النص المفهرس

صفحات 41-60

الله ◌َّه: ((على رِسْلِكم))، حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع كفَّه
في الماء والقدح وقال: ((سبحان الله)). ثم قال: ((أسْبِغوا الوضوءَ)).
فَوَالذي ابتلاني ببصري لقد رأيتُ العيونَ عيونَ الماء تخرج من بين
أصابع رسول الله وَّةٍ، ولم يرفعها حتى توضّؤوا أجمعون. رواه مُسَدّد،
عنه(١).
وقال عِكْرِمة بن عمّار العِجْلي: حدثنا إياس بن سَلَمَة، عن أبيه،
قال: خرجنا مع رسول الله وَّل في غزوةٍ، فأصابنا جهدٌ، حتى هَمَمْنا أن
ننحر بعضَ ظَهْرِنا. فأمر نبيّ الله وَّر فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نِطعاً،
فاجتمع زادُ القوم على النّطع. فتطاولتُ لأحْزر كم هو؟ فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ
العَنْز ونحن أربع عشرة مئة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً ثم حَشَوْنا
جُرْباننا (٢). ثم قال نبيُّ الله وَّ: هل من وَضوء؟ فجاء رجل بإداوة له،
فيها نُطْفةٌ فأفرغها في قدح. فتوضّأنا كلُّنا، نُدَغْفِقُةُ دَغْفَقَةٌ(٣)، أربع
عشرة مئة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طَهُورٍ؟ فقال
رسول الله وَلّ: ((فرِغ الوَضُوء)). أخرجه مسلم (٤) .
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: قال ابن عبّاس: لما
رجع رسولُ اللهٍِّ من الحُدَيْبية كلّمه بعضُ أصحابه فقالوا: جهِدْنا وفي
النّاس ظَهْر(٥) فانْحَرْه. فقال عمر: لا تفعلْ يا رسولَ الله فإنَّ النّاسَ إنْ
يكن معهم بقيّة ظَهْرٍ أمثل. فقال رسولُ الله ◌َّر: ابسطوا أَنْطاعكم
وعَبَاءَكم. ففعلوا. ثم قال: مَنْ كان عنده بقيّةٌ من زادٍ وطعام فلْينْثُرْه.
(١) أحمد ٢٩٢/٣ و٣٥٧، والدارمي ٢٦، وابن خزيمة ١٠٧، وانظر المسند
الجامع ٣٦٠/٤ حديث رقم (٢٩٣٢).
(٢) في صحيح مسلم: ((جُرُبَنَا» .
(٣) أي: نصبه صباً شديداً.
(٤) مسلم ١٣٩/٥ .
(٥) أي: الإبل التي يُحمل عليها وتُركب.
٤١

ودعا لهم ثم قال: قرِّبوا أوعيتكم. فأخذوا ما شاء الله. يحدّثه نافع بن
جُبَيْر.
وقال يحيى بن سُلَيْم الطّائفي، عن عبدالله بن عثمان بن خُثَيْم، عن
أبي الطُّفَيْلِ، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله وَّ لما نزلَ مَرَّ الظَّهْران في
صلح قريش قال أصحابه: لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من
لحومها وشحومها وحَسَوْنا من المَرَق أصبحنا غداً إذا عَدَوْنا عليهم وبنا
جَمام. قال: لا، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم. فبسطوا أنْطاعاً ثم
صبُّوا عليها فضول أزوادهم. فدعا لهم رسول الله وَله بالبركة، فأكلوا
حتى تضلَّعُوا شِبَعاً، ثم لفَّقُوا فضولَ ما فضل من أزوادهم في جُربهم.
مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنَس، قال: رأيت رسولَ الله
وَ ل﴿ وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء، فلم يجدوه. فأُتي بوَضُوءٍ،
فوضع رسول الله بَّل يده في ذلك الإناء وأمر النّاس أن يتوضؤوا منه.
قال: فرأيت الماء ينبُعُ من تحت أصابعه. فتوضّأ النّاس حتى توضّؤوا
من عند آخرهم. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال حمّاد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس، أنّ النّبيّ وَِّ دعا بماءٍ
فأُتي بقَدَح رَحْرَاح فجعل القوم يتوضؤون. فحزرت ما بين السبعين إلى
الثمانين من توضّأ منه، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه.
مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال عبدالله بن بكر: حدثنا حُمَيْد، عن أنس، قال: حَضَرَتِ
الصّلاةُ، فقام من كان قريبَ الدار إلى أهله يتوضّأ وبقي قوم. فأُتيَ النّبيُّ
وَّهِ بِمِخْضَبٍ من حجارةٍ فيه ماء، فَصَغُرَ المِخْضَب أن يبسُط فيه كفَّه
(١) البخاري ٥٤/١ و٢٣٣/٤، ومسلم ٥٩/٧، وانظر المسند الجامع (١٣٧٩).
(٢) أخرجه أحمد ١٣٩/٣ و١٤٧ و١٦٩ و١٧٥ و٢٤٨، والبخاري ٦١/١،
ومسلم ٥٩/٧ .
٤٢

فتوضّأ القوم. قلنا: كم هم؟ قال: ثمانون وزيادة. أخرجه البخاري(١).
وجاء: أنّهم كانوا بِقُباء.
وقال ابن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَة، عن أنَس، أنّ النّبيّ وَّ كان
بالزَّوْراء يتوضؤون. فوضع كفّه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين
أصابعه حتى توضّؤوا. فقلنا لأنَسَ: كم كنتم؟ قال: زُهاء ثلاث مئة.
أخرجه مسلم(٢)، والبخاري أيضاً بمعناه(٣). والزَّوْراء بالمدينة عند
السوق والمسجد.
وقال أبو عبدالرحمن المُقْرئ: حدثنا عبدالرحمن بن زياد، قال:
حدّثني زياد بن نُعَيْم الحَضْرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث
الصُّدائي، قال: بايعتُ رسولَ اللهِ وَّ، فذكر حديثاً طويلاً منه: فوضع
كفّهِ بَيّر في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عَيْناً تفور. فقال لي
رسول الله وَله: لولا أن استحيي من ربِّي لسقينا واستقينا. عبدالرحمن
ضعيف (٤) .
وهذه الأحاديث تدلُّ على البركةِ في الماء غير مرّة.
وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله،
قال: كنّا نأكل مع النبي ◌َّ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأُتّي بإناءٍ
فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وَلّ .. فقال: حَيَّ على الطّهور المبارَك
والبركة من السماء(٥) . حتى توضّأنا كلُّنا. أخرجه البخاري(٦).
(١) البخاري ٦٠/١ و٢٣٣/٤.
(٢) مسلم ٧ / ٥٩ .
(٣) البخاري ٤/ ٢٣٣ .
(٤) أبو داود (١٦٣٠)، وانظر المسند الجامع ٤٧٤/٥ حديث (٣٧٨٦).
(٥) في البخاري: من الله .
(٦) البخاري ٤ /٢٣٥.
٤٣

وقال أبو كُدَيْنة، عن عطاء بن السّائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن
عبّاس، قال: أُتّيَ رسولُ اللهِ وََّ بإناءٍ من ماءٍ، فجعل أصابعه في فم
الإناء وفتح أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر
الحدیث. إسناده جيّد.
وقال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عُرْوة في نزوله وَل
بالحُدَيْبية: ففزعت قريشُ لنزوله عليهم، فأحبّ أن يبعث إليهم رجلاً.
فدعا عمر ليبعثه فقال: إنّي لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب
يغضب لي، فأرسِلْ عثمانَ فإنّ عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال:
أخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتالٍ، وادْعهم إلى الإسلام. وأمره أنْ يأتي رجالاً
بمكة مؤمنين ونساءً مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرّهم بالفتح. فانطلق
عثمانُ فمرَّ على قريش ببَلْدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني
رسولُ اللهِ وَّه إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، ويخبركم أنّا لم نأتِ لِقِتالٍ
وإنّما جئنا عُمَّاراً. فدعاهم عثمانُ كما أمره رسولُ اللهِ نَّهِ. قالوا: قد
سمعنا ما تقولُ فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص
فرحّب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان فأجاره، وردفه أبان حتى
جاء مكة. ثم إنّ قريشاً بعثوا بُدَيْل بن وَرْقاء؛ فذكر الحديث والصُّلْح.
وذكر أنّهم أمِنَ بعضُهم بعضاً وتزاوَرُوا. فبينا هم كذلك، وطوائف من
المسلمين في المشركين، إذ رمى رجلٌ رجلاً من الفريق الآخر. فكانت
مُعَارَكة، وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان وارتهن كلّ واحدٍ
من الفريقين مَنْ فيهم، فارتهن المسلمون سُهَيْل بن عَمْرو وغيره،
وارتهن المشركون عثمان وغيره(١) .
ودعا رسول الله وَله إلى البيعة. ونادى منادي رسولِ الله وَله: ألا إنّ
(١) ابن هشام ٣١٥/٢.
٤٤

روحَ القُدُس قد نزل على رسول الله بََّ فأمر بالبيعة، فاخْرُجوا على اسْمِ
الله فبايعُوا. فثار المسلمون إلى رسول الله وَليل وهو تحت الشجرة،
فبايعوه على أن لا يفِرُّوا أبداً. فذكر القصّة بطُولها، وفيها: فقال
المسلمون وهم بالحُدَيْبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خَلَص عثمانُ
من بيننا إلى البيت فطاف به. فقال رسول الله وَله: ((ما أظنّه طاف بالبيت
ونحن محصورون)). قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلَص؟ قال:
((ذلك ظنّي به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا)). فرجع إليهم
عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبدالله من الطواف بالبيت؟ فقال
عثمان: بئس ما ظننتم بي، فَوَالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيماً سنة
ورسول الله وَله مقيمٌ بالحُدَيْبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله
وَّة، ولقد دعتني قريش إلى الطّواف بالبيت فأبيت.
وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(١) : فحدّثني عبدالله بن أبي بكر أنّ
رسول الله وَّ قال حين بلغه أنّ عثمان قد قُتِل: ((لا نبرح حتى نُناجزَ
القومَ)). فدعا النّاس إلى البَيْعة. فكانت بَيْعَةُ الرّضوان تحت الشجرة.
فكان النّاس يقولون: بايعهم رسول الله صَلّ على الموت، وكان جابر
يقول: لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفرّ.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢) : حدّثني بعض آل عثمان أنّ
رسول الله و 18 ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه لي وهذه
لعثمان إنْ كان حيّاً: ثم بلغهم أنّ ذلك باطل، ورجع عثمان. ولم
يتخلّف عن بيعة رسول الله وَّ أحد إلّ الجدّ بن قيس أخو بني سَلِمَة.
قال جابر: والله لَكَأنّي أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقةِ رسول الله وَّل، وقد
(١) ابن هشام ٣١٥/٢.
(٢) ابن هشام ٣١٥/٤-٣١٦.
٤٥

ضبأ إليها يَسْتترُ بها من النّاس.
وقال الحسن بن بِشْر البجليُّ: حدثنا الحكم بن عبدالملك۔۔ ولیس
بالقويِّ قاله النَّسائيّ(١) - عن قَتَادَة، عن أنس، قال: لما أمر رسول الله
رَّ ببيعة الرضوان كان عثمان رسولَ رسولِ اللهِ وَ لل إلى مكة. فبايع
النّاس، فقال رسول الله وَ ل: إنّ عثمان في حاجة الله ورسوله. فضرب
بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله وَ له لعثمان خيراً من
أیدیهم لأنفسهم.
وقال ابن عُيَيْنَة: حدثنا أبو الزُّبَيْر، سمع جابراً يقول: لما دعا رسول
الله ◌َ النّاس إلى البيعة وجدنا رجلاً منّا يقال له الجدّ بن قيس مختبئاً
تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جُرَيْج، عن أبي الزُّبَيْرِ،
وبه قال: لم نبايع النّبيَّ وَّر على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرّ.
أخرجه مسلم عن ابن أبي شَيْبَة، عن ابن عُيَيْنة، وأخرجه من حديث
اللَّيْث، عن أبي الزُّبَيْر، وقال: فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده
تحت الشجرة، وهي سَمُرَةٍ(٢).
وقال خالد الحذاء، عن الحَكَم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن
يَسار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنّبيّ وَّرِ يبايع النّاس وأنا رافعٌ
غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مئة. ولم نبايعه على
الموت ولكن بايعناه على أن لا نفرّ. أخرجه مسلم (٣).
وقال ابن عُيَيْنَة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشَّعبيّ، قال: لما دعا
النّبيُّ ◌ََّ النّاسَ إلى البيعة كان أوّل من انتهى إليه أبو سِنان الأسدي،
(١) الضعفاء، له، الترجمة ١٢٣، وتهذيب الكمال ١١٢/٧.
(٢) مسلم ٦/ ٢٥، وانظر المسند الجامع حديث (٢٩٢١).
(٣) مسلم ٢٦/٦، وانظر المسند الجامع حديث (١١٧٠٨).
٤٦

فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النّبيّ وَّ: عَلَمَ تبايعني؟ قال: على ما
في نفسك.
وقال مكّي بن إبراهيم، وأبو عاصم - واللَّفْظ له - عن يزيد بن أبي
عُبَيْد، عن سَلَمَةَ بن الأكوع، قال: بايعت رسول الله وَّهِ يوم الحُدَيْبية،
ثم عدلت إلى ظلّ شجرة. فلما خفّ النّاسُ قال: يا ابن الأكوع ألا
تبايع؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيضاً. فبايعته الثانية.
فقلت لسَلَمَة: يا أبا مسلم على أيّ شيءٍ كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على
الموت. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال عِكْرِمة بن عمّار، عن إياس بن سَلَمَة، عن أبيه، فذكر
الحديث، وقال: ثم إنّ رسول الله وَ لّ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة،
فبايعته أول النّاس وبايع، حتى إذا كان في وسط النّاس، قال: ((بايعني يا
سَلَمَة)). فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: ((وأيضاً)). قال: ورآني
عُزْلاً فأعطاني حَجَفَةً أو دَرَقَةً. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر النّاس
قال: ((ألا تبايع))؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول النّاس
وأوسطهم. قال: ((وأيضاً)). فبايعت الثالثة. فقال: ((يا سَلَمَة أين
حجفتك أو دَرَقَتُك التي أعطيتُك))؟ قلت: لقِيني عامر فأعطيتها إيّاه.
فضحك ثم قال: ((إنّك كالذي قال الأول: اللَّهُمَّ ابغني حبيباً هو أحبُّ
إليَّ من نفسي)). ثم إنّ مشركي مكّة راسلونا بالصُّلْح حتى مشى بعضنا
إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادماً لطلحة بن عُبَيْدالله أسقي فرسه
وأحُسُّهُ(٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله
(١) أخرجه أحمد ٤٧/٤ و٥١ و٥٤، والبخاري ٦١/٤ و١٥٩/٥ و٩٧/٩
و٩٨، ومسلم ٢٧/٦، والترمذي (١٩٩٢)، والنسائي ٧/ ١٤١. وانظر المسند
الجامع ٧/ ١٠٠ حديث (٤٨٩٩).
(٢) أي: أنفض التراب والأوساخ بالفرشاة عن الفرس.
٤٧

وَرسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضُنا ببعض أتيت شجرةٌ فكسَحْتُ
شوكها فاضّطجعت في ظلّها. فأتاني أربعةٌ من أهل مكة، فجعلوا يقعون
في رسول الله وَلَ فأبغضْتهم، فتحوّلت إلى شجرة أخرى، فعلَّقوا
سلاحهم واضّطجعوا. فبينا هم كذلك إذ ناد مُنادٍ من أسفل الوادي: يا
للمهاجرين، قُتِل ابن زُنَيْم. فاخترْتُ سيفي فشددْتُ على أولئك
الأربعة وهم رُقَّد (١) ، فأخذت سلاحهم فجعلته ضِغْئاً في يدي، ثم
قلت، والذي كرَّم وجهَ محمدٍ بَّر لا يرفع أحد منكم رأسه إلّ ضربت
الذي فيه عيناهُ. ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله وَّر. وجاء عمّي
عامر برجلٍ من العَبَلات(٢) يقال له مِكْرَز يقوده حتى وقفنا بهم على
رسول الله وَّ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: ((دَعُوهم،
يكون لهم بدء الفجور وثناؤه)). فعفا عنهم رسول الله وَلل، وأُنزِلَت:
[الفتح] الآية. أخرجه
(٢٤
﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُم
مسلم (٣) .
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، أنّ رجالاً من أهل مكة
هبطوا إلى النّبِيّ بَّ من قِبَل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول
الله ◌َيِّ أخْذَاً، فأعتقهم. فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ
عَنْهُمْ (9)﴾ الآية، أخرجه مسلم (٤).
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العُمَري، قال: أخبرني
نافع، عن ابن عمر، أنّ النّاس كانوا مع النّبيِّ نََّ يوم الحُدَيْبية، قد
(١) في صحيح مسلم: ((رقود)) و کله بمعنى.
(٢) بطن من قريش، نُسبوا إلى أمهم عبلة بنت عبيد، من بني تميم.
(٣) مسلم ١٨٩/٥ و١٩٥، وأحمد ٤٨/٤ و ٥١ و ٥٢.
(٤) مسلم ١٩٥/٥. وانظر المسند الجامع حديث (١٢٩٦).
٤٨

تفرّقوا في ظلال الشجر، فإذا النّاس مُحْدِقون برسول الله وَّ، فقال -
يعني عمر -: يا عبدالله انظر ما شأن النّاس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم
رجع إلى عمر، فخرج فبايع .
أخرجه البخاريُّ(١) فقال: وقال هشام بن عمّار: حدثنا الوليد.
قلت: ورواه دُخیم، عن الولید.
قلت: وسُمِّيَتْ بيعة الرّضوان من قوله تعالى: ﴿﴿ لَقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ
وَأَثَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾﴾ [الفتح].
قال أبو عَوَانَة، عن طارق بن عبدالرحمن، عن سعيد بن المسيّب،
قال: كان أبي ممّن بايع رسولَ الله ◌ََّ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في
قابلٍ حاجّين، فخفي علينا مكانُها، فإنْ كانت تبيَّنَت لكم فأنتم أعلم.
مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال ابن جُرَيْج: أخبرني أبو الزُّبَيْر المكّي أنّه سمع جابراً يقول:
أخبرتني أمّ مبشِّر أنّها سمعت رسولَ الله ◌َّ يقول عند خَفْصة: ((لا يدخل
النّار إنْ شاء الله من أصحابِ الشجرة الذين بايعوا تحتها أحدٌ)). قالت:
بلى يا رسول الله، فانْتَهَرها، فقالت: ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا
[مريم]، فقال: قد قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَُجِى الَّذِينَ آَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا
جِنِيًّا (®)﴾ [مريم]. أخرجه مسلم (٣).
قرأت على عبدالحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبدالقادر،
والحسين بن أبي بكر، قالا: أخبرنا عبدالأول بن عيسى، قال: أخبرنا
(١) البخاري ١٦٣/٥.
(٢) البخاري ١٥٨/٥ و١٥٩، ومسلم ٢٦/٦. وانظر المسند الجامع حديث
(١١٤٣٤).
(٣) مسلم ١٦٩/٧. وانظر المسند الجامع حديث (١٧٧٥١).
٤٩

محمد بن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن أبي شُرَيْح، قال:
حدثنا أبو القاسم البَغَوِي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاءً، سنة سبع
وعشرين ومئتين، قال: أخبرنا اللَّيْث بن سعد، عن أبي الزُّبَيْر المكّي،
عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله وَ له: ((لا يدخل أحدٌ ممّن بايع
تحتَ الشجرة النّار)). أخرجه النَّسائيّ(١).
وقال قُتَيْبَة: حدثنا اللَّيْث، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر، أنّ عبداً
لحاطب بن أبي بَلْتَعَة جاء رسولَ اللهِ وَله يشكو حاطباً؛ قال: يا رسول
الله ليدخلنّ حاطب النّار. فقال رسول الله وَله: ((كذبتَ لا يدخلها، فإنّه
شهد بدراً والحُدَيْبية))(٢).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني الزُّهْري، عن
عُرْوَة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومروان في قصّة الحُدَيْبية؛ قالا: فدعت
قريش سُهَيْل بنَ عَمرو؛ قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تَكونَنَّ
في صُلْحه إلّ أنْ يرجع عنّا عامَهُ هذا، لا تحدّث العربُ أنّه دخلها علينا
عَنْوَةً. فخرج سُهَيْل من عندهم، فلما رآه رسول الله وَّر مقبلاً، قال:
((قد أراد القوم الصُّلْحَ حين بعثوا هذا الرجل)). فوقع الصلح على أن
توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأنْ يخلُّوا بينه وبين مكة من العام
المقبل، فيقيم بها ثلاثاً، وأنه لا يدخلها إلّ بسلاح الراكب والسيوف في
القُرُب، وأنّه مَنْ أتانا من أصحابك بغير إذْنِ ولِيِّه لم نردّه عليك، ومَن
أتاك منّا بغير إذنٍ وليِّه ردَدْتَه علينا، وأنّ بيننا وبينك عَيْبَةً مكفوفة، وأنه
(١) النسائي في فضائل الصحابة ١٩١، ومسلم ١٦٩/٧، وأحمد ٣٢٥/٣ و٣٤٩
و٣٥٠، والترمذي (٣٨٦٠) و(٣٨٦٤)، وانظر المسند الجامع (٢٨٩٩)
و(٢٩١٤).
(٢) التخريج السابق.
(٣) ابن هشام ٣١٦/٢.
٥٠

لا إسلالَ ولا إغلالَ. وذكر الحديث(١).
الإسلال: الخفية، وقيل الغارة، وقيل: سلّ السيوف والإغلال:
الغارة .
وقال شُعْبة، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: لما صالح رسول
الله ◌َّ مشركي مكّة كتب بينهم كتاباً: «هذا ما صالحَ عليه محمدٌ رسولُ
الله)). قالوا: لو علِمنا أنّك رسولُ الله لم نُقاتلْكَ. قال لعليٍّ: ((امْحُه)).
فأبى، فمحاه رسولُ اللهِ وَ ◌ّر بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن
عبد الله. واشترطوا عليه أنْ يقيموا ثلاثاً، وأنْ لا يدخلوا مكة بسلاحٍ إلا
جُلُبَان السلاح، يعني السيف بقِرابه. مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنَس نحوَه أو قريباً منه.
(٣)
أخرجه مسلم (٣) .
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق، حدّثني بريدة بن سُفيان،
عن محمد بن كعب أنّ كاتب رسول الله وَّ للصلح كان عليّاً رضي الله
عنه، فقال رسول الله وَّر اكتب: ((هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله
سُهَيْل بنَ عَمْرو)). فجعل عليّ يتلكأ ويأبى أنْ يكتب إلّ: محمد رسول
الله. فقال رسول الله وَله: ((اكتب، فإنّ لك مثلها تُعطيها وأنت
مُضْطهد))، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله.
وقال عبدالعزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي
وائل، قال: قام سهل بن حنيف يوم صِفِّين فقال: أيّها النّاس اتّهموا
(١) انظر طرق الحديث في المسند الجامع حديث (١١٤٢٥).
(٢) البخاري ٢٠٦/٢ و١١/٣ و٢٤١ و٢٤٦ و٢٥٢ و ١٥٧/٥ و١٦١،
ومسلم ١٧٤/٥ .
(٣) مسلم ٥/ ١٧٤ .
٥١

أنفسَكم، لقد كنّا مع رسول الله وَ ◌ّه يوم الحُدَيْبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا.
فأتى عمر فقال: ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال:
أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى. قال: ففيم نُعطي
الدَّنِيّة في أنفسنا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن
الخطاب، إنّي رسول الله ولن يضيّعني الله، فانطلق متغيّظاً إلى أبي بكر،
فقال له كما قال رسول الله وَ له، ونزل القرآن، فأرسل النّبيّ ◌َّ إلى عمر
فأقرأه إيّاه. فقال: يا رسول الله، أوَ فَتْحٌ هو؟ قال: نعم، فطابت نفسُه
ورجع. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢) ، عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَة، عن
المِسْوَر، ومروان، قالا: خرج رسول الله وَ ل﴿ من عند أمّ سَلَمَة فلم يكلّم
أحداً حتى أتى هَدْيَه فنحر وحَلَقَ. فلما رأى النّاس ذلك قاموا فنحروا
وحلق بعض وقصّر بعض. فقال رسول اللهِ وَّه: ((اللَّهُمَّ اغفرْ
للمحلّقين)). فقيل: يا رسول الله والمقصِّرين؟ فقال: ((اغفر للمحلّقين))،
ثلاثاً. قيل يا رسول الله وللمقصّرين؟ قال: ((وللمقصّرين)).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني عبدالله بن أبي نَجيح،
عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قيل له لِمَ ظاهر رسول الله وَيه
للمحلّقين ثلاثاً وللمقصّرين واحدة؟ فقال: إنّهم لم يشكُّوا.
وقال يونس - هو ابن بُكَيْر -، عن هشام الدَّسْتُوائيّ، عن يحيى بن
أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد، قال: حَلَقَ أصحاب رسول
(١) البخاري ١٢٥/٤ و١٧٠/٦، ومسلم ١٧٥/٥، وانظر المسند الجامع حديث
(٥٠٦٤).
(٢) ابن هشام ٣١٩/٢.
(٣) ابن هشام ٢/ ٣٢٠.
٥٢

الله ◌َّ يوم الحديبية كلّهم غير رجلَين؛ قصَّرا ولم يَحِلِقا.
أبو إبراهيم مجهول.
وقال ابن عُيَيْنَة، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن وهب بن عبدالله بن
قارب، قال: كنت مع أبي، فرأيت رسولَ الله وَ لل يقول: ((يرحم الله
المحلّقين)). قال رجل: والمقصّرين يارسول الله؟ فلما كانت الثالثة،
قال: ((والمقصّرین)).
وقال يحيى بن أبي بُگیْر، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا
محمد بن عبدالرحمن، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس، قال:
نُحِرَ يوم الحُدَيْبية سبعون بَدَنَةً فيها جمل أبي جهل، فلما صُدَّتْ عن
البيت حَّت كما تحنّ إلى أولادها.
ويُرْوَى عن ابن عباس، أنّ النّبِيّ وَّرَ أهدى في عُمْرة الحُدَيْبية جملاً
كان لأبي جهل، في أنفه بُرَةٌ من ذَهَب أهداه ليغيظ به قريشاً(١).
وقال فُلَيْح بن سُليمان، عن رافع، عن ابن عمر أنّ رسول الله وَل
خرج مُعْتمراً، فحال كفَّارُ قريش بينه وبين البيت، فنحر هذْيَه وحلق
رأسَه بالحُدَيْبية، وقاضاهم على أن يعتمر العامَ المقبل، ولا يحمل
سلاحاً عليها إلّ سيُوفاً، ولا يقيم بها إلّ ما أحبّوا، فاعتمر من العَام
المقبل، فدخلها كما صالحهم. فلما أنْ أقام بها ثلاثاً، أمروه أن يخرج
فخرج. أخرجه البخاري(٢) .
وقال مالك عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر: نحرنا بالحُدَيْبية البَدَنَة عن
سبعةٍ، والبقرةَ عن سبعةٍ. رواه مسلم (٣).
(١) ابن هشام ٣٢٠/٢. والبرة: حلقة تكون في أنف البعير.
(٢) البخاري ٢٤٣/٣ و١٨٠/٥.
(٣) مسلم ٨٧/٤ و٨٨، وانظر المسند الجامع حديث (٢٤٥٣).
٥٣

نزُولُ سُورَة الفَتْحِ
قال مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنّ رسولَ الله ◌َلچو كان يسير
في بعض أسفاره، وعمر معه ليلاً. فسأله عمر عن شيءٍ فلم يُجِبْه، ثم
سأله فلم يُجِبْه، ثم سأله فلم يُجبه، فقال عمر: ثكِلَتْكَ أمُّك، نَزَرْتَ(١)
رسول الله وَ﴿، قال: فحرّكتُ بعيري حتى تقدّمت أمامَ النّاس وخشيتُ
أنْ ينزلَ فيَّ قرآنٌ، فلم أنشب أنْ سمعتُ صارخاً يصرخ، قال: قلت:
لقد خشيتُ أن يكون نزل فيَّ قُرْآن، فجئتُ رسولَ اللهِ وَلِّ فِسلَّمتُ عليه،
فقال: ((لقد أَنْزِلَتْ عليَّ اللّيلة سورةٌ هي أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه
الشمس))، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (٥) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَّقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا
تَأَخَّرَ (®)﴾ [الفتح]. أخرجه البخاري(٢).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن عبدالرحمن المسعودي، عن جامع بن
شدّاد، عن عبدالرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود؛ قال: لما أقبل
رسول الله وَّه من الحُدَيْبية، جعلتْ ناقتُه تثقل، فتقدّمنا، فأُنزِل عليه:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا
د﴾، قال :
وقال شُعْبة، عن قَتَادَة، عن أنس: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًاُبِينًا
فتح الحُدَيْبية، فقال رجل: هنيئاً مريئاً يا رسول الله هذا لك، فما لنا؟
﴾ [الفتح].
فَأَنْزِلَت: ﴿لَيْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَّتِ جَنَّتٍ
قال شُعبة: فقدِمتُ الكوفةَ فحدَّثتُهم عن قَتَادَة، عن أنس، ثم قدِمتُ
البصرةَ فذكرت ذلك لِقَتَادَة، فقال: أمّا الأول فعن أنس، وأمّا الثاني:
(١) كتب على هامش الأصل: ((أي: ألححت)).
(٢) البخاري ١٦٠/٥-١٦١ و٢٣٢/٦، وانظر المسند الجامع حديث (١٠٦٠٣).
٥٤

لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾، فعن عِكْرِمة، أخرجه البخاري(١).
وقال همّام: حدثنا قَتَادَة، عن أنَس، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ
فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى آخر الآية على رسول الله وَّل مرجعه من الحُدَيْبية،
وأصحابه مخالِطُو الحزن والكآبة، فقال: ((نزلت عليَّ آيَةٌ هي أحبُّ إليَّ
من الدنيا)). فلما تلاها قال رجل: قد بيّنَ اللهُ لكَ ما يفعل بك، فماذا
يفعل بنا؟ فأُنزِلت التي بعدها: ﴿لِدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَّحْرِى مِن تَحِهَا
اُلْأَنْهَرُ﴾. أخرجه مسلم (٢).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣)، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن
المِسْوَر، ومروان قالا في قصّة الحُدَيْبية: ثم انصرف رسول الله وَليقول
راجعاً، فلما أنْ كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورةُ الفتح. فكانت
القصة في سورة الفتح وما ذكر الله من بيعه الرضوان تحت الشجرة. فلما
أمِن النّاس وتفاوضوا، لم يُكلَّم أحدٌ بالإسلام إلّ دخل فيه. فلقد دخل
في تَينك السنَتَيْن في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك. وكان صُلْح
الحُدَيبية فتحاً عظيماً.
وقال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوَة؛ قالوا: وأقبل رسول
الله وَله من الحُدَيْبية راجعاً. فقال رجال من أصحاب رسول الله وَّ:
واللهِ ما هذا بفتح؛ لقد صُدِدْنا عن البيت وصُدَّ هَذْيُنا، وعكف رسول الله
وَّه بالحُدَيْبية وَرَدَّ رسولُ اللهِ وَّول رجلَين من المسلمين خرجا. فبلغ
رسولَ الله وَ لَه قولُ رجالٍ من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح، فقال: ((بئس
الكلام، هذا أعظمُ الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالرَّاح عن
بلادهم ويسألونكم القضيّة ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما
(١) البخاري ١٦٠/٥.
(٢) مسلم ٥/ ١٧٦ .
(٣) ابن هشام ٣٢٠/٢.
٥٥

كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم وردّكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا
أعظم الفتوح. أنَسيْتُم يوم أُحُد، إذ تُصْعِدُون ولا تَلْؤُون على أحدٍ وأنا
أدعُوكم في أُخْراكم؟ أَنَسِيتُم يومَ الأحزاب، إذْ جاؤوكم من فوقكم ومن
أسفَلَ منكم؟))، فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، هذا أعظم الفتوح
والله يا نبيَّ الله .
وقال ابن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَة، قال: ظهرت الروم على فارس عند
مرجع المسلمين من الحُدَيْبية. وقال مثل ذلك عُقَيْل، عن ابن شهاب،
عن عُبَيْدالله بن عبدالله بن عُتْبة بن مسعود.
وكانت بين الروم وبين فارس ملحمةٌ مشهودة نَصَرَ الله تعالى فيها
الروم، ففرح المسلمون بذلك، لكون أهل الكتاب في الجملة نُصِروا
على المجوس.
وقال مُغيرة، عن الشَّعبيّ في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْعًا مُبِينًا (٤)﴾؛ قال:
فتح الحُدَيْبية، وبايعوا بيعةَ الرضوان، وأُطْعِموا نخيل خَيبر، وظهرت
الروم على فارس. ففرح المؤمنون بتصديق كتابِ الله ونصرِ أهلِ الكتاب
على المجوس.
وقال شُعبة، عن الحَكَم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى: ﴿وَأَثَبَهُمْ
٢١
[الفتح]، قال: خيبر. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا
فَتْحًا قَرِيبًا
[الفتح]، قال: فارس والروم.
وقال ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهد، قال: أُري رسولُ الله
مَّ وهو بالحُدَيْبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلِّقين رؤوسهم
ومُقَصِّرين، فقالوا له حين نحر بالحُدَيْبية: أين رُؤْياك يا رسولَ الله؟
فأنزل الله: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّهُيَا بِالْحَقٌّ﴾ إلى قوله ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ
* [الفتح] يعني النَّحْر بالحُدَيْبية، ثم رجعوا ففتحوا
٢٧
ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا
٥٦

خيبر، فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة .
وقال هُشَيْم: أخبرنا أبو بِشْر، عن سعيد بن جُبير، وعِكْرمة:
﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أَوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾﴾ [الفتح]، قالا: هوازن يوم حُنَيْن.
رواه سعيد بن منصور في سننه .
وقال بندار: حدثنا غُنْدَر، قال: حدثنا شعبة، عن هُشَيْم، فذكره،
وزاد: هوازن وبنو حنيفة .
وقال عبدالله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي
طلحة، عن ابن عبّاس، في قوله: ﴿أُوْلِىِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، قال: فارس.
وقال: ﴿اُلسَّكِّنَةَ﴾ هي الرحمة.
وقال أبو حُذَيْفة النَّهْدِي: حدثنا سُفيان، عن سَلَمَة بن كُهَيْل، عن
أبي الأحوص، عن عليّ ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ
[الفتح] قال: السكينة لها وجهٌ كوجهِ الإنسان، ثم هي بَعْدُ ريحٌ هَفَّافة.
وقال وَرْقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهد، قال: السكينة كهيئة
الريح، لها رأس كرأس الهرَّة وجناحان.
وقال المسعوديّ، عن قَتَادَة، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس:
﴿تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾، قال السريّة، ﴿ أَوَ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾، قال:
﴾ [الرعد]، قال: فتح مكة.
٣١
هو محمد رََّ. ﴿حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ الَّهِ (
وعن مجاهد: ﴿أَقْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾، قال: الحُدَيْبية ونحوها.
رواه شریك، عن منصور، عنه.
وقال اللَّيْث، عن عُقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عُرْوَة أنّه سمع
مروانَ بنَ الحَكَم، والمِسْوَر، يخبران عن أصحاب رسول الله وَّل أن
رسول الله وَ﴾ لما كاتب سُهَيْل بن عَمْرو، فذكر الحديث، وفيه: وكانت
أمّ كلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيْط ممّن خرج إلى رسول الله ◌َّه يومئذٍ
٥٧

وهي عاتق(١)، فجاء أهلها يسألون رسولَ الله وَلَهَ يُرْجِعُها إليهم فلم
يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَاتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ
﴾ [الممتحنة].
١٠
اللَّهُأَعْلَمُ بِمَتِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ
قال عُرْوة: فأخبرتني عائشة أنّ رسول الله وَ لَّه كان يمتحنهنّ بهذه
﴾ [الممتحنة] الآية. قالت: فمن
(١٢)
الآية: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ لـ
أقرّ بهذا الشرط منهنّ قال لها: قد بايعتك، كلاماً يُكَلِّمها به، والله ما
مسَّتْ يدُه يدَ امرأةٍ قطّ في المبايعة، ما بايَعَهُنَّ إلّ بقوله. أخرجه
(٢)
البخاري
٠
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: ولما رجع رسول الله
وَله إلى المدينة انفلت من ثقيف أبو بصير(٣) بن أسيد بن جارية الثقفي
من المشركين، فذكر من أمره نحواً مما قدَّمْناه. وفيه زيادة وهي: فخرج
أبو بصير معه خمسةٌ كانوا قدِموا من مكة، ولم ترسل قريش في طلبهم
كما أرسلوا في أبي بصير، حتى كانوا بين العِيص وذي المَرْوَة من أرض
جُهَيْنَة على طريق عِير قُريش ممّا يلي سِيف البحر، لا يمرُّ بهم عِيرٌ
لقريش إلّ أخذوها وقتلوا أصحابها. وانفلت أبو جَنْدَل في سبعين راكباً
أسلموا وهاجروا، فلحقوا بأبي بصير، وقطعوا مادَّةَ قريش من الشام،
وكان أبو بصير يصلّي بأصحابه، فلما قدِم عليه أبو جَنْدَل كان
يَؤُمُّهم (٤) .
واجتمع إلى أبي جَنْدَل حين سمعوا بقدومه ناسٌ من بني غِفَار
(١) أي: الجارية أول ما أدركت، أو هي التي لم تتزوج.
(٢) البخاري ٢٤٦/٣-٢٤٧ و٢٥٢ و ١٦١/٥ -١٦٢.
(٣) جاء في حواشي النسخ تعليق للمؤلف نصه: ((قال ابن إسحاق: اسم أبي بصير
عتبة بن أسيد)).
(٤) ابن هشام ٣٢٣/٢-٣٢٤.
٥٨

وأسْلَم وجُهَيْنة وطوائف، حتى بلغوا ثلاث مئة مقاتل وهم مسلمون،
فأرسلت قريش إلى النّبيّ ◌َ ﴿ يسألونه أن يبعث إلى أبي بصير ومَنْ معه
فيقدموا عليه، وقالوا: مَنْ خرج منّا إليك فأمْسِكْه، قال: ومَرَّ بأبي بصير
أبو العاص بن الربيع من الشام فأخذوه، فقدِم على امرأته زينب سرّاً.
وقد تقدَّم شأنُه. وأرسل رسولُ اللهِ وَّرَ كتابه إلى أبي بصير أنْ لا
يعترضوا لأحد. فقدِم الكتابُ على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير
يموت، فماتَ وكتابُ رسولِ الله وَّل في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل
مكانه، وجعل عند قبره مسجداً.
وقال يحيى بن أبي كثير: حدثني أبو سَلَمَة، أنّ أبا هريرة حدّثه، أنّ
النّبيّ وَلجهاز كان إذا صلّى العشاء الآخرة نصب(١) في الركعة الآخرة بعدما
يقول: ((سمع الله لمن حمده))، ويقول: ((اللَّهُمَّ نَجِّ الوليدَ بنَ الوليد،
اللهم نجِّ سَلَمَةَ بن هشام، اللهم نجّ عيّاش بنَ أبي ربيعة، اللهم نَجّ
المستَضْعَفين من المؤمنين، اللَّهُمَّ اشدُد وطأتك على مُضَر، اللَّهُمَّ
اجعلها سِنِينَ مثلَ سِنيّ يوسف(٢))). ثم لم يزل يدعو حتى نجّاهم الله
تعالى، ثم ترك الدعاء لهم بعد ذلك.
وفي سنة ستّ:
مات سعد بن خَوْلة رضي الله عنه في الأسر بمكة. ورثى له النّبيُّ
وَ ل﴿ لكونِه ماتَ بمكة.
وفيها قُتِلَ هشَام بن صُبابة أخو مِقْيَس، قتله رجلٌ من المسلمين
وهو يظنُّ أنّه كافر، فأعطى النّبيُّ ◌َهَ مِقْيَساً دِيَتَه. ثم إنّ مِقْيَساً قتل قاتل
أخيه، وکفر وهرب إلى مكة.
(١) أي: اجتهد في الدعاء.
(٢) البخاري ٤٧/٦و٦١، ومسلم ١٣٤/٢، وانظر المسند الجامع حديث
(١٣٠٧٠).
٥٩

وفي ذي الحِجّة: ماتت أمّ رُومان بنت عامر بن عُوَيْمر الكِنانية، أمّ
عائشة رضي الله عنهما، أخرج البخاري من رواية مسروق عنها حديثاً(١)
وهو منقطع لأنّه لم يُدْرِكُها، أو قد أدركها فيكون تاريخُ موتِها هذا خطأ.
والله أعلم.
(١) البخاري ١٥٤/٥.
٦٠