأعطاه الراية. قال: فَبَرَزَ مَرْحَبُ وهو يقول:
قد عِلِمَتْ خيبرُ أنّي مَرْحَبُ شاكي السلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إذا الحُرُوبُ أقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قال: فبرز له عليّ رضي الله عنه وهو يقول:
(١) البخاري ٦٤/٤-٦٥ و٢٣/٥ و١٧١، ومسلم ١٢٢/٧. وانظر المسند الجامع
(حديث ٤٩١٦).
٦٥

كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَةْ
أنا الذي سمَّتْني أمّي حَيْدَرَهْ
أُوْفِيهِم بالصّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَه(١)
:
فضرب مَرْحَباً فَفَلَقَ رأسَه فقتله، وكان الفتح. أخرجه مسلم(٢).
وقال البَكّائيّ: قال ابن إسحاق(٣)، فحدّثني محمد بن إبراهيم
التَّيْمي، عن أبي الهَيْثَم بن نصر الأسلمي أنّ أباه حدّثه أنّه سمع رسولَ
الله ◌َّ يقول - في مسيره لخيبر - لعامر بن الأكْوَع: خذ لنا من هَنَاتك
فنزل يرتجز، فقال:
ولا تصدَّقنا ولا صَلَّينا
والله لولا الله ما اهتدينا
وإنْ أرادوا فتنةٌ أَبَيْنا
إنّا إذا قومٌ بغَوا علينا
وتَبِّتِ الأقدامَ إِنْ لاقَيْنا
فأنْزِلَنْ سكينةً علينا
فقال رسول الله وَله: يرحمك الله. فقال عمر: وجَبَ والله يا رسول
الله، لو أمْتَعْتَنَا به. فقُتل يومَ خيبر شهيداً.
وقال يونس بن بُكَيْرِ عن ابن إسحاق (٤) : حدّثني بُرَيْدةُ بن سُفْيان
ابن فَروة الأسلَمَيّ، عن أبيه، عن سَلَمَة بن الأكْوَع، قال: فخرج عليّ
رضي الله عنه بالراية يُهَرْوِل وإنَّا نخلفه حتى ركزها في رضْمٍ من حجارة
تحت الحصْن. فاطلع إليه يهوديٌّ من رأس الحصْن فقال: مَن أنتَ؟
قال: أنا عليّ بن أبي طالب: فقال اليهوديُّ: غَلَبْتُم - وعند البكائي:
عَلَوْتُم - وما أُنْزِلَ على موسى. فما رجع حتى فتح الله عليه .
وقال يونس بن بُكَيْر، عن المسيّب بن مسلم الأزْدي: حدّثنا عبد الله
(١) السندرة: ضرب من الكيل واسع.
(٢) مسلم ١٨٩/٥ و١٩٥، وانظر المسند الجامع حديث (٤٩٠٨).
(٣) ابن هشام ٣٢٨/٢ .
(٤) ابن هشام ٢/ ٣٣٤.
٦٦

ابن بُرَيْدَة، عن أبيه، قال: كان رسول الله وَ لاَ ربّما أخذته الشقيقة(١)
فيلبث اليومَ واليومين لا يخرج، ولما نزل خيبرَ أخذته الشقيقة فلم يخرجْ
إلى النّاس، وأنَّ أبا بكر أخذ رايةَ رسول الله وَّر ثم نهض فقاتل قتالاً
شديداً، ثم رجع. فأخذها عمر فقاتل قتالاً شديداً هو أشدّ من القتال
الأوّل، ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله وَّه، فقال: ((لأُعْطِينَها غداً رجلاً
يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسولُه يأخذها عَنْوَةً، وليس ثَمَّ عليٍّ .
فتطاولتْ لها قريش، رجا كلّ رجلٍ منهم أن يكون صاحبَ ذلك.
فأصبح وجاء عليٍّ على بعيرٍ حتى أناخ قريباً، وهو أرمد قد عصبَ عينه
بشقِّ بُرْدٍ قِطْري. فقال رسول الله وَّ: ((ما لَكَ))؟ قال: رمدت بعدك،
قال: ((آدْنُ منّي))، فَتَفل في عينه، فما وجعها حتى مضى لسبيله، ثم
أعطاه الراية فنهض بها، وعليه جبة أُرْجُوانِ حمراء قد أخرج خَمْلَها،
فأتى مدينةَ خيبر (٢) .
وخرج مَرْحَبُ صاحبُ الحصْنِ وعليه مِغْفَر مظهر (٣) يمانيّ وحَجَر
قد ثَقَبَهُ مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز، فارتجز عليٍّ واختلفا
ضربتين، فَبَدَره عليٍّ بضربة، فَقَدَّ الحجر والمِغْفَر ورأسه ووقع في
الأضراس، وأخذ المدينة .
وقال عَوْف الأعرابيّ، عن ميمون أبي عبدالله ألازْدي، عن ابن
بُرَيْدة، عن أبيه، قال: فاختلف مَرْحَب وعليّ ضربتين، فضربه عليٍّ على
هامته حتى عضَّ السّيفُ بأضراسه. وسمع أهل العسكر صوتَ ضربته .
(١) صدائعٌ يأخذ نصف الرأس والوجه.
(٢) أخرجه الطبري في تاريخه (١٢/٣)، والحاكم (٣٧/٣) وصححه. وأخرجه
البيهقي في الدلائل (٢١٠/٤-٢١٢) ومن طريقه ابن كثير في البداية
(١٨٨/٤)، والمسيب بن مسلم الأزدي لم أقف له على ترجمة في كتب
الرجال المعتبرة، فالحديث ضعيف، والله أعلم.
(٣) المغفر: زرد من الدرع يُلبس تحت القلنسوة، ومظهر: صلب شديد.
٦٧

وما تتامّ آخرُ النّاس مع عليّ حتى فتح الله له ولهم.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(١): حدّثني عبد الله بن الحسن، عن
بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله بَّ، قال: خرجنا مع عليّ
حين بعثه النّبيّ ◌َّ برايته. فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم،
فضربه رجل من يهود فطرح تُرْسه من يده، فتناول عليٍّ باب الحصْنَ
فَتَرَّسَ به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه. ثم
ألقاه من يده، فلقد رأيتني مع نفرٍ سبعة أنا ثامنهم، نجهدُ أنْ نقلب ذلك
البابَ فما استطعنا أن نقلبه.
رواه البكّائيّ، عن ابن إسحاق، عن أبي رافع منقطعاً، وفيه: فتناول
عليٌّ باباً كان عند الحصن. والباقي بمعناه.
وقال إسماعيل بن موسى الشُّدِّي: حدثنا مُطَّلِبُ بنُ زياد، عن لَيْثِ
ابن أبي سُلَيْم، عن أبي جعفر محمد بن عليّ، قال: دخلت عليه،
فقال: حدّثني جابر بن عبدالله أنّ عليّاً حمل البابَ يوم خيبر حتى صعد
المسلمون عليه، فافتتحوها، وأنّه خرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون
رجلاً .
تابعه فُضَيْل بن عبدالوهاب، عن مطَّلب.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى(٢)،
عن الحَكَم، والِمِنْهال بن عَمْرو، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال:
كان عليٍّ يلبس في الحَرّ والشتاء القباء المَحْشُوّ الثَّخين وما يبالي الحَرَّ،
فأتاني أصحابي فقالوا: إنّا قد رأينا من أمير المؤمنين شيئاً فهل رأيتَه؟
فقلت: وما هو؟ قالوا: رأيناه يخرج علينا في الحَرّ الشديد في القباء
(١) ابن هشام ٣٣٥/٢.
(٢) ابن أبي ليلى هذا ضعيف، فالحديث لا يصح.
٦٨

المحشُوّ وما يبالي الحَرَّ، ويخرج علينا في البرد الشديد في الثَّوْبين
الخفيفين وما يبالي البردَ، فهل سمعتَ في ذلك شيئاً؟ فقلتُ: لا.
فقالوا: سل لنا أباك فإنّه يسمُر معه. فسألته فقال: ما سمعتُ في ذلك
شيئاً. فدخل عليه قسمرَ معه فسأله فقال عليٍّ: أَوَ ما شهدتَ معنا خيبر؟
قال: بلى. قال: فما رأيتَ رسولَ الله ◌َّ حين دعا أبا بكر فعقد له وبعثه
إلى القوم، فانطلق فلقي القوم، ثم جاء بالنّاس وقد هُزِموا؟ فقال: بلى.
قال: ثم بعث إلى عمر فعقد له وبعثه إلى القوم، فانطلق فلفي القومَ
فقاتلهم ثم رجع وقد هُزِم، فقال رسول الله وَّ عند ذلك: «لأعطِيَّنَّ
الرايةَ رجلاً يحبّه الله ورسولُهُ ويحبُّ اللهَ ورسولَه يفتح الله عليه غير
فَرَّار»، فدعاني فأعطاني الراية، ثم قال: اللَّهُمَّ اكَفِهِ الخَرَّ والبَرْدَ، فما
وجدتُ بعد ذلك حراً ولا بَرْداً .
وقال أبو عَوَانَة، عن مُغيرة الضّبيّ، عن أمّ موسى، قالت: سمعت
عليّاً يقول: ما رَمِدْتُ ولا صدعت مُذْ دَفَعَ إليّ رسول ◌َِّ الرايةَ يوم
خيبر .
رواه أبو داود الطيالسي في مُسْنَدِه (١).
فصل
فيمن ذكر أنَّ مَرْحباً قَتَلَهُ محمَّد بن مَسْلَمَة
قال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، أنّ رسول الله وَّل قام يوم
خيبر فوعظهم. وفيه: فخرج اليهود بعاديتها، فقُتِلَ صاحبُ عاديةً اليهود
فانقطعوا. وقتل محمدُ بنُ مَسْلَمَة الأشهليُّ مَرْحَباً اليهوديّ.
(١) منحة المعبود ١٠٥/٢.
٦٩

وقال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوَة، نحوَه.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(١) : حدّثني عبدالله بن سهل
الحارثي، عن جابر بن عبدالله، قال: خرجَ مَرْحَب اليهوديُّ من حصْن
خيبر، قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول: مَنْ يبارز؟ فقال رسولُ الله
وَُّ: ((مَنْ لهذا؟)) فقال محمد بن مَسْلَمَة: أنا له، أنا واللهِ الموتورُ الثاثر،
قتلوا أخي بالأمس. قال: ((قُمْ إليه، اللَّهُمَّ أعِنْه عليه)). فلما تَقَاربا
دخلتْ بينهما شجرة عُمْرِيَّةٌ (٢) ، فجعل كلّ واحدٍ منهما يلوذ بها من
صاحبه، كلّما لاذ بها أحدُهما اقتطع بسيفه مادونه، حتى برز كلّ واحدٍ
منهما، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فَنٌّ، ثم حمل على محمدٍ
فضربه فاتَّقاهُ بالدَّرَقَة، فعضَّتْ بسيفه فأمسكته، وضربه محمدٌ حتى قتله،
فقيل: إنه ارتجز فقال :
حُلْوٌ إذا شئتُ وسُمٌّ قاضي
قد علِمَتْ خيبرُ أنّي ماضي
وكان ارتجاز مَرْحب :
شاكي السّلاحِ بَطلٌ مُجَرَّب
قد عِلِمَتْ خيبرُ أنّي مَرْحَبُ
واحجمتْ عن صَوْلَةِ المُغلَّب
إذا الليوثُ أقبلَتْ تَلَهَّبُ
إنّ حِماي للحِمَى لا يُقْرَبُ
أطعنُ أحياناً وحيناً أضْرِبُ
وقال الواقدي(٣): حدّثني محمد بن الفَضْل بن عُبَيْدالله بن رافع بن
خَدِيج، عن أبيه، عن جابر، قال: وحدّثني زكريّا بن زيد، عن عبد الله
ابن أبي سُفيان، عن أبيه، عن سَلَمَة بن سلامة، قال: وعن مجمّع بن
يعقوب، عن أبيه، عن مجمع بن جارية، قالوا جميعاً: إنّ محمد بن
مَسْلَمَة قتل مَرْحباً .
(١) ابن إسحاق ٣٣٣/٢-٣٣٤.
(٢) جاء في هامش النسخة: ((أي: أتى عليها عُمُرٌ)).
(٣) المغازي ٦٥٦/٢ .
٧٠

وذكر الواقديّ، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن
مسلمة، عن أبيه، أنّ عليّاً حمل على مَرْحَبٍ فقطره(١) على الباب،
وفتح عليٌّ البابَ الآخر، وكان للحصن بابان.
قال الواقدي(٢): وقيل إنّ محمد بن مَسْلَمَة ضرب ساقَيْ مَرْحَب
فقطعهما، فقال: أجْهِزْ عليَّ يا محمد. فقال: ذُق الموتَ كما ذاقه أخي
محمود، وجاوزه، ومرّ به عليٍّ فضرب عُنُقه وأخذ سَلَبَه. فاختصما إلى
رسولِ الله وَ ﴿ فِي سَلَبِهِ، فأعطاه محمداً. وكان عند آل محمد بن مَسْلَمَة
فيه كتابٌ لا يُدْرَى ما هو، حتى قرأه يهوديٌّ من يهود تَيْماء فإذا فيه: هذا
سيفُ مَرْحَب من يَذُقْهُ يَعْطَب.
قال الواقديّ(٣): حدّثني محمد بن الفضل بن عُبَيْد الله بن رافع، عن
أبيه، عن جابر بن عبدالله، قال: برز عامر وكان طُوالاً جسيماً، فقال
رسولُ الله ◌َّ حين برز وطلع: ((أتَرَوْنَه خمسة أذرع))؟ وهو يدعو إلى
البراز؛ فبرز له عليٍّ فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئاً، حتى
ضربَ ساقيه فبركَ، ثم دَفَّفَ عليه وأخذ سلاحه.
قال ابن إسحاق(٤) : ثم خرج بعد مَرْحَب أخوه ياسر، فبرز له
الزُّبَيْر فقتله.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة. ورواه موسى بن عُقْبة
- واللفظ له- قال: ثم دخلوا حصناً لهم منيعاً يُدعى القَمُوص،
فحاصرهم النّبيّ وَل﴾ قريباً من عشرين ليلة. وكانت أرضاً وخمة شديدة
الحَرّ، فجُهد المسلمون جهداً شديداً، فوجدوا أحْمِرةً ليهود، فذكر
(١) كتب على هامش الأصل: ((أي: ألقاه)).
(٢) المغازي ٦٥٦/٢ .
(٣) المغازي ٢/ ٦٥٧ .
(٤) ابن هشام ٣٣٤/٢.
٧١

قصَّتها، ونَهْي النّبيّ وَّ عن أكلها. ثم قال: وجاء عبد حبشيٍّ من أهل
خيبر كان في غنمٍ لسيّده، فلما رأى أهلَ خيبر قد أخذوا السّلاح، سألهم
ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنّه نبيّ. فوقع في نفسه، فأقبل
بغنمه حتى عمد لرسول الله 18 فأسلم، وقال: ماذا لي؟ قال: ((الجنة))
فقال: يا رسول الله إنّ هذه الغنم عندي أمانة. قال له رسول الله وَل:
((أخرِجْها من عسكرنا وارِمِها بالحَصْباء فإنَّ الله سيؤدِّي عنكَ أمانَتَك))،
ففعل؛ فرجعت الغنم إلى سيّدها. ووعظ النّبيُّ بَهَ النّاسَ، إلى أنْ
قال: وقُتِل من المسلمين العبد الأسود، فاحتملوه فأُدخِلَ في فُسْطاط،
فزعموا أنّ رسول الله بَّرَ اطّلع في الفُسطاط، ثم أقبل على أصحابه
فقال: لقد أكرم الله هذا العبد، وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحُور
العِين .
وقال ابنُ وَهْبٍ: أخبرني خَيوَة بن شُرَيْح، عن ابن الهاد، عن
شُرَحْبيل بن سعد، عن جابر بن عبدالله، قال: كنّا مع رسول الله وَّ في
غزوة خيبر، فخرجت سريّة فأخذوا إنساناً معه غنمٌ يرعاها، فجاؤوا به
إلى رسولِ اللهِ وَّ فكلَّمه، فقال له الرجل: إنّي قد آمنتُ بكَ فكيف
بالغنم فإنّها أمانةٌ، وهي للنّاس الشّاة والشّاتان، قال: احصب وجوهَها
ترجع إلى أهلها. فأخذ قبضةً من حَصْباء أو ترابٍ فرمى بها وجوهَها،
فخرجت تشتدّ حتى دخلت كلّ شاةٍ إلى أهلها. ثم تقدّم إلى الصفّ،
فأصابه سهم فقتله. ولم يصلّ لله سجدةً قطّ، قال رسول الله وَ له:
((أدخِلوه الخباء)) فأُدخِلَ خباءَ رسولِ اللهِوَّر حتى إذا فرغ رسول الله وَّل
دخل عليه ثم خرج فقال: ((لقد حَسُن إسلام صاحبكم، لقد دخلتُ عليه
وإنَّ عنده لزوجَتَين له من الحُور العِين)).
٧٢

وهذا حديث حَسَن أو صحيح(١) .
وقال مؤمّل بن إسماعيل: حدثنا حمّاد، قال: حدثنا ثابت، عن
أَنَس، أنَّ رجلاً أتى النّبيّ ◌ََّ فقال: يا رسول الله إنّي رجلٌ أسود
الّون، قبيح الوجه، مُنْتِن الريح، لا مال لي، فإنْ قاتلتُ هؤلاء حتى
أُقتل أدخل الجنّة؟ قال: ((نعم)). فتقدّم فقاتل حتى قُتل. فأتى عليه النّبيّ
وَالر وهو مقتول، فقال: ((لقد أحسن الله وجهَك وطيّب روحَك وكثَّر
مالَك)). قال: وقال - لهذا أو لغيره -: ((لقد رأيت زوجتيه من الحُور
العِين ينازعانه جُبَّته عنه، يدخلان فيما بين جلده وجُبّته)). وهذا حديث
(٢)
صحيح (٢) .
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني عبدالله بن أبي بكر، عن
بعضٍ أسلمَ، أنَّ بعضَ بني سَهْمِ من أسْلَم أتوا رسولَ اللهِ وَّر بخيبر،
فقالوا: يا رسولَ الله، والله لقد جُهدْنا وما بأيدينا شيءٌ، فلم يجدوا عند
رسولِ اللهِ وَّرَ شيئاً، فقال: ((اللَّهُمَّ إِنَّك قد علمتَ حالَهم وأنَّهم ليست
لهم قُوَّةٌ وليس بيدي ما أعطيهم إيّاه، فافتح عليهم أعظم حصن بها
غنىّ، أكثره طعاماً وودكاً. فغدا الناسُ ففتحَ اللهُ عليهم حِصْنَ الصَّعْبِ بن
مُعاذ، وما بخيبر حصنٌ أكثر طعاماً ووَدَكاً منه. فلما افتتح رسولُ الله ◌ِّل
من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموالِ ما حاز، انتهوا إلى حِصْنَيهم
الوطيح والسُّلالم، وكانا آخرَ حصون خيبر افتتاحاً، فحاصرهم رسول
الله وَلله بضع عشرة ليلة.
(١) هكذا قال، وشرحبيل بن سعد ضعيف، فمن أين يصح الحديث؟
(٢) هكذا قال، ومؤمل بن إسماعيل ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد،
وإنما هذا من متابعته للحاكم في المستدرك ٢/ ٩٣، وأخرجه البيهقي في
الدلائل ٤/ ٢٢١.
(٣) ابن هشام ٣٣٢/٢.
٧٣

ذكْر صَفِيَّة
وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(١)، قال: وتَدَنَّى رسولُ اللهِ وَال
الأموال، يأخذها مالاً مالاً، ويفتحها حصناً حصناً. فكان أول حصونهم
افتتح حصن ناعم، وعنده قُتِل محمود بن مَسْلَمَة الأنصاريّ أخو محمد،
أُلْقيتْ عليه رَحىّ فقتلته. ثم القَمُوص؛ حصن ابن أبي الحُقَيْق. وأصاب
رسولُ اللهِ وَ ﴿ منهم سبايا، منهنّ صفيَّة بنت حُيَيّ بن أخطب، وبنتا عمّ
لها، فأعطاهما دِحْیةَ الكلبي .
وقال يونس، عن ابن إسحاق، حدّثني ابنٌّ لمحمد بن مَسْلَمَةً
الأنصاريّ عَمَّنْ أدركَ من أهله، وحَذَّثنيه مِكْنَفٌ، قالا: حاصر رسولُ الله
وَل﴿ أهلَ خيبر في حِصْنَيْهم الوَطِيح والسُّلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة،
سألوا رسولَ اللهِ وَّرَ أن يسيِّرهم ويحقن دماءهم، ففعلَ. وكان رسول
اللهِ وََّ قد حاز الأموالَ كُلَّها: الشِّقّ والنطّاة والكَتِيبة وجميع حصونهم،
إلّ ما كان في ذَيْنك الحصْنَين. فلما سمع بهم أهل فَدَك قد صنعوا ما
صنعوا، بعثوا إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ يسألونه أنْ يُسَيِّرَهُمْ ويحقنَ دماءهم،
ويُخلُّون بينه وبين الأموال، ففعل. فكان ممن مشى بين يدى رسولِ الله
وَّه وبينهم، في ذلك، مُحَيّصَة بن مسعود. فلما نزلوا على ذلك سألوا
رسولَ الله ◌َ﴿ أن يعاملهم على الأموال على النّصْف، وقالوا: نحن أعلم
بها منكم وأعمر لها. فصالحهم على النّصف، على أنّا إذا شئنا أنْ
نُخْرِجكم أخرجناكم. وصالحه أهل فَدَك على مثل ذلك. فكانت أموال
خيبر فيئاً بين المسلمين، وكانت فَدَكَ خالصةً لرسولِ الله وَّهِ؛ لأنّ
(١) ابن هشام ٣٣٦/٢.
٧٤

المسلمين لم يُجْلِبوا عليها بخيلٍ ولا رِكاب.
وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، وعبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنَس
أنّ رسول الله وَّ لما ظهر على أهلِ خيبر قَتَل المقاتلة وسبَى الذَّراري،
فصارت صفيّة لدحية الكلبي، ثم صارت لرسول الله وَّل، ثم تزوّجها
وجعل صَدَاقَها عتْقَها. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال يعقوب بن عبدالرحمن، عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، عن أنَس،
قال: ذُكِرَ للنّبِيِّ وَِّ جمالُ صَفيَّةَ، وكانت عروساً وقُتل زوجُها،
فاصطفاها رسولُ اللهِ وَلَه لنفسه. فلما كنّا بسدِّ الصَّهْباء حَلَّت، فبنى بها
رسولُ الله وَّةٍ: واتّخذ حَيْساً في نِطْع صغير، وكانت وليمته. فرأيته
يُحَوِّي(٢) لها بعباءة خلفه، ويجلس عند ناقته، فيضع ركبته فتجيء
صفيّة فتضع رِجْلَها على ركبته ثم تركب. فلما بدا لنا أُحُد قال رسول الله
وَالر: ((هذا جبلٌ يحبّنا ونُحِبُّه)). أخرجه البخاري، بأطول من هذا،
ومسلم(٣) .
وقال محمد بن جعفر بن أبي كثير: أخبرني حُمَيْد، سمع أنَساً،
قال: أقام رسولُ الله ◌َله بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يُبنَى عليه بصفيّة،
فدعوتُ المسلمين إلى وليمةِ رسولِ اللهِ وَّرَ، ما كان فيها من خبزٍ ولا
لحم، وما كان إلّ أن أمر بالأنطاع فبُسِطَتْ، وأُلْقيَ عليها التمرُ
والأقط (٤) والسَّمْن. فقال المسلمون: إحدى أُمَّهاتِ المؤمنينَ هيَ أو
مما مَلَكَتْ يمينُه؟ قالوا: إنْ حَجَبَها فهي إحدى أُمَّهاتِ المؤمنين، وإنْ
(١) البخاري ١٠٣/١، ومسلم ١٤٥/٤، وانظر المسند الجامع حديث (١٢٨٧).
(٢) التحوية: أن تدير كساءً حول سنام البعير ثم تركبه.
البخاري ١٧٧/٤ و١٣٢/٥ و٩٩/٧ و١٢٩/٩، ومسلم ١١٤/٤، وانظر
(٣)
المسند الجامع (١٢٩١).
(٤) الأقط: لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به، ويسميه أهل الشام اليوم:
(«الجمید)) .
٧٥

لم يحجبها فهي مما ملكت يمينُه. فلما ارتحل وطَّأ لها خَلْفَهُ، ومَدَّ
الحجابَ بينها وبين النّاس. أخرجه البخاري(١).
وقال حمّاد بن سَلَمَة: حدثنا عُبَيْد الله بن عمر - فيما أحسب - عن
نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قائلَ أهلَ خيبرَ حتى ألجأهم إلى
قصرهم، فغلبَ على الأرضِ والزرع والنَّخْل، فصالحوه على أنْ يُجْلَوْا
منها، ولهم ما حملت رِكابُهُم، ولرسولِ اللهِوَّهِ الصَّفْراءُ والبيضاء،
ويخرجون منها، واشترط عليهم أنْ لا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً، فإنْ فعلوا
فلا ذِمَّةَ لهم ولا عهد. فغيَّوا مَسْكاً فيه مالٌ وحُلِيٌّ لِحُبَيِّ بن أخطب،
كان احتمله معه إلى خَيبرَ حين أُجْلِيَتْ النَّضير. فقال رسولُ اللهِوَلّه لعمّ
حُيَيٍّ: ما فعلَ مَسْكُ حُيَيّ الذي جاء به من النّضير؟ قال: أَذْهَبَتَّهُ النَّفقاتُ
والحروبُ. فقال: العهدُ قريبٌ والمالُ أكثر من ذلك. فدفعه رسولُ الله
وَه إلى الزُّبِير، فَمَسَّهُ بعذاب، وقد كان حُيَيّ قبل ذلك دخل خَرِبةً، فقال
عمّه: قد رأيت حُبَيَّا يطوفُ في خربةٍ هاهنا. فذهبوا فطافوا، فوجدوا
المَسْك في الخَرِبة. فقتل رسولُ اللهِ وََّ ابني حُقَيْقٍ، وأحدهما زوجُ
صفيّةَ. وسبى رسولُ اللهِوَّرَ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنَّكثِ
الذي نكثوا. وأراد أن يُجليهم منها، فقالوا: يا محمد، دَعْنا نكونُ في
هذه الأرض نُصْلِحها ونقوم عليها. ولم يكن لرسول الله وَ له ولا
لأصحابه غلمان يقومون عليها، فأعطاهم على النّصفِ ما بدا لرسولِ الله
وَلّ. فكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كلّ عامٍ فيخرصها عليهم ثم يُضَمِّنُهم
الشَّطْر. فشكوا إلى رسولِ اللهِ وَرَ شِدَّةَ خَرْصه، وأرادوا أن يُرْشُوه فقال:
يا أعداءَ الله تُطعموني السُّحْتَ؟ واللهِ لقد جئتكم من عند أحبُّ النّاس
إليَّ، ولأنتم أبغضُ إليَّ من عدّتكم من القِردة والخنازير، ولا يَحْملني
(١) البخاري ١٧٢/٥ و٧/٧ و٢٨ و٩١، وانظر المسند الجامع حديث (٧٦١).
٧٦

بغضي إيّاكم وحبّ إياه على أنْ لا أعدلَ عليكم. فقالوا: بهذا قامت
السموات والأرض.
قال: ورأى رسول الله وَله بعين صفيّة خضرة، فقال: ما هذه؟
قالت: كان رأسي في حجرِ ابن أبي الحُقَيْق وأنا نائمة، فرأيتُ كأنَّ قمراً
وقع في حجري فأخبرته بذلك، فلطمني وقال: تَمَنِينَ مَلِكَ يثرب؟
قالت: وكان رسولُ اللهِوَ لّ من أبغضِ النّاس إليَّ، قتلَ أبي وزوجي. فما
زال يعتذرُ إليَّ ويقول: إنَّ أباكِ أَّبَ العربَ عليَّ وفعلَ وفعلَ، حتى
ذهب ذلك من نفسي .
وكان رسولُ اللهِ وَله يعطي كلَّ امرأةٍ من نسائه ثمانين وَسْقاً من تمر
كلّ عام، وعشرين وَسْقاً من شعير.
فلما كان زمن عمر غشّوا المسلمين، وألقوا ابنَ عمر من فوق بيتٍ،
ففدعوا يديه، فقال عمر: مَنْ كان له سهمٌ بخيبر فليحضر، حتى قسمها
بينهم. وقال رئيسهم: لا تُخرجنا، دَعْنا نكونُ فيها كما أقرَّنا رسولُ الله
وأبو بكر. فقال له: أتراه سقطَ عَنِّي قولُ رسولِ اللهِ وٍَّ: كيف بك إذا
رقصت(١) بك راحلتُك تخوم الشام يوماً ثم يوماً ثم يوماً. وقسمها عمر
بين مَنْ كان شَهِدَ خيبرَ من أهل الحُدَيْبية.
استشهد به البخاريّ في كتابه، فقال: ورواه حمّاد بن سَلَمَة(٢).
وقال أبو أحمد المرار بن حَمَوَيْه: حدثنا محمد بن يحيى الكِناني،
عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما فُدِعْتُ بخيبر قام عمرُ
خطيباً، فقال: إنّ رسول الله وَّرِ عامل يهود خيبر على أموالها، وقال:
نُقرّكم ما أقرّكمُ الله، وإنَّ عبدَالله بن عمر خرج إلى خيبر، مالُه
(١) رقصت الناقة: أسرعت في سيرها.
(٢) البخاري ٢٥٢/٣، وأبو داود (٣٠٠٦)، وانظر المسند الجامع، حديث
(٨١٤٧).
٧٧

هناك(١) ، فَعُدِيَ عليه من الليلِ فَفُدعتْ يداهُ، وليس لنا هناك عدوٌ
غيرهم، وهم تُهَمَتْنَا، وقد رأيتُ إجلاءهم. فلما أجمع على ذلك أتاه
أحدُ بني أبي الحُقَيْق فقال: يا أميرَ المؤمنين، تُخْرجنا وقد أقرَّنا محمدٌ
وعاملنا؟ فقال: أظننتَ أنّي نسيتُ قولَ رسول الله وَّ كيف بك إذا
أُخْرِجتَ من خيبر تعدو بك قَلوصُك ليلةً بعد ليلة. فأجلاهم وأعطاهم
قيمةَ مالهم من الثَمَر مالاً وإبلا وعُرُوضاً من أقتابٍ وحبالٍ وغير ذلك.
أخرجه البخاري(٢) عن أبي أحمد.
وقال ابن فُضَيْل، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن
رجال من أصحاب رسول الله وَله، أنّ رسول الله وَلّ لما ظهر على خيبر
قسمها على ستّةٍ وثلاثين سهماً، جمع كلُّ سهم مئةَ سهم، فكان لرسول
الله ◌َّ وللمسلمين النّصف من ذلك. وعزل النّصف الباقي لمن نزل به
من الوفود والأمور ونوائب النّاس. أخرجه أبو داود (٣).
وقال سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يَسار أنّ
رسول الله وَلّ قسم خيبر ستَّةً وثلاثين سهماً، فعزل للمسلمين ثمانية
عشر سهماً، يَجْمَعُ كلّ سهم مئة، والنّبِيّ بَّر معهم وله سهم كسهم
أحدهم. وعزل النّصف لنوائبه وما ينزلُ به من أمورِ المسلمين، فكان
ذلك الوطيح والسُّلالِم والكتيبة وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد النَّبِيِّ
وَلَّ والمسلمينَ، لم يكن لهم عُمَّال يَكْفُونَهم عملها، فدعا اليهود
فعاملهم.
قال البيهقي رحمه الله: وهذا لأنّ بعض خيبر فُتِحَ عَنْوَةً، وبعضها
صُلْحاً. فقسم ما فتح عَنْوةً بين أهل الخُمْس والغانمين، وعزل ما فُتِح
(١) هكذا في النسخ بسبب الاختصار، وفي البخاري: ((إلى مالِه هناك)).
(٢) البخاري ٢٥٢/٣، وانظر المسند الجامع حديث (٧٧٨٨).
(٣) أبو داود (٣٠١١) - (٣٠١٤)، وانظر المسند الجامع حديث (١٥٤٠٦).
٧٨

صُلْحاً لنوائبه وما يحتاج إليه في مصالح المسلمين .
وقال عبدالرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن عُبَيْدالله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، أنَّ خيبرَ يوم أشركها النّبيُّ ◌َّهَ كان فيها زرعٌ ونخلٌ فكانَ
يقسمُ لنسائه كلَّ سنةٍ لكلِّ واحدةٍ منهنّ مئة وسْق تمر، وعشرين وَسْق
شعير لكلِّ امرأة .
رواه الدُّهلي، عن عبد الرزّاق، فأسقط منه: ابن عمر.
وقال ابن وَهْب: قال يحيى بن أيوب: حدّثني إبراهيم بن سعد، عن
كثير مولى بني مخزوم، عن عطاء، عن ابن عبّاس أنّ رسول الله وَّل قسم
لمئتي فَرس یوم خییر سھمین سھمین.
قال ابن وهب: وقال لي يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد،
وصالح بن كَيْسَان مثلَ ذلك.
وقال ابن عُيَيْنَة: حدثنا يحيى بن سعيد، عن صالح بن كَيْسان،
قال: كانوا يوم خيبر ألفاً وأربع مئة، وكانت الخيل مئتي فرس.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: أخبرني الزُّهري، عن سعيد بن
المسيّب، عن جُبَيْر بن مُطْعم، قال: لما قسم رسولُ الله ◌ِوَّ سهمَ ذوي
القُرْبَى من خيبر على بني هاشم وبني المطّلب، مشيتُ أنا وعثمان فقلنا:
يا رسول الله، هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا نُنكِرُ فضلهُم لمكانكَ الذي
جعلكَ الله به منهم، أرأيتَ إخوتنا من بني المُطَّلبِ أعطيتَهُمْ وتركْتَنَا،
وإنّما نحنُ وهم بمنزلٍ واحدٍ (١) منك. فقال: إنّهم لم يفارقونا في
جاهلية ولا إسلام، إنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد، ثم شبك
رسول الله ◌َي يديه إحداهما في الأخرى.
(١) هكذا في الأصل، وفي البخاري: ((بمنزلة واحدة)) والمؤلف ساق نصاً أوسع
مما في البخاري وإن أشار إليه .
٧٩

(١)
.
استشهد به البخاري
وقال شعبة، عن حُمَيْد بن هلال، عن عبدالله بن مُغَفَّل، قال: دُلّي
جرابٌ من شحم يومَ خيبر فالتزمتُه، وقلتُ: هذا لا أعطي أحداً منه
شيئاً. فالتفتُّ فإذا النّبِيُّ وَّه يتبسَّمُ، فاستحْيَيَتُ منه. مُتَّفقٌ عليه(٢).
وقال أبو معاوية: حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي
مجالد، عن عبدالله بن أبي أوفى، قال: قلت: أكنتم تُخَمِّسُونَ الطعامَ
في عهدِ رسولِ اللهِ وَلَ؟ فقال: أصبنا طعاماً يوم خيبر فكان الرجلُ يجيءُ
فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف. أخرجه أبو داود(٣).
وقال أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النَّهْدِي - أو
عن أبي قلابة - قال: لما قدِم رسولُ اللهِ وَّلِ خيبر قَدِمِ والتَّمرة خَضِرة،
فأشرع النّاس فيها فَحُمُّوا، فَشَكوا ذلك إليه فأمرهم أن يُقَرِّسُوا الماء في
الشِّنان، ثم يحدرون عليهم بين أذانَيْ الفجر، ويذكرون اسمَ الله علیه،
قال: ففعلوا فكأنّما نُشطوا من عُقُلٍ .
وقال بِشْر بن المفضّل، عن محمد بن زيد: حدّثني عُمَيْر مولى آبي
اللّحم، قال: شهدت خيبر، مع سادتي، فكلَّموا فيَّ رسولَ الله ◌َلآ،
فأمر بي فُقُلِّدْتُ سيفاً، فإذا أنا أجرُّه، فأُخبر أنّي مملوك، فأمرَ لي بشيءٍ
من خُرْنيّ المتاع (٤). أخرجه أبو داود(٥).
(١) البخاري ١٧٤/٥.
(٢) البخاري ١١٦/٤ و١٧٢/٥ و١٢٠/٧، ومسلم ١٦٣/٥. وانظر المسند
الجامع حديث (٩٤٧٦).
(٣) أبو داود (٢٧٠٤)، وانظر المسند الجامع حديث رقم (٥٦٨٩).
(٤) أي: رديئه.
(٥) أبو داود (٢٧٣٠)، وانظر المسند الجامع حديث (١٠٩٣٦).
٨٠