النص المفهرس
صفحات 501-520
أَستاذ الزَّهْراني، قال: حدّثني البراء بن عازب، قال: لما كان حين أمَرَنا رسولُ اللهِ وَله بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرةٌ عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فَشَكوا ذلك إلى رسول الله وَلآ، فلما رآها أخذ المِعْوَل وقال: بسم الله، وضرب ضربةً فكسر ثلثها. فقال: الله أكبر أُعْطِيتُ مفاتيح الشّام، والله إنّي لأُبْصِرُ قصورها الحُمْرِ إِنْ شاء الله. ثم ضرب الثانية وقطع ثُلُثاً آخر فقال: الله أكبر أُعْطيتُ مفاتيحَ فارس، والله إنّي لأُبصِر قصرَ المدائن الأبيض. ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقيّة الحجر فقال: الله أكبر أُعطيت مفاتيحَ اليمن، والله إنّي لأُبْصر أبوابَ صنعاء من مكاني السّاعة. وقال الثَّوري: حدثنا ابن المُنْكَدِر، سمعت جابراً يقول: قال رسول الله وَّ يوم الأحزاب: مَنْ يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزُّبَير: أنا. فقال: مَنْ يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزُّبير: أنا. فقال: ((إنّ لكلّ نبيِّ حَوَارِيّاً وحَوَارِيّ الزُّبَيْرُ)). أخرجه البخاري(١) . وقال الحسن بن الحسن بن عطيّة العَوْفي: حدّثني أبي، عن أبيه(٢) ، عن ابن عبّاس: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتَكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُدًا لَّمْ تَرَوَهَاْ ﴾﴾﴾ [الأحزاب] قال: كان ذلك يوم أبي سفيان؛ يوم الأحزاب . ﴿ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةُ ﴿يَا﴾ [الأحزاب]، قال: هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلّة نَخْشى عليها السَّرق. [الأحزاب] الآية، قال: لأنّ قوله: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ (١) البخاري ١٤١/٥- ١٤٢. (٢) عطية وابنه ضعيفان. ٥٠١ الله قال لهم في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّهُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ لْ﴾﴾ [البقرة]، فلمّا مَسَّهم البلاء حيث رابطوا الأحزابَ في الخندق، تأوّل المؤمنون ذلك، ولم يزِدْهم إلّ إيماناً وتسليماً. وقال حمّاد بن سَلَمَة: أخبرنا حَجَّاج، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس: أنّ رجلاً من المشركين قُتِل يوم الأحزاب، فبعث المشركون إلى رسول الله وَل﴿ أن ابعثْ إلينا بجسده ونُعطيهم اثنيْ عَشَرَ ألفاً، فقال: لا خير في جسده ولا في ثمنه . وقال الأصمعيّ: حدثنا عبدالرحمن بن أبي الزّناد، قَال: ضرب الزُّبَيْر بن العوّام يومَ الخندق عثمانَ بنَ عبدالله بن المغيرة بالسيف على مِغْفَرِهِ فَقَدَّه إلى القُرْبُوس(١) ، فقالوا: ما أجودَ سيفكَ، فغضبَ، يريد أنّ العملَ لیدِهِ لا لسيفه . قال شُعبة، عن الحَكَم، عن يحيى بن الجزّار، عن عليّ: أنَّ رسول الله ◌ََّ كان يوم الأحزاب قاعداً على فُرْضة من فُرَض الخندق، فقال وَلَّر: شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتَهم ناراً، أو بطونَهم. أخرجه مسلم(٢). وقال يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَة، عن جابر، أنّ عمر يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسبُّ كفَّارَ قُريش، وقال: يا رسول الله ما كِدْتُ أنْ أصّي حتى كادت الشمس أن تغرُب. فقال رسول الله وَلَه : وأنا والله ما صلَّيْتُها بعدُ. فنزلتُ مع رسول الله، أحسَبُهُ قال إلى بُطْحان(٣)، فتوضّأ للصّلاة وتوضّأنا، فصلّى العصرَ بعدما غربت (١) مُقَدَّمُ السَّرْج أو مؤخره. (٢) مسلم ١١١/٢ و١١٢. (٣) وادٍ بالمدينة. ٥٠٢ الشمس، ثم صلّى المغرب. مُتَّفقٌ عليه(١). وقال جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمي، عن أبيه، قال: كنّا عند حُذَيْفة بن اليمان، فقال رجل: لو أدركتُ رسولَ الله ◌ََّ لقَاتلتُ معه وأبْلَيت. فقال: أنتَ كنت تفعلُ ذاك؟ لقد رأيتنا مع رسولِ اللهِ وَّهَ ليلةَ الأحزاب في ليلةٍ ذاتٍ ريح شديدةٍ وقَرِّ، فقال رسول الله وَّ: ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟ فلم يُجْبه منّا أحدٌ، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. ثم قال: يا حُذَيْفة قم فأتنا بخبر القوم. فلم أجد بُدّاً إذ دعاني باسمي أنْ أقوم. فقال ائتني بخبر القوم ولا تَذْعَرْهم عليَّ. قال: فمضيت كأنّما أمشي في حمَّام حتى أتيتهم، فإذا أبو سُفيان يَصْلي ظهرَه بالنّار. فوضعت سهمي في كبد قوسي وأردتُ أن أرميه، ثم ذكرت قولَ رسول الله ◌َ﴾: لا تَذْعَرُهُم عليّ، ولو رميته لأصبتُه. قَال: فرجعتُ كانّما أمشي في حَمَّام فأتيتُ رسولَ الله وَله، ثم أصابني البرد حين فرغت وقُرِرْتُ، فأخبرتُ رسولَ الله ◌ََّ، فألبسني من فضل عباءةٍ كانت عليه يصلّي فيها، فلم أزل نائماً حتى الصُّبح، فلما أنْ أصبحت قال رسول الله وَّ: ((قم يا نَوْمَان)). أخرجه مسلم(٢). وقال أبو نُعَيْم: حدثنا يوسف بن عبدالله بن أبي بُرْدَة، عن موسى بن أبي المختار، عن بلال العَبْسيّ، عن حُذَيْفَة: أنّ النّاس تفرّقوا عن رسول الله ◌َّ ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلّ اثنا عشر رجلاً، فأتاني رسولُ الله ﴿ ﴿ وأنا جاثٍ من البرد، فقال: انطلق إلى عسكر الأحزاب. فقلت: والذي بعثك بالحقِّ ما قمتُ إليك من البرد إلّ حياءً منك. قال: فانطلق يا ابنَ اليَمان فلا بأسَ عليك من حَرٍّ ولا بردٍ حتى ترجع إليَّ. فانطلقتُ إلى عسكرهم، فوجدت أبا سُفيان يُوقِدُ النَّار في عُصْبةٍ حولَه، قد تفرَّق (١) البخاري ١٥٤/١ و١٥٥ و١٦٤ و١٨/٢ و١٤١/٥، ومسلم ١١٣/٢. (٢) مسلم ١٧٧/٥. ٥٠٣ الأحزاب عنه، حتى إذا جلستُ فيهم، حَسَّ أبو سُفيان أنّه دخلَ فيهم مِنْ غيرهم، فقال: يأخذ كلُّ رجلٍ منكم بيد جليسِه. قال: فضربتُ بيدي على الذي عن يميني فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي إلى الذي عن يساري فأخذتُ بيده. فكنتُ فيهم هُنيةً. ثم قمتُ فأتيتُ رسولَ الله وَالم وهو قائم يصلّي، فأومأ إليَّ بيده أن: ادْنُ، فَدَنَوْتُ. ثم أومأ إليَّ فدنوتُ. حتى أسبلَ عليَّ من الثَّوْبِ الذي عليه وهو يصلِّي. فلما فرغ قال: ما الخبر؟ قلت: تفرّق النّاسُ عن أبي سُفيان، فلم يبقَ إلّ في عُصْبةٍ يوقد النّار، قد صبّ الله عليه من البرد مثلَ الذي صبَّ علينا، ولكنّا نرجوا من الله ما لا يرجو. وقال عِكْرمة بن عمّار، عن محمد بن عُبَيْد الحنفي، عن عبدالعزيز ابن أخي حُذَيْفة، قال: ذكر حُذَيْفَة مشاهدَهم، فقال جلساؤه: أما والله لو كنّا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا. فقال حُذَيْفة: لا تَمَنَّوْا ذلك، فلقد رأيتُنا ليلةَ الأحزاب. وساق الحديث مطوَّلاً . وقال إسماعيل بن أبي خالد: حدثنا ابن أبي أوفى، قال: دعا رسولُ اللهِ وَلَّ على الأحزاب فقال: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكتابِ سريعَ الحساب اهزِمِ الأحزابَ، اللَّهُمَّ اهزمهم وزلزلهم)). مُتَّفقٌ عليه (١). وقال اللَّيْث: حدّثني المَقْبُرِيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة أنّ رسولَ اللهِ وَلَه كان يقول: ((لا إله إلّ الله وحده، أعَزَّ جُنْدَه، ونصر عبده، وغلبَ الأحزابَ وحده فلا شيء بعده)). مُتَّفقٌ عليه(٢). وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صُرَد، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه حين أجلى عنه الأحزاب: ((الآن نغزوهم ولا (١) البخاري ٥٣/٤ و ١٤٢/٥ و١٠٤/٨ و١٧٤/٩، ومسلم ١٤٣/٥ و١٤٤. (٢) البخاري ١٤٢/٥، ومسلم ٨٣/٨. ٥٠٤ يغزونا؛ نسيرُ إليهم)). أخرجه البخاري(١). وقال خارجة بن مُصْعَب، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن چ عبّاس: ﴿﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم ◌ِنْهُمْ قَّوَدَّةٌ [الممتحنة]، قال: تزويج النّبيّ وَّله أمّ حبيبة بنت أبي سُفيان، فصارت أمّ المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين. كذا روى الكلبيّ وهو متروك. وذهب العلماء في أُمّهات المؤمنين أنّ هذا حكم مختصٌّ بهنّ ولا يتعدّى التحريمُ إلى بناتهنَّ ولا إلى إخوتهنَّ ولا أخَواتهنّ. واستُشْهد يوم الأحزاب: عبدالله بن سهل بن رافع الأشهلي، تَفَرَّدَ ابنُ هشام (٢) بأنّه شهد بدراً. وأنَس بن أوْس بن عتيك الأشهلي، والطُّفَيْل بن التُّعمان بن خنساء، وثعلبة بن عَنَمة؛ كلاهما من بني جُشَم بن الخزرج. وكعب بن زيد أحد بني النَّجَّار، أصابه سهمٌ غَرْبٌ، وقد شهد هؤلاء الثلاثة بدراً. ذكر ابن إسحاق(٣) أنّ هؤلاء الخمسة قُتِلوا يوم الأحزاب. وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: قُتِل من المشركين يوم الخندق: نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومي؛ أقبل على فَرَس له لِيُوثِبَهُ الخندقَ، فوقعَ في الخندق فقتله اللهُ، وكَبُر ذلك على المشركين وأرسلوا إلى رسول الله وَّه: إنّا نعطيكم الدِّية على أنْ تدفعوه إلينا فندفنه. فَردَّ إليهم رسولُ اللهِ وَلَهُ: إنّه خبيثُ الدِّيةِ لعنه الله (١) البخاري ١٤١/٥. (٢) السيرة النبوة ٢/ ٢٥٢. (٣) ابن هشام ٢/ ٢٥٢. ٥٠٥ ولعن دِيَتَه ولا نمنعكم أنْ تدفنوه، ولا أرَب لنَا في دِيَتِهِ . غزوَة بَنِيْ قُرَيْظَة صَلىالله وكانوا قد ظاهروا قريشاً وأعانوهم على حرب رسول الله وفيهم نزلت ﴿ وَأَنَزَّلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ ٢٦٨ [الأحزاب] الآيتين. قال هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما رجع رسول الله رَله من الخندق ووضع السّلاح واغتسل أتاه جبريل وقال: وضعتَ السّلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم. قال: فأين؟ قال: هاهنا. وأشار إلى بني قُرَيْظة. فخرج النّبيُّ ◌ََّ. مُتَّفقٌ عليه(١). وقال حُمَيْد بن هلال، عن أنس: كأنّي أنظر إلى الغُبار ساطعاً من سكّة بني غَنْم، موكِبَ جبريل حين سار إلى بني قُرَيْظة. البخاري(٢). وقال جُوَيْرِية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نادى فينا رسولُ الله وَّ يوم انصرف من الأحزاب أن لا يُصَلَّنَّ أحدٌ العصرَ إلّ في بني قُرَيْظة. فتخوّف ناس فَوْت الوقت فصلَّوا دون قُرَيْظة. وقال آخرون: لا نصلّي إلا حيث أمرَنَا رسولُ اللهِ وَّهِ وإنْ فاتنا الوقت. فما عَّف واحداً من الفريقين. مُتَّفقٌ عليه(٣). وعند مسلم في بعض طُرُقه: الظُّهر بدلَ العصر. وكأنّه وَهْم. وقال بِشْر بن شُعَيْب، عن أبيه، قال: حدثنا الزُّهْري، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك، أنّ عمّه عُبَيْد الله بن كعب (١) البخاري ١٤٢/٥، ومسلم ١٦٠/٥. (٢) البخاري ١٤٢/٥-١٤٣. (٣) البخاري ١٩/٢ و١٤٣/٥، ومسلم ١٦٢/٥. ٥٠٦ أخبره أنّ رسول الله بَ لّ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة واغتسل واستجمر، فتبدَّى له جبريل عليه السلام، فقال: عَذِيرَكَ من محاربٍ، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعدُ. فوثب رسول الله ◌َّ فِزِعاً فعزم على النّاس أنْ لا يصلُّوا العصرَ حتى يأتوا بني قُرَيْظة. فلبسوا السلاح، فلم يأتوا بني قُرَيْظة حتى غربت الشمس، فاختصم النّاس عند غروبها، فقال بعضهم: إنّ رسول الله وَّ عزم علينا أنْ لا نصلّي حتى نأتي بني قُرَيْظة، وإنما نحن في عزيمة رسول الله وَّر، فليس علينا إثم. وصلّى طائفة من النّاس احتساباً، وتركت طائفة حتى غربت الشمس فصلَّوا حين جاؤوا بني قُرَيْظة. فلم يُعَنَّفْ رسولُ اللهِ وَهِ واحداً من الفريقين(١). وروى نحوَه عبدُالله بن عمر، عن أخيه عُبَيْدالله، عن القاسم، عن عائشة، وفيه أنّ رجلاًسلّم علينا ونحن في البيت، فقام رسول الله وَله فَزِعاً، فقمت في إثره، فإذا بدحية الكلبي، فقال رسول الله وَّة: هذا جبريلُ يأمرني أنْ أذهبَ إلى بني قُرَيْظة، وقال: وضعتم السلاح، لكنّا لم نضع السلاح، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراءَ الأسَد. وفيه: فمرّ رسول الله وَّه بمجالس بينه وبين بني قُرَيْظة، فقال: هل مَرَّ بكم من أحدٍ؟ قالوا: مرّ علينا دِحية الكلْبِيّ على بغلةٍ شَهباء تحته قطيفة ديباج. قال: ليس ذاك بدِحْية الكلبي ولكنّه جبريل أُرسِل إلى بني قُرَيْظة ليُزَلْزلهم ويقذف في قلوبهم الرُّعب. فحاصرهم النّبِيّ بَّرَ، وأمر أصحابه أن يستروه بالحَجَفِ حتى يسمعَهم كلامَهُ فناداهم: يا إخوة القردة والخنازير، فقالوا: يا أبا القاسم لم تك فخَّاشاً. فحاصرهم حتى نزلوا على حُكم سعد بن مُعَاذ، وكانوا حلفاءه، فحكم فيهم أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبَى ذراريهم ونساؤهم. (١) وانظر المغازي للواقدي ٤٩٧/٢، وابن هشام ٣٣٣/٢ -٢٣٤. ٥٠٧ وقال محمد بن عَمْرو، عن أبيه، عن جدّه علقمة، عن عائشة، قالت: جاء جبريل وعلى ثناياه النَّقْع، فقال: أوَضَعْتَ السّلاح؟ واللهِ ما وَضَعَتْهُ الملائكةُ، اخْرُجْ إلى بني قُرَيْظة. فلبس رسول الله وَلِ لأَمَتَه، وأَذْن بالرحيل، ثم مرّ على بني عمرو (١) فقال: مَنْ مرّ بكم؟ قالوا: دِخْية. وكان دِحْية يشبه لحيتُه ووجهُه جبريل. فأتاهم فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حُكّم سعد، وذكر الحديث بطوله في مُسْنَد أحمد (٢) . وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣) : قَدَّمَ رسولُ الله علياً معه رايته وابتَدَرَ النّاسُ. وقال موسى بن عُقْبة (٤): وخرج رسول الله بَّه في أثر جبريل، فمرّ على مجلس بني غَنْم وهم ينتظرون رسول الله وَّةِ، فسألهم: مَرَّ عليكم فارس آنفاً؟ فقالوا: مرّ علينا دِحْية على فرس أبيض تحته نمطٌ أو قطيفةٌ من ديباج عليه اللأمة. قال: ذاك جبريل. وكان رسول الله وَ ل﴿ يُشَبِّه دِحيةَ بجيريل. قال: ولما رأى عليّ بن أبي طالب رسول الله وَّل مقبلاً تلقّاه. وقال: ارجع يارسولَ الله، فإنَّ الله كافيكَ اليهودَ. وكان عليٌّ سمع منهم قولاً سَيّاً لرسول الله بَّهِ وأزواجِه. فكره عليُّ أنْ يسمع ذلك، فقال: لِمَ تأمرني بالرجوع؟ فكتمَهُ ما سمعَ منهم. فقال: أظنّك سمعت لي منهم أذىّ؟ فامضٍ فإنَّ أعداءَ الله لو قد رأوني لم يقولوا شيئاً ممّا سمعت. فلما نزل رسول الله وَله بحصنهم، وكانوا في أعلاه، نادى بأعلى صوته نفراً من أشرافها حتى أسمعهم فقال: أجيبونا يا معشر يهود يا (١) هكذا في النسخ وفي مسند أحمد: غَنْم. (٢) أحمد ٦/ ١٤١- ١٤٢. (٣) ابن هشام ٢٣٤/٢ . (٤) نص موسى نقله البيهقي في الدلائل ١٢/٤-١٤. ٥٠٨ إخوة القِرَدَة، لقد نزل بكم خِزْي الله. فحاصرهم ◌َّ بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، وردّ الله حُيَّيَّ بنَ أخطب حتى دخل حصنَهُم، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب، واشتدّ عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لُبابة بن عبدالمنذر وكانوا حلفاء الأنصار. فقال: لا آتيهم حتى يأذنَ لي رسولُ الله ◌َّهُ. فقال: قد أذِنْتُ لك. فأتاهم، فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لُبابة، ماذا ترى، فأشار بيده إلى حَلْقه، يُريهم أنَّ ما يُراد بكم القتل. فلما انصرف سُقِط في يده ورأى أنّه قد أصابته فتنةٌ عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله وَّر حتى أُحدِثَ لله توبةً نَصُوحاً يعلمها اللهُ من نفسي. فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد. فزعموا أنّه ارتبط قريباً من عشرين ليلة. فقال رسول الله وَلّ، كما ذُكِرَ، حين راث عليه (١) أبو لُبابة: أما فَرَغَ أبو لُبابة من حلفائه؟ قالوا: يا رسول الله، قد والله انصرف من عند الحصنِ وما ندري أينَ سلكَ. فقال: قد حدث له أمرٌ. فأقبل رجلٌ فقال: يا رسول الله، رأيت أبا لبابة ارتبط بحبلٍ إلى جِدْعٍ من جذوع المسجد. فقال رسول الله وجهه: لقد أصابته بعدي فتنةٌ، ولو جاءني لاستغفرتُ له. فإذْ فعلَ هذا فلن أحرِّكه من مكانِه حتى يقضي اللهُ فيه ما شاء . وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، فذكر نحو ما قصَّ موسى بن عقبة، وعنده: فلبس رسول الله مَّ لأمَتَه وأذَّن بالخروج، وأمرهم أن يأخذوا السّلاح. ففزع النَّاسُ للحرب، وبعث عليّاً على المقدّمة ودفع إليه اللواء. ثم خرج رسول الله وَّر على آثارهم. ولم يقل بضع عشرة ليلة . (١) أي: أبطأ عليه . ٥٠٩ وقال يونس بن بُكَيْر، والبكائي - واللَّفظ له - عن ابن إسحاق(١)، قال: حاصرهم رسول الله وَّ خمساً وعشرين ليلةً، حتى جَهَدَهُم الحصارُ، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب. وكان حُيَيُّ بنُ أخطب دخل مع بني قُرَيْظة في حِصْنهم حين رجعت عنهم قُريش وغطفان، وفاءً لكعب ابن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا بأنّ رسول الله مَّ غير منصرفٍ عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود، قد نزلَ بكم من الأمرِ ما ترون، وإنّي عارضٌ عليكم خِلالاً ثلاثاً، فخُذُوا أيَّها شئتم. قالوا: وما هي؟ قال: نُبايع هذا الرجل ونُصَدِّقُه، فَوالله لقد تَبَيَّنَ لكم أنه لَنَبِيّ مُرْسَل، وأنّه للَّذِي تَجدونه في كتابكم، فتَأْمَنون على دمائكم وأموالكم. قالوا: لا نفارق حُكمَ التَّوراة أبداً ولا نستبدل به غيره. قال: فإذْ أبيتم عليَّ هذه، فهلُمَّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمدٍ وأصحابه مُصْلِتِين السُّيوف لم نترك وراءنا ثَقَلاَ، حتى يحكم اللهُ بيننا وبين محمد، فإنْ نَهْلِكْ نهلك ولم نترك وراءنا نَسْلا نخشى عليه، وإنْ نظهر فَلَعَمْرِي لَنَتَّخِذَنَّ النّساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين، فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإنْ أبيتم هذه فإنّ الليلة ليلة السبت وإنّه عسى أنْ يكون محمدٌ وأصحابه قد أمِنُوا فيها فانزلوا لعلَّنا نُصيب من محمدٍ وأصحابه غِرَّة. قالوا: نُفسد سبْتَنَا ونُحدِث فيه ما لم يُحْدِث مَن كان قَبَلَنا، إلا مَن قد عِلِمْتَ فأصابَهُ ما لم يَخْفَ عليك من المَسْخِ؟ قال: ما باتَ رجلٌ منكم منذ ولدته أمُّهُ ليلةً واحدة من الدَّهر حازماً. رواه يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق، لكنّه قال عن أبيه، عن مَعْبَد ابن كعب بن مالك، فذكره وزاد فيه: ثم بعثوا يطلبون أبا لُبابة، وذَكَرَ رَبْطَه نفسه. (١) ابن هشام ٢٣٥/٢. ٥١٠ وزعم سعيد بن المسيّب: أنَّ ارتباطه بساريةِ الثَّوبة كان بعد تخلُّفه عن غزوة تَبُوك حين أعرضَ عنه رسولُ اللهِ وَّهِ وهو عليه عاتبٌ، بما فعل يوم قُرَيْظة، ثم تخلّف عن غزوة تَبُوك فيمن تخلّف. والله أعلم. وفي رواية عليّ بن أبي طلحة، وعطيّة العَوْفي، عن ابن عبّاس في ارتباطه حين تخلّف عن تَبُوك ما يؤكِّدُ قولَ ابن المسيّب. وقيل: نزلت هذه الآية في أبي لُبابة ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [الأنفال]. وقال البكائيّ، عن ابن إسحاق(١) : حدّثني يزيد بن عبدالله بن قُسَيْط، أنّ تَوْبة أبي لُبابة نزلت على رسول الله وَّر وهو في بيت أمّ سَلَمَة، قالت أم سلمة: فسمعتُ رسولَ الله وَ لَه من السَّحَر وهو يضحك، فقلتُ: مِمّ تضحك؟ قال: تِيْبَ على أبي لُبابة. قلتُ: أفلا أُبشِّرُه؟ قال: إنْ شئتِ. قال: فقامت على باب حُجْرَتِها، وذلك قبل أن يُضْرَب عليهنّ الحجاب، فقالت: يا أبا لُبابة، أبْشِر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار إليه النّاس ليُطْلِقُوه. فقال: لا والله حتى يكون رسولُ الله ◌َ ر هو الذي يُطْلِقني بيده. فلما مرّ عليه خارجاً إلى صلاة الصُّبح أطلقه. قال عبد الملك بن هشام (٢) : أقام أبو لُبابة مرتبطاً بالجذْع ستَّ ليالٍ: تأتيه امرأتُهُ في وقتِ كلِّ صلاةٍ تحلُّه للصلاةِ، ثم يعود فيرتبط بالجذع، فيما حدّثني بعضُ أهل العلم. والآية التي نزلت في توبته: ﴿ وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوِبِهِمْ خَطُوْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا الْ﴾ [التوبة] الآية. قال ابن إسحاق(٣): ثم إنّ ثعلبة بن سَعْيَة، وأسيد بن سعية، وأسد ابن عُبَيْد، وهم نفر من هَذْل، أسلموا تلك الليلة التي نزل فيها بنو قُرَيْظة (١) ابن هشام ٢/ ٢٣٧. (٢) ابن هشام ٢٣٨/٢. (٣) ابن هشام ٢٣٨/٢. ٥١١ على حُكْم رسول الله وَلـ شُعْبة: أخبرني سعد بن إبراهيم، قال: سمعتُ أبا أُمَامَة بن سهل يحدّثُ عن أبي سعيد قال: نزل أهل قُرَيْظة على حكم سعد بن مُعَاذ، فأرسل إليه رسولُ الله وَّر، فأتاه على حمار. فلما دنا قريباً من المسجد قال رسول الله بَّ: قوموا إلى سَيِّدكم، أو إلى خَيْرِكم فقال: إنّ هؤلاء قد نزلوا على حُكمك، فقال: تقتل مُقَاتلتهم وتُسبى ذريتهم. فقال رسول الله وَّ: لقد حكمتَ عليهم بحكم الله. وربّما قال: بحكم المَلِك. مُتَّفقٌ عليه(١) . وقال يونس بن بُگیر، عن ابن إسحاق(٢) قال: قاموا إلیه فقالوا: یا أبا عَمْرو، قد ولّك رسولُ اللهِ وَّ أَمرَ مواليكَ لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقُه؟ قالوا: نعم. قال: وعلى مَنْ ها هنا من النّاحية التي فيها النّبيّ بَُّ ومَن معه، وهو مُعرضٌ عن رسولِ اللهِ وَل إجلالاً له؛ فقال رسول الله وَّه: نعم. فقال سعد: أحكمُ أنْ تُقتلَ الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذّراري. شُعْبة وغيره: عن عبدالملك بن عُمَيْر، عن عطية القرِيّ، قال: كنت في سَبْي قُرَيْظة، فأمر رسول الله وَلَه بمن أنبت(٣) أنْ يُقْتَلَ، فكنتُ فیمن لم يُنْبِت . موسى بن عُقْبة: قال رسول الله وَّه حين سألوه أن يُحَكِّم فيهم رجلاً: اختاروا مَنْ شئتم من أصحابي؟ فاختارو سعد بن معاذ، فرضيَ بذلك رسولُ اللهِ وَّة، فنزلوا على حُكْمُه. فأمر عليه السلام بسلاحهم فَجُعِل في قُبَته، وأمر بهم فكُتِّوا وأُوثقوا وجُعِلوا في دارِ أُسامة. وبعث (١) البخاري ٨١/٤ و٤٤/٥ و ١٤٣ و٧٢/٨، ومسلم ١٦٠/٥. (٢) ابن هشام ٢٣٩/٢ -٢٤٠. (٣) أي: بَلَغ الحلم . ٥١٢ رسول الله بَ﴿ إلى سعدٍ، فأقبل على حمارٍ أعرابيّ يزعمون أنّ وطاءَهُ بَرْذَعةٌ من ليف، واتّبعه رجلٌ من بني عبدالأشهل، فجعل يمشي معه ويعظّم حقَّ بني قُرَيْظة ويذكر حِلْفَهم والذي أبْلوه يومَ بُعاث، ويقول: اختاروك على مَنْ سواك رجاءَ رحمتِكَ وتحثُّكَ عليهم، فاسْتَبْقِهِم فإنَّهم لك جمالٌ وعُدَد. فأكثرَ ذلك الرجلُ، وسعدُ لا يَرْجع إليه شيئاً، حتى دَنَوا، فقال الرجل: ألا تَرجعُ إليَّ فيما أُكلِّمُكَ فيه؟ فقال سعد: قد آنَ لي أنْ لا تأخذني في اللهِ لومة لائم. ففارقه الرجلُ، فأتى قومَهُ فقالوا: ما وراءكَ؟ فأخبرهم أنّه غير مُسْتَبْقيهم، وأنَّ رسولَ الله ◌َِّ قتل مُقاتلتهُم، وكانوا فيما زعموا ست مئة مُقاتل قُتِلوا عند دار أبي جَهْم بالبلاط، فزعموا أنَّ دماءهم بلغتْ أحجار الزَّيت التي كانت بالسّوق، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بين مَنْ حضر من المسلمين. وكانت خيلُ المسلمين ستة وثلاثين فرساً. وأُخْرِجَ حُبَيُّ بنُ أخطب فقال له رسولُ اللهِ وَّ: هل أخزاكَ الله؟ قال له: لقد ظهرتَ عليَّ وما ألومُ إلّ نفسي في جهادكَ والشّدّة عليك. فأمر به فضُرِبَتْ عُنُقُه. كلُّ ذلك بعين سعد . وكان عَمْرو بن سُعْدى اليهودي في الأسرى، فلما قدَّموه ليقتلوه فقدوه فقيل: أين عَمْرو؟ قالوا: واللهِ ما نراهُ، وإنّ هذه لَرُمَّتُه (١) التي كان فيها، فما ندري كيف انفلتَ؟ فقال رسول الله وَ له: أفلتَنا بما علمَ الله في نفسه. وأقبل ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله وَل* فقال: هب لي الزَّبِير؛ يعني ابن باطا وامرأته. فوهبهما له، فرجع ثابت إلى الزَّبِير، فقال: يا أبا عبدالرحمن هل تعرفني - وكان الزبير يومئذٍ أعمى كبيراً - قال: هل ينكر الرجلُ أخاه؟ قال ثابت: أردتُ أن أجزيك اليوم بيدك، قال: افعل، فإنَّ الكريمَ يَجْزي الكريمَ، فأطلقه. فقال: ليس لي (١) أي: قطعة الحبل التي كان مربوطاً فيها. ٥١٣ قائد، وقد أخذتم امرأتي وبَنيَّ، فرجع ثابت إلى رسولِ الله وَ لّ فسأله ذرّيَة الزَّبِير وامرأته، فوهبهم له، فرجع إليه فقال: قد ردَّ إليكَ رسولُ الله وَ ل﴿ امرأتكَ وبنيك. قال الزَّبِير: فحائطٌ لي فيه أعذق ليس لي ولأهلي عيشٌ إلّ به. فوهبه له رسولُ اللهِ وَّر. فقال له ثابت: أسلم، قال: ما فعل المجلسان؟ فذكر رجالاً من قومه بأسمائهم. فقال ثابت: قد قُتِلوا وفُرِغَ منهم، ولعلّ الله أنْ يَهديك. فقال الزَّبِير: أسألك بالله وبيدي عندك إلّ ما ألحقتني بهم، فما في العيشِ خيرٌ بعدهم. فذكر ذلك ثابت لرسول الله ◌ََّ، فأمر بالزَّبِير فَقُتِل. قال الله تعالى في بني قُرَيْظة في سياق أمر الأحزاب: ﴿ وَأَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظَهَرُوهُم﴾ يعني: الذين ظاهروا قُريشاً: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِیھِمْ ﴾ [الأحزاب]. (٢٦ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [الأحزاب]. هي ٢٧ وقال عُرْوَة في قوله: ﴿وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَاً خَیْبر. وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(١): حدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة، عن عبدالرحمن بن عَمْرو بن سعد بن مُعَاذ، عن علقمة بن وقّاص اللّيْئي، قال: قال رسول الله وَ له لسعد: لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوقٍ سبعة أرقعة (٢). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٣): فحبسهم رسولُ الله ◌َّل في دار بنت الحارث النَّجَّارية، وخرج إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادقَ، ثم بعثَ إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق. وفيهم حُيَّيّ بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم. وهم ست مئة أو سبع مئة، (١) ابن هشام ٢٤٠/٢. (٢) هي السماوات. (٣) ابن هشام ٢/ ٢٤٠-٢٤١. ٥١٤ والمُكَثِّرُ يقول: كانوا بين الثمان مئة والتسع مئة. وقد قالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى رسولِ الله ◌َل﴿ل أرسالاً: يا كعبُ ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كلِّ موطنٍ لا تعقلون. أما ترون الدَّاعي لا ينزع، وأنّه مَنْ ذهبَ منكم لا يرجع؟ هو والله القتل. وأَّتِيَ بحُبَيّ بن أخطب وعليه حلّة فُقَّاحية(١) قد شقّها من كل ناحية قدر أنمُلَة لئلا يُسْلَبها، مجموعةٌ يَدَاهُ إلى عُنُقه بحبل، فلما نظر إلى رسولِ الله وَ لَ قال: أما والله ما لُمْتُ نفسي في عداوتك، ولكنّه من يَخْذل الله يُخْذَل. ثم أقبل على النّاس فقال: أيّها النّاس إنّه لا بأس بأمرِ الله. كتابٌ وقَدَرٌ ومَلْحمة كُتبت على بني إسرائيل. ثم جلس فضُربت عُثْقُه. وقال ابن إسحاق(٢)، عن محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر، عن عمّه عُرْوة، عن عائشة، قالت: لم يُقتل من نسائهم إلّ امرأة واحدة، قالت: إنّها والله لعندي تَحَدَّثُ معي وتَضحكُ ظهراً وبَطْنَاً، ورسولُ الله ◌ِّ يقتل رجالَهم بالسُّوق إذ هتف هاتفٌ: يابنتَ فُلانة. قالت: أنا والله. قلتُ: ويْلكِ، ما لكِ؟ قالت: أُقْتَل. قلتُ: ولِمَ؟ قالت: حَدَثٌ أحدثته. فانْطُلِقَ بها فضُربت عُنُقُها . قال عِكْرِمة وغيره: صياصيهم: حصونهم. وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): ثم بعث النّبِيُّ نَّهِ سعدَ بنَ زيد، أخا بني عبدالأشهل بسبايا بني قُرَيْظة إلى نَجْدٍ، فابتاع له بهم خيلاً وسلاحاً. وكان وَّل قد اصطفى لنفسه رَيْحانة بنت عَمْرو بن خُنَافة، وكانت عنده حتى تُوُفّي وهي في مِلْكه، وعرض عليها أن يتزوَّجها، ويضرب عليها الحجابَ، فقالت: يا رسولَ الله بل تتركني في مالك فهو (١) أي: تضرب إلى الحمرة، أي على لون الورد حين هَمَّ يتفتح. (٢) ابن هشام ٢/ ٢٤٢ . (٣) ابن هشام ٢٤٥/٢ . ٥١٥ أخفُّ عليكَ وعليَّ. فتركها. وقد كانت أوّلا توقّفتْ عن الإسلام ثم أسلمت، فَسُرَّ النّبيُّ نََّ بذلك، والله أعلم. وفي ذي الحجة : وفاة سعد بن معاذ من سنة خمس هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أُصيب سعد يوم الخندق، رماه رجلٌ من قُرَيش يقال له حِبّان بن العَرِقَة، رماه في الأكحل، فضرب عليه رسول الله وَّل خيمةً في المسجد ليعوده من قريبٍ. فلما رجع من الخندق؛ وذكر الحديث، وفيه قالت عائشة: ثم إنّ كَّلْمَهُ تحجَّر للبُرْء فقال: اللَّهُمَّ إنّك تعلم انّه ليس أحدٌ أحبّ إليّ أن أُجاهد فيك من قوم كذَّبوا رسولَك وأخرجوه، اللَّهُمَّ فإنّي أظنُّ أنّك وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم، فإنْ كان بقي من حرب قريش شيء فَأَبْقِني لهم حتّى أُجاهدهم فيك، وإنْ كنتَ وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم فافجرْها واجعل موتي فيها. قال: فانفجر من لَبَّتِه، فلم يَرُعْهُم - ومعهم في المسجد أهل خيمةٍ من بني غفار - إلّ والدَّم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قِبَلكم؟ فإذا سعدٌ جُرْحُهُ يَغْذُو فمات منها. مُتَّفقٌ عليه(١) . وقال اللَّيث: حدّثني أبو الزُّبَيْر، عن جابر، قال: رُمي سعدٌ يوم الأحزاب فقطعوا أكْحَلَه، فحسمه رسولُ اللهِ وَلّهِ بالنّار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدَّمُ فحسمه أخرى. فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللَّهُمَّ لا تُخْرِجْ نفسي حتى تُقِرّ عيني من بني قُرَيْظة. فاستمسك عِرْقُه فما (١) البخاري ١٤٤/٥، ومسلم ١٦٠/٥. ٥١٦ قطرت منه قطرة، حتى نزلوا على حُكم سعد، فأرسل إليه رسولُ الله وَّةِ، فحكم أن تُقتلَ رجالُهم وتُسْبى نساؤهم وذراريهم، قال: وكانوا أربع مئة. فلما فرغ من قتلهم، انفتق عِرْقُه فمات. حديث (١) (٢) صحيح (١).(٢). وقال ابن راهويْه: حدثنا عَمْرو بن محمد القُرَشي، قال: حدثنا عبدالله بن إدريس، عن عُبَيْدالله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ◌َ﴾: إنّ هذا الذي تحرّك له العرشُ - يعني سعد بن معاذ - وشيَّع جنازَته سبعون ألف مَلَك، لقد ضُمَّ ضَمَّةً ثم فُرِّجَ عنه(٣) . وقال سليمان التَّيْمي، عن الحسن: اهتزّ عرشُ الرحمن فرحاً بروحه (٤) . (٥) . وقال يزيد بن عبدالله بن الهاد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر، قال: جاء جبريل إلى رسول الله وَ﴿ل فقال: مَنْ هذا العبد الصالح الذي مات؛ فُتحت له أبوابُ السماء وتحرّك له العرش؟ قال: فخرج رسول الله رَّ فإذا سعد بنُ مُعَاذ، فجلس رسولُ اللهِ بَّر على قبره وهو يُدْفَن، فبينما هو جالس قال: سبحان الله - مرّتين - فسبّح القوم. ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فكبّرَ القومُ. فقال: عجِبْتُ لهذا العبد الصالح شُدِّدَ عليه في قبره حتى كان هذا حين فُرِّج له (٦) . روى بعضَه محمدُ بنُ إسحاق، عن معاذ بن رِفاعة، قال: أخبرني (١) أحمد ٣٥٠/٣، والدارمي (٢٥١٢)، والترمذي (١٥٨٢) وصححه، والبيهقي في الدلائل ٢٧/٤-٢٨ . (٢) كتب على هامش الأصل: ((هذا السند على شرط مسلم)). (٣) دلائل النبوة ٢٨/٤. (٤) انظر وفاة سعد بن معاذ في الطبقات الكبرى لابن سعد ٤٢٤/٣-٤٣٤. (٥) كتب على هامش الأصل: ((على شرط البخاري)). (٦) طبقات ابن سعد ٤٣٢/٣، وانظر مسند أحمد ٣٢٧/٣ و٣٦٠ و٣٧٧. ٥١٧ محمود بن عبدالرحمن بن عَمْرو بن الجَمُوح، عن جابر. وقال يونس، عن ابن إسحاق(١) : حدّثني مُعَاذ بن رِفاعة الزُّرْقي، قال: أخبرني من شئت من رجال قومي أنّ جبريل أتى النَّبِيّ ◌َّ في جوف اللّيل مُعْتَجِراً بعمامة من إِسْتَبْرَقَ، فقال: يا محمد مَنْ هذا الميت الذي فُتِحَت له أبوابُ السماء واهتزّ له العرش؟ فقام رسول الله وَ يجرّ ثوبه مُبادراً إلى سعد بن معاذ فوجده قد قُبِض . وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني من لا أتّهم، عن الحَسَن البصْرِي، قال: كان سعد رجلاً بادناً، فلما حمله النّاس وجدوا له خفّة. فقال رجال من المنافقين: والله إنْ كان لَبَادِناً وما حملنا من جنازةٍ أخفّ منه. فبلغ ذلك رسولَ الله ◌َ له فقال: إنّ له حَمَلَةً غيركم، والذي نفسي بيده لقد استبشَرَت الملائكة بروح سعدٍ واهتزّ له العرش. وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني أميّة بن عبدالله أنّه سأل بعضَ أهلِ سعد: ما بَلَغَكم من قول رسول الله وَّلَ في هذا؟ فقالوا: ذُكِر لنا أنّ رسول الله وَّرَ سُئل عن ذلك فقال: كان يقصّر في بعض الطُّهور من البَوْل (٤) . وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عَمْرو بن علقمة، عن أبيه، عن جدّه، عن عائشة، قالت: خرجتُ يوم الخندق أقفو آثار النّاس، فسمعت وئيد الأرض، تعني حسّ الأرض، ورائي، فالتفتُّ فإذا أنا بسعد بن مُعاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجَتَّه. فجلستُ، (١) ابن هشام ٢/ ٢٥٠-٢٥١. (٢) ابن هشام ٢/ ٢٥١. (٣) ابن هشام ١/ ٤٣٠ . (٤) كتب على هامش الأصل: ((من هنا إلى آخر الترجمة أُخذ من الطبقات لابن سعد)) . ٥١٨ فمرّ سعدُ وهو يقول: لبِّثْ قليلاً يُدْرِكِ الهَيْجا حَمَلْ ما أحْسَنَ المَوْتَ إذا حانَ الأجَلْ قالت: وعليه درع قد خرجتْ منها أطرافه، فتخوَّفْت على أطرافه، وكان من أطول النّاس وأعظمهم. قالت: فاقتحمتُ حديقةً، فإذا فيها نفرٌ فيهم عمر، وفيهم رجل عليه مغْفَر. فقال لي عمر: ما جاء بكِ؟ والله إنّكِ لجريئة، وما يؤمنكِ أن يكون تَحَوُّزاً وبَلاءً. فما زال يلومني حتى تمنّيت أنْ الأرض انْشَقَّت ساعتئذٍ فدخلتُ فيها. قالت: فرفع الرجل المِغْفَر عن وجهه، فإذا طلحة بن عُبَيْد الله، فقال: وَيْحَكَ، قد أكثرت وأين التحوّز والفِرار إلّ إلى الله؟ قالت: ويرمي سعداً رجلٌ من قُرَيْش، يقال له ابن العَرِقَة، بسهم، فقال: خُذْها، وأنا ابن العَرِقَة. فأصاب أكْحَلَه. فدعا الله سعدٌ فقال: اللَّهُمَّ لا تُمِتْني حتى تشفيني من قُرَيْظَة. وكانوا مواليه وحُلفَاءه في الجاهلية. فرقا كَلْمُه وبعث اللهُ الريحَ على المشركين. وساق الحديث بطوله. وفيه قالت: فانفجر كَلْمُه وقد كان بَرِىء حتى ما يُرَى منه إلّ مثل الخُرْص (١) . ورجع إلى قُبْته. قالت: وحضره رسول الله بَّل﴾ وأبو بكر وعمر. فإنّي لأعرف بكاءَ أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حُجْرتي، وكانوا كما قال الله تعالى ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح]. قال: فقلت: ما كان رسولُ اللهِ وَّله يصنع؟ قالت: كانت عيناه لا تدمع على أحد ولكنّه إذا وَجَدَ فإنّما هو آخذٌ بلحيته(٢). وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن محمد بن زياد، عن عبدالرحمن بن عَمْرو بن سعد بن مُعَاذ، أنّ بني قُرَيْظة نزلوا على حُكم رسول الله وَّل، فأرسل إلى سعد بن مُعاذ فأُتي به محمولاً على حمار وهو مُضْنى من جرحه، فقال له: أشِرْ عليّ في هؤلاء. فقال: إنّي أعلم أنّ الله قد أمرك (١) الخاتم أو حلقة القرط. (٢) طبقات ابن سعد ٤٢٣/٣، وأحمد في المسند ٦/ ١٤١- ١٤٢. ٥١٩ فيهم بأمرٍ أنت فاعلُه. قال: أجل، ولكنْ أشِرْ عليّ فيهم. فقال: لو وُلِيتُ أمرَهم قتلتُ مُقاتلَتهم وسبيتُ ذَراريهم وقسمتُ أموالَهم. فقال: والذي نفسي بيده لقد أشرتَ عليَّ فيهم بالذي أمَرني الله به(١) . وقال محمد بن سعد: أخبرنا خالد بن مَخْلَد، قال: حدّثني محمد ابن صالح التمّار، عن سعد بن إبراهيم، سمع عامر بن سعد، عن أبيه، قال: لما حكم سعد بنُ مُعاذ في قُرَيْظة أن يُقتل مَنْ جرت عليه الموسى، قال رسول الله وَله: لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات (٢). وقال ابن سعد: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل من الأنصار، قال: لما قضى سعد في قُرَيْظة ثمّ رجع انفجر جرحه، فبلغ ذلك النّبِيّ ◌َّ، فأتاه فأخذ رأسه فوضعه في حِجْره، وسُجِّي بثوبٍ أبيض إذا مُدّ على وجهه بَدَتْ رِجْلاهُ، وكان رجلاً أبيضَ جسيماً، فقال رسول الله وَّه: اللَّهُمَّ إنّ سعداً قد جاهد في سبيلك وصدَّق رسولك وقضى الذي عليه، فتقبَّلْ روحَه بخير ما تقبَّلتَ روح رجل. فلما سمع سعد كلامَ رسولِ الله وَّل فتح عينيه، فقال: السّلام عليك يا رسول الله، أشهد أنّك رسول الله. قال: وأمّه تبكي وتقول: وَيْلُ أَمّ سعدٍ سعدا حَزَامَةً وَجِدًا فقيل لها: أتقولين الشِّعْرَ على سعد؟ فقال رسول الله ابَّة: دعوها فغيرها من الشعراء أكذب. وقال عبدالرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قَتَادَة، عن محمود بن لبيد، قال: لما أُصيب أكْحَلُ سعدٍ حَوَّلوه عند امرأةٍ يقال لها (١) البخاري ٨١/٤ و٤٤/٥ و ١٤٣ و٧٢/٨، ومسلم ١٦٠/٥، وأحمد ٢٢/٣ و٧١، والطبقات الكبرى ٤٢٥/٣. (٢) الطبقات ٤٢٦/٣، والفتح ٤١٢/٧ ونسبه إلى النسائي. ٥٢٠