النص المفهرس

صفحات 1-20

شِيرا عْلَامِ التُّبَلاء
،
تصنيف
الإمام شمس الدين محمدبن أحمد بن عثمان الذهبي
المتوفى
٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ
السّيرة النّبويّة
(٢)
حَقّقه، وَضَطِ نَصَّه،وَعَلَق عَلَيْه
الدكتور شارعواد معروف
مؤسسة الرسالة

-
3
3.

سِنَّلِ عْلَامِ التَّلَاءُ
السّيرة النّبويّة
(٢)

جَميعُ الحقوق مَحِفُوظة لِلنّاشِرْ
الطّبْعَّة الأولى
١٤١٧ هـ / ١٩٩٦م
ء
مؤسسة الرسالة
للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسَسَة الرّسالة . بيروت - وَطى المصَيُطبة - مُبْنَى عَبْد الله سليتْ
تلفاكس: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ -٦٠٣٢٤٣- ص.ب: ٧٤٦٠- برقياً: بوشران
BEIRUT / LEBANON - TELEFAX : 815112 -319039 - 603243 - P. O. BOX : 117460
البريد الإلكتروني: E-mail: Resalah@Cyberia.net.lb
Al-Resalah
PUBLISHING HOUSE

سنَة ستٌّ مِنَ الهجْرَة
قال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(١): ثم أقام رسول الله وَل بالمدينة ذا
الحجّة والمحرَّم وصَفَراً وشهرَيْ ربيع، وخرج في جُمادَى الأولى إلى
بني لِحْيان يطلب بأصحاب الرَّجيع: خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر
أنه يريد الشام ليصيب من القوم غِرَّةً، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في
رؤوس الجبال، فقال: لو أنا هبطنا عُسْفان لرأى أهلُ مكة أنّا قد جئنا
مكة. فهبط في مئتي راكب من أصحابه حتى نزل عُسْفان. ثم بعث
فارسَيْن من أصحابه حتى بلغا كُراعَ الغَمِیم، ثم کَرّا. وراح قافلاً.
[غزوة ذي قَرَد](٢)
ثم قدم المدينة فأقام بها ليالي، فأغار عُيَيْنة بن حِصْن في خيل من
غَطفان على لقاح النّبِيِّ وَّر بالغابة(٣) ، وفيها رجل من بني غِفار وامرأة،
فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللّقاح.
وكان أوّل من نَذِرَ (٤) بهم سَلَمَة بن الأكْوَع، غدا يريد الغابة ومعه
غلام لطلحة بن عُبَيْدالله معه فَرَسه، حتى إذا علا ثَنِيَّة الوداع نظر إلى
(١) ابن هشام ٢٧٩/٢ .
(٢) العنوان ليس في الأصول ووضعناه بين معقوفتين للدلالة على اسم الغزوة،
وانظر ابن هشام ٢/ ٢٨١ .
(٣) موضع قرب المدينة على طريق الشام.
(٤) أي: علم بهم وحَذَّرَ منهم.
٥

بعض خيولهم فأشرف في ناحية من سَلْع، ثم صرخ: واصَبَاحاه، ثم
خرج يشتدُّ في آثار القوم، وكان مِثْلَ السَّبُع، حتى لَحِقَ بالقومِ. وجعل
يردُّهم بنَبْله، فإذا وُجِّهتِ الخيلُ نحوه هَرَب ثم عارضهم فَإذا أمكنه
الرفي رمى. وبلغ رسولَ الله ﴿ ﴿ ذلك فصرخ بالمدينة: الفَزَعَ الفَزَعَ.
فترامت الخيولُ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ: المقداد، وعَبّاد بن بشْر، وأسيد بن
ظُهَيْر، وعُكّاشة بن مِحْصَن وغيرهم. فأمَّر عليهم سعدَ بنَ زيد، ثم قال:
أخرج في طَلَبِ القوم حتى ألحقك بالنّاس، وقد قال رسول الله وَّه
- فيما بلغني - لأبي عَيّاش: لو أعطيتَ فرسكَ رجلاً أفرس منك؟ فقلتُ:
يا رسولُ الله أنا أفرسُ النّاس. وضربتُ الفرسَ فَوَالله ما مشى بي إلّ
خمسين ذراعاً حتى طرحني فعجبتُ أَنَّ رسولَ اللهِ وَّل قال: لو أعطيته
أفرس منك وجوابي له.
ولم يكن سَلَمَة بن الأكْوَع يومئذٍ فارساً، وكان أوّل من لحق القومَ
على رِجْلَيْه. وتلاحق الفُرسان في طلب القوم، فأول من أدركهم مخرِز
ابن نَضْلة الأسَدي، فأدركهم ووقف لهم بين أيديهم ثم قال: قفوا يا
معشر بني اللَّكيعَة حتى يلحق بكم مَن وراءكم من المسلمين. فحمل
عليه رجل منهم فقتله، ولم يُقتل من المسلمين سواه.
قال عبدالملك بن هشام(١) : وقُتِل يومئذٍ من المسلمين وقاص بن
مُجَزِّز(٢) المُدْلچِي.
وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني من لا أتّهم عن عبدالله
ابن كعب بن مالك، أنّ مجزّزاً إنّما كان على فرس عُكّاشة يقال له
ابن هشام ٢/ ٢٨٣.
(١)
(٢) قيده المؤلف في المشتبه (٥٧٧)، فقال: وبمعجمات: مُجَزِّر المدلجي.
(٣) ابن هشام ٢٨٤/٢ .
٦

الجناح، فقُتِل مجزّز واستُلب الجناح. ولما تلاحقتِ الخيلُ قَتَلَ أبو قَتَادة
ابن ربعيّ. حبيبَ بنَ عُيَيْنَة بن حِصْن، وغشاه ببُرْده، ثم لحق بالنّاس.
وأقبل رسولُ اللهِ وَّه بالمسلمين، فاسترجعوا وقالوا: قُتِل أبو قَتَادة.
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ليس بأبي قَتَادة ولكنّه قتيلٌ لأبي قَتَادَة وضع عليه
بُرْدَه لتعرفوا أنه صاحبه .
وأدرك عُكّاشةُ بنُ مِحْصَن أوباراً وابنَه عَمْرو بن أوبار، كلاهما على
بعيرٍ، فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعاً، واستنقذوا بعض اللّقاح.
وسار رسول الله مَ له حتى نزل بالجبل(١) من ذي قَرَد، وتلاحق
النّاس، فنزل رسول الله وَّر به، وأقام عليه يوماً وليلة. وقال سَلَمَة: يا
رسول الله لو سَرَّحتَني في مئة رجل لاستنقذتُ بقيّة السَّرح وأخذتُ
بأعناق القوم. فقال رسول الله بَّه؛ فيما بلغني: إنّهم الآن لَيُغْبَقُون(٢)
في غَطَفان. فقسم رسول الله وََّ في أصحابه، في كلّ مئة رجل،
جَزُوراً. وأقاموا عليها ثم رجعوا إلى المدينة.
قال: وانفلتت امرأة الغِفاريّ على ناقةٍ من إبل رسول الله وَل حتى
قدمت عليه، وقالت: إنّي نذرت لله أن أنحرها إنْ نجّاني الله عليها.
قال: فتبسّم رسول الله وَِّ ثُمَّ قال: بئس ما جَزَيْتِها أنْ حَمَلَك الله عليها
ونجّاك بها ثم تنحرينها، إنّه لا نذَر فيما لا يملك ابنُ آدم إنّما هي ناقةٌ
من إبلي، ارجعي على بركة الله(٣).
قلت: هذه الغزوة تُسمَّى غزوةَ الغابة، وتُسمَّى غزوة ذي قَرَد.
وذكر ابن إسحاق وغيره: أنَّها كانت في سنة ستّ. وأخرج
(١) في نسخة البشتكي: ((بالخيل))، وليس بشيء، وانظر تاريخ الطبري ٢/ ٦٠٣.
(٢)
أي: يشربون اللبن بالعشيِّ.
(٣) ابن هشام ٢٨٥/٢.
٧

مسلم(١) أنها كانت زمن الحُدَيْبِية.
قال أبو النَّضْر هاشم بن القاسم: حدثنا عِكْرِمة بن عمّار، قال:
حدّثني إياس بن سَلَمَة بن الأكوعِ، عن أبيه، قال: قدِمْنا المدينةَ زمن
الحُدَيْبة مع رسول الله وَّ فخرجت أنا ورَباح - غلام النّبيّ - بظهر رسول
اللهِ وَلّه، وخرجت بفَرَس لطلحة بن عُبَيْد الله كنتُ أريد أن أندّيه(٢) مع
الإبل. فلما كان بغلس، أغار عبدالرحمن بن عُيَيْنة على إبلِ رسولِ الله
وَّة، فقتل راعيها وخرج يطرِدُها هو وأُناس معه في خَيْل. فقلت: يا
رباح اقعد على هذا الفَرَس فألْحِقهُ بطلحة وأخبر رسولَ الله الخبرَ.
وقمتُ على تلٍ فجعلت وجهي من قِبَل المدینة ثم نادیت ثلاث مرّات: يا
صباحاه. ثم اتَّبَعتُ القومَ معي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقر بهم
وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إليّ فارس جلست له في أصل شجرة
ثم رميت، فلا يُقبل عليّ فارس إلّ عقرت به. فجعلت أرميهم وأقول:
واليومُ يومُ الرُّضَّعِ
أنا ابنُ الأكْوَعِ
فألحق برجلٍ منهم فأرميه وهو على راحلة رَحْله، فيقع سهمي في
الرَّحل حتى انتظمت كتفه، فقلت: خُذْها وأنا ابن الأكوع.
وكنت إذا تضايقت الثنايا عَلَوْتُ الجبلَ فردَأتهم بالحجارة، فما زال
ذلك شأني وشأنهم أتبعهم فأرتجز، حتى ما خلق الله شيئاً من سرح النّبيّ
وَله إلّ خلّفته ورائي واستنقذته من أيديهم. ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا
أكثر من ثلاثين رمحاً وأكثر من ثلاثين بُرْدة يستحقُّون منها، ولا يُلقُون
من ذلك شيئاً إلّ جعلت عليه حجارةً وجمعته على طريقِ رسولِ اللهِ وَل
حتى إذا مُدَّ الضَّحَاءُ (٣) أتاهم عُبَيْنة بن بدر الفَزاريّ مدداً لهم، وهم في
(١) مسلم ١٨٩/٥ و ١٩٥.
(٢) أي: يورده ليشرب قليلاً.
(٣) الضَّحاء: أكلة الضّحى، وفي مسلم: فجلسوا يتضحون، عني: يتغدون.
٨

ثنيّة ضيّقة. ثم عَلَوْتُ الجبل، فقال عُيَيْنة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا:
لقينا من هذا البَرْحَ، ما فارَقَنَا بسَحر حتى الآن، وأخذ كلَّ شيء كان في
أيدينا وجعله وراء ظهره. فقال عُيَيْنة: لولا أنَّ هذا يرى أنَّ وراءه مَدَداً
لقد ترككم، لِيَقُم إليه نفرٌ منكم. فقام إليَّ أربعةٌ فصعدوا في الجبل.
فلما أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومَنْ أنتَ؟ قلتُ: أنا ابن
الأكوع، والذي كرَّم وجهَ محمدٍ بٍَّ لا يطلبني رجلٌ منكم فيدركني ولا
أطلبه فيفوتني.
قال رجل منهم: إنّي أظنّ؛ يعني كما قال. فما برحت مقعدي ذلك
حتى نظرت إلى فوارس رسول الله وَّيه يتخلَّلُون الشجر، وإذا أوّلهم
الأخْرم الأسدي، وعلى إثره أبو قَتَادَة، وعلى إثره المقدَاد، فولَّى
المشركون. فَأَنْزِلُ من الجبل فأعترضُ الأخرم فَاخذُ عِنانَ فَرَسه، فقلت:
يا أخرم انذَرِ القومَ يعني احذرهم فإنّي لا آمنُ أنْ يقطعوك، فاتَّد حتى
يَلْحَقَ النّبيُّ وَّرَ وأصحابه. فقال: إنْ كنتَ تؤمن بالله واليوم الآخر فلا
تَحُلْ بيني وبين الشهادة، قال: فخلَّيتُ عِنان فَرَسِه فيلحق بعبدالرحمن
ابن عُيَيْنة (١) ، وطعنه عبدالرحمن فقتله. وتحوّل عبدالرحمن على فَرَس
الأخرم فيلحق أبو قَتَادَة به، فاختلفا طعنتين، فعقر بأبي قَتَادةَ، وقتله أبو
قَتَادة، وتحوّل على فَرَس الأخرم. ثم إني خرجت أعدو في أثرِ القوم
حتى ما أرى من غبارِ أصحابي شيئاً ويعرضون قبل المغيب إلى شِعْبٍ فيه
ماء يقال له ذو قَرَد، فأرادوا أنْ يشربوا منه، فأبصروني أعدو وراءَهم،
فعطفوا عنه وأسندوا في الثنيّة، ثنيّة ذي تير(٢) ، وغربت الشمس،
(١) في نسخة (ع) زيادة هي: ((ويعطف عليه عبدالرحمن فاختلفا طعنتين، فعقر
الأخرم بعبدالرحمن))، وما أثبتناه من النسخ الأخرى ومنها نسخة البشتكي،
وتعضده رواية مسلم، إذ ليس فيها هذه الزيادة.
(٢) جَوّده البشتكي عن خط المصنّف.
٩

فألحقُ رجلاً فأرميه فقلت: خُذْها وأنا ابن الأكوع. قال فقال: يا ثَكْل
أمّي، أكْوَعَيّ بُكْرَة؟ قلت: نعم يا عدوَّ نفسه، وكان الذي رميته بُكْرة،
فاتْبعتُه سهماً آخر فعلق به سهمان. ويخلّفون فرسَين فجبذتهما أسوقهما
إلى رسول الله ◌َ ﴿ وهو على الماء الذي جَلَيْتُهم عنه ذو قَرَد؛ فإذا نبيّ الله
وَّ في خمس مئة، وإذا بلال قد نحر جَزُوراً ممّا خلَّفْت، فهو يشوي
لرسول الله وَل﴿. فقلت: يا رسول الله خلِّني فأنتخبُ من أصحابك مئة
واحدةً فَآخذ على الكُفَّار بالعَشْوة فلا يبقى منهم مُخْبِر. قال: أكُنْتَ
فاعلاً يا سَلَمَة؟ قلت: نعم، والذي أكرمك. فضحك رسول الله وَله
حتى رأيتُ نواجِذَهُ في ضوءِ النَّار. ثم قال: إنّهم يُقْرَوْن الآن بأرض
غَطَفان. فجاء رجل من غَطَفان فقال: مَرُّوا على فلان الغَطَفاني فنحر
لهم جَزُوراً، فلما أخذوا يكشطون جلدَها رأوا غبرة، فتركوها وخرجوا
هُرَّاباً .
فلما أصبحنا قال رسول الله وَ له: خير فرساننا اليوم أبو قَتَادة، وخير
رَجَّالتنا سَلَمَة. وأعطاني سهم الراجل والفارس جميعاً. ثم أردفني وراءه
على العَضْباء(١) راجعين إلى المدينة.
فلما كان بيننا وبينها قريباً من ضَخْوة، وفي القوم رجلٌ من الأنصار
كان لا يُسْبَق، فجعل ينادي: هل من مُسابقٍ؟ وكرّر ذلك. فقلت له: أما
تُكْرِم كريماً ولا تهاب شريفاً؟ قال: لا، إلّ رسول الله وَالر. قلت: يا
رسول الله بأبي أنت وأمي خلّني فَلأُسابقه. قال: إنْ شئتَ. قلت: اذْهَب
إليك. فَطَفَر عن راحلته، وثَيْتُ رِجْلَيّ فَطَفَرْتُ عن النّاقة. ثم إنّي
ربطت عليه شَرَفاً(٢) أو شَرَفَيْن؛ يعني استَبقيتُ نَفَسِي، ثم إنّي عَدَوْتُ
حتى ألحقه فَأَصُكَّ بين كِتِفَيَه بيدي. قلتُ: سبقتُكَ والله. فضحكَ وقال:
(١) اسم ناقة للنبي ◌َّل.
(٢) الشرف: ما ارتفع من الأرض. أي: حبست نفسي عن الجري الشديد.
١٠

إِنْ(١) أظُنُّ حتى قدِمنا إلى المدينة.
أخرجه مسلم عن شيخ، عن هاشم(٢).
قرأت على أبي الحسن عليّ بن عبدالغني الحَرَّاني بمصر، وعلى أبي
الحسن علي بن أحمد الهاشمي بالإسكندرية، وعلى أبي سعيد سُنْقُر بن
عبدالله بحلب، وعلى أحمد بن سليمان المقدسيّ بقاسيون، وأخبرنا
محمد بن عبدالسّلام الفقيه، وأبو الغنائم بن محاسن، وعمر بن إبراهيم
الأديب، قالوا: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن أبي بكر بن رُوزبة .
(ح) وقرأت على أبي الحسين اليونيني، ومحمد بن هاشم العبّاسي،
وإسماعيل بن عثمان الفقيه، ومحمد بن حازم، وعليّ بن بقاء، وأحمد
ابن عبدالله بن عُزَيْز، وخلق سواهم: أخبركم أبو عبدالله الحسين بن أبي
بكر ابن الزُّبَيْدي؛ قالا: أخبرنا أبو الوقت السِّجْزِي، قال: أخبرنا أبو
الحسن الدَّرَاوَرْدِي، قال: أخبرنا أبو محمد بن حَمَوَيه، قال: أخبرنا
محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال:
حدثنا مكّي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبَيْد، عن سَلَمَةَ أنّه
أخبره، قال: خرجت من المدينة ذاهباً نحو الغابة، حتى إذا كنت بثنيّة
الغابة لَقِيني غلامٌ لعبد الرحمن بن عَوْف، قلت: ويحك ما بك؟ قال:
أُخِذَتْ لقاحُ النبيِّ وَ. قلتُ: مَنْ أخذها؟ قال: غَطَفان وفَزَارة.
فصرختُ ثلاث صرخات أسمعتُ ما بين لابتيها: يا صباحاه، يا
صباحاه. ثم اندفعت حتى ألقاهم وقد أخذوها، فجعلتُ أرميهم وأقول:
أنا ابن الأكوع واليومُ يومُ الرُّضَّعِ
فاستنقذتُها منهم قبل أن يشربوا. فأقبلت بها أسوقها، فلقيني النّبيُّ
(١) هكذا في النسخ، وفي مسلم: ((أنا)).
(٢) مسلم ١٨٩/٥ و ١٩٥ .
١١

وَلَه، فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّ القومَ عِطاشٌ، وإنّي أعجلتهم أن يشربوا
سقْيَهم، فابعث في أثرهم. فقال: يا ابن الأكْوَع ملكت فأسجح، إنّ
القوم يُقْرَوْن في قومهم(١) .
مقتل أبي رافع
وهو سلّم بن أبي الحُقَيْق؛ وقيل عبدالله بن أبي الحُقَيْق اليهودي،
لعنه الله .
قال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢): ولما انقضى شأن الخندق وأمرُ
بني قُرَيْظة، وكان سلّم بن أبي الحُقَيْق أبو رافع فيمن حزَّبَ الأحزابَ
على رسولِ الله ◌َّل﴿. وكانت الأوسُ قبل أُحُد قد قتلت كعبَ بنَ
الأشرف. فاستأذنت الخزرجُ رسولَ الله ◌َّه في قتل ابن أبي الحُقَيْق وهو
بخیبر، فأذن لهم.
وحدّثني الزُّهْري، عن عبدالله بن كعب بن مالك، قال: كان مما
صنع الله لرسوله وَ﴾؛ أنّ هذين الحيّيْنِ من الأنصار كانا يتصاولان مع
رسولِ الله وَّهِ تَصَاوُلَ الفحْلَيْن لا تصنع الأوس شيئاً فيه غناء عن رسول
الله وَّ إلّ قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسولٍ
الله ◌َُّ وفي الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلَها. وإذا فعلت الخزرج
شيئاً قالت الأوس مثل ذلك.
ولما أصابت الأوسُ كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله وَّل،
قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلاً علينا. فتذاكروا مَنْ رجلٌ
لرسول الله وَّ كابنِ الأشرف، فذكروا ابنَ أبي الحُقَيْق وهو بخيبر.
(١) البخاري ٨١/٤ و١٦٥/٥-١٦٦، ومسلم ١٨٩/٥.
(٢) ابن هشام ٢/ ٢٧٣ .
١٢

فاستأذنوا رسولَ اللهِ وَلَّ، فأذِن لهم. فخرج إليه من الخزرج خمسة من
بني سَلِمَة: عبدالله بن عَتيك، ومسعود بن سِنان، وعبدالله بن أنيس،
وأبو قَتَادة بن ربعي، وآخر (١) حليف لهم. فأمَّرَ عليهم ابنَ عَتيك،
فخرجوا حتى قدِموا خيبر، فأتوا دار ابن أبي الحُقَيْق ليلاً، فلم يَدعُوا بيتاً
في الدار إلّ أغلقوهُ على أهله، ثم قاموا على بابه فاستأذنوا، فخرجت
إليهم امرأته فقالت: مَن أنتم؟ قالوا: نلتمسُ الميرةَ. قالت: ذاكم
صاحبکم، فادخلوا عليه.
قال: فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحُجْرةَ تَخَوُّفاً أن تكون دونه
مجاولة تحُولُ بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته فنوَّهَت بنا، وابتدرناه
وهو على فراشه، والله ما يدلّنا عليه في سواد البيت إلّ بياضه، كأنّه
قُبْطِيَةٍ(٢) مُلْقاة. فلما صاحت علينا جعل الرجلُ منّا يرفع سيفه عليها ثم
يذكر نَهْيَ رسولِ الله وَّل عن قتل النساء، فيكفَّ يده. فلما ضربناه
بأسيافنا تحاملَ عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وهو
يقول: قطني قطني؛ أي: حَسْبي. قال: وخرجنا، وكان ابن عَتيك سيّءَ
البصر فوقع من الدرجة، فوثِئَتْ يدُه وَثْاً(٣) شديداً وحملناه حتى نأتي
مَنْهَرَاً(٤) من عيونهم فندخل فيه. فأوقدوا النّيران واشتدُّوا في كلِّ وجهِ
يطلبونَ، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه. فقلنا: كيف لنا
بأنْ نعلم أنَّه هلك؟ فقال رجل منّا: أنا أذهبُ فأنظر لكم. فانطلق حتى
دخلَ في النّاس. قال: فوجدتُها وفي يدها المصباح وحوله رجالٌ وهي
تنظرُ في وجهه وتحدّثهم وتقول: أما والله لقد سمعتُ صوت ابن عَتيك
(١) كتب على هامش الأصل: ((هو أسود بن خزاعي)).
(٢) ثياب بيض رقاق من كتان.
(٣) أصاب عظمها شيء ليس بكسر.
(٤) مدخل الماء من خارج الحصن إلى داخله.
١٣

ثم أكذبتُ نفسي فقلت: أنّى ابن عَتيك بهذه البلاد؟ ثم أقبَلَتْ عليه تنظرُ
في وجهه، ثم قالت: فاض(١) ، وإلِهِ يهود. فما سمعتُ من كلمةٍ كانت
ألذَّ إليَّ منها. قال: ثم جاء فأخبرنا الخبر، فاحتملنا صاحِبنَا فقدِمْنا على
رسولِ الله وَّ﴾ فأخبرناه واختلفنا في قتله، فكلُّنا يَدَّعيه. فقال: هاتوا
أسيافكم، فجئناه بها فنظر إليها فقال لسيف عبدالله بن أنيس: هذا قَتَلَه،
أرى فيه أثر الطّعام والشراب.
وقال زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: بعث
رسول الله وَ رَهطاً من الأنصار إلى أبي رافع، فدخل عليه عبدالله بن
عتيك بيتَه ليلاً فقتله وهو نائم. أخرجه البخاري(٢).
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء: بعث رسول الله وَ ل
إلى أبي رافع رجالاً من الأنصار، عليهم عبدالله - يعني ابن عتيك. وكان
أبو رافع يؤذي رسولَ اللهِ وََّ ويُعِين عليه، وكان في حصنٍ له بأرض
الحجاز. فلما دَنَوْا وقد غَرُبت الشمسُ وراح النّاس بسَرْحِهم؛ قال
عبدالله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإنّي منطلق فمتلطّف للبوّاب لعلِي
أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنّع بثوبه كأنّه يقضي حاجته. وقد
دخل النّاس، فهتف به البوّابُ: يا عبدالله إنْ كنت تريد أن تدخل فادخل
لأُغْلِق. فدخلت فَكَمَنْتُ، فأغلق الباب وعلّق الأقاليد على وَدِّ(٣) ،
فقمتُ ففتحتُ الباب.
وكان أبو رافع يُسْمَرُ عنده وكان في عَلاليّ (٤) . فلمّا أنْ ذهبَ عنه
(١) أي: مات.
(٢) البخاري ١١٧/٥ .
(٣) أي: عَلَّق المفاتيح على وَدّ الصنم المعروف، أو على وتد كما في رواية أخرى
للبخاري، وهو الأصوب إن شاء الله .
(٤) أي: في غرفة علوية.
١٤

أهلُ سَمَرِهِ صعدتُ إليه، وجعلتُ كلّما فتحتُ باباً أغلقتُهُ عليَّ من
داخل، وقلت: إنْ القومُ نَذِرُوا بي لم يَخْلُصوا إليَّ حتى أقتله. فانتهيتُ
إليه فإذا هو في بيتٍ مظلم وَسْط عياله، لا أدري أينَ هو من البيت.
قلت: يا أبا رافع، قال: مَّنْ هذا؟ فأهويتُ نحو الصّوت فأضربه ضربة
بالسيف، وأنا دَهِشٌ، فما أُغني شيئاً، فصاح، فخرجتُ من البيت
فأمكث غير بعيد، ثم دخلتُ إليه فقلتُ: ما هذا الضَّرب يا أبا رافع؟
قال: لُّمِّكَ الوَيْلُ، إنَّ رجلاً في البيتِ ضربني قَبْلُ بالسيفِ. قال:
فأضربه ضربة اثخنته ولم أقتله، ثم وضعتُ صدر السيف في بطنه حتى
أخذ في ظهره فعلمت أنّي قد قتلته، فجعلتُ أفتح الابوابَ باباً فباباً حتى
انتهيت إلى دَرَجةٍ، فوضعت رِجْلي وأنا أرى أنّي قد انتهيتُ إلى الأرض،
فوقعتُ في ليلة مقمرةٍ فانكسرت ساقي، فَعَصَبْتُها بعمامتي، ثم انطلقتُ
حتى جلستُ عند الباب. فقلتُ: لا أبرح الليلة حتى أعلمَ أَقَتَلْتُهُ أم لا.
فلما صاح الدّيك قام النَّاعي على السّور فقال: أنْعَى أبا رافع. فانطلقتُ
إلى أصحابي، فقلت: النَّجاء النَّجاء، فقد قتلَ اللهُ أبا رافع، فانتهينا إلى
النّبِيِّ ◌ََّ وحدّثناه فقال: ابسُط رِجْلَك، فبسطْتُها، فمسحها، فكأنّما لم
أشْكُها قطّ. أخرجه البخاري(١) .
وأخرجه أيضاً (٢) من حديث إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق،
عن أبيه، عن جدّه، عن البَرَاء بنحوه. وفيه: ثم انطلقت إلى أبواب
بيوتهم فغلَّقتها عليهم من ظاهر. وفيه: ثم جئت كأنّي أغيثه وغيّرت
صوتي، وقلت: ما لكَ يا أبا رافع. قال: ألا أعجبك، دخل عليَّ رجل
فضربني بالسيف. قال: فَعَمَدْت له أيضاً فأضربه أخرى فلم تُغْن شيئاً.
فصاح وقام أهلُه، ثم جئت وغَيَّرتُ صوتي كهيئة المُغيث، وإذا هو
(١) البخاري ١١٧/٥ -١١٨.
(٢) البخاري ١١٨/٥-١١٩.
١٥

مُسْتَلْقٍ على ظهره، فأضع السيفَ في بطنه ثم أتّكىءُ عليه حتى سمعتُ
صوت العظم. ثم خرجت دَهِشاً إلى السُّلَّم، فسقطْتُ فاختلعتْ رِجْلي
فعصبتها. ثم أتيت أصحابي احْجُلُ فقلت: انطلقوا فبشِّروا رسولَ الله وَ له
فإنّي لا أبرح حتى أسمع النّاعية. فلما كان وجه الصُّبح صعد النّاعية،
فقال: أنْعَى أبا رافع. فقمتُ أمشي، ما بي قلَبَةٌ(١) ، فأدركتُ أصحابي
قبل أن يأتوا النّبيّ وَِّ فبشَّرْتُهُ.
وقال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوَة، قال: كان سلّم بن
أبي الحُقَيْق قد أجلب في غَطَفان ومَن حوله من مُشْركي العرب يدعوهم
إلى قتال رسول الله وَ لّ ويجعل لهم الجُعْلَ العظيم. فبعث النّبيّ ◌َّ إِليه
جماعة فبّتوه ليلاً.
وقال موسى بن عُقْبة في مغازيه: فطرقوا أبا رافع اليهوديّ بخيبر
فقتلوه في بيته.
قتل ابن نُبَيْح الهُذَليّ
ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوَة، قال: بعث رسول الله وَليل
عبدالله بن أنيس السُّلَميّ إلى سفيان بن نُبَيْح الهُذَلي ثم اللّحْياني ليقتله
وهو بعُرَنَةَ وادي مكة .
وقال محمد بن سَلَمَة، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني محمد بن
جعفر بن الزُّبَيْر، عن عبدالله بن عبدالله بن أنيس، عن أبيه، قال: دعاني
رسول الله وَّلإر فقال: إنّه بلغني أنّ ابن نُبَيْح الهُذَليّ يجمع النّاسَ ليغزوني
وهو بنخلة أو بعُرَنَةَ، فأَتِهِ فَاقْتُلْه. قلت: يا رسولَ الله انعته لي حتى
(١) أي: تعب ولا ألم.
(٢) ابن هشام ٦١٩/٢ .
١٦

أعرفه. قال: آية ما بينك وبينه أنّكَ إذا رأيتَه وجدتَ له قُشَعْريرة.
فخرجتُ متوشّحاً سيفي، حتى دُفعتُ إليه في ظُعُن يرتادُ لهنَّ منزلاً وقت
العصر. فلما رأيتُه وجدتُ له ما وصف لي رسول الله وَلَهَ من القُشَعْرِيرة.
فأقبلتُ نحوه وخشيت أنْ يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصّلاة،
فصلَّيتُ وأنا أمشي نحوه أُومىء برأسي إيماءً. فلما انتهيتُ إليه قال: مَن
الرجل؟ قلت: رجلٌ من العرب سمع بك وبِجَمعكَ لهذا الرَّجُلِ، فجاء
لذلك. قال: أجل نحن في ذلك. فمشيتُ معه حتى إذا أمكنني حملتُ
عليه بالسيّق فقتلتُه، ثم خرجت وتركتُ ظعائنه مُكِبّاتٍ عليه .
فلما قدِمتُ على رسول الله وَ ◌ّه قال: أفلح الوجْهُ. قلتُ: قد قتلتُهُ يا
رسولَ الله. قال: صَدَقْتَ. ثم قام بي فدخلَ بي بيته فأعطاني عصاً،
فقال: أمسِكْ هذه عندك. فخرجتُ بها على النّاس. فقالوا: ما هذه
العصا؟ فقلتُ: أعطانيها رسولُ اللهِ وَّل، وأمرني أنْ أمسكها عندي.
قالوا: أفلا ترجع فتسأله فرجعتُ فسألته: لِمَ أعطيتَنيها يا رسولَ الله؟
قال: آيةٌ بيني وبينك يومَ القيامة، إنّ أقلَّ النّاس المتخصِّرون(١) يومئذٍ.
قال: فَقَرَنها عبدُالله بسيفه فلم تَزَلْ معه، حتى إذا ماتَ أَمَرَ بها فضُمَّت
معه في كفنه، فدُفنا جميعاً.
رواه عبدالوارث بن سعيد، عن ابن إسحاق، فقال(٢): إلى خالد
بن سفيان الهُذَليّ.
وقال موسى بن عُقْبة: بعثه رسول الله وَ له إلى سُفيان بن عبدالله بن
أبي نُبَيْح الهُذَليّ، والله أعلم.
(١) أي: المُتَّكِئُون على الخاصر، وهي العصا، واحدتها: مخصرة.
(٢) انظره في مسند أحمد ٤٩٦/٣ .
١٧

غزوَة بني المُصْطَلِقِ
وهي غزوة المُرَيْسِيع
قال ابن إسحاق: غزا رسول الله وَل بني المُصْطَلِقِ من خُزَاعة، في
شعبان سنة ستّ. كذا قال ابن إسحاق(١) .
وقال ابن شهاب وعُرْوَة: هي في شعبان سنة خمس.
وكذلك يُرْوَى عن قَتَادَة.
وقاله أيضاً الواقدي(٢)، فقال: خرج رسول الله وَل يوم الإثنين
لليلتين خَلَتا من شعبان سنة خمسٍ، وقدِم المدينة لهلال رمضان.
قلت: وفيها حديث الإفك، وقد تقدّم ذلك في سنة خمس. وهو
الصّحيح.
سريّة نَجْد
قيل إنّها كانت في المحرّم سنة ستٍ
قال اللَّيْث بن سعد: حدّثني سعيد المَقْبُرِي أنّه سمع أبا هريرة
يقول: بعث رسولُ اللهِ وَّرِ خيلاً قِبَل نَجْد، فجاءت برجلٍ من بني حنيفة
يقال له ثُمامة بن أُثَال سيّد أهل اليَمَامة، فربطوه بساريةٍ من سواري
المسجد، فخرج إليه رسولُ اللهِ وَلَه فقال: ما عندكَ؟ قال: عندي يا
محمد خير، إنْ تَقْتُلْ تقتل ذا دَمٍ، وإنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكرٍ، وإنْ كنتَ
(١) ابن هشام ٢/ ٢٩٧ .
(٢) المغازي ٤٠٤/١ .
١٨

تريدُ المالَ فسَلْ تُعْطَ منه ما شِئْتَ. فتركه رسولُ الله ◌ِوَّر، حتى كان من
الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلتُ لك إنْ تُنْعِم تُنْعِم
على شاكر، وإن تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دم، وإنْ كنتَ تريد المالَ فسَلْ تُعْطَ منه ما
شئت. فقال: أطلقوه. فانطلق إلى نخلِ قريب من المسجد، فاغتسل ثم
دخل المسجد فقال: أشهد أنْ لا إله إلّ الله وأنّ محمداً رسولُ الله. یا
محمدُ، واللهِ ما كان على وجه الأرض أبغض إليَّ من وجهك، وقد
أصبح وجهكَ أحبَّ الوجوه كلِّها إليَّ. والله ما كان دِينٌ أبغضَ إليَّ من
دينك، فأصبح دينُك أحبَّ الدّين كلّه إليَّ. والله ما كان من بلدٍ أبغض
إليَّ من بلدك، فأصبح بلدُك أحبَّ البلاد كلِّها إليَّ، وإنَّ خَيْلك أخذتني
وأنا أريد العُمْرة، فماذا ترى؟ فبشَّره رسولُ اللهِ وَّه، وأمره أنْ يعتمر.
فلما قدِم مكةَ قال له قائل: صبوتَ يا ثمامة. قال: لا، ولكنّي أسلمتُ،
فَوَ الله لا يأتيكم من اليمامة حبةٌ حتى يأَذَنَ فيها رسولُ اللهِ وَ مُتَّفقٌ
عليه(١) ، (وأخرجه) مسلم(٢) أيضاً من حديث عبدالحميد بن جعفر عن
المَقْهُرِي، به.
وخالفهما محمد بن إسحاق، فيما روى يونس بن بُكَيْر عنه: حدّثني
سعيد المَقْبُرِي، عن أبي هريرة، قال: كان إسلام ثُمامة بن أُثال أنّ
رسول الله وَ﴾ دعا الله حين عرض لرسول اللهصل﴾ بما عرض له وهو
مشرك، فأراد قتله، فأقبل مُعْتَمِراً حتى دخَل المدينة، فتحيَّر فيها حتى
أُخِذَ، فأُتي به رسولَ اللهِ وَّه، فأمرَ به فَرُبطَ إلى عمود من عُمُد المسجد.
وفيه: وإنْ تسأل مالاً تُعْطَهُ.
قال أبو هريرة: فجعلنا المساكين نقول: ما نصنعُ بدم ثُمامة؟ والله
(١) البخاري ١٢٥/١ و١٦١/٣ و٢١٤/٥، ومسلم ١٥٨/٥، وانظر ابن هشام
٦٣٨/٢.
(٢) مسلم ١٥٨/٥ .
١٩

لأكْلَةٌ من جَزُورٍ سمينةٍ من فدائِه أحبُّ إلينا من دمه.
قلتُ: وهذا يدلُّ على أنَّ إسلام ثُمامة كان بعدَ إسلام أبي هريرة،
وهو في سنة سبع. فذكر الحديث، وفيه: فانصرف من مكة إلى اليمامة،
ومنع الحمل إلى مكة حتى جَهِدَتْ قُريش، فكتبوا إلى رسول الله وَله
يسألونه بأرحامهم أنْ يكتب إلى ثُمامَة يُخلي لهم حَمْل الطعام. وكانت
اليَمامةُ ريفَ مكة. قال: فأذِن النّبيّ وَّ .
وفيها: كان من السّرايا، على ما زعم الواقدي(١): قال: بعث
رسولُ اللهِ وَ﴿ في ربيع الأول أو الآخر عَُّاشة بن مِحْصَن في أربعين
رجلاً إلى الغَمْر(٢)، وفيهم ثابت بن أقرم وشجاع(٣) بن وهب.
فأسرعوا، ونَذِرَ بهم القوم وهربوا. فنزل عُكّاشة على مياههم وبعث
الطلائع فأصابوا مَنْ دَلَّهم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مئتي بعيرٍ،
فساقوها إلى المدينة (٤) .
وقال: وفيها بعث سَرِيَّة أبي عُبَيْدة إلى(٥) القَصَّة، في أربعين
رجلاً، فساروا ليلهم مشاةً ووافوا ذا القَصَّة مع عَماية الصُّبْح، فأغار
عليهم وأعجزهم هرباً في الجبال. وأصابوا رجلاً فأسلم، وبعث رسول
اللهِ وَّ محمدَ بنَ مَسْلَمَة، في عشرة، فكمن القومُ لهم حتى نام هو
وأصحابُه، فما شعروا إلّ بالقوم، فقُتِل أصحابُ محمد، وأفلتَ هو
جريحاً .
(١) المغازي ٥٥٠/٢ .
(٢) ماء من مياه بني أسد.
(٣) في النسخ كافة: ((سباع)) وهو خطأ صوابه: ((شجاع))، كما في كتب الصحابة،
ومغازي الواقدي.
(٤) طبقات ابن سعد ٨٥/٢.
(٥) يعني: إلى ذي القَصّة، كما في مغازي الواقدي ٥٥١/٢ .
٢٠