النص المفهرس

صفحات 301-320

عثمان فمات بمكة كافراً، وأمّا الحَكَم فأسلم واستُشهد ببئر مَعُونة(١).
وصُرِفت القبلة في رجب، أو قريباً منه، والله أعلم.
غزوة بدر الكبرى
من السيرة لابن إسحاق، رواية البگّائيّ.
قال ابن إسحاق(٢): سمع النَّبيُّ وَّ أبا أنّ سُفيان بن حرب قد أقبل
من الشام في عِيرٍ لقريش وتجارةٍ عظيمة، فيها ثلاثون أو أربعون رجلاً
من قريش، منهم: مَخْرمة بن نَوفل، وعَمْرو بن العاص. فقال النَّبيُّ
وَّة: هذه عِير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله يُنفلكُمُوها.
فانتدب النّاس، فخفّ بعضُهم، وثَقُلَ بعضٌ، ظنّاً منهم أنّ النَّبِيَّ ◌ٍَّ لا
يلقى حرباً. واستشعر أبو سفيان فجهّز مُنْذِراً إلى قُرَيْش يستنفرهم إلى
أموالهم. فأسرعوا الخروج، ولم يتخلّف من أشرافهم أحد، إلّا أنّ أبا
لهبٍ قد بعث مكانه العاص أخا أبي جهل. ولم يخرج أحدٌ من بني عَدِيّ
ابن كعب . وكان أُميّة بن خَلَف شيخاً جسيماً فأجمع القُعود. فأتاه عُقْبة
ابن أبي مُعَيْط - وهو في المسجد - بِمِجْمَرةٍ وبخورٍ فوضعها بين يديه،
وقال: أبا عليّ، استَجْمِر! فإنّما أنت من النّساء. قال: قَبَّحَك اللهُ، ثم
تَجَهَّزَ وخرج معهم. وخرج النَّبيُّ ◌َ لَّ في ثامن رمضان، واستعمل على
المدينة عَمْرو ابن أمّ مَكْتوم على الصّلاة. ثم ردّ أبا لُبابة من الرَّوْحاء
واستعمله على المدينة. ودفع اللواءَ إلى مُصعب بن عُمَيْر. وكان أمام
رسول الله وَّ﴾ رايتان سوداوان؛ إحداهما مع عليّ، والأخرى مع رجلٍ
أنصاريّ. وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ.
(١) ابن هشام ١/ ٦٠١ - ٦٠٦.
(٢) ابن هشام ١/ ٦٠٦ فما بعدها.
٣٠١

فکان مع المسلمین سبعون بعیراً یعتقبونھا، وکانوا یوم بدر ثلاث
مئة وتسعة عشر رجلاً. وكان رسول الله وَّةٍ، وعليّ، ومَرْئد بن أبي مَرْئَد
يعتقبون بعيراً. وكان أبو بكر، وعمر، وعبدالرحمن بن عَوْف يعتقبون
بعيراً. فلما قَرُّب النّبِيّ وَّهِ من الصَّفْراء بعث اثنين يتجسسان أمرَ أبي
سفيان. وأتاه الخبر بخروج نفير قُرَيش، فاستشار النّاسَ، فقالوا خيراً.
وقال المِقْدَاد بن عمرو: يا رسول الله، إمْضٍ لِما أراك الله فنحن معك،
والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ((اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ
فقاتلا إنَّا هاهنا قَاعِدُونَ))، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكما
مقاتلون، فَوَالذي بَعَثَكَ بالحقّ لو سِرْتَ بنا إلى بِرْك الغِمَاد لجالَدْنا معك
مَنْ دونه حتى تبلُغَه. فقال النَّبيُّ ◌َّ له خيراً ودعا له.
وقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لو استعرَضْتَ بنا هذا البحر
لخُضْناه معك. فسَرَّ رسولَ اللهِ بَّهَ قولُهُ، وقال: سِيروا وأبشِروا، فإنّ
ربِّي قد وعدني إحدى الطائفتين: إمّا العِير وإمّا النَّغير.
وسار حتى نزل قريباً من بدر. فلما أمسى بعث عليّاً والزُّبَيْرِ وسعداً
فِي نَفَرٍ إلى بدر يلتمسون الخبر. فأصابوا راويةً لقُرَيْش فيها أسلم وأبو
يَسَار من مَواليهم، فأتوا بهما النَّبيَّ ◌ََّ. فسألوهما فقالا: نحنُ سُقَاةٌ
لِقُرَيش. فكره الصّحابةُ هذا الخبرَ ورجوا أن يكونوا سُقاةً للعِير. فجعلوا
يضربونهما، فإذا آلمهما الضَّرب قالا: نحن من عِير أبي سُفيان. وكان
النَّبِيُّ وَّهُ يصلِّي، فلما سلّم قال: إذا صدقا ضربتموهما، وإذا كذبا
تركتموهما. ثم قال: أخبراني أين قُرَيش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب.
فسألهما: كم ينحرون كلّ يوم؟ قالا: عَشْراً من الإبل أو تسعاً: فقال:
القوم ما بين التسع مئة إلى الألف.
وأما اللّذان بعثهما النَّبِيُّ ◌َّ يتجسّسان، فأناخا بقرب ماء بدر
واستقيا في شَنِّهما، ومَجْديّ بن عَمْرو بقربهما لم يفطنا به، فسمعا
٣٠٢

جاريتين من جواري الحيّ تقول إحداهما للأخرى: إنّما تأتي العِير غداً
أو بعد غد، فأعمل لهم ثمّ أقضيك. فصرفهما مَجْدِيّ، وكان عَيْناً لأبي
سُفيان. فرجعا إلى النَّبِيِّ وََّ فأخبراه. ولما قرُب أبو سفيان من بدر تقدّم
وحده حتى أتى ماءَ بدر فقال لمجديّ: هل أحسست أحداً؟ فذكر له
الراكبَيْن، فأتى أبو سُفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعِيرَيْهما ففتّه، فإذا
فيه النَّوَى، فقال: هذه والله علائف يثْرب. فرجع سريعاً فصرف العِير
عن طريقها، وأخذ طريقَ الساحل فنجى، وأرسل يخبر قريشاً أنّه قد نجا
فارجِعوا. فأبى أبو جهْل، وقال: والله لا نرجع حتى نَرِد ماءَ بدر، ونُقيم
عليه ثلاثاً، فتهابُنا العربُ أبداً.
ورجع الأخْنَس بن شَريق الثقفي حليفُ بني زُهرة ببني زُهْرة كلّهم،
وكان فيهم مُطاعاً. ثم نزلتْ قُرَيش بالعُذْوة القُصْوى من الوادي.
وسبق الشَّبِيُّ نَّه إلى ماء بدر، ومنع قريشاً من السَّبَق إلى الماء مطرٌ
عظيم لم يُصِب المسلمين منه إلّ ما لَبَد لهم الأرض. فنزل النَّبيُّ وَّ
على أدنى ماءٍ من مياه بدر إلى المدينة. فقال الحُباب بن المنذر بن
عَمْرو بن الجَمُوحِ: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمَنْزِلٌ أنزلَكَه الله
فليس لنا أن نتقدَّمه أو نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله، إنّ هذا
ليس لك بمنزِل، فانهضْ بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونُغَوِّرَ ما
وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماءً، فنشرب ولا يشربون.
فاستحسن النَّبيُّ وَّ ذلك من رأيه، وفعل ما أشار به، وأمر بالقُلُب
فغُوّرت، وبنى حوضاً وملأه ماءً. وبُني لرسول الله وَّ عريشٌ يكون
فيه، ومشى النبي ◌َّ على موضع الوقعة، فأرى أصحابَه مَصَارِعَ قُريش،
يقول: هذا مَصْرع فلان، وهذا مَصْرِع فلان. قال: فما عدا واحدٌ منهم
مصرعه ذلك .
٣٠٣

ثم بعثت قُرَيش فَحَزَرُوا المسلمين، وكان فيهم فارسان: المقداد
والزُّبير. وأراد عُتبة بن ربيعة، وحكيم بن حزام قُريشاً على الرجوع
فأبَوْا، وكان الذي صمّم على القتال أبو جهل. فارتحلوا من الغد
قاصدين نحو الماء، فلما رآهم رسول الله وَّرَ مُقْبلين قال: اللهم هذه
قُريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها تُحَادُّك وتكذِّب رسولَك، اللهم
فنصْرك الذي وعدتني، اللّهمَّ أحْتِفْهم الغَدَاة. وقال نَّهِ - وقد رأى عُتْبة
ابن ربيعة في القوم على جملٍ أحمر - إنْ يكن في أحدٍ من القوم خيرٌ
فعند صاحب الجمل الأحمر، إنْ يُطيعوه يَرْشُدُوا.
وكان خُفَاف بن إيماء بن رَحَضة الغِفاريّ بعث إلى قُرَيش، حين
مَرّوا به، ابناً بجزائر (١) هديّة، وقال: إنْ أحببتم أن نمدّكم بسلاحٍ
ورجالٍ فَعَلْنا. فأرسلوا إليه: أنْ وصلتك رَحِمٌ، قد قضيتَ الذي ينبغي،
فَلَعَمْري لئنْ كنّا إنّما نقاتل النّاسَ فما بنا ضَعْفٌ، وإنْ كنّا إنّما نقاتل الله،
كما يزعُمُ محمدٌ، ما لأحدٍ بالله من طاقة .
فلمّا نزل النّاس أقبل نفرٌ من قُرَيش حتى وردوا حوْضَ رسول الله
وَ لّه ، فقال رسول الله مَلَ: دَعُوهم. فما شرب رجلٌ يومئذٍ إلّ قُتْل، إلّ
ما كان من حكيم بن حزام، ثم إنّه أسلم بعد ذلك، وكان إذا اجتهد في
یمینه قال: لا والذي نجاني يوم بدر .
ثم بعثتْ قُرِيشٌ عُمَيْر بن وهب الجُمَحي ليَحْزر المسلمين، فجال
بفرسه حول العسكر، ثم رجع فقال: هم ثلاث مئة يزيدون قليلاً أو
ينقصونه، ولكن أمهلوني حتى أنظر لِلقَومِ كمينٌ أو مَدَد؟ وضرب في
الوادي، فلم ير شيئاً. فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئاً، ولكني قد
رأيتُ - يا معشر قريش - البلايا تحملُ المنايا، نواضحُ يثرب تحملُ
(١) جمع جزور.
٣٠٤

الموتَ النّاقع، قومٌ ليس لهم منعة ولا ملجأ إلّ سيوفهم، والله ما أرى
أنْ يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم،
فما خيرُ العيش بعد ذلك؟ فَرَوْا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك
مشى في النّاس، فأتى عُتْبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنّك كبير قريش
وسيّدها والمُطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تُذكر بخيرٍ إلى آخر
الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالنّاس، وتحمل أمرَ
حليفك عمرو بن الحَضْرَميّ. قال: قد فعلتُ، أنت عليّ بذلك، إنّما هو
حليفي فعَلَيّ عَقْلُه وما أصيب من ماله، فَأَتِ ابنَ الحنظليّة - والحنظليّة أمّ
أبي جهل - فإنّي لا أخشى أنْ يَشْجُر أمرَ النَّاس غيره. ثم قام عُتبة خطيباً
فقال: يا معشر قُريش، إنّكم والله ما تصنعون بأن تَلْقَوْا محمداً وأصحابه
شيئاً، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره النّظر
إليه، قتل ابن عمّه وابن خاله أو رجلاً من عشيرته، فارجِعوا وخلُّوا بين
محمدٍ وبين سائر العرب، فإنْ أصابوه فذاك، وإنْ كان غير ذلك ألفاكم
ولم تعرّضوا منه ما تريدون.
قال حكيم: فأتيتُ أبا جهلٍ فوجدته قد شدّ درعاً من جرابها فهو
يهيِّؤها فقلت له: يا أبَا الحَكَم، إنّ عُتْبة قد أرسلني بكذا وكذا. فقال:
انتفخ والله سَحْرُه حين رأى محمداً وأصحابَه. كلّ، والله لا نرجع حتى
يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعُتبة ما قال، ولكنّه قد رأى محمداً
وأصحابَه أكَلَة جَزُور، وفيهم ابنهُ قد تخوّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر
ابن الحَضْرَمِيّ فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالنّاس، وقد رأيت
تأرك بعينك، فقم فانشد خُفْرَتَكَ ومَقْتَلَ أخيك. فقام عامر فكشف رأسه
وصرخ: واعمراه، واعمراه. فحميتِ الحربُ وحَقِبَ أمرُ النّاس
واستوسقوا على ما هم عليه من الشّر، وأفسد على النّاس رأيَ عُتبة الذي
دعاهم إليه .
٣٠٥

فلما بلغ عُتبةَ قولُ أبي جهل: انتفخ والله سَحْرُه، قال: سيعلم
مُصَفِّرُ اسْتِهِ مَنِ انتفخ سَحْرُه. ثم التمس عُتبةُ بيضةً لرأسه، فما وجد في
الجيش بيضة تَسَعُهُ من عِظَم هامته، فاعتجر على رأسه بُرْدٍ له.
وخرج الأسود بن عبدالأسد المخزوميّ - وكان شرساً سيءٌ الخُلُق -
فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حَوْضهم أو لأهدِمنّه أو لأموتنَّ دُونه. وأتاه
فخرج إليه حمزة بن عبدالمطّلب رضي الله عنه، فالتقيا فضربه حمزة
فقطع ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تَشْخَبُ رِجْلُهُ دماً. ثم
جاء إلى الحوض حتى اقتحم فيه ليبرَّ يمينَه، واتَّبعه حمزة فقتله في
الحوض .
ثم إنّ عُتْبة بن ربيعة خرج للمبارزة بين أخيه شَيْبة، وابنه الوليد بن
عُتبة، ودَعوا للمبارزة، فخرج إليه عَوْف ومُعَوَّذ ابنا عَفْراء وآخرُ من
الأنصار. فقالوا: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من
حاجة، ليخرج إلينا أكفاؤنا من قومنا. فقال رسول الله بَّه: قم يا عُبَيْدة
ابن الحارث، ويا حمزة، ويا عليّ. فلما دَنَوا منهم، قالوا: من أنتم؟
فتسمَّوا لهم. فقال: أكفاء كِرام. فبارز عُبَيْدة - وكان أسنّ القوم - عُثْبة،
وبارز حمزة شَيْبة، وبارز عليّ الوليد. فأما حمزة فلم يُمْهلِ شَيبةً أن
قتله. وأمّا عليّ فلم يمهل الوليد أنّ قتله. واختلف عُتبة وعُبيدة بينهما
ضربتين: كلاهما أثبتَ(١) صاحبَه. وكرّ عليٍّ وحمزة على عُتبة فدفَّقًا(٢)
عليه. واحتملا عُبَيْدة إلى أصحابهما.
والصحيح كما سياتي إنما بارز حمزة عتبة، وعليٍّ شيبة، والله أعلم.
ثم تزاحف الجَمْعان. وقد أمر النَّبيُّ وَ لَ أصحابه أن لا يحملوا حتى
أي: أصابه بجرح بحيث لا يتحرك.
(١)
(٢) أي: أجهزا عليه.
٣٠٦

يأمرهم وقال: انْضَحُوهم عنكم بالنَبْل. وهو يَّر في العريش، ومعه أبو
بكر، وذلك يوم الجمعة صبيحة سبْعَ عَشرة رمضان .
قال سفيان، عن قتادة: إن وقعة بدر صبيحة يوم الجمعة سابع عشر
رمضان. وقال قرة بن خالد: سألت عبدالرحمن بن القاسم عن ليلة
القدر، فقال: كان زيد بن ثابت يعظم سابع عشره ويقول: هي وقعة
بدر. وكذلك قال إسماعيل السُّدي وغيره في تاريخ يوم بدر، وقاله
عروة بن الزبير، ورواه خالد بن عبدالله الواسطي عن عمرو بن يحيى عن
عامر بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: كانت صبيحة
بدر سبع عشرة من رمضان؛ لكنْ روى قتيبة عن جرير عن الأعمش عن
إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود في ليلة القدر قال: تَحرُّوها لإحدى
عشرة بقين، صبيحتها يوم بدر، كذا قال ابن مسعود(١) ، والمشهور ما
قبله .
ثم عدَّل رسول الله وَّر الصفوف بنفسه، ورجع إلى العريش ومعه
أبو بكر فقط، فجعل يناشد ربَّه ويقول: يا ربّ إنْ تَهْلِكَ هذه العصابةُ
اليوم لا تُعْبد في الأرض. وأبو بكر يقول: يا نبيَّ الله، بعضَ مُناشدتك
ربّك، فإنَّ الله منجزٌ لك ما وعدك. ثم خفق بّ، فانتبه وقال: أبشِر يا
أبا بكر، أتاك النَّصْر، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه
النَّقْعُ.
فرُميَ مِهْجع - مولى عمر - بسهم، فكان أوّل قتيلٍ في سبيل الله. ثم
رُمي حارثة بن سُراقة النَّجَّاريّ بسهم وهو يشرب من الحوض، فقُتل.
ثم خرج رسول الله وَيّ إلى النّاس يحرّضهم على القتال، فقاتل
(١) لكن أخرج أبو داود (١٣٨٤) من طريق الأسود، عن ابن مسعود، أنه قال:
((قال لنا رسول الله وَله: اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى
وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين. ثم سكت)) وهذا موافق للمشهور.
٣٠٧

عُمْيْر بن الحُمام حتى قُتل، ثم قاتل عَوْف بن عَفْراء - وهي أمّه - حتى
قُتل.
ثم إنّ رسول اللهِ وَ ◌َّ رمى المشركين بحفنةٍ من الحَصْباء وقال:
شاهت الوجوه، وقال لأصحابه: شُدُّوا عليهم. فكانت الهزيمة، وقَتَلَ
الله مَن قَتَل من صناديد الكُفْر: فقُتل سبعون وأُسر مثلهم.
ورجع النَّبيُّ وَ لَّ إلى العريش، وقام سعد بن مُعَاذ على الباب
بالَّسيف في نَفَرٍ من الأنصار، يخافون على رسول الله وَّهَ كَرَّةَ العدوّ.
ثم قال النّبِيُّ ◌َله لأصحابه: إنّي قد عرفت أنّ رجالاً من بني هاشم
وغيرهم قد أُخْرِجوا كُرْهاً لا حاجةً لهم بقتالنا، فمن لقي أحداً من بني
هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البَخْتَرِي بن هشام بن الحارث فلا يقتله،
ومن لقي العبّاس فلا يقتله فإنَّه إنّما خرج مُسْتَكرهاً. فقال أبو حذيفة:
أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العبّاس، والله لئن لقيته لأُلْجمَنَّه
بالسيف. فبلغت رسول الله بَ ◌ّله فقال لعمر: يا أبا حفص، أيُضْرَبُ وجْهُ
عمِّ رسول الله بَّ بالسيف؟ فقال عمر: دعني فلَضرِبْ عُنُقَ هذا
المنافق. فكان أبو حُذَيْفة يقول: ما أنا آَمِنٌ من تلك الكلمةِ التي قلتُ
يومئذٍ، ولا أزال منها خائفاً، إلّ أنْ تُكفّرها عنّي الشهادة. فاستُشهد يوم
اليمامة(١) .
وكان أبو البَخْتَريّ أكَفَّ القوم عن رسول الله وَّرَ، وقام في نقض
الصَّحيفة، فلقيه المُجدَّر بن ذياد البَلَوي حليف الأنصار، فقال: إنَّ
رسول الله بَ﴿ قد نهانا عن قَتْلِكَ. فقال: وزميلي جُنادة الليثيّ؟ فقال
المجذَّر: لا والله ما أمَرَنا إلَّ بك وحدك. فقال: لأموتنَّ أنا وهو، لا
يتحدّث عنِّي نساءُ مكة أنّي تركت زميلي حِرْصاً على الحياة. فاقتتلا،
(١) وأخرجه ابن سعد ١٠/٤، والحاكم ٢٢٣/٣ من طريق ابن عباس.
٣٠٨

فقتله المجذَّر. ثم أتى النَّبِيَّ بَّر فقال: والذي بعثك بالحقِّ لقد جهدت
عليه أنْ يستأسرَ، فَآتيك به، فأبى إلا أنْ يقاتلني.
وعن عبدالرحمن بن عَوف: كان أُمَّة بن خَلَفَ صديقاً لي بمكة،
قال: فمررت به ومعي أدراٌ قد استلبتُها، فقال لي: هل لك فِيَّ، فأنا
خيرٌ لك من الأدراع؟ قلت: نعم، ها الله إذاً. وطرحت الأدراعَ،
فأخذتُ بيده ويدِ ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ. أمَا لكم حاجةٌ
في اللَّبَن؟ يعني: مَن أَسَرَني افتديتُ منه بإبلٍ كثيرةِ اللّن. ثم جئت
أمشي بهما، فقال لي أُمَّيّة: من الرجل المُعلم بريشة نَعَامة في صدره؟
قلت: حمزة. قال: ذاك الذي فعلَ بنا الأفاعيلَ. فَوَالله إنّي لأقودهما، إذْ
رآه بلال؛ وكان يُعَذِّبُ بلالاً بمكة، فلما رآه قال: رأسُ الكُفر أميّة بن
خَلَف؟ لا نجوتُ إنْ نجا. قلتُ: أي بلال، أبأسيريَّ؟ قال: لا نجوتُ
إن نجا. قال: أتسمع يا ابْنَ السَّوداء ما تقولُ؟ ثم صرخ بلال بأعلى
صوته: يا أنصارَ الله، رأس الكُفر أُميّة بن خَلَف، لا نجوتُ إن نجا.
قال: فأحاطوا بنا، وأنا أُذُبُّ عنه. فأخلف رجل السَّيف، فضرب رجل
ابنه فوقع، فصاح أُمَيَّة صيحةً عظيمة، فقلت: انْجُ بنفسك، ولا نجاء،
فَوَالله ما أُغني عنك شيئاً. فهبروهما بأسيافهم، فكان يقول: رحِم الله
بلالاً، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيرَيّ(١) .
وعن ابن عباس، عن رجلٍ من غِفار، قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي
حتى أصعدْنا في جبلٍ يُشرف بنا على بدر، ونحن مُشْركان، ننتظر
الدائرة على مَن تكون، فننتهب مع مَنْ ينتهب. فبينا نحن في الجبل، إذ
دَنَتْ منا سحابةٌ، فسمعتُ فيها حمحمة الخَيْل، فسمعت قائلاً يقول:
أَقْدِم حَيْزُوم (٢) ، فأمّا ابن عمّي فانكشفَ قناعُ قلبه فمات مكانه، وأما أنا
(١) أصل الحديث في البخاري ١٢٩/٣ و٩٦/٥ بمعناه.
(٢) هو اسم فرس جبريل عليه السلام، وقيل: هو اسم فرس من خيل الملائكة.
٣٠٩

فكدت أهلك، ثم تماسكت.
رواه عبدالله بن أبي بكر بن حزم، عمّن حدّثه، عن ابن عبّاس.
وروى الذي بعده ابن حزم عمّن حدّثه من بني ساعدة عن أبي أُسَيْد
مالك بن ربيعة قال: لو كان معي بَصَري وكنت ببدر لأريتكُم الشِّعْبَ
الذي خرجت منه الملائكة .
قال ابن إسحاق(١): فحدّثني أبي، عن رجال، عن أبي داود
المازني، قال: إنّي لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه بالسيف،
إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنّه قتله غيري.
وعن ابن عبّاس قال: لم تقاتل الملائكة إلّ يومَ بدر.
وأمّا أبو جهل بن هشام فاحتمى في مثل الحَرَجة - وهو الشجر
الملتفّ -، وبقي أصحابه يقولون: أبو الحَكَم لا يُوصَل إليه. قال مُعَاذ
ابن عَمْرو بن الجَمُوحِ: فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدتُ نحوه،
فلما أمكنني حملتُ عليه فضربته ضربة أطَنَّتْ(٢) قدمه بنصف ساقه.
فَوَالله ما أشبهها حين طاحت إلّ بالنَّواة تطيح من تحت مِرْضخة النَّوى
حين يُضْرَبُ بها. فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلّقت
بجلدةٍ من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامّةً يومي، وإنّي
لِأسْحَبُها خلفي. فلما آذَتْني وضعتُ عليها قدمي، ثم تمطَّيتُ بها عليها
حتى طرحتُها. قال: ثم عاش بعد ذلك إلى زمن عثمان .
ثم مرَّ بأبي جهل مُعَوَّذ بن عَفْراء، فضربه حتى أثبته، وتركه وبه
رمق، وقاتل مُعَوَّذ حتى قُتِل، وقُتِل أخوه عَوْف قبله. واسم أبيهما:
الحارث بن رفاعة بن الحارث الزُّرَقي.
(١) ابن هشام ٦٣٣/١ - ٦٣٦.
(٢) أي: أطارتها.
٣١٠

ثم مرّ عبدالله بن مسعود بأبي جهل حين أمر النبيُّ رَّ بالتماسِهِ،
وقال فيما بلغنا: إنْ خَفِيَ عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرحٍ في
رُكبته، فإنّي ازدحمتُ أنا وهو يوماً على مأدبةٍ لعبدالله بن جُدْعَان،
ونحن غلامان؛ وكنت أشفَّ(١) منه بيسير، فَدَفَعتُهُ، فوقع على رُكْبته
فجُحِش(٢) فيها. قال ابن مسعود: فوجدْتُه بآخر رَمَقٍ، فوضعت رِجلي
على عُنُقِهِ. وقد كان ضَبَثَ (٣) بي مرَّةً بمكة، فَآذاني ولَكَزني. فقلتُ له:
هل أخزاكَ اللهُ يا عدوَّ الله؟ قال: وبماذا أخزاني، وهل فوق رجلٍ
قتلتموه؟ أخبرني لِمَنْ الدائرةُ اليوم؟ قلت: لله ولرسوله، ثم قال: لقد
ارتقيتَ، يا رُوَيعي الغنم مُرتَقىّ صعْباً. قال: فاحتززْتُ رأسه وجئت به
رسولَ الله ◌َّه فقلت: يا رسولَ الله، هذا رأسُ عدوِّ الله أبي جهل. قال:
الله الذي لا إله غيره؟ قلت: نعم. وألقيت رأسه بين يدي النَّبِيِّ وَ(٤).
ثم أمر بالقتلى أنْ يُطْرَحُوا في قَلِيبٍ هناك. فطُرِحوا فيه إلّ ما كان
من أُميّةَ بن خلَف، فإنّه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليُخْرجوه
فتزايل، فأقرّوه به، وألقوا عليه الترابَ فغيَّبوه.
فلما أُلْقوا في القَلِيب، وقف عليهم النَّبِيُّ وَّه فقال: ((يا أهل القَلِيب
هل وجدتم ما وعدكم ربُّكُم حقّاً فإنّي وجدتُ ما وعَدَنَي ربِّي حقّا)).
فقالوا: يا رسول الله أتُنادي قوماً قد جَيَّقوا؟ فقال: ((ما أنتم بأسمعَ لما
أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يُجيبوا))(٥).
(١) أشَفَّ عليه: فَاقَهُ، والشَّفَفُ: الرّقَّهُ والنُّحولُ والخِفَّةُ.
(٢) أي: خُدش، وبقي بها أثر جرح.
(٣) كتب على هامش الأصل: ((أي: قبض عليَّ)).
(٤) أخرجه أحمد ٤٠٣/١ و٤٠٦ و٤٢٢ و٤٤٤، وأبو داود (٢٧٠٩).
(٥) ابن هشام ٦٣٨/١-٦٣٩. وهو من حديث أنس عند أحمد ١٠٤/٣ و١٨٢
و٢٦٣، وعبد بن حميد (١٢١١) و(١٤٠٥)، والنسائي ٤ / ١٠٩.
٣١١

وفي رواية: فناداهم في جَوْفِ اللَّيل: يا عُتبة بن ربيعة، ويا شَيْبة بن
ربيعة، ويا أُمَّيَّة بن خَلَف، ويا أبا جهل بن هشام. فَعَدَّدَ مَنْ كان في
القَلِيب.
زاد ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ أهل العِلم أنّهِ وَ ◌ّ قال: يا أهل
القَلِيب، بئس عشيرة النّبي كنتم لنبيّكم؛ كذّبتموني وصدّقني النّاس،
وأخرجتموني وآواني النّاس، وقاتلتموني ونصرني الناس.
وعن أنس: لما سُحب عُتبة بن ربيعة إلى القَلِيب نظر رسول الله وَل
في وجه أبي حُذَيفة ابنه، فإذا هو كئيب متغيّر. فقال: لعلَّك قد دخلك
من شأن أبيك شيء؟ قال: لا والله ما شككت في أبي ولا في مَصْرَعه،
ولكنّي كنت أعرف منه رأياً وحِلْماً، فكنت أرجو أنْ يُسلم، فلما رأيتُ
ما أصابه وما مات عليه أحزنني ذلك. فدعا له النَّبِيُّ بَّه وقال له خيراً.
وكان الحارث بن ربيعة بن الأسْود، وأبو قيس بن الفَاكِه بن
المُغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المُغِيرة، وعليّ بن أُمَّية بن خَلَف،
والعاص بن مُنَّه بن الحَجَّاج قد أسلموا، فلما هاجر النبي ◌َّ حبسهم
آباؤهم وعشائرهم، وفتنوهم عن الدّين فافتتنوا - نعوذ بالله من فتنة
الدّين - ثم ساروا مع قومهم يوم بدر، فقتلوا جميعاً. وفيهم نزلت ﴿إِنَّ
الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ
﴾ [النساء] الآية.
وعن عُبادة بن الصَّامت، قال: فينا أهلَ بدرِ نزلت الأنفالُ حين
تنازَعْنا في الغنيمة وساءت فيها أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى
رسوله، فقسمه بين المسلمين على السَّواء (١) .
ثم بعث النّبِي ◌َّ عَبد الله بن رَوَاحَة، وزيد بن حارثة، بشيرَين إلى
(١) ابن هشام ١/ ٦٤٢.
٣١٢

المدينة. قال أسامة: أتانا الخبر حين سوّينا على رُقيّة بنت رسول الله وَل
قبرَها، كان رسول الله وَلَّرَ خَلَّفَني عليها مع عثمان.
ثم قفل رسول الله وَّ ومعه الأسارى؛ فيهم: عُقبة بن أبي مُعَيْط
والنَّضْر بن الحارث. فلما خرج من مَضِيق الصَّفْراء قسم النَّفْل، فلما أتى
الرَّوحاء لقِيه المسلمون يهنئونه بالفتح، فقال لهم سَلمة بن سَلامة: ما
الذي تُهنِّئونا به؟ فَوَالله إنْ لقينا إلّ عجائز ضُلَّعاً كالبُدن المُعْقَلَةِ
فنحرناها. فتبسّم رسول الله بَّه وقال: أي ابنَ أخي، أولئك الملأ.
يعني الأشراف والرؤساء.
ثم قَتل النَّضرَ بن الحارث العَبْدَرِي بالصَّفْراء، وقتل بعِرق الظُّنْيَة
عُقْبة بن أبي معيط، فقال عُقْبة حين أمر النبيُّ وَّه بقتله: فَمَنْ للصِّبْيَة يا
محمد؟ قال: النّار. فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقْلَح، وقيل:
عليٌّ(١).
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن عطاء بن السّائب، عن الشَّعْبِيّ، قال:
لما أمر النَّبِيُّ وَّه بقتل عُقْبة قال: أَتَقْتلني يا محمد من بين قُريش؟ قال:
نعم، أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجدٌ خلْف المقام فوضع رِجْله
على عُنُقي وغمزها، فما رفع حتى ظننتُ أنّ عَيْنَيَّ ستندُران، وجاء مرَّةً
أخرى بسَلَى شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فَغَسَلَتْه
عن رأسي.
واستشهد يوم بدر :
مِهْجع، وذو الشَّمَالَيْنِ عُمَيْر بن عبد عمرو الخُزاعي، وعاقل بن
البُكَيْرِ، وصَفْوان بن بَيْضاء، وعُمَيْر بن أبي وقّاص أخو سعد، وعُبَيْدة بن
(١) ابن هشام ١ /٦٤٤ - ٦٤٥ .
٣١٣

الحارث بن المطّلب بن عبدمناف المطَّلبيّ الذي قطع رِجلَه عُتبة، مات
بعد يومين بالصَّفراء. وهؤلاء من المهاجرين.
وعُمير بن الحُمام، وابنا عَفْراء، وحارثة بن سُراقة، ويزيد بن
الحارث فُسْحُم(١)، ورافع بن المُعَلّى الزُّرَقي، وسعد بن خيثمة
الأوْسي، ومُبشِّر بن عبد المنذر أخو أبي لُبابة .
فالجملة أربعة عشر رجلاً .
وقُتل عُتْبة وشَيْبة ابنا ربيعة، وهما ابنا أربعين ومئة سنة. وكان شَيْبة
أکبر بثلاث سنين .
قال ابن إسحاق(٢) : وكان أوّلُ من قدِم مكّة بمصاب قريش:
الحيسُمان بن عبدالله الخُزَاعي. فقالوا: ما وراءك؟ قال: قُتل عتبة،
وشَيْبة، وأبو جهل، وأُميّة، وزَمعة بن الأسود، ونُبَيْه، ومُنَبِّه، وأبو
البَخْتَرِيّ بن هشام. فلما جعل يعدّد أشرافَ قُرَيش قال صَفْوان بن أُنَية
وهو قاعد في الحِجْر: والله إنْ يَعْقِل هذا فسلوه عنّي: فقالوا: ما فعل
صَفْوان؟ قال: ها هو ذاك جالساً، قد والله رأيتُ أباه وأخاه حين قُتِلا.
وعن أبي رافع مولى النَّبيِّ يَّ قال: كنت غلاماً للعبّاس وكان
الإسلام قد دَخَلنا أهل البيت، فأسلم العبّاس وأسلمتُ، وكان العبّاس
يهاب قومه ويكره الخلاف ويكتم إسلامَهُ، وكان ذا مالٍ كثير متفرِّق في
قومه. وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فلما جاءه الخبر بمُصَاب
قُريش كَبَتَهُ الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوَّة وعِزَّةً، وكنت رجلاً
ضعيفاً، وكنت أنْحَتُ الأقداح(٣) في حُجْرة زَمْزَم، فإنّي لَجَالسٌ أنْحَت
(١) فسحم: اسم أمه .
(٢) ابن هشام ١/ ٦٤٦.
(٣) كتب المؤلف عل الهامش: ((خ السهام)) أي: في نسخة أخرى: السهام.
٣١٤

أقداحي، وعندي أمّ الفضل، وقد سَرَّنا الخَبَرُ، إذ أقبل أبو لهب يجرُّ
رِجْليه بشرٍّ، حتى جلس على طُنُب(١) الحُجْرة، فكان ظهره إلى
ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن
عبدالمطّلب قد قدِم. فقال أبو لهب: إليّ، فعندك الخبر. قال: فجلس
إليه، والناس قيامٌ عليه، فقال: يا ابن أخي، أخبرني كيف كان أمرٌ
النّاس؟ قال: والله ما هو إلّ أن لقينا القومَ فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا
كيف شاؤوا ويأسرونا، وايْم الله ما لُمْتُ النّاسَ، لَقِيَنَا رجالٌ بيضٌ على
خَيْلٍ بُلْق(٢) بين السماء والأرض،، والله ما تُليق(٣) شيئاً ولا يقومُ لها
شيءٌ.
قال أبو رافع: فرفعت طُنُب الحُجْرة بيدي، ثم قلتُ: تلك والله
الملائكةُ. فرفع أبو لهبٍ يده فضرب وجهي ضربةً شديدة. قال:
وثاوَرْتُهُ، فحملني وضربَ بي الأرضَ، ثم برك عَلَيَّ يضربني، وكنتُ
رجلاً ضعيفاً. فقامت أمّ الفضْل إلى عمود من عُمُد الحُجْرة، فأخذته
فضربته به ضربةً، فَلَقَتْ في رأسِه شَّةً مُنْكَرَة، وقالت: استضْعَفْتَهُ أنْ
غاب عنه سَيِّدُهُ؟ فقام مُوَلِّياً ذليلاً، فواللهِ ما عاش إلّ سبعَ ليالٍ، حتى
رماه الله بالعَدَسة(٤) فقتلته. وكانت قريش تَنَّقي هذه العدسة كما يُنَّقَى
الطّاعون، حتى قال رجل من قريش لابنّيَّهِ: وَيُحكما؟ ألا تستحيانِ أنّ
أباكما قد أنْتَنَ في بيتِهِ ألا تدفنانه؟ فقالا: نخشى عَدْوى هذه القُرْحَة .
فقال: انطلقا فأنا أعينكما فَوَالله ما غسَّلوه إلّ قَذْفاً بالماء عليه من بعيد.
ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدارٍ، ثم رضموا عليه
(١) الطنب: حبل الخباء والسرادق، ويقال: الوتد.
(٢)
ما اجتمع فيها البياض والسواد .
(٣) أي: ما تمسك.
(٤) قرحة قاتلة كالطاعون، وقد عَدَس الرجل: إذا أصابه ذلك.
٣١٥

الحجارة (١) .
رواه محمد بن إسحاق من طريق يونس بن بُكَيْر عنه بمعناه. قال:
حدّثني الحسين بن عبدالله بن عُبَيْدالله بن عبّاس، عن عِكْرِمة، عن ابن
عبّاس، قال: حدثني أبو رافع مولى النَّبِّ وَّهِ.
وروى عبّاد بن عبدالله بن الزُّبَير، عن أبيه، قال: ناحت قريش على
قتلاها ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمداً وأصحابَه فيَشْمتوا بكم .
وكان الأسود بن المُطَّلب قد أُصيب له ثلاثة من ولده: زَمْعَة،
وعَقيل، والحارث. فكان يحبُّ أنْ يبكي عليهم (٢).
ا قال ابن إسحاق(٣): ثم بعثت قُريش في فِداء الأسارى، فقدِم
مِكْرَز بن حفص في فداء سُهَيْل بن عَمْرو، فقال عمر: دعني يا رسول الله
أنزع ثَنِيَّتَيْ سُهَيْل يدلع لسانه فلا يقوم عليكَ خطيباً في مَوْطِن أبداً،
فقال: لا أمثِّلُ به فيمثِّلَ اللهُ بي، وعسى أنْ يقومَ مقاماً لا تذمَّه. فقام في
أهل مكة بعد وفاة النَّبِيِّ وَّ بنحوٍ من خُطبة أبي بكر الصديق، وحَسُن
إسلامه .
وانسلَّ المطّلب بن أبي وَدَاعة، فَفَدَى أباه بأربعة آلاف دِرْهِم،
وانطلق به .
وبعثت زينب بنتُ رسول الله وَّ في فِداء زوجها أبي العاص بن
الربيع بن عبد شمس، بمالٍ، وبعثت فيه بقلادةٍ لها كانت خديجة
(١) ابن هشام ١/ ٦٤٦-٦٤٧، وانظر الروض الأنف ٦٧/٣ .
(٢) كتب على هامش الأصل: ((هذه الحكاية رواها ابن إسحاق عن يحيى بن عباد
ابن عبدالله عن أبيه عن عائشة أخصر مما هنا)). وانظر ابن هشام
٦٤٧/١-٦٤٨.
(٣) ابن هشام ٦٤٩/١ .
٣١٦

أدخلتها بها على أبي العاص. فلما رآها رسول الله وَلَ رقَّ لها، وقال:
إنْ رأيتم أن تُطْلِقوا لها أسيرها وتردُّوا عليها(١) . قالوا: نعم، يا رسول
الله. وأطلقوه .
فأخذ عليه النَّبِيُّ ◌َّهِ أن يُخلِّي سبيلَ زينب، وكانت من المستَضْعَفِين
من النّساء، واستكتمه النّبيّ وَّرَ ذلك، وبعث زيد بن حارثة ورجلاً من
الأنصار، فقال: كونا ببطْن يَأْجَج حتى تمرّ بكما زينب فتصحبانها حتى
تأتياني بها. وذلك بعد بدرٍ بشهر (٢) .
فلمّا قدِم أبو العاص مكّة أمَرَها باللُّحوقِ بأبيها، فتجهَّزت. فَقَدَّمَ
أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيراً، فركبته وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج
بها نهاراً يقودها. فتحدّث بذلك رجالٌ، فخرجوا في طلبها، فبرك كنانة
ونثر كنانته لمّا أدركوها لذي طُوى، فرؤَّعَها هبَّارُ بن الأسود بالرُّمْح.
فقال كِنانة: والله لا يدنو منّ رجل إلّ وضعت فيه سهماً. فتكركر النّاسُ
عنه. وأتى أبو سفيان في جلَّةٍ من قريش، فقال: أيّها الرجل كُفَّ عنّا
نَبْلكَ حتى نُكلِّمكَ. فكفَّ، فوقف عليه أبو سفيان فقال: إنّك لم
تُصِبْ، خرجتَ بالمرأةِ على رؤوس النّاس علانية، وقد عرفتَ مُصيبتنا
وَنَكْبَتَنَا وما دخل علينا من محمد، فيظنَ النّاسُ إذا خرجتَ بابنته إليه
علانيةً أنَّ ذلك على ذُلِّ أصابنا، وأنَّ ذلك منّا وهنٌ وضعف، ولَعَمْري ما
بنا بحَبْسها عن أبيها من حاجةٍ، ولكن ارجع بالمرأة، حتّى إذا هدأتِ
الأصواتُ، وتحدّث النّاسُ أنَّا رَدَدْناها، فَسُلَّها سِرًّا وألْحِقْها بأبيها. قال:
ففعل، ثم خرج بها ليلاً، بعد ليالٍ، فسلَّمها إلى زيد وصاحبه ، فقدِما
بها على النّبِيِّ ◌َّ فأقامت عنده(٣).
(١) أي: مالها.
(٢)
ابن هشام ١/ ٦٥٣.
(٣) ابن هشام ٦٥٤/٢ - ٦٥٥.
٣١٧

فلما كان قبل الفتح، خرج أبو العاص تاجراً إلى الشام بماله،
وبمالٍ كثير لقُرَيش، فلما رجع لقِيَتْه سرِيّة فأصابوا ما معه، وأعجزهم
هارباً، فقدِموا بما أصابوا. وأقبل أبو العاص في الليل، حتى دخل على
زينب، فاستجار بها فأجارته، وجاء في طلب ماله. فلما خرج نَّ إلى
الصُّبْحِ وكَبَّرَ وكَبَّر الناس معه، صرخت زينب من صُفَّة النّساء: أيّها
النّاسَ إنّي قد أجَرْتُ أبا العاص بن الربيع .
وبعث النَّبِيُّ وَّه إلى السّرِيّة الذين أصابوا ماله فقال: ((إنَّ هذا الرجل
منّا حيثُ قد علمتم، وقد أصبتم له مالاً، فإنْ تُحسِنوا وتردّوا عليه الذي
له، فإنَّا نُحبُّ ذلك، وإنْ أبيتم فهو فَيْءُ الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحقُّ
به)). قالوا: بل نردُّه، فردّوه كلَّه. ثم ذهب به إلى مكة، فأدّى إلى كلّ
ذي مالٍ مالَه. ثم قال: يا مَعْشَر قُريش، هل بقي لأحدٍ منكم عندي مال؟
قالوا: لا، فجزاك الله خيراً، فقد وجدناك وفيّاً كريماً. قال: فإنّ أشهد
أنّ لا إله إلّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام
عنده إلّ تخوّف أن تظنُّوا أنّي إنّما أردت أكْلَ أموالكم.
ثم قدِم على رسولِ الله وَ لَّ، فعن ابن عبّاس قال: ردَّ عليه النّبِيُّ ◌َل
زينبَ على النكاحِ الأول، لم يُحْدِثْ شيئاً(١).
ومن الأسارى: الوليد بن الوليد بن المُغِيرة المخزوميّ، أسره
عبدالله بن جَحْش، وقيل: سَلِيط المازِني.
وقدِم في فدائه أخواه: خالد بن الوليد، وهشام بن الوليد، فافتكَّاه
بأربعة آلاف درهم، وذهبا به.
فلما افتُدي أسلم، فقيل له في ذلك فقال: كرِهتُ أنْ يَظنُّوا بي أنيٍّ
(١) ابن هشام ١ / ٦٥٧-٦٥٨.
٣١٨

جزِعْتُ من الأسر، فحبسوه بمكة، وكان رسول الله بَّ يدعو له في
القُنُوت، ثم هرب ولحِق برسول الله وَّهَ بعد الحُدَيْبية، وتُؤُفِّي قديماً؛
لعلّ في حياة النّبِيّ ◌َ؛ فَكَتْه أمّ سَلَمة، وهي بنت عمّه:
ــدِ بن الوليد بن المغيرة
ياعين فابكي للوليـ
ـن ورحمةً فينا ومِيرَه
قد كان غَيْشاً في السنيـ
يسمو إلى طلب الوَتيره
ضَخْمُ الدَّسيعة ماجِداً
أبي الوليد كَفَى العَشيره(١)
مثل الوليد بن الوليد
ومن الأسرى: أبو عَزَّة عَمْرو بن عبدالله الجُمَحِيّ. كان محتاجاً ذا
بناتٍ، قال للنّبِّ وََّ: قد عرفتَ أنّي لا مالَ لي، وأنّي ذو حاجةٍ وعِیالٍ،
فامنُن عَلَيَّ. فَمَنَّ عليه، وشرط عليه أن لا يُظاهر عليه أحداً (٢).
وقال عُروة بن الزُّبير: جلس عُمَيْر بن وهب الجُمَحِي مع صَفْوان بن
أُميَّة، بعد مُصاب أهل بدر بيسير، في الحِجْر، وكان عُمَيْر من شياطين
قريش، وممّن يُؤذي المسلمين، وكان ابنه وُهَيب في الأسرى، فذكر
أصحابَ القَلِيب ومُصابهم، فقال صَفْوان: والله إنّ في العيش بعدهم
الخير، فقال عُمَيْر: صدقت، والله لولا دَيْنٌ عَلَيَّ ليس عندي له قضاءٌ،
وعيال أخشَى عليهم، لركبت إلى محمدٍ حتى أقتُلَه، فإنّ لي فيهم عِلَّة؛
ابني أسيرٌ في أيديهم. فاغتنَمَها صَفْوان فقال: عَلَيَّ دَيْنُك وعيالُك.
قال: فاكتمْ عَلَيَّ. ثم شحذ سيفه وسمّه، ومضى إلى المدينة.
فبينا عمر في نفرٍ من المسلمين يتحدّثون عن يوم بدر، إذ نظر عُمر
إلى عُمَيْر حين أناخ على باب المسجد متوشّحاً بالسّيف. فقال: هذا
الكلب عدوّ الله عُمَيْر، قال: وهو الذي حَزَرَنا يوم بدر. ثم دخل على
(١) الميرة: الطعام، والدسيعة: العَطيَّةُ الجزيلة، والوتيرة: الثأر.
(٢) ابن هشام ١ / ٦٦٠.
٣١٩

النّبِيِّ وَِّ فقال: هذا عُمَيْر. قال: أدخِلْه عليّ. فأقبل عمر حتى أخذ
بحمّالة سيفه في عُنُقُه، فلَتَّبه به (١) ، وقال لرجال ممّن كانوا معه من
الأنصار: ادخلوا على رسول الله فاجلِسُوا عنده واحذروا عليه هذا
الخبيثَ. ثم دخل به فقال عليه السلام: أرْسِلْه يا عمر، ادْنُ يا عُمَيْر.
فدنا، ثم قال: أنْعِموا صباحاً، قال: فما جاء بك؟ قال: جئت لهذا
الأسير الذي في أيديكم. قال: فما بال السيف في عُنُقِكَ؟ قال: قَبَّحها
الله من سيوفٍ، وهل أغنَتْ شيئاً؟ قال: اصْدقْني ما الذي جئتَ له؟ قال:
ما جئت إلّ لذلك. قال: بلى، قعدتَ أنت وصَفْوان في الحِجْر، وقَصَّ
له ما قالا. فقال: أشهدُ أنْ لا إله إلّ الله وأنّك رسوله، قد كنّا یا رسول
الله نكذِّبك بما تأتينا به من خبر السّماء، وهذا أمرٌ لم يحضُرْه إلّ أنا
وصَفْوان فَوَالله لأعلم ما أتاك به إلّ الله، فالحمد لله الذي هداني
للإسلام. فقال النَّبيُّ وَّهِ: فَقِّهوا أخاكم في دِينه، وأقْرئوه القرآن وأطلقوا
له أسیرَه. ففعلوا.
ثم قال: يا رسول الله إنّي كنتُ جاهداً على إطفاءِ نورِ الله، شديد
الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحبُّ أنْ تأذَنَ لي فأقدم مكةَ فأدعوهم
إلى اللهِ ورسولِه، لعلَّ الله أن يهديهم، وإلّ آذيتهم في دينهم. فأذِنَ له
ولحِقَ بمكة. وكان صفوان يَعِدُ قُريشاً يقول: أبشِروا بوقعةٍ تأتيكم الآن
تُنْسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدِم راكباً
فأخبره عن إسلامه، فحلف لا يكلِّمه أبداً ولا ينفعه بشيء أبداً. ثم أقام
يدعو إلى الإسلام، ويؤذي المشركين، فأسلم على يديه ناسٌ كثير(٢).
(١) أي: جمع ثوبه عند نحره وقبضه إليه.
(٢) ابن هشام ٦٦١/١ - ٦٦٣.
٣٢٠