النص المفهرس

صفحات 401-420

مشمِّرتان أرى خَدَمَ سوقهما، تنقلان القِرَبَ على متونهما ثم تُفْرِغانه في
أفواه القوم(١).
ولقد وقع السيف من يَدِ أبي طلحة من النُّعاس إمّا مرَّتين أو ثلاثةٌ.
مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال ابن إسحاق(٣): وقاتل مُصْعَب بن عُمَيْر دون رسول الله وَل
حتى قُتِل، قتله ابن قميئة اللَّيْئي، وهو يظنّه رسولَ الله وَّ. فرجع إلى
قريش فقال: قتلتُ محمداً.
ولما قُتِلِ مُصْعَب أعطى رسولُ الله وَّرَ اللواءَ عليَّ بن أبي طالب
ورجالاً من المسلمين (٤) .
وقال موسى بن عُقْبة: واستجلبتْ قُرِيشُ من شاؤوا من مشركي
العرب، وسار أبو سُفيان في جَمْع قُريش. ثم ذكر نحو ما تقدّم، وفيه:
فأصابوا وجهه، يعني النّبيَّ بَّةٍ وقصموا رَبَاعِيَتَه، وخرقوا شَفَتَه.
يزعمون أنّ الذي رماه عُتْبة بن أبي وقّاص.
وعنده - يعني عند ابن عقبة - المنام، وفيه: فأوّلتُ الدّرْعَ الحصينة
المدينة، فامكثوا واجعلوا الذراري في الآطام، فإنْ دخلوا علينا في
الأزقّة قاتلناهم ورُمُوا من فوق البيوت. وكانوا قد سكُّوا أزقَّة المدينة
بالبنيان حتى كانت كالحصن. فأبى كثير من النّاس إلّ الخروج،
وعامّتهم لم يشهدوا بدراً. قال: وليس مع المسلمين فَرَس .
وكان حامل لواء المشركين طلحة بن عثمان، أخو شَيْبة العبدَرِي،
(١) على هامش الأصل: ((كان عمر عائشة حينئذٍ عشر سنين)).
(٢) البخاري ٤٠/٤ و ١٢٥/٥، ومسلم ١٩٦/٥، وانظر المسند الجامع ٣١٥/٢
حديث (١٢٧٦).
(٣) ابن هشام ٢/ ٧٣.
(٤) ابن هشام ٢/ ٧٣ .
٤٠١

وحامل لواء المسلمين رجل من المهاجرين، فقال: أنا عاصم إنْ شاء
الله لِما معي، فقال له طلحة بن عثمان: هل لك في المبارزة؟ فقال:
نعم فبدره ذلك الرجل فضرب بالسيف على رأسه حتى وقع السيف في
لحيته .
فكان قَتْلُ صاحبِ المشركين تصديقاً لرؤيا رسول الله وَّل في قوله
أراني أنّي مُرْدِفٌ كَبْشاً.
فلما صُرِع انتشر النّبيّ وَ لَه وأصحابه، وصاروا كتائب متفرّقة،
فجاسوا(١) العدو ضرباً حتى أجهضوهم عن أثقالهم. وحملت خيل
المشركين على المسلمين ثلاث مرّات، كلّ ذلك تُنْضَحُ بالنّبل فترجع
مفلولة. وحمل المسلمون فنهكوهم قتلاً، فلما أبصر الرُّماةُ الخمسون
أنّ الله قد فتح، قالوا: واللهِ ما نجلس ها هنا لشيء. فتركوا منازلهم التي
عِهِد إليهم النّبيّ ◌َّر أنْ لا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول
مَله، فأوجفت الخيل فيهم قتلاً، وَكان عامّتهم في العسكر. فلما أبصر
ذلك المسلمون اجتمعوا، وصرخ صارخ: أُخْراكم أُخْراكم، قُتِل رسول
الله وَلَهُ. فسُقِط في أيديهم، فقُتِل منهم من قُتِل، وأكرمهم الله بالشهادة.
وأصعد النّاس في الشِّعْب لا يلوون على أحدٍ، وثبَّت الله نبيّه، وأقبل
يدعو أصحابه مُصَعِّداً في الشِّعْب، والمشركون على طريقه، ومعه
عصابة منهم طلحة بن عُبَيْدالله والزُّبَيْر، وَجعلوا يسترونه حتى قُتِلوا إلّ
ستة أو سبعة .
ويقال: كان كعب بن مالك أول مَن عرف عينيْ رسول الله
وَسَـ
حين فُقِد، من وراء المِغْفَر. فنادى بصوته الأعلى: الله أكبر، هذا رسول
الله، فأشار إليه - زعموا - رسول الله وَلّر أنِ اسكتْ. وجُرح رسول
(١) جوّد النُّاخ الجيم عن المؤلف.
٤٠٢

الله ◌َّ فِي وجهه وكُسِرت رَبَاعِيَتَهُ(١) .
وكان أُبَيُّ بِنُ خَلَف قال حين افتُدِي: واللهِ إنّ عندي لَفَرَساً أعلِفِها
كلّ يومٍ فَرْقَ ذَرَة، ولأقتلنّ عليها محمداً. فبلغ قولُه رسولَ اللهِ وَال
فقال: بل أنا أقتله إنْ شاء الله. فأقبل أُبَيُّ مقنَّعاً في الحديد على فرسه
تلك يقول: لا نجوتُ إنْ نجا محمد. فحمل على رسول الله وَ ل﴾. قال
موسى: قال سعيد بن المسيّب: فاعترض له رجالٌ، فأمرهم رسول الله
ونَ﴿ فخلَّوا طريقه، واستقبله مُصْعَب بن عُمَيْر يقي رسولَ الله وََّ، فقتل
مصعباً. وأبصر رسول الله وَّر ترقُوَةَ أَبُّ من فُرْجَةٍ بين سابغة البَيْضة
والدّرْع، فطعنه فيها بحربته، فوقع أَبِيُّ عن فَرَسَه، ولم يخرج من طعنته
(٢)
دم(٢) .
قال سعيد: فكُسِرِ ضِلْعٌ من أضلاعه، ففي ذلك نزلت ﴿ وَمَا رَمَيْتَ
إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَّ(١٠)﴾ [الأنفال]. فأتاه أصحابه وهو يخور خُوار
الثَّور فقالوا: ما جَزَعُكَ؟ إنّما هو خَدْش. فذكر لهم قولَ رسول الله وَلّه :
بل أنا أقْتُلُ أُبَيّاً. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهل
المجاز لماتوا أجمعون. فمات قبل أن يقدم مكة (٣) .
وقال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بنُ عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير، عن
أبيه، عن جدّه، أنّ الزُّبَير قال: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَم سوق هندٍ
وصواحباتها مشمِّراتٍ هَوَارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت
الرُّماةُ إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوا ظهورَنا
للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إنّ محمداً قد قُتِل،
فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحابَ لوائهم، حتى ما يدنو
(١) ابن هشام ٧٩/٢ -٨٠.
(٢) ابن هشام ٢ / ٨٤.
(٣) كتب على هامش الأصل: ((في رابغ كما سيأتي مصرحاً به)).
٤٠٣

منه أحد من القوم.
قال ابن إسحاق: لم يزل لواؤهم صريعاً حتى أخذَتْه عَمْرةُ بنتُ
علقمة الحارثيّة، فرفعته لقُریش فلاذوا به .
وقال ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قوله تعالى: ﴿إِذْ
تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهِ، [٥﴾ أي: تقتلونهم، ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ
فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم ◌ِثْ﴾﴾ يعني: إقبالُ مَن أقبل منهم على الغنيمة،
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ أُخْرَكُمْ الَ﴾، ﴿مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا
تُحِبُّونَ (13)﴾ [آل عمران] يعني النصر. ثم أُديل للمشركين عليهم
بمعصیتھم الرسول حتى حصبهم النّبيُّ ێّ.
وروى السُّدّيّ، عن عبد خير، عن عبدالله، قال: ما كنت أرى أنّ
أحداً من أصحاب رسول الله ﴿ ﴿ يريد الدنيا حتى نَزَلَتْ فينا: ﴿مِنكُمْ
مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ اَلْآَخِرَةَ الَ﴾ [آل عمران].
وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة: هُزِم المشركون يوم
أُحُد هزيمة بيَِّة، فصرخ إبليس: أي عبادَ الله أخراكم، فرجعت أُولاهم
واجتلدوا هم وأخراهم. فنظر خُذَيْفَة فإذا هو بأبيه اليَمَان، فقال: أبي،
أبي، فَوَالله ما انحجزوا عنه حتى قتلوه. فقال حُذَيفة: غفر الله لكم. قال
عُرْوة: فَوَالله ما زالت في حُذَيفة بقيّة خيرٍ حتى لقي الله. أخرجه
البخاري(١) .
وقال ابن عَوْن، عن عُمَير بن إسحاق، عن سعد بن أبي وقّاص،
قال: كان حمزة يقاتل يوم أُحُد بين يدي رسول الله وَل بسيفين، ويقول:
أنا أسد الله. رواه يونس بن بُكَيْر، عن ابن عَوْن، عن عُمَيْرِ مُرْسلاً،
وزاد: فعثر فصُرِع مستلقياً وانكشفت الدّرع عن بطنه، فزرقه الحَبَشِيُّ
(١) البخاري ١٢٥/٥.
٤٠٤

العبدُ، فَبَقَرَه.
وقال عبدالعزيز بن أبي سَلَمَةَ، عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، عن
سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أُميَّةَ الضَّمري، قال: خرجت
مع عُبَيْد الله بن عدِيّ بن الخيار إلى الشّام. فلما أن قدِمنا حمصَ قال لي
عُبَيْدالله: هل لك في وحشيّ نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم. وكان
وحشيٍّ يسكن حمصَ، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظلِّ قصره كأنّه
حَمِيت(١) . فجئنا حتى وقفنا عليه يسيراً فسلَّمنا، فردّ علينا السلام.
وكان عُبَيْد الله معتجراً بعمامته، ما يرى وحشيٍّ إلّ عينيه ورِجْليه. فقال
عُبَيْدالله: يا وحشيّ، تعرفني؟ فنظر إليه فقال: لا واللهِ إلا أنّي أعلم أنّ
عدِيَّ بن الخيار تزوّج امرأةً يقال لها أمّ فِثال (٢) بنت أبي العيص،
فولدت غلاماً بمكّةَ فاسترضعته، فحملتُ ذلك الغلامَ مع أمّه فناولتُها
إيّاه، لكأنّي نظرتُ إلى قَدَميك. قال: فكشف عُبَيْدالله عن وجهه، ثم
قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم. إنّ حمزة قتل طُعَيْمَة بن عَدِيّ
ابن الخيار ببدر. فقال لي مولاي جُبَيْر بن مُطْعم: إنْ قتلت حمزةَ بعمّي
فأنت حرّ. فلمّا خرج الناس عن عَيْنَيْن - وعينون(٣) جبل تحت أُحُد،
بينه وبين أُحُد وادٍ - خرجتُ مع النّاس إلى القتال. فلما أنِ اصْطفُّوا
للقتال خرج سباع، فقال: هل من مبارزٍ؟ فخرج إليه حمزة، فقال:
ياسباع يا ابن مُقَطَّعة البُظُور، تُحادّ اللهَ ورسولَه؟ ثم شدّ عليه، فكان
كأمس الذاهب. قال فَكَمَنْتُ لحمزة تحت صخرةٍ حتى مرّ عليَّ، فرميته
بحربتي فأضعها في ثُنَتِهِ حتى خرجت من وَرِكه، فكان ذاك العهدَ به.
(١) الحميت: الزق الصغير.
(٢) جَوّد البشتكي الضبط عن المؤلف، وهي كذلك في رواية البخاري، انظر
الفتح ٤٦٨/٧ .
(٣) هكذا في النسخ، وفي البخاري: عينين.
٤٠٥

فلما رجع النّاس رجعت معهم، فأقمتُ بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم
خرجتُ إلى الطّائف. قال: وأرسلوا إلى رسولِ اللهِ وَل رُسُلاً، وقيل:
إنّه لا يَهِيجُ الرُّسُل، فخرجتُ معهم. فلما رآني قال: أنت وَحْشِيٍّ؟
قلت: نعم. قال: الذي قتل حمزة؟ قلت: نعم، قد كان الأمر الذي
بَلَغَك. قال: ما تستطيع أنْ تغِّيب عنّي وجهَك؟ قال: فرجعت. فلما
تُؤُفّي رسولُ اللهِ وَ وخرج مُسَيْلمة، قلت: لأخرجنّ إليه لعلّي أقتله
فأكافىءَ به حمزة. فخرجت مع النّاس وكان من أمرهم ما كان، فإذا
رجلٌ قائم في ثَلْمة جدارٍ كأنّه جَمَل أورق ثائرٌ رأسُه. قال: فأرميه
بحربتي فأضعها بين ثذْيَيْه حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إليه رجل
من الأنصار فضربه بالسّيف علی هامته.
قال سليمان بن يَسار: فسمعتُ ابنَ عمر يقول: قالت جارية على
ظهر بيت: وا أميرَ المؤمنين، قتله العبدُ الأسود. أخرجه البخاري(١).
وقال ابن إسحاق(٢): ذكر الزُّهري، قال: كان أوّل من عرف
رسولَ الله وَ لهبعد الهزيمة وقول النّاس: قُتل رسول الله وَّل، كعب بن
مالك. قال: عرفت عينيه تزْهَران من تحت المِغْفَر، فنَاديت: يا معشر
المسلمين. أبشِروا، هذا رسول الله ﴿. فأشار إليّ أن انصتْ، ومَعه
جماعة. فلما أسند في الشِّعْب أدركه أُبِيُّ بنُ خلف وهو يقول: يا
محمد، لا نجوتُ إنْ نجوتَ ... الحديثَ.
وقال هاشم بن هاشم الزُّهْري: سمعت سعيد بن المسيّب، سمع
سعداً يقول: نثل لي رسولُ اللهِ وَّ﴿ كنانته يوم أُحُد، وقال: ارم، فداك
أبي وأمّي. أخرجه البخاري(٣).
(١) البخاري ١٢٨/٥-١٢٩ .
(٢) ابن هشام ٢/ ٨٣.
(٣) البخاري ١٢٤/٥.
٤٠٦

وقال ابن إسحاق(١) : حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبدالله، عن أبيه،
عن جدّه، عن الزُّبَيْر، قال: فرأيتُ رسولَ الله وَّل قد ظاهر بين درعين
يومئذٍ، فلم يستطع أن ينهض إليها، يعني إلى صخرةٍ في الجبل، فجلس
تحته طلحة بن عُبَيْدالله فنهض رسول الله وَل حتى استوى عليها. فقال
رسول الله وَالر: أوجب طلحة.
وقال حُمَيْد وغيره، عن أنس، قال: غاب أنَس بن النَّضْر، عمّ أنَس
ابن مالك، عن قتال بدر، فقال: غبتُ عن أوّل قتال رسولِ الله وَل
المشركين، لِئِنِ اللهُ أشهدَني قتالاً لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أُحُد
انكشف المسلمون فقال: اللَّهُمَّ إنّ أبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء، يعني
المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين من الهزيمة .
فمشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، إنّي لأجِدُ ريحَ الجنة
دون أُحُد، واهاً لريح الجنّة! فقال: سعد يا رسول الله فما استطعتُ أن
أصنعَ كما صنع. قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى، به بضْعٌ
وثمانون جراحةً من ضربةٍ بسيفٍ وطعنةٍ برم ورَمْيةٍ بسهم، فما عرفناه،
حتى عرفَتْهُ أختُه ببَنَانِه، فكنّا نتحدث أن هذه الآية ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ
[الأحزاب]، نزلت فيه وفي أصحابه. مُتّفقٌ
٢٣
مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ
عليه(٢) ، لكنْ مسلم من حديث ثابت البُناني، عن أنس.
وقال محمد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، أنّ عَمْرو بن
أُقَيْش كان له رِباً في الجاهلية، فكره أن يُسْلِم حتى يأخذه. فجاء يوم
أُحُد فقال: أين بنو عمّي؟ قالوا: بأُحُد. فلبس لأُمته وركب فرسَه ثم
توجّه قِبَلَهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنّا. قال: إنّي قد آمنت.
(١) ابن هشام ٢ / ٨٦.
(٢) البخاري ٢٣/٤ و١٢٢/٥، ومسلم ٤٥/٦، وانظر المسند الجامع حديث
(١٢٧٢) و(١٢٧٣).
٤٠٧

فقاتل حتى جُرح، فحُمل جريحاً، فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخته:
سَلِيه، حَمِيَّةً لقومك أو غَضَباً لله؟ قال: بل غَضَباً لله ورسوله. فمات
فدخل الجنّة وما صلّى صلاةً. أخرجه أبو داود(١) .
وقال حَيوَة بن شُرَيْح المصري: حدثني أبو صخر حُمَيْد بن زياد،
أنّ يحيى بن النَّضْر حدّثه عن أبي قَتَادة، قال: أتى عَمْرو بن الجَمُوح إلى
رسول الله وَ لّ فقال: يا رسول الله، أرأيت إنْ قاتلتُ في سبيل الله حتى
أُقْتَل، أمشي برِجلي هذه صحيحة في الجنّة؟ وكان أعرج، فقال رسول
اللهِ وَله: نعم، فَقُتِل يوم أُحُد هو وابنُ أخيه ومولىّ لهم، فمرّ رسول الله
وَل﴿ فقال: كأنّ أراك تمشي برجْلك هذه صحيحة في الجنة. وأمر بهما
وبمولاهما فَجُعِلُوا في قبرٍ واحد .
وقال ابن عُيَيْنَة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيّب قال: قال
عبد الله ابن جَحش: اللهمَّ إنّي أُقسم عليك أنْ ألقى العدوَّ غداً فيقتلوني
ثم يبقروا بَطْني ويجدعوا أنفي وأُذُني، ثم تسألني بمَ ذاك، فأقول: فيك.
قال سعيد بن المسيّب: إنّي لأرجو أنْ يبرَّ الله آخر قَسَمه كما أبرَّ أوله.
وروى الزُّبَيْرِ بن بكّار في ((المُوَفَّقِيّات))(٢)، أنَّ عبدالله بن جَحْش،
انقطع سيفه، قال: فأعطاه النّبيّ ◌َ ل ◌َ عُرْجوناً فصار في يده سيفاً. فكان
يُسمَّى العُزْجون، ولم يزل يُتَنَاوَل حتى بيع من بُغَا التُّركي بمئتي دینار.
وكان عبدالله من السابقين، أسلم قبل دار الأرقم، وهاجر إلى
الحبشة هو وإخوتُه وشهِد بدْراً.
وقال مَعْمَر، عن سعيد بن عبدالرحمن الجَحْشِي: حدثنا أشياخنا أنّ
عبدالله بن جَحْش جاء إلى رسول الله وَل﴿ل يوم أُحُد وقد ذهب سيفُه،
(١) أبو داود (٢٥٣٧).
(٢) الأخبار الموفقيات ص ٣٩٠ و ٦٢٣.
٤٠٨

فأعطاه النّبيّ وَّهَ عسيباً من نخْلٍ، فرجع في يد عبد الله سيفاً. مُرْسَل.
عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: بعثني النّبيُّ ◌َلَه يوم
أُحُد لطلبٍ سعدِ بن الربيع، وقال لي: إنْ رأيتَه فأقرِهِ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ
له: يقولُ لكَ رسولُ الله كيف تجدُك؟ فجعلت أطوف بين القتلى،
فأصبتُه وهو في آخر رَمَقٍ وبه سبعون ضربة، فقلت: إنّ رسول الله وكله
يقرأ عليك السّلامَ ويقول لك: خبّرني كيف تجدُكَ؟ قال: على رسول
الله السّلام وعليك، قل له: يا رسول الله أجدُ رِيحَ الجنّة، وقل لقومي
الأنصار: لا عُذْر لكم عند الله إنْ خُلِصَ إلى رسولِ اللهِوَّر وفيكم شُفْرٌ
يَطْرِفُ(١) . قال: وفاضت نفسُه. أخرجه البيهقي(٢)، ثم ساقه فيما بعد
من حديث محمد بن إسحاق(٣) ، عن محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن
المازني، منقطعاً، فهو شاهدٌ لِما رواه خارجة.
وقال موسى بن عُقْبة: ثم انكفأ المشركون إلى أثقالهم، لا يدري
المسلمون ما يريدون. فقال النّبِيّ بَلَّ: إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا
الأثقال تتبع آثار الخيل، فهم يريدون أن يدنوا من البيوتِ والآطام التي
فيها الذَّراري، وأُقْسِمُ بالله لِئِنْ فعلوا لأواقعنَّهم في جوفها، وإنْ كانوا
ركبوا الأثقالَ وجَنَّبوا الخيلَ فهم يُريدون الفرارَ. فلما أدبروا بعث رسول
اللهِ بَّهُ سعدَ بنَ أبي وقّاص في آثارهم. فلما رجع قال: رأيتهم سائرين
على أثقالهم والخيل مجنوبة. قال: فطابت أنفُسُ القوم، وانتشروا
يبتغون قَتْلاهم. فلم يجدوا قتيلاً إلّ وقد مَثَّلُوا به، إلّ حنظلة بن أبي
عامر، وكان أبوه مع المشركين فتُرك لأجله. وزعموا أنّ أباه وَقف عليه
قتيلاً فدفع صدره برِجْله ثم قال: ذَنْبان أصبْتَهُما، قد تقدَّمتُ إليك في
(١) الشفر: أصل منبت الشعر في الجفن.
(٢) دلائل النبوة ٢٤٨/٣ .
(٣) ابن هشام ٢ / ٩٤ .
٤٠٩

مصرعك هذا يا دُبيس (١) ، ولَعَمْرِ اللهِ إنْ كنتَ لواصلاً للرَّحِمِ برَّاً
بالوالد.
ووجدوا حمزةَ بنَ عبدالمطّلب قد بُقر بطنُه وحُمِلَت كبِدُهُ، احتملها
وحْشِيُّ وهو قتله، فذهب بكَِدِه إلى هند بنت عتبة في نَذْرِ نَذَرَتْه حين
قتل أباها يوم بدر. فدُفن في نَمِرَةٍ كانت عليه، إذا رُفعت إلى رأسه بَدَتْ
قَدَماه، فغطّوا قدمَيْة بشيءٍ من الشجر(٢).
وقال الزُّهْري: فقال النّبيّ نَّه: زمَّلُوهم بدمائهم، فإنّه ليس أحدٌ
يُكْلَمُ في الله إلّ وهو يأتي يومَ القيامةِ وجرحه يَدْمَى، لونُه لونُ الدّم
ورِيحه ربحُ المِسْك.
وقال: إنّ المشركين لن يصيبوا منّا مثلَها. وقد كان أبو سُفيان
ناداهم حين ارتحل المشركون: إنَّ موعدكمُ الموسمُ، موسم بدر. وهي
سوقٌ كانت تقوم ببدرٍ كلّ عام. فقال رسول الله وَّةٍ: قولوا له: نعم (٣).
قال: وَدَخل النّبيّ وََّ المدينة، وإذَا النَّوْحُ في الدُّور. قال: ما
هذا؟ قالوا: نساءُ الأنصار يَبكينَ قتلاهم. وأقبلت امرأةٌ تحملُ ابنَها
وزوجَها على بعير، قد ربطتهما بحبلٍ ثم ركبتْ بينهما، وحُمِلَ قتلى،
فدُفِنوا في مقابر المدينة، فنهاهم عن ذلك وقال: وَارُوهُمْ حيث
أُصيبوا (٤) .
وقال لما سمع البُكاء: لكنَّ حمزةَ لا بواكي له. واستغفرَ له، فسمع
ذلك سعدُ بن مُعاذ وابنُ رَوَاحة وغيرُهما، فجمعوا كلَّ نائحةٍ وباكيةٍ
بالمدينة، فقالوا: واللهِ لا تبكين قتلى الأنصارِ حتى تبكينَ عمَّ رسولِ الله
الدبيس: عسل التمر .
(١)
ابن هشام ٩٥/٢.
(٢)
ابن هشام ٢ / ٩٤.
(٣)
(٤) ابن هشام ٢ / ٩٩.
٤١٠

وَّة، فلما سمع رسول الله بالبكاء، قال: ما هذا؟ قال: فأُخبر، فاستغفر
لهم وقال لهم خيراً، وقال: ما هذا أردت وما أحبّ البكاء، ونهى
عنه(١).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني القاسم بن عبدالرحمن
ابن نافع الأنصاريّ، قال: انتهى أنس بن النَّضْر إلى عمر، وطلحة،
ورجال قد ألقوا بأيديهم فقال: ما يُجْلِسكُم؟ فقالوا: قُتِل رسول الله وَه.
قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول
الله ◌ََّ، ثم استقبل القومَ فقاتل حتى قُتِل.
قال ابن إسحاق(٣): وقد كان حنظلة بن أبي عامر التَّقَى هو وأبو
سُفيان بن حرب، فلما استعلاه حنظلةُ رآه شدّاد بن الأسود. فضرب
حنظلةَ بالسيف فقتله. وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة، أنّ رسول الله
وَ﴿ه قال: إنّ صاحبكم لَتُغَسِّلُهُ الملائكةُ، يعني حنظلة، فسألوا أهلَه ما
شأنه؟ فسُئلت صاحبتُه قالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهَيْعَة. فقال
النّبِيّ ◌َِّ: لذلك غسّلته الملائكة.
وقال البكّائِيّ، عن ابن إسحاق(٤): وخَلَصَ العدوُّ إلى رسول الله
وَلَه فِدُثَّ(٥) بالحجارة حتى وقع لشقّه فأُصيبت رَبَاعِيَتُه، وشُجَّ في
وجهه، وكُلِمتْ شَفَتُه. وكان الذي أصابه عُتْبة بن أبي وقّاصٍ. فحدّثني
حُمَيْد الطويل، عن أنَس، قال: كُسِرت رَبَاعِيَة النّبِيّ ◌َ﴿ يوم أُحُد، وشُجَّ
في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسحه ويقول: كيف يفلح
(١) ابن هشام ٢ / ٩٩.
(٢)
ابن هشام ٢ / ٠٨٣
(٣)
ابن هشام ٢ / ٧٥.
(٤) ابن هشام ٧٩/٢ -٨٠.
(٥) أي: رُمي بالحجارة من قريب.
٤١١

قوم خَضَبُوا وجهَ نبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟ فنزلت ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ
اُلْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ (٤)﴾ [آل عمران].
وقال عبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال:
جُرِحِ رسول اللهِ وَّ، وكُسِرت ربَاعيَتُه، وهُشِمتْ البَيْضَة على رأسه،
فكانت فاطمة بنت رسول الله وَّ تغسل الدم، وعليٍّ يسكب الماءَ عليه
بالمِجَنّ. فلما رأت فاطمة أنَّ الماء لا يزيد الدمَ إلّ كثرة، أخذت قطعة
حصيرٍ أحرقته، حتى إذا صار رماداً ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم.
أخر جاه(١) .
ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن
سهل، قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ِ ظله يوم أُحُد أُصيبت رَبَاعيَتْه وَهُشِمت
بيضته. وذكر باقي الحديث.
وقال مَعْمَر، عن همّام، عن أبي هريرة، قال رسول الله وَله: اشتدّ
غضب الله على قوم فعلوا برسول الله، وَهو يشير إلى رَبَاعَيَتْه، اشتدّ
غضب الله على رجلٌ يقتُلُه رسولُ الله في سبيل الله. مُتَّفقٌ عليه(٢).
وللبخاري مثله من حديث عِكْرِمة، عن ابن عبّاس. لكن فيه: دَمَّوا
وجهَ رسولِ الله، بَدَلِ ذِكْرِ رَبَاعيته(٣) .
وقال ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عُبَيْدالله:
أخبرني عيسى بن طلحة، عن عائشة، قالت: كان أبو بكر إذا ذُكِر يوم
أُحُد بكى ثم قال: ذاك يوم كان كلّه يوم طلحة. ثم أنشأ يحدّث، قال:
(١) البخاري ٧٠/١ و٤٨/٤ و٧٩ و١٢٩/٥ - ١٣٠ و٥١/٧ و١٦٧، ومسلم
١٧٨/٥، وانظر المسند الجامع حديث (٥١٢٢).
(٢) البخاري ١٢٩/٥، ومسلم ١٧٩/٥، وانظر المسند الجامع حديث
(١٤٦٢٥).
(٣) البخاري ١٢٩/٥ و١٣٠، وانظر المسند الجامع حديث (٦٩٣٤).
٤١٢

كنت أوّلَ من فاء يوم أُحُد، فرأيتُ رجلاً يقاتلُ مع رسولِ الله ◌َّ دونه .
وأراه قال: يحميه، فقلت: كُنْ طلحة، حيث فاتني ما فاتني، قلتُ:
يكون رجلاً من قومي أحبّ إليّ، وبَيني وبين المشرق رجل لا أعرفه،
وأنا أقربُ إلى رسولِ اللهِ وَِّ منه، وهو يخطفُ المشي خطْفاً لا أخطفه.
فإذا هو أبو عُبَيْدة. فانتهينا إلى رسولِ اللهِ مَّهُ وقد كُسِرت رَبَاعيَتْه وشَُّ
في وجهه، وقد دخل في وجهه حَلَقَتان من حلق المِغْفر. قال رسولُ الله
وَّ: عليكما صاحبكما، يريدُ طلحةَ وقد نُزِفَ. فلم نلتفتْ إلى قوله،
وذهبتُ لأنزِعَ ذلك من وجهه. فقال أبو عُبَيْدة: أقسمتُ عليك بحقِّي
لما تركتني. فتركته. فكره أن يتناولها بيده فيؤذي النّبيَّ، فأزمَّ عليهما
بفِيه، فاستخرج إحدى الحلقتين. ووقعت ثنيَّتُه مع الحلقة. وذهبتُ
لأصنع ما صنع، فقال: أقسمتُ عليك بحقّي لما تركتني. ففعل ما فعل
في المرّة الأولى، فوقعت ثنيتُه الأخرى مع الحلقة. فكان أبو عُبَيْدة من
أحسنِ النّاس هَتْماً، فأصلحنا من شأنِ النّبِيِّي وََّ، ثم أتينا طلحةَ في
بعض تلك الجِفار (١)، فإذا بضعٌ وسبعون، أقلّ أو أكثر، من بين طعنةٍ
ورميةٍ وضربة، وإذا قد قُطعت إصبعُه. فأصلحنا من شأنه.
وروى الواقديُّ(٢) عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي
فروة، عن أبي الحُوَيْرِث، عن نافع بن جُبَيْر، قال: سمعت رجلاً من
المهاجرين يقول: شهدتُ أُحُداً، فنظرت إلى النَّبْل يأتي من كلّ ناحية،
ورسول الله وَّ وسطها، كل ذلك يُصْرَف عنه. ولقد رأيت عبدالله بنَ
شهاب الزُّهْريّ يقول يومئذٍ: دلّوني على محمدٍ، فلا نجوتُ إنْ نجا.
ورسول الله وَ﴾ إلى جنبه ما معه أحدٌ، ثم تجاوزه فعاتبه في ذلك
صَفوان، فقال: واللهِ ما رأيتُه، أحلفُ باللهِ أنّه مِنَّا ممنوعٌ، خرجنا أربعةٌ
(١) أي: الآبار الواسعة.
(٢) المغازي ٢٣٧/١-٢٣٨.
٤١٣

فتعاهدْنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك.
قال الواقديّ: الثَّبْتُ عندنا أنّ الذي رمى رسولَ الله ◌َلال في وجنتيه:
ابن قَمِئَة، والذي رمى شَفَتَيْه وأصابَ رَبَاعيَتِه: عُثْبة بن أبي وقّاص.
وقال ابن إسحاق(١): حدّثني صالح بن كَيْسان، عمّن حدّثه، عن
سعد بن أبيّ وقاص، قال: واللهِ ما حَرَصْت على قتل أحدٍ قطّ ما حَرَصْت
على قتْل عُتْبَة بن أبي وقّاص، وإنْ كان ما علمته لسيّء الخُلُق مُبَغَّضاً في
قومه، ولقد كفاني منه قولُ رسول الله بَّهِ: ((اشتدّ غضبُ اللهِ على من
دَمَی وجه رسولِ الله)).
وقال مَعْمَر، عن الزُّهْريّ، عن عثمان الجَزَرِي، عن مِقْسَم أنّ النّبيَّ
وَّ دعا على عُتْبة حين كسر رباعيته: اللَّهُمَّ لا تُحِلْ عليه الحَوْل حتى
يموتَ كافراً. فما حال عليه الحَوْلُ حتى مات كافراً إلى النّار. مُرْسَل.
ابن وهب: أخبرنا عَمْرو بن الحارث، قال: حدّثني عمر بن
السّائب، أنّه بلغه أنّ والد أبي سعيد الخُذْرِيّ لما جُرح النّبيّ بَّل يوم
أُحُد، مَصَّ جرحَه حتى أنقاه ولاح أبيضَ، فقيل له: مُجَّه. فقال: لا
واللهِ لا أمُجُّه أبداً. ثم أدبر فقاتَل، فقال النّبيّ وَّرَ: ((مَنْ أراد أنْ ينظر إلى
رجلٍ من أهل الجنّة، فلينظر إلى هذا)). فاستُشْهِد.
قال ابن إسحاق(٢): قال حسّان بن ثابت:
إذا اللهُ جازَى مَعْشَراً بفِعَالهمْ ونَصْرِهم الرَّحمنَ ربَّ المشارق
فأخزاك ربّ يا عُتَيْب بن مالك ولَقَّاك قبلَ الموتِ إحدى الصَّواعق
بَسَطْتَّ يميناً للنّبيّ تَعَمُّداً فادميْتَ فاهُ، قُطّعْتْ بالبَوارق
فَهَلّا ذكرتَ اللهَ والمنزِلَ الذي تصيرُ إليه عند إحدى البَوَائق
(١) ابن هشام ٧٩/٢.
(٢) ابن هشام ٢/ ٨١.
٤١٤

قال ابن إسحاق(١) : وعن أبي سعيد الخُدْرِيّ، أنّ عُتْبة كسر رباعيَةَ
النّبيّ وَّرَ اليمنى السُّفْلى، وجرح شَفَتَه السُّفْلى، وأنّ عبدالله بن شهاب
شجَّه في جبهته، وأنّ ابن قمئة جرح وجنَتَه، فدخلت حلقتان من حلق
المِغْفَر في وجنته، ووقع ◌ََّ فِي حُفْرة من الحُفَر التي عمل أبو عامر ليقع
فيها المسلمون، فأخذ عليٌّ بيد رسول الله وَلَه، ورفعه طلحة حتى
استوى قائماً. ومصّ مالك بن سِنان، أبو أبي سعيد، الدَّمَ عن وجهه ثم
ازْدَرَدَه، فقال رسول الله بَّرَ: مَنْ مسَّ دمَه دمي لم تمسّه النّار. مُنْقَطِع.
قال البكّائيّ: قال ابن إسحاق(٢): وحدّثني عاصم بن عمر، أنّ
رسول الله بَُّ رمى عن قوسه حتى اندقَّت سِيَتُها(٣)، فأخذها قَتَادة بن
الثُّعمان، فكانت عنده. وأصيبتْ يومئذٍ عينُ قَتَادة، حتى وقعت على
وجنته. فحدّثني عاصم بن عمر أنّ رسول الله وََّ ردّها بيده، وكانت
أحسن عينيه وأحَدَّهما.
وقال الواقديّ(٤) : حدثنا موسى بن يعقوب الزّمعي، عن عمّته،
عن أُمّها، عن المِقْداد بن عَمْرو قال: فربَّما رأيت رسول الله الَّله قائماً
يوم أُحُد يرمي عن قوسِهِ، ويرمي بالحجر، حتى تحاجزوا، وثبت رسول
الله ◌َ# كما هو في عصابةٍ صبروا معه.
هذان الحديثان ضعيفان، وفيهما أنّه رمى بالقوس.
وقال سليمان بن أحمد نزيل واسط: حدثنا محمد بن شُعَيْب، قال:
سمعت إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، يحدّث عن عِياض بن عبدالله بن
سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخُدْرِي، عن قَتَادَة بن التُّعمان، وكان
(١) ابن هشام ٢ / ٨٠.
(٢) ابن هشام ٢/ ٨٢.
(٣) أي: طرف القوس.
(٤) المغازي ٢٣٩/١ -٢٤٠.
٤١٥

صَلى الله
وعمليـ
أخا أبي سعيد لُأُمّه، أنّ عينه ذهبت يوم أُحُد، فجاء بها إلى النّبيّ
فردها، فاستقامت.
وقال يحيى الحِمّاني: حدثنا عبدالرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن
عمر بن قتَادَة، عن أبيه، عن قَتَادَة بن النُّعمان، أنّه أصيبت عينُه يوم
بدر، فسالت حَدَقَتُه على وجنته، فأرادوا أنْ يقطعوها، فسألوا النّبِيَّ وَّلـ
فقال: لا. فدعا به فغمز حَدَقَتَه براحته. فكان لا يدري أيَّ عينيه
أُصيبت.
كذا قال ابن الغسيل : يوم بدر.
وَقال موسى بن عُقْبة: إنّ أبا حُذَيْفة بن اليمان، واسمه حُسَيل بن
جُبَيْر حليف للأنصار، أصابه المسلمون، زعموا، في المعركة لا يدرون
من أصابه. فتصدّق حُذَيْفة بدمه على من أصابه .
قال موسى: وجميع من استُشهد من المسلمين تسعة وأربعون رجلاً.
وفُتِل من المشركين ستّة عشر رجلاً.
وقال ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: حمل أُبَيُّ بن
خَلَف على النّبِيِّ نََّ يريد قتله، فاستقبله مُصْعَب بن عُمَيْر، فقتل
مصعباً. وأبصر رسول الله وَ لَه تَرْقُوَةَ أَبَيِّ فطعنه بحربتِه فوقع عن فرسِه،
ولم يخرج منها دَمٌ فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور.
وروی نحوه الزُّهْرِيّ، عن ابن المسيّب.
وذكره الواقدي، عن يونس بن محمد، عن عاصم بن عمر بن
قتادة، عن عبدالله بن کعب بن مالك، عن أبيه.
قال الواقدي(١): وكان ابن عمر يقول: مات أَبِيِّ ببطنِ رابغ، فإنّي
(١) المغازي ١/ ٢٥٢.
٤١٦

لأسير ببطن رابغ بعد هَوِيٍّ من الليل إذا نار تأجَّج لي فهِبْتُها، فإذا رجل
يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح: العطش. ورجل يقول: لا تَسْقِه،
فإنَّ هذا قتيل رسولِ الله وَّه هذا أَبِيُّ بن خَلَف(١) .
وقال عبدالرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عُبَيْد الله بن عبدالله بن
عُتبة، عن ابن عبّاس، قال: ما نُصِر النّبِيُّ ◌َ ◌َّ في موطنٍ كما نُصِر يوم
أُحُد. فأنكرنا ذلك، فقال ابن عبّاس: بيني وبين مَن أنكر ذلك كتابُ
الله، إنّ الله تعالى يقول في يوم أُحُد: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ
تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ والحَسُّ: القتلُ ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى
اُلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ (٣٥)﴾ [آل عمران] الآية.
وإنّما عنى بهذا الرُّماة. وذلك أنّ النّبيَّ بَّرَ أقامهم في موضع. وقال:
احموا ظُهورَنا، فإنْ رأيتمونا نُقْتَل فلا تَنْصُرُونا، وإنْ رأيتمونا قد غنِمْنا
فلا تَشْرَكونا. فلما غنم رسول الله رَّر وانكفأ عسكر المشركين، نزلت
الرُّمَاة فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التفَّتْ صفوفُ أصحابٍ رسول
الله بَّ فهم هكذا، وشبَّك أصابعه، والتبسوا. فلما خلَّى الرُّماة تلك
الخَلَّةَ(٢) التي كانوا فيها، دخلت الخيلُ من ذلك الموضع على أصحاب
النّبيّ وََّ، فضرب بعضهم بعضاً، والتبسوا. وقُتِل من المسلمين ناسٌ
كثير. وقد كان لرسولِ اللهِ وَله وأصحابه أوَّلُ النهار، حتى قُتِل من
أصحاب لواء المشركين سبعةٌ أو تسعة، وجال المسلمون جولةً نحو
الجبل، وصاح الشَّيطان: قُتِلَ محمد. فلم يُشَكَّ فيه أنّه حقٌّ. وساق
الحدیث .
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن أنس، عن أبي طلحة،
قال: كنت ممّن تَغَشّاهُ النُّعاس يوم أُحُد، حتى سقطَ سيفي من يدي
(١) كتب على هامش الأصل: «تقدم قتل أُبي بأبسط مما هنا).
(٢) أي: الهضبة .
٤١٧

مِراراً. أخرجه البخاري(١) .
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال:
رفعت رأسي يوم أُحُد، فجعلت أنظر، وما منهم أحدٌ إلّ وهو يَمِيد تحت
حَجَفَتِهِ من النُّعَاسِ. فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً
تُعَاسَا لَ﴾ [آل عمران] الآية.
وقال يحيى بن عبّاد بن عبدالله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، عن جدّه، عن
الزُّبَير، قال: واللهِ لَكَأنّي أسمع قولَ مُعَنِّب بن قُشَيْرِ، وإنّ النُّعاس
لَيَغْشاني ما أسمعها منه إلّ كالحُلُم، وهو يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ
شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَّأ ◌َ﴾ [آل عمران].
وروى الزُّهْري، عن عبدالرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمة، عن أبيه،
عن أبيه(٢)، قال: أُلْقِي علينا النَّومُ يوم أُحُد.
وقال ابن إسحاق(٣)، عن عاصم بن عمر، والزُّهْري وجماعة،
قالوا: كان يوم أُحُد يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومَحَقَ
به المنافقين ممّن كان يُظهِر إسلامَه بلسانه، ويوم أكرم الله فيه بالشهادة
غير واحد، وكان ممّا نزل من القرآن في يوم أُحُد ستُّون آيَةً من آل
عمران .
وقال المدائني، عن سَلّم بن مسكين، عن قَتَادَة، عن سعيد بن
المسيّب، قال: كانت راية رسول الله وَل يوم أحد مرطاً أسود كان
(١) البخاري ١٢٦/٥-١٢٧.
(٢) قوله: ((عن أبيه)) الثانية حذفها بعض من نشر الكتاب، وهي ثابتة في الأصول،
بل صحح عليها البشتكي، والمسور بن مخرمة كان عمره ثماني سنوات عند
وفاة رسول الله ◌َلثر كما في تهذيب الكمال ٥٨٢/٢٧. فراوي الحديث هو
مخرمة بن نوفلٍ بن أُهيب أبو المسور الزهري، من مسلمة الفتح، وكان مع
المشركين يوم أحد (الإصابة ٦/ ٥٠).
(٣) ابن هشام ١٠٥/٢.
٤١٨

لعائشة، وراية الأنصار يقال لها العُقاب، وعلى الميمنة عليّ، وعلى
الميسرة المنذر بن عَمْرو السّاعِدِي، والزُّبَيْر بن العوّام على الرجال،
ويقال المِقْداد بن عَمْرو، وحمزة بن عبد المطّلب على القلب.
ولواء قريش مع طلحة بن أبي طلحة فقتله عليّ رضي الله عنه، فأخذ
اللواء سعد بن أبي طلحة فقتله سعدُ بن مالك، فأخذه عثمان بن أبي
طلحة (١) ، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فأخذه الجُلاَس بن
طلحة، فقتله ابن أبي الأقلح أيضاً، ثم كلاب والحارث ابنا طلحة،
فقتلهما قُزْمان حليف بني ظفر، وأرطاة بن عبد شُرَحْبِيل العَبْدَرِي قتله
مُصْعَب بن عُمَيْر، وأخذه أبو يزيد بن عُمَير العبدري، وقيل عبد حبشيٌّ
لبني عبدالدار، قتله قُزْمان.
قال ابن إسحاق(٢): وبقي اللواء ما يأخذه أحدٌ، وكانت الهزيمةُ
على قريش.
وقال مروان بن معاوية الفَزاري: حدثنا عبد الواحد بن أيمن، قال:
حدثنا عُبَيْد بن رفاعة الزُّرقي، عن أبيه، قال: لما كان يوم أُحُد انكفأ
المشركون، قال رسول الله وَلجر: استووا حتى أثني على ربّ. فصاروا
خلفه صفوفاً فقال: ((اللَّهُمَّ لك الحمد كلّه، اللَّهُمَّ لا قابضَ لِمَا بَسَطْتَ،
ولا مُقَرِّبَ لِما باعدْتَ، ولا مُباعد لِما قَرَّبْتَ، ولا مانع لما أعطيت، ولا
مُعطي لِما منعت. اللَّهُمَّ ابسُطْ علينا من بركاتك، أسألكَ النَّعيمَ المُقيم
الذي لا يحول ولا يزول. اللَّهُمَّ عائذاً بك من سوء ما أعطيتنا وشرّ ما
منعت منّا، اللَّهُمَّ حِّبْ إلينا الإيمانَ وزيَّنْه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكُفْرَ
والفُسُوق والعِصْيان، واجْعلنا من الراشدين، اللَّهُمَّ تَوَقَّنا مسلمين وأحْيِنا
(١) كتب على هامش الأصل: ((اسم أبي طلحة أبيهم عبدالله بن عبدالعزى بن
عثمان بن عبدالدار)).
(٢) ابن هشام ٢/ ١٢٧ .
٤١٩
٠

مسلمين وألحِقْنا بالصَّالحين غيرَ خَزَايا ولا مفتونين. اللَّهُمَّ قاتل الكفرة
الذين يَصدُّون عن سبيلكَ، ويكذبون رسلك، واجعلْ عليهم رِجْزَ
وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إلهَ الحقّ)).
هذا حديث غريب مُنْكر، رواه البخاري في الأدب(١) ، عن عليّ بن
المَدِيني، عن مروان.
عدد الشهداء
قد مرَّ أنَّ البخاريَّ أخرج من حديث البَرَاء، أنّ المشركين أصابوا منّا
سبعین .
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، قال: ياربّ السّبعين
من الأنصار، سبعين يوم أُحُد، وسبعين يوم بئر مَعُونَة، وسبعين يوم
مُؤْتَة، وسبعين يوم اليمامة .
وقال عبدالرحمن بن حَرْمَلَة، عن سعيد بن المسيّب، قال: قُتِل من
الأنصار في ثلاثة مَوَاطنَ سبعون سبعون: يوم أُحُد، ويوم اليَمامة، ويوم
جسر أبي عُبَيْد.
وقال ابن جُرَيْج: أخبرني عمر بن عطاء، عن عِكْرِمة، عن ابن
عبّاس، في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا [3﴾﴾ [آل عمران]، قال: قتل
المسلمون من المشريكن يوم بدرٍ سبعين وَأسروا سبعين، وقتل
المشركون يوم أُحُد من المسلمين سبعين .
وأما ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، فقال: جميع من قُتِل
مع رسول الله بَ له يوم أُحُد، من قُريش والأنصار: أربعةٌ، أو قال: سبعة
(١) الأدب المفرد ص ٢٤٣.
٤٢٠