النص المفهرس

صفحات 221-240

أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا أبو عَمْرو بن حمدان،
قال: أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنَّى، قال: حدثنا هُدْبة بن خالد،
قال: حدثنا حمّاد بن سَلَمَة، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جُبَيْر،
عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله وَّرْ قال: ((مررت ليلة أُسرِي بي برائحةٍ
طيّبة، فقلت: ما هذه الرائحة يا جبريل؟ قال: هذه ماشطة بنت فرعون،
كانت تمشّطها، فوقع المشط من يدها، فقالت: باسم الله، قالت بنت
فرعون: أبي. قالت: ربِّي وربّ أبيكِ. قالت: أقول له إذاً. قالت:
قولي له. قال لها: أَوَ لَكِ ربِّ غيري! قالت: ربِّي وربُّك الذي في
السماء. قال: فأحْمَى لها بقرة(١) من نُحاس، فقالت: إنّ لي إليك
حاجة. قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع عظامي وعظامَ ولدي. قال:
ذلك لكِ علينا لِما لكِ علينا من الحقّ. فألقي وَلَدُها في البقرة، واحداً
واحداً واحداً، فكان آخرهم صبيٌّ، فقال: يا أُمَّ اصبِري فإنّكِ على
الحقّ. قال ابن عبّاس: فأربعةٌ تكلّموا وهم صَبِيّان: ابن ماشطة بنت
فرعون، وصبيّ جُرَيْج، وعيسى ابن مريم، والرابع لا أحفظه. هذا
حديث حسن .
وقال ابن سعد(٢) : أخبرنا محمد بن عمر، عن أبي بكر بن أبي
سبرة وغيره، قالوا: كان رسول الله وَل﴿ يسأل ربَّه أن يُرِيَه الجنّة والنّار،
فلمّا كان ليلة السبت لسبع عشرة خَلَتْ من رمضان، قبل الهجرة بثمانية
عشر شهراً، ورسول الله ﴿ ﴿ نائم في بيته أتاه جبريل بالمعراج، فإذا هو
أحسن شيء منظراً، فعرج به إلى السموات سماءً سماءً، فلقي فيها
الأنبياء، وانتهى إلى سِدْرة المُنْتَهَى.
(١) أي: قِدْر کبیر.
(٢) الطبقات الكبرى ٢١٣/١.
٢٢١

قال ابن سعد (١) : وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن
زيد اللَّيْتِي، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه. قال محمد بن
عمر: وحدثنا موسى بن يعقوب الزَّمْعيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن أمّ
سَلَمَة. وحدثنا موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، عن
عائشة. وحدّثني إسحاق بن حازم، عن وهب بن كَيْسان، عن أبي مُرَّة،
عن أمّ هانىء. وحدثني عبدالله بن جعفر، عن زكريّا بن عَمْرو، عن ابن
أبي مُلَيْكة، عن ابن عبّاس، دخل حديثُ بعضهم في بعض، قالوا:
أُسْرِي برسول الله وَّ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة من
شِعب أبي طالب إلى بيت المقدس، وساق الحديث إلى أن قال: وقال
بعضهم في الحديث: فتفرّقت بنو عبد المطَّلب يطلبونه حين فُقِد
يلتمسونه، حتى بلغ العباس ذا طَوَى، فجعل يصرخ: يا محمد يا
محمد، فأجابه رسول الله وَلَهُ: لَبَّيْك. فقال: يا ابن أخي عَنَّيْتَ قومك
منذ اللّيلة، فأين كنت؟ قال: ((أتيتُ من بيت المقدس)). قال: في
ليلتكَ! قال: ((نعم)). قال: هل أصابك إلّ خير؟ قال: ((ما أصابني إلّ
خیر)) .
وقالت أمّ هانىء: ما أُسْرِيَ به إلّ من بيتنا: نام عندنا تلك اللّيلة بعد
ما صلَّى العشاء، فلمّا كان قبل الفجر أنبهناهُ للصُّبح، فقام، فلمّا صلّى
الصُّبحَ قال: يا أمّ هانىء جئتُ بيت المقدس، فصلّيتُ فيه، ثمّ صلّيتُ
الغَدَاةَ معكم. فقالت: لا تُحدِّثِ النّاسَ فِيكذّبونك، قال: والله
لُأُحَدِّثَنَّهم، فأخبرهم فتعجَّبوا، وساق الحديث(٢) .
فرّق الواقديّ، كما رأيت، بين الإسراء والمعراج، وجعلهما في
تاریخیْن.
(١) الطبقات الكبرى ٢١٣/١.
(٢) طبقات ابن سعد ٢١٣/١-٢١٥ .
٢٢٢

وقال عبد الوهاب بن عطاء: أخبرنا راشد أبو محمد الحِمَّانيُّ، عن
أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن النبيِ نَّهِ أنه قال له
أصحابه: يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أُسْرِي بك فيها، فقرأ أوّل
﴿سُبْحَانَ﴾ وقال: بينا أنا نائمٌ عشاءً في المسجد الحرام، إذ أتاني آتٍ
فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئاً، ثمّ عدْتُ في النَّوم، ثمّ أيقظني،
فاستيقظت، فلم أر شيئاً، ثمّ نمت، فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئاً،
فإذا أنا بهيئة خيال فَأَتْبَعْتُهُ بَصَري، حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا
بدابّةٍ أدنى شَبَهِهِ بدوابكم هذه بغالكم، مضطرب الْأُذُنَيْن، يقال له
البُراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره مدَّ بَصَرِه، فركبتُه، فبينا
أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد انْظُرْني أسألك. فلم
أُجِبْه، فسِرْتُ، ثم دعاني داع عن يساري: يا محمد انظُرني أسألك. فلم
أُجِبْه، ثمّ إذا أنا بامرأةٍ حَاسرةٍ عن ذراعيها، وعليها من كلّ زينةٍ،
فقالت: يا محمد انْظُرني أسألك. فلم أَلتِفِتْ إليها، حتى أتيت بيتَ
المقدس، فأوثقتُ دابّتي بالحلقة، فأتاني جبريل بإناءين: خمر ولبن،
فشربت اللّبن، فقال: أصبْتَ الفِطْرة. فحدَّثتُ جبريل عن الدّاعي الذي
عن يميني، قال: ذاك داعي اليهود، لو أجبتَه لتهوَّدَتْ أُمَّتُك، والآخر
داعي النَّصارى، لو أجبته لتَنَصَّرَتْ أُمَنُّك، وتلك المرأة الدُّنيا، لو أجبتَها
لاختارتْ أُمَّتِّك الدنيا على الآخرة. ثم دخلتُ أنا وجبريل بيتَ المقدس،
فصلَّينا ركْعَتَين، ثم أُتْيتُ بالمعراج الذي تعرجُ عليه أرواحُ بني آدم، فلم
تَرَ الخلائقُ أحسنَ من المعراج، أما رأيتم الميت حيث يشقّ بصره طامحاً
إلى السماء، فإنّما يفعل ذلك عَجَبُه به، فصعِدتُ أنا وجبريل، فإذا أنا
بمَلَكِ يقال له إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون
ألف مَلَك، مع كل ملك جنده مئة ألف مَلَك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُودَ
رَبِّكَ إِلَّا هُوَ (٣)﴾ [المدثر]. فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال:
٢٢٣

جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَ قد بُعِث إليه؟ قال:
نعم. فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خَلَقه الله على صورته، تُعرض عليه أرواح
ذُرِّيَته المؤمنين فيقول: روح طيّبة ونفْسٌ طيّبة اجعلوها في عِلِّين، ثم
تُعرض عليه أرواح ذُرِّيَّتْه الفُجَّار، فيقول: روحٌ خبيثةٌ ونفْسٌ خبيثة،
اجعلوها في سِجِّين. ثمّ مَضِيَت هُنَيَّة، فإذا أنا بأَخْونَةٍ - يعني بالخُوَان
المائدة - عليها لحم مُشَرَّح، ليس يقربُها أحد، وإذا أنا بأَخْونة أخرى،
عليها لحم قد أَرْوَحَ، ونَتُنَ، وعندها أُناس يأكلون منها: قلت: يا جبريل
مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أُمَّتك يتركون الحلال ويأتون الحرام. قال:
ثمّ مَضِيَت هُنَيَّة، فإذا أنا بأقوام بُطونهم أمثال البيوت، كلّما نهض
أحدُهم خرَّ يقول: اللَّهمّ لا تُقِمِ السّاعةَ، وهم على سابلة آل فرعون،
فتجيء السّابلة فتطؤهم، فسمعتُهم يضجُّون إلى الله، قلت: مَن هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أُمَّتك الذين يأكلون الرِّبا. ثم مَضِيَت هُنَيَّةٌ، فإذا أنا
بأقوامِ مَشَافِرُهُمْ كمشافرِ الإبلِ، فَتُفْتَح أفواهُهم ويُلقمون الجَمْر، ثمّ
يخرج من أسافلهم فيضجّون، قلت: مَن هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون
أموال اليتامى ظُلْماً. ثم مضيت هُنَيَّة، فإذا أنا بنساءٍ يُعَلَّقْن بتُديّهنَّ،
فسمعتهنّ يضْجُجْن إلى الله، قلت: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: الزُّناة من
أُمَتك. ثم مضيت هُنَيَّة، فإذا أنا بأقوامٍ يُقْطّع من جُنُوبهم اللَّحم،
فيُلَقَّمون، فيقال له: كُلْ ما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: مَن
هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمّازون من أُمَّتِك اللَّمَّازُون. ثم صَعِدت إلى
السماء الثانية، فإذا أنا برجلٍ أحسن ما خلق الله، قد فَضُل على النّاس
بالحُسْن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريل مَن
هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، ومعه نفرٌ من قومه. فسأَّمتُ عليه وسلَّمَ
عليَّ، ثم صَعِدْت إلى السماء الثالثة، فإذا أنا بيحيى وعيسى ومعهما نفرٌ
من قومهما. ثم صَعِدْت إلى الرابعة، فإذا أنا بإدريس، ثم صَعِدت إلى
٢٢٤

السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء،
تكاد لحيته تصيب سُرَّتَه من طُولها، قلت: يا جبريل مَن هذا؟ قال: هذا
المحبَّب في قومه، هذا هارون بن عمران، ومعه نفرٌ من قومه. فسلَّمتُ
عليه، ثم صَعِدت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى رجل آدم كثير
الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعرهُ دونَ القميص، وإذا هو يقول:
يزعم النّاسُ أَنّي أكرمُ على الله من هذا، بل هذا أكرمُ على الله منّي.
قلت: مَن هذا؟ قال: موسى. ثم صَعِدت السابعة، فإذا أنا بإبراهيم،
ساند ظهره إلى البيت المعمور، فدخلتُهُ ودخل معي طائفةٌ من أُمّتي،
عليهم ثياب بيض، ثم دفعت إلى السدرة المُنْتَهَى، فإذا كلّ ورقة منها
تكاد أن تُغطّي هذه الأُمّة، وإذا فيها عين تجري، يقال لها سلسبيل،
فيشقّ منها نهران، أحدهما الكوثر والآخر نهر الرَّحْمة، فاغتسلتُ فيه،
فغُفِر لي ما تقدّمَ من ذنبي وما تأخّر، ثمّ إنّي دُفعت إلى الجنة،
فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنتِ؟ قالت: لزيد بن حارثة. ثمّ
عُرِضَتْ عليَّ النّارُ، ثم أُغْلِقت، ثمّ إنّي دُفِعت إلى السدرة المُنْتَهَى فتغشّى
لي، وكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى، قال: ونزل على كلّ ورقة
مَلَكٌ من الملائكة، وفُرِضت عليَّ الصّلاةُ خمسين، ثم دُفِعت إلى
موسى - فذكر مراجعته في التخفيف. أنا اختصرت ذلك وغيره إلى أن
قال - فقلت: رجعت إلى ربّ حتى استَحْيَيْتُه.
ثمّ أصبحَ بمكّةَ يُخبرهم بالعجائبِ، فقال: إنّي أتيتُ البارحةَ بيتَ
المقدس، وعُرِج بي إلى السماء، ورأيت كذا، ورأيت كذا، فقال أبو
جهل: ألا تعجبون مما يقولُ محمد، وذكر الحديث.
هذا حديث غريب عجيب حذفت نحو النّصفِ منه، رواه يحيى بن
أبي طالب، عن عبدالوهاب، وهو صَدُوق، عن راشد الحِمّاني، وهو
مشهور، روى عنه حمّاد بن زيد، وابن المبارك، وقال أبو
٢٢٥

حاتم(١) : صالح الحديث، عن أبي هارون عمارة بن جُوَيْن العَبْدِي،
وهو ضعيف شيعيّ. وقد رواه عن أبي هارون أيضاً هُشَيْم، ونوح بن
قيس الحدّاني بطُوله نحوه، حدّث به عنهما قُتَيِيَة بن سعيد. ورواه سَلَمَة
ابن الفضل، عن ابن إسحاق، عن رَوْح بن القاسم، عن أبي هارون
العبدي بطُوله. ورواه أسد بن موسى، عن مُبارك بن فضَالة. ورواه عبد
الرزّاق، عن مَعْمَر. والحَسَن بن عَرَفَة، عن عمّار بن محمد، كلّهم عن
أبي هارون، وبسياق مثل هذا الحديث صار أبو هارون متروكاً.
عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِىّ
[الإسراء] قال: رأي عين.
٦٠
أَرْنَكَ
ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أُسري
بروح رسول الله مَّ وهو نائم على فراشه.
معمر عن قتادة عن الحسن، قال: أسري بروح رسول الله وَّل وهو
نائم على فراشه.
وقال إبراهيم بن حمزة الزُّبَيْرِيّ: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال:
حدثني عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي
هُرَيرة. (ح). وقال هاشم بن القاسم، ويونس بن بُكَيْر، وحجّاج
الأعور: حدثنا أبو جعفر الرّازي، وهو عيسى بن ماهان، عن الربيع بن
أَنَس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره، عن النبي ◌ِّ أنّه قال في
هذه الآية ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ
اُلْأَقْصَا (٤)﴾ [الإسراء] قال: أُنِي بِفَرَسِ فحُمِل عليه، خطْوُهُ مُنْتَهَى
بَصَرِه، فسار وسار معه جبريل، فأتى على قومٍ يزرعون في يومٍ
ويحصدون في يوم، كلمّا حصدوا عادَ كما كانَ، فقال: يا جبريل، مَنْ
(١) الجرح والتعديل ٤٨٤/٣.
٢٢٦

هؤلاء؟ قال: هؤلاء المهاجرون في سبيل الله، تُضاعفُ لهم الحَسَنَة
بسبع مئة ضعف ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةٌ (٣٠)﴾ [سبأ]. ثمّ أتى
على قومٍ تُرْضَخ رؤوسهم بالصَّخْر، كلّما رُضِخَتْ عادت! قال: يا
جبريل، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصّلاة. ثم
أتى على قوم على أقبالهم رِقاعٍ، وعلى أدبارهم رِقاع، يسرحونَ كما
تسرحُ الأنعامُ عن الضّريع والزَّقُّوم، ورضف جهنّم، قال: يا جبريل ما
هؤلاء؟ قال: الذين لا يؤذُّون الزَّكاة. ثم أتى على خشبةٍ على الطريق لا
يمرّ بها شيءٌ إلّ قصعته، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِ صِرَاطٍ
تُوعِدُونَ (ْ﴾﴾ [الأعراف]. ثم مرّ على رجلٍ قد جمع حُزْمةً عظيمةً لا
يستطيع حَمْلَها، وهو يريد أن يزيد عليها، قال: يا جبريل ما هذا؟ قال:
هذا رجل من أُمَّتك عليه أمانةٌ، لا يستطيع أداءها، وهو يزيدُ عليها. ثمّ
أتى على قومٍ تُقْرَض ألسنتُهم وشِفاهُهُم بمقاريضَ من حديد، كلّما
قُرِضت عادت كما كانت. قال: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء
الفتنة .
ثم نَعَتَ الجنَّةَ والنّار، إلى أن قال: ثمّ سار حتى أتى بيت المقدس،
فدخل وصلّى، ثمّ أتى أرواحُ الأنبياءِ فأثنوا على ربّهم.
وذَكر حديثاً طويلاً في ثلاث وَرَقَاتٍ كِبار. تفرّد به أبو جعفر
الرّازي، وليس هو بالقويّ، والحديث مُنْكَرٌ يُشبه كلامَ القُصَّاص، إنّما
أوردْتُهُ للمعرفة لا للحُجَّة .
وروى في المعراج إسحاق بن بشير، وليس بثقة، عن ابن جريج،
عن عطاء، عن ابن عباس حديثاً .
وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: فُرضت
الصلاة على النبي ◌َّل بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة
٢٢٧

فرضت أربعاً، وأَقِرَّتْ صلاة السفر ركعتين. أخرجه البخاري(١). آخر
الإسراء (٢).
(١) البخاري ٨٩/١ و٢٤/٢و٠٨٧/٥
(٢) كتب صلاح الدين الصفدي في حاشية نسخة المؤلف بلاغاً يفيد قراءته للكتاب
على مؤلفه نصه: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك في الميعاد الخامس على
مؤلفه، فسح الله في مدته)).
٢٢٨

زَوَاجُهُ مَّةَ بِعَائِشَة وَسَوْدَة أُمَّي المُؤْمِنِينَ
قال هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: تزوَّجني رسول
الله وَِّ مُتَوَفَّى خديجة، قبل الهجرة، وأنا ابنة ستٍّ، وأُدْخِلْتُ عليه وأنا
ابنة تسع سنين جاءني نِسْوةٌ وأنا ألعب على أُرْجُوحة، وأنا مجمَّمَةٌ (١) ،
فهيَّأْنَني وصَنَّعْنَنِي، ثمّ أَتَّيْنَ بي إليه. قال عُرْوَة: ومكثت عنده تسع
سنین. وهذا حديث صحيح.
وقال أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، قال: تُؤُفِيتْ خديجة قبل
مخرج النبي ◌َّ إلى المدينة بثلاث سنين، فلبِثَ سنتين أو قريباً من
ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ستّ سنين، ثمّ بنى بها وهي ابنة تسع.
أخرجه البخاري(٢) هكذا مُرْسَلاً.
وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسول الله وَلَه قال:
((أُرِيْتُكِ في المنام مرّتين، أرى أنّ رجلاً يحملك في سَرَقةٍ(٣) حرير
فيقول: هذه امرأتك، فأكشِفُ فأراكِ فأقول: إنْ كان هذا من عند الله
يُمْضِهِ)). مُتَّفقٌ عليه (٤) .
وقال عبدالله بن إدريس، عن محمد بن عَمْرو، عن يحيى بن
عبدالرحمن بن حاطب، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: لمّا ماتت
خديجة جاءت خَوْلَةُ بنت حكيم إلى رسول الله وَّر فقالت: ألا تَزَّوَج؟
(١) الجُمَّة: ما سقط على المنكبين من شعر الرأس.
(٢) البخاري ٥/ ٧١.
(٣) أي: قطعة من الحرير.
(٤) البخاري ٧١/٥ و٦/٧ و١٨ و٤٦/٩، ومسلم ١٣٤/٧ .
٢٢٩

قال: ومَنْ؟ قالت: إنْ شئتَ بِكْراً وإنْ شئتَ ثيّياً. قال: مَن البِكْر ومَن
الثّيِّب؟ فقالت: أمّا البِكْر فعائشة ابنة أحبَّ خَلْقِ اللهِ إليكَ. وأمّا الشَّيِّبُ
فَسَوْدَة بنتُ زمعة، قد آمَنَتْ بك واتَّبَعَتْك. قال: اذكريهما عليّ.
قالت: فأتيتُ أُمَّ رُومان فقلت: يا أُمَّ رومان ماذا أدخل الله عليكم من
الخير والبَرَكَة! قالت: ماذا؟ قالت: رسول الله وَلّ يذكر عائشة. قالت:
انتظري فإنَّ أبا بكر آتٍ. فجاء أبو بكر فذكرت ذلك له. فقال: أَوَتَصْلُحُ
له وهي ابنةُ أخيه؟ فقال رسول الله وَّه: أنا أخوه وهو أخي وابنته تَصْلُحُ
لي. قالت: وقام أبو بكر، فقالت لي أُمُّ رومان: إنّ المُطْعِم بن عَدِيّ قد
كان ذكرها على ابنه، ووالله ما أَخْلفَ وعداً قطّ، تعني أبا بكر. قالت:
فأتى أبو بكر المُطْعِمَ فقال: ما تقولُ في أمر هذه الجارية. قالت: فأقبل
على امرأته فقال لها: ما تقولين؟ فأقبلت على أبي بكر فقالت: لعلَّنا إنْ
أنكحنا هذا الفتى إليك تُصْبِئْه وتُدْخِلْه في دِينك. فأقبل عليه أبو بكر
فقال: ما تقولُ أنت؟ فقال: إنّها لَتَقُولُ ما تسمع. فقام أبو بكر وليس في
نفسه من الموعدِ شيءٌ، فقال لها: قولي لرسولِ اللهِ وَلَّ فِلْيأتِ. فجاء
رسولُ اللهِ وَلّ فملكها، قالت: ثمّ انطلقت إلى سَوْدَة بنت زمعة، وأبوها
شيخ كبير قد جلس عن الموسم فحيَّيْتُهُ بتحيّة أهل الجاهلية وقلت: أَنْعَمْ
صباحاً. قال: مَنْ أنتِ؟ قلتُ: خَوْلةُ بنت حكيم. فرخَّبَ بي وقال ما
شاء الله أن يقول، قلت: محمد بن عبدالله بن عبدالمطّلب يذكر سَوْدةً
بنت زمعة. قال: كفؤٌ كريم، ماذا تقولُ صاحبتكِ؟ قلت: تحبُّ ذلك.
قال: قولي له فلْيأتِ. قالت: فجاء رسولُ الله ◌َل﴿ فملكها. قالت: وقدِم
عبد بن زمعة فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: إنّي
لَسَفِيةٌ يوم أحثو على رأسي التراب أنْ تَزوَّجَ رسولُ اللهَلاَ سَوْدَة. إسناده
حَسَن.
٢٣٠

عرْضُ نفسِه ◌َّه على القبائِل
قال إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن
جابر، قال: كان رسول الله وَّ يعرض نفسَه على النّاس بالموقف
فيقول: ((هل من رجلٍ يحملني إلى قومه، فإنَّ قريشاً قد منعوني أنْ أُبلِّغَ
كلامَ ربّي)). أخرجه أبو داود (١) ، عن محمد بن كثير، عن إسرائيل،
وهو على شرط البخاري .
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: كان رسول الله وَّر في
تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كلّ موسم، ويكلّم كلَّ
شريفِ قومٍ، لا يسألهم مع ذلك إلّا أنْ يُؤْؤُوه ويمنعوه، ويقول: لا أُكْرِهِ
أحداً منكم على شيء، مَن رضي منكم بالذي أدعوه إليه فَذاك، ومَن كَرِه
لم أُكْرِهْهُ، إنّما أريد أن تحرزوني ممّا يُرادُ بي من الفتك، حتى أُبلِّغَ
رسالاتِ ربّي، وحتّى يقضي الله لي ولمن صَحِبَتي بما شاء. فلم يقبله
أحد ويقولون: قومُهُ أعلمُ به، أَتَروْن أنّ رجلاً يُصْلِحُنا وقد أفسد قومَه،
ولَفَظُوه، فكان ذلك ممّا ذخرَ اللهُ للأنصار.
وتُوُفّي أبو طالب، وابتُليَ رسولُ اللهِ وََّ أشدَّ ما كان، فعمد لثقيف
بالطّائف، رجاء أنْ يُؤْوُوه، فوجد ثلاثةَ نفرٍ منهم، هم سادةُ ثقيف: عبد
ياليل، وحبيب، ومسعود بنو عَمْرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم
البلاءَ، وما انتهك منه قومُه. فقال أحدهم: أنا أسرِق أستارَ الكعبة إنْ
كان الله بعثكَ قطُّ. وقال الآخر: أَعَجِز على الله أن يرسل غيرك. وقال
الآخر: والله لا أكلّمك بعد مجلسك هذا، والله لئنْ كنتَ رسول الله
(١) أبو داود (٤٧٣٤).
٢٣١

لأنتَ أعظم شَرَفاً وحقّاً من أن أكلِّمكَ، ولئنْ كنتَ تكذِب على الله،
لأنتَ أشرُّ من أنْ أكلِّمكَ. وَتَهَزَّوُوا به، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه
به، وقعدوا له صَفَّين على طريقه، فلمّا مرَّ جعلوا لا يرفع رِجْليه ولا
يضعهما إلّ رضخوهما بالحجارة، ودَمَّوا رِجْلَيْه، فخلُص منهم وهما
تسيلان الدماء، فعمد إلى حائطٍ من حوائطهم، واستظل في ظلّ سَمُرَة
حَبَلة منه، وهو مكروب مُوجَع، فإذا في الحائط عُتْبة بن ربيعة، وشَيْبة
أخوه، فلمّا رآهما كرِه مكانهما لِما يعلم من عداوتهما، فلمّا رأياه أرسلا
إليه غلاماً لهما يُدْعَى عدَّاساً، وهو نَصْرانيٌّ من أهل نِينَوَى، معه عِنَب،
فلمّا جاء عدَّاس، قال له رسول الله وَّر: ((من أيّ أرضٍ أنت يا عدّاس))؟
قال: من أهل نينَوَى، فقال له النبي ◌َّر: ((من مدينة الرجل الصّالح
يونس بن مثَّى))؟ فقال: وما يدريك من يونس بن متَّى؟ قال: ((أنا رسول
الله، والله أخبرني خبرَ يونس)). فلمّا أخبره خرَّ عدّاس ساجداً لرسول الله
وَّة، وجعل يقبّل قدميه وهما تسيلان الدّماء، فلمّا أبصر عُتبة، وشَيْبة ما
يصنع غلامهما سكتا، فلمّا أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمدٍ
وقبَّلْت قدميه؟ قال: هذا رجل صالح، أخبرني بشيءٍ عرفته من شأن
رسولٍ بعثه الله إلينا يُدْعى يونس بن متَّى، فضحكا به، وقالا: لايفتنك
عن نصرانيّتك، فإنّه رجل خدّاع. فرجع رسول الله وَّه إلى مكة.
وقال يونس بن يزيد، عن الزُّهْري: أخبرني عُرْوة، أنّ عائشة
حدّثته، أنّها قالت لرسول الله وَّه: هل أتى عليك يومٌ أشدّ عليك من
يوم أُحُد؟ قال: ((ما لقيتُ من قومِك كان أشدّ منه، يوم العَقَبَة إذ عرضْتُ
نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجبني إلى ما أردتُ،
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفِقْ إلّ وأنا بقَرْن الثعالب(١)،
فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلّتني، فنظرت فإذا هو جبريل،
(١) موضع قرب مكة.
٢٣٢

فناداني («إنّ الله قد سمع قولَ قومِكَ لكَ وما رَدُّوا عليكَ، وقد بعثَ إليك
مَلكَ الجبالِ لتأمره بما شئتَ فيهم)). ثمّ ناداني ملك الجبال فسلّم عليَّ،
ثمّ قال: يا محمد إنَّ الله قد سمع قولَ قومِكَ، وأنا ملكُ الجبال، قد
بعثني إليك ربُّكَ لتأمرني بما شئتَ، إن شئتَ يُطْبِقْ عليهم
الأخشَبَين(١). فقال له رسول الله وَّل: بل أرجو أن يُخْرِج الله من
أسرارهم - أو قال: من أصلابهم - مَنْ يعبد الله لا يُشْرك به شيئاً.
أخر جاه (٢).
وقال البكّائّي، عن ابن إسحاق(٣) : فحدثني يزيد بن زياد، عن
محمد بن كعب القُرَظيّ قال: لمّا انتهى رسول الله بَّه إلى الطائف، عمد
إلى نفرٍ من ثقيف، وهم يومئذٍ سادتهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن
عَمْرو، وأَخَواه مسعود، وحبيب، وعند أحدهم امرأةٌ من قريش من
جُمَح، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب
الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أَمَا وجد الله مَن يرسله غيرك؟
وقال الآخر: والله لا أكلّمك.
وذكره كما في حديث ابن شهاب، وفيه زيادة وهي: فلمّا اطمأنّ
وَسَر قال فيما ذُكِرَ لي: «اللّهم إليك أشكو ضَعْفَ قوّتي وقلّةَ حيلتي
وهَوَاني على النّاس، أرحمَ الراحمين، أنت ربّ المُسْتَضْعَفِين وأنت
ربّي، إلى مَن تكِلُني، إلى بعيدٍ يتجهّمُني، أو إلى عدوٍّ ملَّكْتَه أمري، إنْ
لم يكن بك عليَّ غضَبٌ فلا أُبالي، ولكنَّ عافيتَك هي أوسع لي، أعوذ
بنور وجهك الكريم الذي أشرقَتْ له الظُّلُمات، وصَلُحَ عليه أمرُ الدّنيا
والآخرة من أن ينزل بي غضبُك أو يحلَّ عليَّ سخطُك، لك العُتْبَى حتّى
(١) أي: جبلي مكة، وهما: أبو قبيس والأحمر.
(٢) البخاري ١٣٩/٤ و ١٤٤، ومسلم ١٨١/٥ .
(٣) ابن هشام ٤١٩/١-٤٢٠.
٢٣٣

ترضَى ولا حول ولا قوّة إلّ بك)).
وحدثني حسين بن عبدالله بن عُبَيْدالله بن عباس، قال: سمعتُ
ربيعة بن عِبَاد(١) يحدث أبي، قال(٢): إنّي لَغُلامٌ شابٌّ مع أبي بِمِنَى،
ورسول الله وَلّ يقفُ على القبائلِ من العرب، يقول: يا بني فُلان إنّي
رسولُ الله إليكم، يأمركم أنْ تعبدوه لا تُشْرِكوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما
تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا وتصدّقوني وتمنعوني حتى أُبيِّنَ عن الله ما
بعثني به. قال: وخلفه رجلٌ أحْوَل وَضِيء، له غديرتان، عليه حلّة
عَدَنيّة، فإذا فرغ رسول الله وَّةٍ من قوله قال: يا بني فُلان إنّ هذا إنّما
يدعوكم إلى أنْ تسلخوا اللّت والعُزَّى وحُلَفاءكم من الحيّ من بني
مالك بن أُقَيش، إلى ما جاء به من البدعة والضَّلالة، فلا تُطيعوه ولا
تسمعوا منه. فقلت لأبي: مَن هذا؟ قال: هذا عمّه عبدالعُزَّى أبو لَهَب.
وحدّثني ابن شهاب أنّه وَلَّ أْتى كِنْدَةَ في منازلهم، وفيهم سيّد لهم
يقال له مُلَيْح، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه(٣) .
وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حُصَين، أنّه أتى كلباً
في منازلهم، إلى بطنٍ منهم يقال له بنو عبدالله، فدعاهم إلى الله وعرض
عليهم نفسه، حتى إنّه ليقول: يا بني عبدالله إنّ الله قد أحسن اسمَ
أبيكم، فدعاهم إلى الله فلم يقبلوا (٤) .
وحدثني بعض أصحابنا أنّه أتى بني حَنِيفة في منازلهم، ودعاهم إلى
الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحدٌ من العرب أقبح ردّاً منهم(٥) .
(١) قيده المؤلف في المشتبه ٤٢٩ .
(٢) ابن هشام ٤٢٣/١ .
(٣)
ابن هشام ١ / ٤٢٤-٤٢٥.
ابن هشام ٤٢٤/١-٤٢٥ .
(٤)
(٥) ابن هشام ١/ ٤٢٤-٤٢٥.
٢٣٤

وحدثني الزُّهرِيّ أنّه أتى بني عامر بن صَعْصَعَة فدعاهم إلى الله،
وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فِراس: والله لو
أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إنْ
بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على مَن خالفك، أيكون لنا الأمرُ من
بعدك؟ قال: ((الأمرُ إلى الله يضعه حيث يشاء))، قال: أَفَتَهْدِفُ نحورَنا
للعرب دونك؟ فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك،
فَأبَوْا عليه(١) .
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمرو بن
قَتَادَة، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدِم سُوَيْد بن الصّامت أخو بني
عَمْرو بن عَوْف مكةَ حاجّاً أو مُعْتَمِراً، وكان سُوَيْد يسمّيه قومُه فيهم
(الكامل) لِسِنّه وجَلدِه وشِعْره، فتصدّى له رسول الله وَّه ودعاه إلى الله،
فقال سُوَيْد: فلعلّ الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله مَلآ . .
((وما الذي معك))؟ قال: مجلّة لُقْمان، يعني: حكمة لُقمان، قال:
اعرضْها، فعرضها عليه، فقال: ((إنَّ هذا الكلام حَسَن، والذي معي
أفضل منه، قرآنٌ أنزله الله عليَّ))، فتلا عليه القرآن، ودَعاهُ إلى الإسلام،
فلم يبعد منه، وقال: إنّ هذا لقَول حَسَن. ثم انصرف فقدِم المدينةَ على
قومها، فلم يلبث أنْ قتلته الخَزْرج، فكان رجالٌ من قومه يقولون: إنّا
لَنَرى أنّه قُتِل وهو مسلمٌ، وكان قَتْلُهُ يوم بُعاث.
وقال البكّاتّي، عن ابن إسحاق(٢) ، قال: وسُوَيْد الذي يقول:
مقالته بالغيبِ ساءكَ ما يَفْرِي
ألا رُبَّ مَنْ تدعو صديقاً ولو ترى
وبالغيبِ مأثورٌ على ثُغْرَةِ النَّحْرِ
مقالتهُ كالشَّهْد ما كانَ شاهداً
تميمة غشّ تبتري عَقِبَ الظَّهرِ
يَسُرُّكَ باديِهِ وتحت أديمِهِ
(١) ابن هشام ٤٢٥/١ .
(٢) ابن هشام ١ / ٤٢٦ .
٢٣٥

تُبِينُ لك العَيْنان ما هو كاتمٌ
فَرِشْني بخيرٍ طالما قدْ بَرَيْتَني
من الغلّ والبغضاء بالنَّظَرِ الشَّزْرِ
وخيرُ الموالي مَنْ يَرِيش ولا يَبْري
٢٣٦

حَدِيْثُ يَوْمٍ بُعاث(١)
قال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدثني الحُصَيْن بن عبدالرحمن
ابن سعد بن معاذ، عن محمود بن لَبِيد، قال: لما قدِم أبو الحَيْسَر أَنْسُ
ابنُ رافع مكةَ ومعه فِتْيةٌ من بني عبدالأشهل، فيهم إياس بن مُعَاذ،
يلتمسون الحلْفَ من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسولُ
الله ◌َّ فأتاهم فقال لهم: هل لكم إلى خيرٍ ممّا جئتم له؟ قالوا: وما
ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد، ثم ذكر لهم الإسلام،
وتلا عليهم القرآن، فقال إياس، وكان غلاماً حَدَثاً: يا قوم هذا والله خير
ممّا جئتم له. فيأخذ أبو الحَيْسَرِ حفنةً من الحَصْباءِ(٣) ، فضربَ (٤) بها
وجهَ إياس، وقال: دعنا منك، فَلَعَمْرِي لقد جئنا لغير هذا. فسكت،
وقام النبي ◌َّ عنهم وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بُعاثٍ بين
الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن مُعاذ أنْ هَلَك. قال محمود بن
لَبِيد: فأخبرني مَن حضره من قومي أنّهم لم يزالوا يسمعونه يهلِّل الله
ويكبِّرِه ويُحَمِّدُه ويسبّحه حتى مات، وكانوا لا يشكُّون أنّه مات مسلماً.
وقد كان استشعرَ من الإسلامِ في ذلك المجلس، حين سمعَ من رسولٍ
الله ◌َلا ما سمع.
(١) بعاث: موضع قرب المدينة على بعد ليلتين، وفيه كانت حرب بين الأوس
والخزرج.
(٢) ابن هشام ١/ ٤٢٧-٤٢٨ .
(٣) كتب المؤلف بخطه على هامش الأصل: ((خ البطحاء)) أي: في نسخة أخرى
کذلك.
(٤) كتب المؤلف بخطه على هامش الأصل: ((فيضرب)).
٢٣٧

وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يوم بُعاث
يوماً قدّمه الله لرسوله، فقدِم رسولُ اللهِ وَِّ المدينةَ، وقد افترق مَلَؤُّهم
وقُتِلت سرواتهم - يعني: وجُرِحوا - قَدَّمه اللهُ لرسولِهِ في دخولهم في
الإسلام. أخرجه البخاري (١).
(١) البخاري ٣٨/٥.
٢٣٨

ذكر مبدأ خَبر الأنصار والعقبة الأولى
قال أحمد بن المِقْدام العِجْليّ(١) : حدثنا هشام بن محمد الكلبيّ،
قال: حدثنا عبدالحميد بن أبي عيسى بن خير، عن أبيه، قال: سمعت
قريش قائلاً يقول في اللّيل على أبي قُبَيْس:
فإنْ يُسلمِ السَّعْدانِ يُصبحْ مُحمدٌ بمكةَ لا يَخْشِى خِلافَ المُخَالِفِ
فلمّا أصبحوا قال أبو سفيان: مَنِ السَّعْدان؟ سعد بن بكر، سعد
تميم؟ فلمّا كان في الليلة الثانية سمعوا الهاتف يقول:
أيا سعدُ سعد الأوس كُنْ أنتَ ناصِراً ويا سعدُ سعْدَ الخَزْرَجَيْنِ الغَطارِفِ
أجيبا إلى داعي الهُدَى وتمنّيا على الله في الفِرْدَوْس مُنية عارِفٍ
فإنّ ثَوَابَ الله للطالِبِ الهُدَى جنانٌ من الفِرْدَوْسِ ذات رَفَارِفٍ
فقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد بن عُبادة.
وقال البكَّانُِّ، عن ابن إسحاق(٢): لمّا أراد الله إظهار دِينه،
وإعزاز نبيّه، خرج رسول الله وَّل في الموسم الذي لقِيه فيه الأنصار،
فعرض نفسه على القبائل، كما كان يصنع، فبينا هو عند العَقَبَة لقي
رهطاً من الخزرج، فحدثني عاصم بن عمر بن قَتَادة، عن أشياخ من
قومه، أنّ رسول الله وَّ لمّا لِقِيَهم قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من
الخزرج. قال: أمِن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون
أكلّمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم
(١) رواه عنه الطبري في تاريخه ٣٨٠/٢-٣٨١.
(٢) ابن هشام ٤٢٨/١ .
٢٣٩

الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان ممّا صنع الله به في الإسلام أنّ يهود
كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهلَ كتابٍ وعِلْم، وكانوا أهلَ شِرْكِ
وأوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا:
إنّ نبيّاً مبعوثٌ الآن، قد أظلّ زمانه، نَشَبِعُهُ، فنقتلكم معه قتل عادٍ وإِرَم.
فلمّا كلّم رسولُ اللهِ وَ لَ أولئك النَّفْر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم
لبعض: يا قوم تَعَلَّموا والله إنّه لَلنَّبيُّ الذي تواعدكم به يهود، فلا
يَسْبِقُنَّكُم إليه. فأجابوه وأسلموا، وقالوا: إنّا تركنا قومَنا، ولا قوم بينهم
من العداوة والشرّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدَمُ عليهم
فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك به، فإن يجمعهم الله
عليك فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا.
قال ابن إسحاق(١): وهم فيما ذُكر ستّة من الخزرج: أسعد بن
زُرَارة، وعَوْف بن عَفْراء، ورافع بن مالك الزُّرقي، وقُطْبة بن عامر
السَّلَمَيّ، وعُقْبة بن عامر. رواه جرير بن حازم عن ابن إسحاق، فقال
بدل عُقْبةٍ: مُعَوَّذ بن عَفْراء، وجابر بن عبدالله أحد بني عَدِيّ بن غَنْم.
فلمّا قدِموا المدينة ذكروا لقومهم رسولَ الله بَّر، ودعوهم إلى الإسلام،
وفشا فيهم ذِكْرُ رسول الله بَّهَ، فلمّا كان العام المقبل، وافَى الموسمَ من
الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوا رسولَ اللهِ بَ لَهَ بِالعَقَبَة، وهي (العقبة
الأولى)، فبايعوا رسولَ الله وَ لّ على بيعة النّساء، وذلك قبل أن تُفْتَرَض
عليهم الحرب، وهم أسعد بن زُرَارة، وعَوْف، ومُعَوَّذ ابنا الحارث
وهما ابنا عَفْراء، وذَكْوَان بن عبد قَيْس، ورافع بن مالك، وعُبادة بن
الصّامت، ويزيد بن ثعلبة البَلَوِيّ، وعبّاس بن عُبادة بن نَضْلَة، وقُطْبة بن
عامر، وعُقْبة بن عامر، وهم من الخزرج، وأبو الهيثم بن التَّيْهَان،
وعُوَيْم بن ساعدة، وهما من الأوس.
(١) ابن هشام ٤٢٩/١.
٢٤٠