النص المفهرس

صفحات 441-460

صنعتَ، فخرج يتخطّى رقابَ النّاس ويقول: والله لكأنّي قلتُ هُجْراً أنْ
قمتُ أَشُدُّ أمرَه: فلقيه رجالٌ من الأنصار بباب المسجد فقالوا: مالك؟
وَيَلك! قال: قمت أشدُّ أمرَه فوثب عليّ رجالٌ من أصحابه يجبذونني
ويُعَنِّفونني، لكأنّما قلت هُجْراً. قال: وَيْلَكَ ارجعْ يستغفر لك رسولُ الله
وَّ . قال: والله ما أبغي أنْ يستغفرَ لي.
فائدة: قال الواقدي: حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه. وحدثنا
سعيد بن محمد بن أبي زيد، قال: حدثنا يچیی بن عبدالعزيز بن سعيد،
قالوا: كان سويد بن الصامت قد قتل ذيادا، فقتله به المجذَّر بن ذیاد،
ءَ
فهيج بقتله وقعة بُعاث. فلما قدِمِ النّبِيُّ بَلّ المدينة أسلم المجذّر،
والحارث بن سُوَيْد بن الصّامت، فشهدا بدراً. فجعل الحارث يطلب
مجدَّراً ليقتله بأبيه. فلما كان يوم أُحُد أتاه من خلفه فقتله (١) .
فلما رجع النّبيُّ وََّ من حمراء الأسَد أتاه جبريل فأخبره بأنّه قتل
مجذَّراً. فركب رسول الله وَّه إلى قباء، فأتاه الحارث بن سُوَيْد في
مِلْحَفةِ مُوَرَّسة. فلما رآه دعا عُوَيْم بن ساعدة وقال: اضرب عُنُق
الحارثِ بمجذَّر بن ذياد. فقال: والله ما قتلته رجوعاً عن الإسلام ولكن
حَمِيّة، وإنّي أتوب إلى الله وأُخْرج دِيَتَه وأصوم وأعتِق. وجعل يتمسّك
بركاب النّبيّ نَّه إلى أن فرغ من كلامه. فقال النّبيّ وََّ: قدِّمْه يا عُوَيْم
فاضرب عُنُقَه. فضرب عُنُقَه على باب المسجد، والله أعلم .
(١) ابن هشام ٨٩/٢.
٤٤١

.

السَّنة الرابعَة
(سريّة أبي سَلمَة إلى قطن في أوّلها))
قال الواقدي(١): حدّثنا عُمر بن عثمان بن عبدالرحمن بن سعيد
اليربوعيّ، عن سَلَمَة بن عبدالله بن عمر بن أبي سَلَمَة بن عبدالأسد،
وغيره، قالوا: شهد أبو سَلَمَة أُحُداً، وكان نازلاً في بني أُميّة بن زيد
بالعالية، حين تحوّل من قباء فجُرح بأُحُد، وأقام شهراً يداوي جُرْحَه.
فلما كان هلال المحرَّم دعاه رسولُ اللهَ وَّرَ وقال: اخرج في هذه السّرِيَّة
فقد استعملتُك عليها، وعقد له لواءً وَقال: سِرْ حتى تأتيَ أرضَ بني أسد
فأغِرْ عليهم. وكان معه خمسون ومئة، فساروا حتى انتهوا إلى أدنى قَطَن
- ماء من مياههم -، فيجدون سَرْحاً لبني أسد، فأغاروا عليه وأخذوا
مماليكَ ثلاثة، وأفلت سائرُهم. ثم رجع إلى المدينة فغاب بضْعَ عشرةَ
ليلة .
قال عُمر بن عثمان: فحدّثني عبدالملك بن عبيد(٢)، قال: لما
(١) المغازي ٣٤٠/١ .
(٢) هكذا في النسخ، وأظنه عبدالملك بن عبيد بن سعيد بن يربوع اليربوعي
(ثقات ابن حبان ٧/ ١٠٥) فإنه يروي عن جماعة من التابعين وروى عنه أهل
المدينة. وفي مغازي الواقدي: ((عبدالملك بن عمير))، فلا نشك أن الذهبي
كتبه كما أثبتاه، فقد قال ابن سعد تلميذ الواقدي في ترجمة أبي سلمة من
((الطبقات)) ٢٤٠/٣: ((أخبرنا محمد بن عمر (يعني الواقدي)، قال: أخبرنا
عمر بن عثمان، قال: حدثني عبدالملك بن عُبيد، عن عبدالرحمن بن سعيد
ابن يربوع ... إلخ)) فتبين من هذا أن المطبوع من مغازي الواقدي قد وقع فيه =
٤٤٣

دخل أبو سَلَمَة المدينةَ انتقض جُرْحُه، فمات لثلاثٍ بقين من جُمادَى
الآخرة.
غزوة الرَّجيع
وهي في صفر من السّنة الرابعة، فيما ورَّخه الواقدي(١) ، وقال:
هي على سبعة أميال من عُسْفان. فحدّثني موسى بن يعقوب، عن أبي
الأسود، قال(٢): بعث رسول الله وَل﴾ أصحابَ الرَّجيع عيوناً إلى مكة
ليُخْبِروه .
قال إبراهيم بن سعد(٣) ، عن ابن شهاب: أخبرني عمر(٤) بن أَسِيد
ابن جارية الثَّقَفي، أنّ أبا هريرة قال: بعث رسول الله وَل عشرة رَهط
عَيْناً، وأمَّر عليهم عاصمَ بنَ ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريّ، فانطلقوا
حتى إذا كانوا بالهَدْأة؛ بين عُسْفان ومكة ذُكروا لحيٍّ من هُذَيْل يقال لهم
بنو لحيان، فنفروا لهم بقريبٍ من مئة رجلٍ رامٍ. فاقتصُّوا آثارهم، حتى
وجدوا مأكلهم التّمر، فقالوا: نَوَى يَثْرِب، فاتَّبعوا آثارَهم. فلما أحسّ
بهم عاصم وأصحابُه لجأوا إلى قَرْدَد، أي: فدْفدٍ من الأرض فأحاط بهم
تحريف، بعد الذي ثبت من نقل عالمين متقنين هما: ابن سعد تلميذه،
والذهبي.
(١) المغازي ٣٥٤/١.
(٢) هكذا في النسخ، وفي مغازي الواقدي: ((عن أبي الأسود، عن عروة، قال:))
وهو خطأ، وإن كان الأسود هو راوي مغازي عروة، فقد نقل البيهقي في
((الدلائل)) (٣٢٣/٣) نص الواقدي وليس فيه ((عن عروة)) فتبين صحة ما نقله
الذهبي، والله أعلم.
(٣) دلائل النبوة للبيهقي ٣٢٤/٣ .
(٤) يقال فيه ((عمرو)) أيضاً، لكن ((عمر)) أصح، كما في ((الجرح والتعديل))
٦/ الترجمة ٥٠٥ .
٤٤٤

القوم، فقالوا لهم: انزلوا - فأعْطُوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا
نقتلَ منكم أحداً. فقال عاصم: أما أنا فَوَالله لا أنزل في ذمّة مُشْرِك،
اللَّهُمَّ أخبر عنّا نبيَّك. فرموهم بالنَبْلِ، فقتلوا عاصماً في سبعةٍ من
أصحابه، ونزل إليهم ثلاثةٌ على العهد والميثاق: خُبَيْب، وزيد بن
الدَّئِنَةَ، وآخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسِيِّهم فربطوهم بها.
فقال الرجل الثالث: هذا أوّل الغدر، والله لا أصْحَبُكُم إنّ لي بهؤلاء
أُسْوةً. يريد القتلى. فجرُّوه وعالجوه، فأبى أن يصحَبَهم، فقتلوه،
وانطلقوا بخُبَيْب، وزيد، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر. فابتاع بنو
الحارث بن عامر بن نَوفل خُبَيْباً. وكان خُبَيْب هو قتل الحارث يوم بدر.
فائدة: قال الدمياطي(١): هذا وهم، ما شهد خبيب بن عدي
الأوسي بدراً ولا قتل الحارث بن عامر، إنما الذي شهدها وقتله هو
خبيب بن أساف الخزرجي.
رَجْعٌ، قال(٢): فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله،
فأستعار من بعض بنات الحارث موسىّ يستحدّ بها للقتل فأعَارته. فدرج
بُنَيٌّ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدتهُ مُجْلِسَه على فَخِذِه والمُوسَى
بيده، ففزعت فزعةً عرفها خُبَيْب فقال: أتَخْشَيْن أن أقتله؟ ما كنتُ لأفعل
ذلك، فقالت: والله ما رأيت أسيراً قطّ خيراً من خُبَيْب، والله لقد رأيته،
أو وجدتُه، يأكل قِطْفاً من عنب وإنّه لَمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة،
وكانت تقول: إنّه لَرِزْقٌ رزقه الله خُبَيْباً. فلما خرجوا به من الحَرَم
ليقتلوه في الحِلّ قال لهم: دَعُوني أركع رَكْعَتَين. فتركوه فركع ركعتين،
ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أنّ ما بي جزئٌ من القتل لزِدْتُ، اللَّهُمَّ
أحصِهِمْ عدداً، واقتُلْهم بَدَداً، ولا تُبْقِ منهم أحداً، وقال:
(١) كتب على هامش الأصل: ((الذي قاله الدمياطي هو الصحيح)).
(٢) أي: رجع إلى سياق حديث الزهري.
٤٤٥

فلستُ أُبالي حين أُقْتْل مُسْلِماً على أيِّ جَنْبٍ كان في الله مَصْرَعي
وذلك في ذاتِ الإلِهِ، وإنْ يشأ يبارك على أوصالِ شِلْوِ مُمَزَّع (١)
ثم قام إليه أبو سِرْوَعَة عُقْبةُ بن الحارث فقتله.
وكان خُبَيْب هو سَنَّ لكلّ مسلم، قُتِل صبراً، الصَّلاةَ.
واستجاب الله لعاصم يوم أُصيبَ، فأخبر رسولُ الله وَّر أصحابَه يوم
أُصِيبوا خَبَرَهم. وبعثَ ناسٌ من قريش إلى عاصم بن ثابت لِيُؤْتَوْا منه
بشيءٍ يُعرف، وكان قتلَ رجلاً من عظمائهم يوم بدرٍ، فبعثَ اللهُ على
عاصم مِثْلَ الظُّلَّةِ من الدَّبْرِ (٢)، فَحَمَتْه من رُسُلهم فلم يقدروا على أنْ
يقطعوا منه شيئاً. أخرجه البخاري(٣).
وقال موسى بن عُقْبة، وغير واحد: بعث رسول الله وَّل عاصمَ بنَ
ثابت وأصحابَه عَيْناً له، فسلكوا النَّجْدِيّة، حتى إذا كانوا بالرَّجيع.
فذكروا القصّة .
قال موسى: ويقال: كان أصحاب الرَّجيع ستّةً منهم: عاصم،
وخُبَيْب، وزيد بن الدَّثِنَة، وعبدالله بن طارق - حليف لبني ظَفَر - وخالد
ابن البُكَيْرِ اللَّيْنِي، ومَرْتَد بن أبي مَرْئَد الغَنَوي؛ حليف حمزة. وساق
حديثَهم (٤) .
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٥) : حدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة:
أنَّ نَفَراً من عضَل والقارَة قدِموا على رسول الله ◌ِّرِ المدينة بعد أُحُد،
فقالوا: إنّ فينا إسلاماً، فابعث معنا نَفَرَاً من أصحابك ليفقّهونا في الدّين
(١) ابن هشام ١٦٩/٢ -١٧٧.
(٢) أي: النحل أو الزنابير، وأهل الشام يستعملون لفظ ((الدَّبُّور والدبابير)).
(٣) البخاري ١٣٢/٥ -١٣٣.
(٤) وانظر ابن هشام ١٧١/٢ .
(٥) ابن هشام ١٦٩/٢.
٤٤٦

ويُقْرئونا القرآن، فبعث رسول الله وَّر معهم خُبَيْب بن عَدِيّ.
قال ابن إسحاق: بعث معهم ستَّةً، أمَّر عليهم مَرْتَد بن أبي مَرْئَد
الغَنَوي. وسمّاهم كما قال موسى.
قال ابن إسحاق: فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرَّجيع -
ماء لِهُذَيْل بناحيةِ الحجاز على صدور الهَدْء(١) -، غدروا بهم،
فاستصرخوا عليهم هُذَيْلاً، فلم يَرُع القومَ وهم في رحالهم إلّ الرجالُ
بأيديهم السيوف، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم: والله ما نريدُ
قتلَكم ولكنّا نريد أنْ نُصيبَ بكم شيئاً من أهل مكة، ولكم عهدُ الله
وميثاقُه أنْ لا نقتلكم. فأمّا مَرْثَد، وعاصم، وابن البُكَيْر فقالوا: والله لا
نقبلُ من مشركِ عهداً ولا عقداً أبداً. وأرادتْ هُذَيْل أخْذَ رأس عاصم
ليبيعوه من سُلَافة بنت سعد، وكانت قد نذرت حين أصابَ ابْنَيْها يومَ
أُحُد، لِئِنْ قِدِرَتْ على عاصمِ لَتَشْرَبَنَّ في قِحْفِه الخمرَ، فمنعته الدَّبْرُ،
فانتظروا ذَهابها عنه، فأرسل اللهُ الوادي فحملَ عاصماً فذهب به.
وقد كان عاصم أعطى الله عهداً أنْ لا يمسَّه مُشْرِكٌ ولا يمسَّ مشركاً
أبداً تنجُّساً. وأسروا خُبَيْباً، وابنَ الدَّثِنَة، وعبدَالله بنَ طارق، ثم مضوا
بهم إلى مكّة ليبيعوهم، حتى إذا كانوا بالظَّهْران انتزع عبدُالله يده من
القِرَانِ ثم أخذَ سيفَهُ واستأخرَ عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه،
فقَبْرُهُ بِالظَّهْران(٢).
وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني يحيى، عن أبيه عبّاد بن
عبدالله بن الزُّبَيْر، عن عُقْبة بن الحارث، سمعته يقول: ما أنا والله قتلتُ
(١) كتب في حاشية النسخ: ((الهدأة والهدء)) وكلها بمعنى، وهي موضع بين
عُسفان ومكة .
(٢) ابن هشام ١٦٩/٢ -١٧١.
(٣) ابن هشام ١٧٣/٢.
٤٤٧

خُبَيْباً، لأنا كنتُ أصغرَ من ذلك، ولكنَّ أبا مَيْسرة أخا بني عبدالدّار أخذ
الحرْبَةَ فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة، ثم طعنه بها حتى
قتله .
ثم ذكر ابن إسحاق أنّ خُبَيْباً قال:
قبائلهم واستجمعوا كلّ مجمَعٍ
لقد جَمَّعَ الأحزابُ حولي وأَلَّبُوا
عليَّ لأنّي في وِثاق مُضَيَّعٍ
وكُلُّهم مُبْدِي العداوةِ جاهدٌ
وقُرِّبَتُ من جِذعٍ طويلٍ مُمَنَّعٍ
وما أرصدَ الأحزابُ لي عند مصرعي
فقد بضَّعوا لحمي وقد ياس مطمعي
يُبارِكْ على أوْصالِ شِلوٍ مُمَزَّعِ
وقد هَمَلتْ عَيْناي من غير مَجْزَع
ولكنْ حِذاري جَحْمُ نارٍ بِبَلْفَعِ
على أيِّ جنبٍ كان في الله مَصْرَعي
ولا جَزَعاً إنّي إلى الله مَرْجِعِي
وقد جَمَّعوا أبناءَهم ونساءهم
إلى الله أشكو غُرْبَتِي ثم كُرْبَتِي
فذا العرشِ صبِرني على ما يُراد بي
وذلك في ذاتِ الإلِهِ وإنْ يشأُ
وقد خيَّروني الكفَر والموتُ دُونه
وما بي حِذارُ الموتِ، إنّي لميّتُ
ووالله لم أَحْفَلْ إذا متُّ مسلِماً
فلست بمُبدٍ للعدوّ تَخَشُّعاً
وقال يونس بن بُكَيْر، وجعفر بن عَوْن، عن إبراهيم بن إسماعيل :
حدّثني جعفر بن عَمْرو بن أُميّة أنّ أباه حدّثه عن جدّه، وكان النّبيّ وَّ
بعثه عَيْناً؛ قال: فجئتُ إلى خشبة خُبَيْب فَرَقِيتُ فيها وأنا أتخوَّف
العيونَ، فأطلقْتُهُ فوقع بالأرض، ثم اقتحمتُ فانتبذتُ قليلاً، ثم التفتُّ
فلم أر خُبَيْباً، فكَأنَّما ابتلعتُهُ الأرض.
زاد جعفر بن عَوْن: فلم تُذْكَر لخُبَيْب رِمَّةٌ حتى السّاعة.
٤٤٨

غزوة بئر مَعُونَة
قال ابن إسحاق(١): بعث رسول الله وَّه أصحابَ بئر مَعُونَة في
صفر، على رأس أربعةِ أشهرٍ من أُحُد.
وقال موسى بن عُقْبة: قال الزُّهْري: حدّثني عبدالرحمن بن عبد الله
ابن كعب بن مالك، ورجالٌ من أهل العلم، أنّ عامر بن مالك الذي
يُدْعَى مُلاعِب الأسِنَّة، قَدِمَ على رسولِ الله وَّل وهو مُشْرِكٌ، فعرض عليه
رسولُ اللهِ وََّ الإسلام، فأبى أنَّ يُسْلم، وأهدى لرسولِ اللهِ وَّلِ هديَّةً.
فقال: إنّي لا أقبلُ هديّةَ مُشْرِكِ. فقال: ابعث معي مَنْ شئتَ من رُسُلِك،
فأنا لهم جارٌ، فبعث رَهْطاً، فيهم المنذر بن عَمْرو السّاعدي؛ وهو الذي
يقال له: أَعْنَقَ ليموتَ، بعثه عَيْناً له في أهلِ نجد، فسمع بهم عامر بن
الطُّفَيل، فاستنفر بني عامر، فأبَوْا أنْ يُطيعوه، فاستنفر بني سُلَيْم فنفروا
معه، فقتلوهم ببئر مَعُونة، غير عَمْرو بن أُميَّةَ الضَّمري، فإنّه أطلقه عامر
ابن الطُّفَيْل، فقدِم على رسول الله ◌َ له.
وقال ابن إسحاق(٢) : حدّثني والدي، عن المُغِيرة بن عبدالرحمن
ابن الحارث بن هشام، وعبدالله بن أبي بكر بن حزم، وغيرهما،
قالوا: قدِم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر، مُلاعِب الأسِنَّة على رسول
الله ◌َّ المدينة، فلم يُسْلِمْ ولم يَبْعُدْ من الإسلام، وقال: يا محمد لو
بعثت معي رجالاً من أصحابك إلى أهل نَجْدٍ يدعونهم إلى أمْرِك رجَوْتُ
أن يستجيبوا لك. قال: اخشى عليهم أهلَ نجد. قال أبو البَرَاء: أنا لهم
(١) ابن هشام ٢/ ١٨٣.
(٢) ابن هشام ١٨٤/٢-١٨٦.
٤٤٩

جار. فبعث المنذِرَ بنَ عَمْرو في أربعين رجلاً، فيهم الحارث بن
الصَّمَّة، وحرام بن مِلْحان؛ أخو بني عَدِيّ بن النّجّار، وعُرْوَة بن أسماء
ابن الصَّلْتِ السُّلَمي، ورافع بن وَرْقاء الخُزاعي، وعامر بن فُهَيْرة مولى
أبي بكر، في رجال من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا بئرَ مَعُونَة،
بين أرض بني عامر وحَرَّة بني سُلَيْم. ثم بعثوا حرام بن مِلْحان بكتاب
رسول الله وَّ إلى عامر بن الطُّفَيْل، فلم ينظر في الكتاب حتى قَتَل
الرجلَ. ثم استصرخ بني سُلَيْم فأجابوه وأحاطوا بالقوم، فقاتلوهم حتى
استشهدوا كلّهم إلّ كعب بن زيد، من بني النّجّار، تركوه وبه رمق
فارتُثَّ(١) من بين القتلى، فعاش حتى قُتِل يوم الخندق.
وكان في سَرْح القوم عَمْرو بن أُميّة ورجل من الأنصار، فلم
يخبرهما بمصاب القوم إلّ الطَّيرُ تحوم على العسكر، فقالا: والله إنّ
لهذه الطير لَشَأْناً، فأقبلا فنظرا، فإذا القومُ في دمائهم وإذا الخيل التي
أصابتهم واقفة. فقال الأنصاريّ لعَمْرو: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق
برسول الله وَّ فنخبره الخبر. فقال الأنصاريّ: لكنّي لم أكن لأرغب
بنفسي عن موطنٍ قُتِل فيه المنذر بن عَمْرو، وما كنتُ لأخبرَ عنه
الرجال. وقاتل حتى قُتِل وأسروا عَمْراً. فلما أخبرهم أنّه من مُضَر أطلقه
عامر بن الطُّفَيْل وجزَّ ناصيتَه وأعتقه. فلما كان بالقَرْقَرَة أقبل رجلان من
بني عامر حتى نزلا في ظلِّ هو فيه، وكان معهما عهدٌ من رسول الله وَيه
وجِوارٌ لم يعلم به عَمْرو. حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما. فلما قدم
على رسول الله وَ﴿ أخبره، فقال: قد قتلتَ قتيلين، لأدِيَنَّهُما. ثم قال
رسول الله بَّ: هذا عمل أبي براء، قد كنتُ لهذا كارِهاً متخوّفاً. فبلغ
ذلك أبا براء فَشقَّ عليه إخفار عامٍ أبا براء، فحمل ربيعة ولد أبي براء
على عامر بن الطُّفَيْل فطعنه في فخِذِه فأشواه، فوقع من فرسه، وقال:
(١) أي: حُمِلَ من المعركة جريحاً وبه رمق.
٤٥٠

هذا عمل أبي براء؛ إنْ مثُّ فدمي لعمِّي فلا يُتْبَعَنَّ به، وإنْ أعِشْ فسأرى
(١)
رأيي(١).
وقال موسى بن عُقْبة: ارتُكَّ في القتلى كعب بن زيد، فقُتِل يوم
الخَنْدَق .
وقال حمّاد بن سَلَمَة: أخبرنا ثابت، عن أنَس أنّ ناساً جاؤوا إلى
النّبيّ وَّ فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلّموننا القرآن، والسُّنَّة. فبعث إليهم
سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القرّاء، وفيهم خالي حرام بن
مِلْحان، يقرؤون القرآن ويتدارسون باللّيل ويتعلّمون، وكانوا بالنّهار
يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعون ويشترون به
الطّعام لأهل الصُّفَّة، فبعثهم رسول الله وَّر إليهم، فتعرّضوا لهم فقتلوهم
قبل أن يبلغوا المكان. قالوا: اللَّهُمَّ بلِّغْ عنّا نبيَّك أنْ قد لقيناكَ فرضِيتَ
عنّا ورضينا عنك. قال: وأتى رجل خالي من خلفه فطعنه بالرمح حتى
أنفذه، فقال حرام: فزتُ ورب الكعبة، فقال رسول الله وَلّ لأصحابه:
إنّ إخوانكم قد قُتلوا وقالوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عنّا نَبِيَّا أنْ قد لِقِيناكَ فرضينا
عنكَ ورضيتَ عنّا. رواه مسلم (٢) .
وقال همّام وغيره، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة: حدّثني
أنس أنّ رسول الله وَّ بعث خاله حراماً في سبعين رجلاً فقُتلوا يوم بئر
مَعونة. وكان رئيس المشركين عامر بن الطُّفَيْل، وكان أتى النّبيّ وَّ
فقال: أُخَيِّرُك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهلُ السَّهْلِ ولي أهلُ
المَدَر، أو أكون خليفتَكَ من بعدك، أو أغزُوَك بَغَطَفان بألف أشقر وألفٍ
شقراء، قال: فطُعِن (٣) في بيت امرأةٍ من بني فلان، فقال: غُدَّةٌ كغُدَّة.
(١) ابن هشام ١٨٥/٢-١٨٦.
(٢) مسلم ٦/ ٤٥، وانظر المسند الجامع حديث (١٢٥٥).
(٣) أي: أصابه الطاعون .
٤٥١

البَكْر (١) في بيت امرأةٍ من بني فلان ائتوني بفَرَسي، فركبه فمات على
ظهر فَرَسه. وانطلق حرام ورجلان معه أحدُهما أعرج فقال: كونا قريباً
منّي حتى آتيَهُم فإنْ آمنوني كنت كُفْواً، وإنْ قتلوني أتيتم أصحابَكم.
فأتاهم حرام فقال: أَتُؤْمِنُوني أبلِّغُكم رسالَة رسولِ اللهِ وَّرَ؟ فجعل
يحدّثهم، وأومأوا إلى رجلٍ فأتاه من خلفه فطعنه. قال همّام، وأحسبهُ
قالَ: فُرْتُ وَربِّ الكعبة. قال: وقُتِل كلُّهم إلّ الأعرج، كان في رأس
الجبل.
قال أنس: أُنزِل علينا، ثم كان من المنسوخ، ((إنّا قد لَقِينا ربَّنا
فَرَضِيَ عنّا وأرضَيْناه)). فدعا رسولُ الله ◌ِِّ ثلاثينَ(٢) صباحاً على رِعْلٍ
وذَكْوانَ وبني لِحْيان وعُصَيَّة عَصَتِ الله ورسولَه.
أخرجه البخاري، وقال: ثلاثين صباحاً، وهو الصحيح (٣).
وروى نحوه قَتَادَة، وثابت، وغيرهما، عن أنَس. وبعضهم يختصر
الحديث، وفي بعض طرقه: سبعين صباحاً.
قال سليمان بن المُغيرة، عن ثابت، قال: كتب أنَس في أهله كتاباً
فقال: اشهدوا معاشرَ القرّاء. فكأنّ كرهت ذلك، فقلت: لو سمّيتهم
بأسمائهم وأسماء آبائهم؛ فقال: وما بأس أن أقول لكم معاشرَ القُرّاء،
أفلا أحدّثكم عن إخوانكم الذين كنّا ندعوهم على عهد رسول الله وله
القرّاء؟ قال: فذكر أنس سبعين من الأنصار كانوا إذا جنَّهُمُ اللَّيْلُ أوَوْا
إلى مُعَلِّمٍ بالمدينة فيبيتون يدرسون، فإذا أصبحوا فمَنْ كانت عنده قوّةٌ
أصاب من الخَطَب واستعذب من الماء، ومَنْ كانت عنده سَعَةٌ أصابوا
(١) الفتيُّ من الإبل إذا أصابه الطاعون.
(٢)
في نسخة (ع): ((سبعين)) وكتب فوقها: ((ثلاثين)).
(٣) البخاري ٢٢/٤ و ٨٨ و ١٣٤/٥-١٣٥، وانظر المسند الجامع حديث
(١٢٥٦) و(١٢٥٧).
٤٥٢

الشَّاة فَأَصْلَحوها، فكان معلَّقاً بِحُجَرِ رسولِ اللهِ وَّر. فلما أصيب
خُبَيْب، بعثهم رسولُ اللهَ وَّ فكان فيهم خالي حرام. فأتوا على حيٍّ من
بني سُلَيْم، فقال حرام لأميرهم: دعني، فلَأَخْبِر هؤلاء أنَّا ليس إيّاهم
نريد فيخلُّون وجوهَنَا. فأتاهم فقال ذلك، فاستقبله رجلٌ منهم برُمْح
فأنفذَهُ به. قال: فلما وجد حرام مَسَّ الرمح قال: الله أكبر فزتُ وربّ
الكعبة. قال: فانطووا عليهم فما بقيَ منهم مُخَبِّرٌ. قال: فما رأيتُ
رسولَ اللهِ وَّ وَجَدَ على شيءٍ وَجْدَه عليهم. فقال أنَس: لقد رأيتُ
رسولَ اللهِ وَّ كلّما صلَّى الغداةَ رفع يديه يدعو عليهم: فلما كان بعد
ذلك، إذا أبو طلحةَ يقول: هل لك في قاتلِ حرام؟ قلتُ: ما له، فعلَ
اللهُ به وفعلَ. فقال: لا تفعلْ، فقد أسلمَ.
وقال أبو أسامة: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان
عامر بن فُهَيْرة غلاماً لعبدالله بن الطُّفَيْل بن سَخْبَرَة، أخي عائشة لأمّها؛
وكانت لأبي بكر مِنْحَةٌ(١)، فكان يَروحُ بها ويغدو، ويصبح فَيَّدَّلِجُ
إليهما ثم يَسْرَحُ فلا يَفْطُنُ به أحدٌ من الرِّعاء، ثم خرج بهما يُعْقِبانه حتى
قدِم المدينة معهما. فقُتِل عامر بن فهيرة يوم بئر مَعُونة، وأُسِر عَمْرو بن
أُميَّة. فقال له عامر بن الطُّفَيْل: مَن هذا؟ وأشار إلى قتيل. قال: هذا
عامر بن فُهَيْرة. فقَال: لقد رأيتُهُ بعدما قُتِل رُفع إلى السماء حتى إنّي
لأنظُرُ إلى السماء بينه وبين الأرض. وذكر الحديث. أخرجه
البخاري (٢).
قال ابن إسحاق(٣): فقال حسّان بن ثَابت يحرّض بني أبي البَراء
على عامر بن الطُّفَيْل :
(١) هي الناقة التي يدر منها اللبن.
(٢) البخاري ١٣٦/٥.
(٣) ابن هشام ٢/ ١٨٧ -١٨٨.
٤٥٣

وأنتُمْ من ذَوَائبِ أهلِ نَجْدٍ
بَنِي أَمّ البَتِينَ أَلَمْ يَرُعْكُمْ
لِيُخْفِرَهُ، وما خَطَأْ كَعَمْدٍ
تَهَكُمُ عامرٍ بأبي بَرَاءِ
فما أحدثْتَ في الحَدَثَانِ بعدي
ألاَ أبْلِغْ ربيعَةَ ذا المَسَاعي
وخالُك ماجِدٌ حَكَمُ بن سَعْدِ
أبوك أبو الحُرُوب أبو بَرَاءِ
ذكْر الخِلاف في غزوَة بَني النّضير
وقد تقدّمت في سنة ثلاث
ذهب الزُّهْرِي إلى أنّها كانت قبل أُحُد. وقال غيرُ واحدٍ: كانت بعد
أُحُد، وبعد بئر مَعُونة .
أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن، قال: أخبرنا الحسن بن عليّ بن
الحسين بن البُنّ، قال: أخبرنا جدّي، قال: أخبرنا أبو القاسم
المِصِّيصِيُّ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا عليّ بن
أبي العَقب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن
عائذ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبدالله بن لَهِيعة، عن أبي
الأسود، عن عُرْوَة، قال: خرج رسول الله وَّر في نفرٍ من أصحابه إلى
بني النَّضِير يستعينهم في عَقْل(١) الكِلابيّين. وكانوا، زعموا، قد دَسُوا
إلى قريش حين نزلوا بأَحُد لقتال رسول الله وَ له وأصحابه يحضُّونهم على
القتال ودلُّوهم على العورة فلما كلمهم رسول الله مَّ في عقل
الكلابيين، قالوا: اجلس أبا القاسم، حتى تطعَم وترجع بحاجتك. ثم
ساق الحديث كلّه، وتقدّم ذِكْرُهُ.
وقال الواقدي: حدّثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: لما
(١) أي: الدية.
٤٥٤

خرجَتْ بنو النَّضِير أقبل عَمْرو بن سُعْدَى فأطاف بمنازلهم، فرأى خرابَها
وفكّر ثم رجع إلى بني قُرَيْطَة فيجدهم في الكنيسة فينفخ في بُوقهم،
فاجتمعوا. فقال الزَّبِير(١) بن باطا: يا أبا سعيد أين كنتَ منذ اليوم
- وكان لا يفارقُ الكنيسةَ وكان يتألَّهُ في اليهودية - قال: رأيت اليوم عبراً
قد عُبِّرنا بها، رأيت منازلَ إخوانِنا خاليةً بعد ذلك العزّ والجَلَد والشَّرَف
الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم ومَلَكَها غيرُهم، وخرجوا
خروجَ ذُلِّ. ولا والثَّوراةِ ما سُلِّط هذا على قوم قطّ لله بهم حاجة. فقد
أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزّهم، بَيَّهُ في بيته آمناً، وأوقع بابن
سُنَيْنَةٍ سيّدهم، وأوقع ببني قَيْنُقَاع فأجلاهم وهم جَدُّ يهود، وكانوا أهل
عدّة وسلاحِ ونَجْدة، فحصرهم فلم يُخْرِجْ منهم إنسانٌ رأسَه حتى
سباهم، وكُلِّمَ فيهم فتركهم على أنْ أجلاهم من يَثْرِب، يا قوم قد رأيتم
ما رأيتُ فأطيعوني وتعالوا نتَبع محمداً، فَوَالله إنّكم لَتَعْلَمون أنّه نبيّ،
وقد بَشَّرنا به وبأمْرِه ابن الهيبان وابن جواس، وهما أعلمُ يهود، جاءانا
من بيتِ المقدس يَتَوَكَّفَان(٢) قدومَه، أمَرَا باتِّباعِه، وأمَرَانا أنْ نُقْرِئه
منهما السلام، ثم ماتا على دينهما، فأُسْكِتَ القومُ، فأعاد هذا القولَ
ونحوَه، وتَخَوَّفَهم بالحربِ والسِّباء والجلاء. فقال ابن باطا: قد
والتوراةِ قرأت صفَتَه التي أُنزلت على موسى، ليس في المَثَاني التي
أحدثْنا. فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبدالرحمن من اتّباعه؟
قال: أنت. قال كعب: ولِمْ - والثَّوْراةِ - ماحُلتُ بينكَ وبينه قطّ، قال
الزَّبِيرُ: أنت صاحب عهدنا وعقْدِنا فإنِ اتّبعْتَهُ اتّبعناه وإنْ أبيتَ أَبَيْنا.
فأقبل عَمْرو بن سُعْدَى على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أنْ قال
كعب: ما عندي في أمره إلّ ما قلت، ما تطيبُ نفسي أنْ أصيرَ تَابعاً.
(١) بفتح الزاي، قيّده السُّهيلي.
(٢) أي: ينتظران ويتوقعان.
٤٥٥

وقال ابن إسحاق: كانت غزوة بني النّضير في ربيع الأول سنة أربع
وحاصرهم النّبيُّ ◌َّ ستّ ليالٍ، ونزل تحريم الخمر(١)، والله أعلم.
غزوة بني لِحْيان
قال ابن إسحاق(٢): خرج رسول الله وَّر في جُمادَى الأولى، على
رأس ستّة أشهرٍ من صُلح بني قُرَيظة إلى بني لِحْيَان يَطْلب بأصحاب
الرَّجيع: خُبَيْب وأصحابه، وأظهر أنّه يريد الشامَ ليصيب من القوم غِرَّة.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣) ، عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد
ابن حَزْم، وغيره، قالوا: لما أُصيب خُبَيْب وأصحابُه خرج رسول الله وَّل
طالباً لدمائهم ليصيب من بني لِحْيان غِرَّةً، فسلك طريقَ الشّام وورَّى
على النّاس أنّه لا يريد بني لِحْيان، حتى نزل أرضَهم - وهم من هُذَيْل ـ
فوجدهم قد حذروا فتمنَّعوا في رؤوس الجبال. فقال رسول الله وَله: لو
أنّا هبطنا عُسْفان لرأتْ قُرَيْش أنّا قد جئنا مكةَ. فخرج رسول الله وِّ في
مئتي راكب حتى نزل عُسْفان، ثم بعث فارسين حتى جاءا كُراع الغَمِيم
ثم انصرفا إليه. فذكر أبو عيّاش الزُّرقي أنّ رسول اللهِوَ لّهِ صلّى بِعُسْفان
صلاةَ الخوف .
وقال بعضُ أهلِ المغازي: إنّ غزوة بني لِحْيان كانت بعد قُرَيْظَة،
فالله أعلم.
ابن هشام ٢/ ١٩١.
(١)
(٢) ابن هشام ٢٧٩/٢ .
(٣) ابن هشام ٢٧٩/٢.
٤٥٦

غزوة ذاتِ الرِّقاع(١)
قال ابن إسحاق(٢): إنّها في جُمادَى الأولى سنة أربع، وهي غزوة
خصَفة من بني ثَعْلِبَة من غَطَفَان .
وقال محمد بن إسماعيل (٣) رحِمَه الله: كانت بعد خَيْبَر، لأنّ أبا
موسى جاء بعد خَيْبر، يعني وشهِدَها. قال: وإنّما جاء أبو هريرة فأسلم
أیامَ خَيْبر.
وقال ابن إسحاق(٤): في هذه الغزوة سار رسول الله وَ ل حتى نزل
نَخْلاً، فلقي بها جمعاً من غَطَفان، فتقارب النّاس ولم يكن بينهم
حرب. وقد خاف النّاس بعضهم بعضاً، حتى صلّى رسول الله وَل
بأصحابه صلاةَ الخوف. ثم انصرف بالنّاس.
وقال الواقدي(٥) : إنّما سُمِّيت ذات الرّقاع لأنه جبلٌ كان فيه بقع
حمرة وسواد وبياض، فسُمِّي ذات الرّقاع. قال: وخرج رسول الله وله
لعشرٍ خَلَوْن من المحرَّم، على رأس سبعةٍ وأربعين شهراً، قدِمِ صِراراً(٦)
لخمس بقين من المحرَّم .
(١) في سبب تسميتها في ذلك أقوال منها: أن أقدامهم نقبت فكانوا يلقُّون عليها
الخرق، وقيل لأنهم رقعوا راياتهم فيها، وقيل: ذات الرقاع شجرة بذلك
الموضع وقيل: جبل، وانظر ابن هشام ٢/ ٢٠٤ .
(٢) ابن هشام ٢/ ٢٠٣ .
(٣) البخاري ١٤٤/٥.
(٤) ابن هشام ٢٠٤/٢.
(٥) المغازي ٣٩٥/١.
(٦) بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة واقم.
٤٥٧

وذاتُ الرِّقاع قريبة من التُّخَيْلِ بين السَّعد والشُّقْرَةِ(١) .
قال الواقدي(٢): فحدّثني الضَّحَّاك بن عثمان، عن عُبَيْد الله بن
مِقْسَم، عن جابر، وحدّثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن
جابر، قال: وعن مالك، وغيره، عن وهب بن كَيْسان، عن جابر، قال:
قدِمِ قادمٌ بجلبٍ له، فاشترى بسوق النَّبْط(٣)، وقالوا: من أين جَلَبُك؟
قال: جئتُ به من نجد، وقد رأيت أنماراً وثعلبة قد جمعوا لكم
جُمُوعاً، وأراكم هادين عنهم. فبلغ رسولَ الله وَّل قولُه، فخرج في أربع
مئة من أصحابه - وقيل سبع مئة - وسلك على المضيق، ثم أفضى إلى
وادي الشُّقْرَة، فأقام بها يوماً، وبثّ السَّرايا، فرجعوا إليه مع اللّيل
وأخبروه أنّهم لم يروا أحداً، وقد وطئوا آثاراً حديثة. ثم سار النّبيُّ وَّ
في أصحابه، حتى أتى محالَّهم، فإذا ليس فيها أحدٌ، وهربوا إلى
الجبالِ، فهم مُطِلُّون على النّبِيِّ ◌ََّ. وَخاف النّاس بعضهم بعضاً. وفيها
صلّى رسول الله ◌َّه بأصحابه صلاةَ الخَوْف.
وقال عبدالملك بن هشام(٤) : وإنّما قيل لها ذات الرّقاع لأنّهم
رقَّعوا فيها راياتهم. قال: ويقال ذات الرّقاع شجرة هناك. والظاهر أنّهما
غزوتان(٥) .
وقَال شُعيب، عن الزُّهْري: حدّثني سِنان بن أبي سنان الدُّؤلي،
وأبو سَلَمَة، عن جابر أنّه غزا مع رسول الله وَّ قِبَل نجد، فلما قفل قفل
(١) مواضع بالقرب من المدينة.
(٣) ذكر الفيروزآبادي في ((القاموس المحيط)) أنه واد بناحية المدينة.
(٢)
المغازي ٣٩٥/١.
(٤) ابن هشام ٢/ ٢٠٤.
(٥) كتب على هامش نسخة البشتكي تعليق لعله بخط السخاوي نصه: ((هذه
الأولى، والثانية في سنة خمسٍ لعشرٍ خَلَوْنَ من المحرم كما سيأتي في
کلا مه)) .
٤٥٨

معه، فأدركته القائلة في وادٍ كثير العِضَاه، فنزل وتفرَّقَ النَّاسُ في العِضَاهِ
يستظلُّون بالشجر، وقَالَ هو تحت شجرةٍ فَعَلَّقَ بها سيفه، فنمنَا نومةٌ،
فإذا رسولُ اللهِ وَ ◌ّ يدْعونا فأجَبْناه، فإذا عنده أعرابيٌّ جالس، فقال
رسولُ اللهِ وَّه: إنّ هذا اخترطَ سيفي وأنا نائمٌ، فاستيقظتُ وهو في يده
صَلْتاً، فقال: مَنْ يمنعك منّي؟ قلت: الله. فشَام السيفَ وَجلس. فلم
يُعاقبُهُ رسولُ اللهِ وَلَهَ، وقد فعل ذلك. مُتَّفقٌ عليه(١) . وشام: أغمدَ.
قال أبو عَوَانة، عن أبي بِشْر: اسم الأعرابي ((غورث بن الحارث)).
ثم روى أبو بِشْر، عن سليمان بن قيس، عن جابر، قال: قاتل
رسولُ اللهِ وَّ محارب(٢) بن خصفة بنَخل، فرأوا من المسلمين غرَّةٌ،
فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث، حتى قام على رأس رسولٍ
الله ◌ََّ بالسيفِ، فقال: مَنْ يمنعك منّي؟ قال: الله. قال: فسقطَ السيف
من يده، فأخذه رسولُ اللهِ وَّ فقال: من يمنعك منّي؟ قال: كنْ خيرَ
آخِذٍ. قال: تشهد أنْ لا إله إلّ الله وأنّي رسولُ الله؟ قال: لا، ولكن
أعاهدُكَ على أنْ لا أقاتلكَ، ولا أكونَ مع قومٍ يقاتلونك. فخلَّى سبيلَه.
فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خيرِ النَّاس. ثم ذكر صلاةَ الخوف،
وأنّه صلّى بكلّ طائفةٍ ركعتين. وهذا حديث صحيح إن شاء الله(٣).
وقال البكّائِيّ، عن ابن إسحاق(٤) : حدّثني وَهْب بن كَيْسان، عن
جابر بن عبدالله، قال: خرجت مع رسول الله وَّل إلى غزوة ذات الرّقاع
من نخلٍ على جملٍ لي ضعيف، فلما قَفَلَ رسولُ اللهِ وَ لّ جعلت الرفاق
(١) أخرجه أحمد ٣٦٤/٣، والبخاري ٤٧/٤ و٤٨ و١٤٦/٥ و١٤٨، ومسلم
٢١٤/٢ و٢١٥ و٦٢/٧، وانظر المسند الجامع حديث (٢٩٥٨) و (٢٩٥٩).
(٢) أي: بني محارب.
(٣) مسند أحمد ٣٩٠/٣.
(٤) ابن هشام ٢٠٦/٢.
٤٥٩

تمضي، وجعلت أتخلّف، حتى أدركني رسول الله وَل فقال: مالك يا
جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: أنِخْه. وساق قصّةً
الجمل.
غزوة بدر المَوْعِد
قال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، ورُوِيَ عن عُرْوَةٍ(١) : أنّ
رسول الله وَّ استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بذراً. وكان أهلاً
للصِّدْق والوفاء بَّ، فاحتمل الشيطان أولياءه من النّاس، فمشوا في
النّاس يخوِّفونهم، وقالوا: قد أُخْبِرنا أن قد جمعوا لكم مثل الليل من
النّاس، يرجون أنْ يوافقوكم فَيَتَنَهَبُوكُم، فالحَذَرَ الحذر لا تغدوا.
فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا لله ولرسوله
وخرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له،
وإنْ لم نلْقه ابتعنا ببضائعنا. وكان بدر مَّجراً يُوافَى في كل عام.
فانطلقوا حتى أتوا موسَم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان
الموعدَ، فلم يخرج هو ولا أصحابه .
وأقبل رجل من بني ضَمْرَة، بينه وبين المسلمين حِلْفٌ، فقال: والله
إِنْ كّا لقد أُخبِرنا أنّه لم يبقَ منكم أحدٌ، فما أعملكم إلى أهلِ هذا
الموسم؟ فقال رسول الله وَ ل﴾، وهو يريدُ أنْ يبلغَ ذلك عدوَّه من قريش:
أعملنا (٢) إليه موعد أبي سفيان وأصحابه وقتالهم، وإنْ شئتَ مع ذلك
نبذْنا إليك وإلى قومك حِلْفَهم ثم جالَدْناكم. فقال الضّمري: مَعَاذَ الله.
(١) دلائل النبوة ٣٨٤/٣-٣٨٦.
(٢) أعملنا إليه: عَنّانا إليه.
٤٦٠