النص المفهرس
صفحات 201-220
رجال شَنُوءَة، كثير الشعر، غائر العينين، متراكب الأسنان، مقلَّص الشفَتَين، خارج اللّثة، عابس، وأما إبراهيم، فَوَاللهِ لأشبه النّاس بي خَلْقاً وخُلُقاً. فَضَجُوا وأعظموا ذلك، فقال المُطْعِم: كلُّ أمرك كان قبلَ اليوم أمماً، غير قولك اليوم، أنا أشهد أنّك كاذب! نحن نضربُ أكبادَ الإبل إلى بيت المقدس شهراً، أتيتُهُ في ليلة !. وذكر باقي الحديث، وهو حديث غريب، والوساوسي ضعيفٌ تَفَرَّدَ به . وقال مسلم(١): حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا حُجَيْن بن المثنَّى، قال: حدثنا عبدالعزيز بن أبي سَلَمة، عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله وَلِيّ: ((لقد رأيتُني في الحِجْر، وقريش تسألني عن مَسْرَاي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثّبتها، فكرِبتُ كَرْباً ما كربْتُ مثله قطّ، فرفعه الله لي، أنظُرُ إليه، ما يسألوني عن شيءٍ إلّ أَنْبأتهم به، وقد رأيتُني في جماعةٍ من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلّي فإذا رجلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ، كأنّه من رجال شَنُوءَة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلّي، أقرب الناس به شَبَهاَ عُرُوَة بن مسعود الثَّقَفيّ، وإذا إبراهيم قائم يصلّي أشبه النّاس به صاحبكم - يعني نفسَه، فحانت الصلاة فأمَمْتُهُم، فلمّا فرغت من الصّلاة قال لي قائل: يا محمد هذا مالِكٌ صاحب النّار، فسلّم عليه. فالتَفَتُّ إليه فبدأني بالسّلام)) . وقد رواه أبو سَلَمَة أيضاً، عن جابر مختصَراً. قال اللَّيث، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سَلَمَة، قال: سمعت جابر بن عبدالله يحدّث، أنّه سمع رسولَ الله وَل يقول: (١) مسلم ١ / ١٠٨ عن أبي هريرة وعن جابر. ٢٠١ ((لما كَذَّبَتْني قريش قمت في الحِجْرِ فَجَلا اللهُ لي بيتَ المقدس، فطفقت أُخبرُهم عن آياته، وأنا أنظر إليه. أخرجاه(١). (٢) وقال إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب : سمعت ابن المسيّب يقول: إنّ رسول الله بَّ حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه إبراهيم، وموسى، وعيسى، ثم أخبر أنّه أُسْرِي به، فافتتن ناسٌ كثير كانوا قد صلُّوا معه. وذكر الحديث. وهذا مُرسَل. وقال محمد بن كثير المِصِّيصيّ: حدثنا مَعمَر، عن الزُّهريّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: لمّا أُسرِي بالنَّبِيِّ وَلّ إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدّث النّاس بذلك، فارتدّ ناس ممّن آمن، وسعوا إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنّه أَسريَ به اللّيلةَ إلى بيت المقدس! قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن قال ذلك لقد صَدَق. قالوا: وتصدَّقُه! قال: نعم إنّي لأُصدِّقه بما هو أبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السماء في غَدْوَةٍ أو رَوْحَة. فلذلك سُمِّي أبو بكر الصِّدِّيق. وقال مُعتَمِرُ بن سليمان التَّيْميّ، عن أبيه، سمع أنَساً يقول: حدثني بعض أصحاب النبي ◌َِّ أنَّ النبي ◌َّهِ ليلة أُسْرِي به مَرَّ على موسى وهو يصلِّي في قبره. وذكر الحديث. وقال عبدالعزيز بن عِمران بن مِقلاص الفقيه، ويونس، وغيرهما: حدثنا ابن وهْب، قال: حدثني يعقوب بن عبدالرحمن الزُّهْرِيّ، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن هاشم بن عُتْبة بن أبي وقّاص، عن أنس بن مالك، قال: لمّا جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله وَله بالبُراق، (١) البخاري ٦٦/٥ و١٠٤/٦، ومسلم ١٠٨/١. (٢) في هامش الأصل بلاغ بقراءة الأصل على مؤلفه لابن البعلي نَصُّه: ((بلغت قراءة في الميعاد الثاني عشر على جامعة الحافظ أبي عبدالله الذهبي. كتب ابن البعلي عفا الله عنه)). ٢٠٢ فكأنّها أَمَرَّتْ ذَنَبَهَا، فقال لها جبريل: مَوْ يا بُراق، فَوَالله إنْ ركبك مثلُه. وسار رسول الله وَّر، فإذا هو بعجوزٍ على جانب الطريق، فقال: ((ما هذه يا جبريل))؟ قال له: سِرْ يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه مُتَنَحِّياً عن الطّريق يقول: هَلُمَّ يا محمد، فقال جبريل: سِرْ يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير، قال: فلقِيه خلقٌ من الخلق، فقالوا: السّلام عليك يا آخِرُ، السلام عليك يا حاشِرُ. فردّ السلامَ، فانتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء، والخمر، واللّبنَ، فتناول اللََّن، فقال له جبريل: أصبتَ الفطْرَةَ، ولو شربت الماءَ لغرِقَتْ أُمَّنِّك وغرِقْتَ، ولو شربتَ الخمرَ لَغَوَيْتَ وغَوَتْ أُمَّتُك. ثم بُعِث له آدم فَمَنْ دُونه من الأنبياء، فأمَّهُم رسولُ الله ◌َّ تلك اللّيلة، ثم قال له جبريل: أمّا العجوز فلم يبق من الدّنيا إلّ ما بقي من عمر تلك العجوز، وأمّا الذي أراد أنْ تميلَ إليه، فذاك عدوّ الله إبليس، أراد أنْ تميلَ إليه، وأمّا الذين سلَّموا عليك فإبراهيم، وموسى، وعيسى. أُنبئنا (١) عن ابن كليب، عن ابن بيان، قال: أخبرنا بشر ابن القاضي، قال: حدثنا محمد بن الحسن اليقطيني، قال: أخبرنا محمد ابن الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا أبو عمر ابن النحاس، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثني الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: رؤي عبادة بن الصامت على حائط بيت المقدس يبكي فقيل: ما يُيبكيك؟ فقال: من هاهنا حدثنا رسول الله وَّله أنه رأى ملكاً يقلِّبُ جمراً کالقطف . إسناده جید. وقال النَّضْر بن شُمَيْل، ورَوْح، وغُندَر: أخبرنا عَوف، قال: حدثنا زُرَارة بن أوفَى، قال: قال ابن عباس: قال رسول الله وَّ: ((لمّا كانت (١) كتب المؤلف هذه الفقرة بخطه على هامش نسخته، فأثبتناها في موضعها. وابن كليب هو عبدالمنعم بن كليب الحَرَّاني شيخ الذهبي. ٢٠٣ ليلة أُسْرِيَ بي، ثمّ أصبحتُ بمكة، فُطِعْت بأمري، وعَلِمتُ بأنّ الناس يكذّبوني)). قال: فقعد معتزِلاً حزيناً، فمرّ به أبو جهل، فجاء فجلس فقال كالمستهزىء: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله وَل: ((نعم))، قال: ما هو؟ قال: ((إنّ أُسْرِيَ بي الليلة)). قال: إلى أين؟ قال: ((إلى بيت المقدس)). قال: ثمّ أصبحتَ بين أَظْهُرنا! قال: ((نعم)). قال: فلم ير أنّه يُكَذِّبه مخافة أن يجحده الحديث، فدعا قومه(١) ، فقال: أرأيتَ إنْ دعوتُ إليك قومَك أَتُّحدّثهم بما حدثتني؟ قال: ((نعم)). فدعا قومَه فقال: يا معشَرَ بني كعب بن لُؤَّيّ هَلُمَّ، فانتقضت المجالس، فجاؤوا حتى جلسوا إليهما، فقال: حدِّثْهم. فقال رسول الله وَلَهُ: ((إنّي أُسْرِي بي اللّيلة)). قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى بيت المقدس)). قالوا: ثمّ أصبحتَ بين ظَهْرَيْنا! قال: ((نعم)). قال: فَمِنْ بين مُصَفّرٍ (٢) وواضعِ يدَه على رأسه مُسْتَعْجِبٌ للكَذِب، زعم، قال: وفي القوم مَن قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال: هل تستطيع أن تنعتَ لنا المسجدَ؟ فقال رسول الله وَ له: ((فذهبت أنعتُ، فما زلتُ حتى التبس عليَّ بعضُ الثَّعْتِ، قال: فجيء بالمسجد حتى وُضع دون دار عقيل أو عقال. قال: فنعتُّهُ وأنا أنظرُ إليه)). فقالوا: أمّا النَّعتُ فقد واللهِ أصاب. ورواه هَوْذة، عن عَوْف (٣) . مسلم بن إبراهيم: قال: حدثنا الحارث بن عُبَيد، قال: حدثنا أبو عِمران، عن أنَس، قال: قال رسول الله وَله: ((بينما أنا قاعد ذات يوم، إذ دخل جبريل، فوكز بين كَتِفَيَّ، فقمت إلى شجرةٍ فيها مثل وَكْرَيْ (١) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته: ((لعله: إذا دعا)). قلت: وهذا هو الصواب، كما في الدلائل للبيهقي ٣٦٣/٢ . (٢) هكذا بخط المؤلف، وفي الدلائل: ((مصفق)). (٣) الدلائل للبيهقي ٣٦٣/٢- ٣٦٤. ٢٠٤ الطّائر، فقعد في واحدةٍ، وقعدت في أخرى، فارتفعت حتى سَدَّت الخافقين، فلو شئت أنْ أمسَّ السماءَ لَمَسَسْتُ، وأنا أُقْلِّبُ طَرْفِي فالتفتُّ إلى جبريل، فإذا هو لاطىء، فعرفتُ فضلَ عِلْمِهِ بالله، وفتح لي باب السماء ورأيت النّور الأعظم، ثمّ أوحى الله إليَّ ما شاء أن يوحي))(١). إسناده جيّد حَسَن، والحارث من رجال مسلم. سعيد بن منصور: حدثنا أبو معشر، عن أبي وهْب مولى أبي هُرَيرة، عن أبي هريرة، قال: لمّا رجع رسول الله وَ ﴿ ليلة أُسْريَ به، قال: ((يا جبريل إنّ قومي لا يصدّقوني)). قال: يصدّقك أبو بكر وهو الصِّدِّیق . رواه إسحاق بن سليمان، عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا مِسْعَر، عن أبي وهب هلال بن خَبَّاب، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، قال: فحدثهم ◌َّ بعلامة بيت المقدس، فارتدُوا كُفَّاراً، فضرب الله رقابَهم مع أبي جهل. وقال أبو جهل: يُخَوِّفُنا محمدٌ بشجرةِ الزَّقْوم، هاتوا تمراً وزبداً، فتزقَّمُوا. ورأى الدَّجّالَ في صورته رُؤیا عينٍ، ليس برؤيا منام، وعيسى، وموسى، وإبراهيم. وذكر الحديث. وقال حمّاد بن سَلَمَة(٢)، عن عاصم، عن زِرّ، عن حُذَيْفة: أنّ النّبِي وَلَه ◌ُنِيَ بالبُرَاق، وهو دابّة أبيض فوق الحمار ودون البغل، فلم يُزَايِلا ظهرَهُ هو وجبريل، حتى انتهيا به إلى بيت المقدس، فصعد به جبريل إلى السماء، فاستفتح جبريل، فأراه الجنَّةَ والنّارَ، ثم قال لي: هل صلّى في بيت المقدس؟ قلت: نعم. قال: اسمك يا أصلع. قلت: زِرّ بن حُبَيش. قال: فأين تجده صلّها؟ فتأوَّلْتُ الآية: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَارِ﴾﴾ [الإسراء] (١) دلائل النبوة ٣٦٨/٢. (٢) دلائل النبوة ٢/ ٣٦٤. ٢٠٥ قال: فإنّه لو صلّى لَصَلَّيتُم كما تصلّون في المسجد الحرام. قلت لحُذَيْفَة: أَرَبَطَ الدّابّةَ بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء؟ قال: أكان يخاف أن تذهب منه وقد أتاه الله بها. كأنّ حُذَيْفَة لم يبلُغْهُ أنّه صلّى في المسجد الأقصى، ولا ربط البُراق بالحلقة . وقال ابن عُيَيْنَة، عن عَمرو، عن عِكرِمة، عن ابن عباس ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرَُّيَا الَِّى أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ (٥)﴾ [الإسراء] قال: هي رؤيا عينٍ أُربها رسولُ اللهِ وَ لّ ليلة أُسْرِي بِه. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ (٤)﴾ [الإسراء] قال: هي شجرة الزَّقُّوم. أخرجه البخاري(١) . (١) البخاري ٦٩/٥ و١٠٧/٦-١٠٨. ٢٠٦ ذكر معراج النبيِّ وَّ إلى السَّماء قال الله تعالى: ﴿عَلَّمُ شَدِيدُ الْقُوَى ٥٦ ذُو مِّرَّةٍ فَأَسْتَوَى نَا وَهُوَ بِالْأُفُقِ اُلْأَعْلَى ◌َ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى إِبْرَ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ (٢) فَأَوْحَىَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى إلامَا :[النجم] وقال: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى ثَ عِندَ سِدْرَةِ ١١ كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَآَ لـ المُنْنَهَى [النجم] تفسير ذلك: قال زائدة وغيره، عن أبي إسحاق ١٤ الشَّيْبانيّ، قال: سألت زِرَّ بن حُبَيْش عن قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ فَا﴾ فقال: حدثنا عبدالله بن مسعود، أنّه رأى جبريل له ست مئة جناح. أخرجاه(١). وروى شُعبة، عن الشَّيْباني هذا، لكن قال: سألته عن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىَ (١)﴾ [النجم] فذكر أنّه رأى جبريل له ست مئة جناح. وقال البخاريُّ(٢): قَبيصة: حدثنا سُفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلقمة، عن عبد الله ﴿لَقَدْ رَأَ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ (١٨ )) قال : رأى رَفْرَفاً أخضر قد ملأ الأُفُقِ . وقال حمّاد بن سَلَمة: حدثنا عاصم، عن زِرّ، عن عبدالله ﴿ وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىَ (®﴾ [النجم] قال: قال رسول الله وَّل: رأيت جبريلَ عند سِدْرَة، عليه ست مئة جناح، ينفضُّ من ريشه التهاويل الدُّرّ والياقوت. (١) البخاري ١٧٦/٦، ومسلم ١٠٩/١ . (٢) البخاري ١٧٦/٦، وكان يتعين على المؤلف أن يقول: حدثنا، ولكن هذا من طريقة الذهبي في الكتابة والاختصار. وقبيصة هذا هو ابن عقبة السوائي شيخ البخاري. ٢٠٧ عاصم بن بَهْدَلَة القارىء، ليس بالقوِيّ (١) . وقال مالك بن مِغْوَلٍ، عن الزُّبَير بن عَدِيّ، عن طلحة بن مُصَرِّف، عن مُرَّة الهَمداني، عن ابن مسعود، قال: لمّا أُسْرِي بالنبيِّ بَّرِ فانتهى إلى سِدرةَ المُنتهَى، وهي في السماء السادسة - كذا قال - وإليها ينتهي ما يُصْعَد به، حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَط به من فوقها، حتى يُقبض منها ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ®)﴾ [النجم] قال: غَشِيها فَراشٌ من ذَهَب، وأُعطي رسولُ الله ◌َِّ الصَّلوات الخَمس، وخواتيمَ سُورة البقرة، وغُفِرَ لمن لا يُشْرِك بالله من أُمَتِه المُقْحِمَات (٢). أخرجه مسلم(٣) . وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ (١)﴾ [النجم] قال: رأى رسول الله وَيه جبريلَ عليه حُلّة من رَفْرَفٍ قد ملأ ما بين السماء والأرض. وقال عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة: ﴿وَلَقَدْ [النجم] قال: رأى جبريل عليه السلام. أخرجه (١٣ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى مسلم (٤) . وقال زكريّا بن أبي زائدة، عن ابن أَشْوَع، عن الشَّعبيّ، عن مسروق، قال: قلت لعائشة: فأين قوله تعالى: ﴿وَنَافَتَدَلَّ﴾؟ قالت: إنّما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنّه أتاه في هذه المرّة في صورته التي هي صورته، فسدَّ أُقُقَ السّماء. مُتَفقٌ عليه(٥) . وقال ابن لهيعة: حدثني أبو الأسود، عن عُروَة، عن عائشة، أنَّ (١) كذا قال، والحقُّ أنه ثقة كما حققناه في تعقباتنا على تقريب ابن حجر. (٢) المقحمات: الذنوب العظام. (٣) مسلم ١٠٩/١. (٤) مسلم ١/ ١٠٩. (٥) البخاري ٤ / ١٤٠، ومسلم ١١٠/١ و١١١. ٢٠٨ نبيَّ الله عليه السلام كان أوّلَ شأنِه يرى المنامَ، فكان أوّلُ ما رأى جبريلَ بأجياد، أنّه خرج لبعض حاجته، فصرخ به: يا محمد يا محمد. فنظر يميناً وشمالاً، فلم ير شيئاً، ثمّ نظر، فلم ير شيئاً، فرفع بصره، فإذا هو ثانياً إحدى رِجْلَيه على الأخرى في الأُفُق، فقال: يا محمد جبريل جبريل، يُسَكِّنْهُ، فهرب حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئاً، ثم رجع فنظر فرآه، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (٢١) مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى الله﴾ [النجم]. محمد بن عمرو بن عَلقَمة، عن أبي سَلَمَة، عن ابن عباس ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى ◌ْلَ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنَهَىِ لَ﴾ قال: دنا ربُّه منه فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. قال ابن عباس: قد رآه النبي ◌َّ. إسناده حَسَن. أخبرنا التّاج عبدالخالق، قال: أخبرنا ابن قُدَامة، قال: أخبرنا أبو زُرعة، قال: أخبرنا المقدَّمي، قال: أخبرنا القاسم بن أبي المنذر، قال: حدثنا ابن سَلَمَة، قال: أخبرنا ابن ماجةَ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، قال: حدثنا الحَسَن بن موسى، عن حمّاد بن سَلَمَة، عن عليّ بن زيد، عن أبي الصَّلت، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله وَله ((أتيتُ ليلة أُسْرِي بي على قومٍ، بُطُونهم كالبيوت، فيها الحَيَّات، تُرَى من خارج بطونهم، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أَكَلَةُ الرِّبا)). رواه أحمد في ((مُسنده))(١) عن الحَسَن، وعفّان، عن حمّاد وزاد فيه: رأيت ليلة أُسْرِي بي لمّا انتهينا إلى السماء السابعة. أبو الصَّلت مجهول. أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن المُرْدَاوي، قال: أخبرنا أبو محمد (١) أحمد ٣٦٣/٢. ٢٠٩ عبد الله بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن بن هلال، قال: أخبرنا عبدالله بن عليّ بن زَكْرِي سنة أربع وثمانين وأربع مئة، قال: أخبرنا عليّ بن محمد بن عبدالله، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عَمرو، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال: حدثنا محمد بن عبدالله الأنصاريّ، عن ابن عَوْن، قال: أنبأنا القاسم بن محمد، عن عائشة أنّها قالت: مَنْ زعم أنّ محمداً فََّ رأى ربَّه فقد أعظم الفِرْيَةَ على الله، ولكنّه رأى جبريلَ مرَّتين في صورته وخَلْقه، سادّاً ما بين الأُفُق. أخرجه البخاريّ(١) عن محمد بن عبدالله بن أبي الثّلج، عن الأنصاريّ. قلت: قد اختلف الصَّحابة رضي الله عنهم في رؤية محمدٍ بَّ ربَّه، فأنْكَرَتْها عائشة، وأمّا الروايات عن ابن مسعود، فإنّما فيها تفسير ما في النَّجْم، وليس في قوله ما يدلّ على نفي الرُّؤية لله. وذِكْرُها في الصحيح وغيره. قال يونس، عن ابن شهاب، عن أنّس، قال: كان أبو ذَرّ يحدِّث أنّ رسولَ اللهَ بَّه قال: فُرِج سَقْفُ بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريلُ عليه السلام ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطَسْتٍ من ذهبٍ ممتلىءٍ حكمةً وإيماناً ثم أفرغها (٢) في صدري، ثمَّ أطبقه، ثمّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السّماء الدنيا، فقال لخازنها: افتَحْ، قال: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم محمد. قال: أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم. ففتح، فلمّا عَلَوْنا السَّماءَ الدنيا، إذا رجل عن يمينه أَسْوِدَة، وعن يَساره أَسْوِدَة، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحِك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى، فقال: مرحباً بالنبيِّ الصّالح، والابن الصّالح. قلت: ((يا جبريل مَن (١) البخاري ٤ / ١٤٠. (٢) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((فأقَرَّه)) دلالة على أنها كذلك في رواية أخرى . ٢١٠ هذا؟)). قال: الصّالح، والابن الصّالح. قلت: ((يا جبريل مَن هذا آدم عليه السلام، وهذه الأسوٍدَة نَسَمُ بَنِيه، فأهل اليمين أهل الجنة والتي عن شماله أهل النار. ثمّ عرج بي جبريل حتى أتى السّماءَ الثانية، فقال لخازنها: افتَحْ. فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا، ففتح. قال أنس: فذكر أنّه وجد في السَّموات: آدَمَ، وإدريسَ، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ولم يُثْبِتْ - يعني أبا ذَرّ - كيف منازلُهم، غير أنّه ذكر أنّه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السادسة، فلمّا مرَّ جبريلُ ورسولُ اللهِ وَّه بإدريس، قال: مرحباً بالنبيِّ الصّالح والأخِ الصّالح. قال: ثمّ مرَّ، قلت: مَن هذا؟ قال: إدريس، قال: ثمّ مررْتُ بموسى فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح، والأخ الصالح. قلت: مَن هذا؟ قال: موسى. ثم مررْتُ بعيسى، فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح والأخ الصّالح. قلت: مَن هذا؟ قال: عيسى. ثمّ مررتُ بإبراهيم، فقال: مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصّالح. قلت: مَن هذا؟ قال: إبراهيم. قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبّة (١) (١) في هامش الأصل: ((هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وأبو حبّة بالموحّدة، أَوْسيٌّ شهد بدراً. قال الواقدي (المغازي ١/ ١٦٠): أبو حَنَّةَ بن عمرو بن ثابت، اسمه مالك. وقال محمد بن عبدالله بن نمير: اسمه عامر بن عبد عمرو. وقال ابن إسحاق: قُتل بأحد، وهو أخو سعد بن خيثمة لأمه. وقال أحمد بن البرقي: أبو حبة البدري اسمه ثابت بن النعمان بن امرىء القيس الأوسي. وقال سيف بن عمر فيمن قتل من الأنصار يوم اليمامة: أبو حَبَّة بن غزيَّة بن عمرو. وكذا قال الطبري، وسماه زيداً، ثم ساق نسبه إلى مازن بن النجار وقال: شهد أُحداً. وقال الواقدي: ليس فيمن شهد بدراً أحد يقال له أبو حبة، وإنما هو أبو حنة مالك بن عمرو بن ثابت من بني عمرو بن عوف. وأما أبو حبة بن غزية بن عمرو المازني فلم يشهد بدراً، وكذلك أبو حبة بن عبد عمرو الذي كان مع عليٍّ بصفِّين)). ولمزيد بن التفاصيل انظر المؤتلف للدارقطني ٥٨٢/٢، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٨٠/٣-٠٨٦ ٢١١ الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله وَله: ثمّ عرج بي حتّى ظَهَرْتُ لمستوىّ أسمع فيه صريفَ الأقلام(١) . قال ابن شهاب: قال ابن حزم، وأنَس بن مالك: قال رسول الله وَل ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاةً، قال: فرجعت بذلك حتى أمُرَّ بموسى، فقال: ماذا فرض ربُّك على أُمَّتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. قال موسى: فراجعْ ربَّك فإنّ أُمَّتَك لا تطيقُ ذلك. قال: فراجَعْتُ ربّي، فوضع عنّي شَطْرها، فرجعتُ إلى موسى فأخبرتُه، قال: فراجِعْ ربَّك، فإنّ أُمَّتك لا تطيق ذلك. فراجَعْتُ ربّي فقال: هي خمسٌ وهي خمسون لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لديَّ. فرجعت إلى موسى فقال: ارجِعْ إلى ربّك. فقلت: قد استحْيَيْتُ من ربّي. قال: ثم انطلق بي حتّى أتى سِدْرَةَ المُنْتَهَى، فغشِيَها ألوانٌ لا أدري ما هيَ، قال: ثم دخلتُ الجنَّة، فإذا فيها جنابِذُ(٢) اللُّؤْلُؤْ، وإذا ترابها المِسْك. أخبرنا بهذا الحديث يحيى بن أحمد المقرئ بالإسكندرية، ومحمد ابن حسين الفُوّي بمصر، قالا: أخبرنا محمد بن عماد، قال: أخبرنا عبدالله بن رفاعة، قال: أخبرنا عليّ بن الحسن الشافعيّ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن عمر البزاز، قال: حدثنا أبو الطّاهر أحمد بن محمد بن عَمْرو المَدِيني، قال: حدثنا أبو موسى يونس بن عبدالأعلى الصَّدَفي، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، فذكره. رواه مسلم(٣) عن حَرْمَلَة، عن ابن وهْب. (١) البخاري ٩٧/١ و١٩١/٢٠ و١٦٤/٤، ومسلم ١٠٢/١، وانظر المسند الجامع حديث (١٢٣٥٥). (٢) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((الجنبذ كالقبة)). (٣) مسلم ١/ ١٠٢. ٢١٢ وروى النَّسائي(١) شَطْرَه الثاني من قول ابن شهاب: وأخبرني ابن حزْم أنّ ابن عباس، وأبا حَبَّة، إلى آخره، عن يونس، فوافقناه بعُلُوّ. وقد أخرجه البخاريّ(٢) من حديث اللَّيْث، عن يونس وتابَعَه عُقيل، عن الزُّهْرِي. وقال همَّام: سمعت قَتَادة يحدّث، عن أنس، أنّ مالك بن صَعْصَعَة حدّثه، أنَّ نبيَّ الله وَّرَ حدَّثهم عن ليلة أُسْرِي به، قال: بينما أنا في الحَطِيم - وربَّما قال قَتَادة في الحِجْر - مضطجِعاً إذ أتاني آتٍ - فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة قال: فأتاني وقد سمعت قَتَادة يقول - فشقّ ما بين هذه إلى هذه، قال قَتَادةَ: قلت لجارود، وهو إلى جنْبي: ما يعني؟ قال: من ثُغْرَة نحره إلى شِعْرَتِهِ(٣) ؟ قال: فاستخرج قلبي، ثمّ أُتِيتُ بطَسْتٍ من ذهب مملوءٍ إيماناً، فغُسل قلبي، ثمّ حُشيَ، ثمّ أُعيد، ثم أُتِيتُ بدابّة دون البغل، وفوق الحمار أبيض - فقال له الجارود: هو البُراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم - يضع خَطْوه عند أقصى طَرفه، فحُمِلْتُ عليه، فانطلق بي جبريلُ حتى أتى السماءَ الدنيا، فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: نعم. قال: مرحباً به ونِعْم المجيء جاء. ففتح له، فلمّا خَلَصْتُ فإذا آدم فيها، فقال: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه، فسلّمتُ عليه. فردّ السلامَ، ثمّ قال: مرحباً بالابن الصّالح، والنبي الصّالح، ثمّ صعد حتى أتى السماءَ الثانية، فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال جبريل: قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً (١) النسائي ١/ ٢١٧. (٢) البخاري ١/ ٩٧ و٤ /١٦٤. (٣) كتب المؤلف بخطه على هامش الأصل ((خ سُرَّته)) أي: في نسخة أخرى كذلك . ٢١٣ الصّالح والنبي الصّالح. ثم صَعِد حتى أتى السماءَ الرابعة فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمددَلـ قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ونِعمَ المجيء جاء. قال: ففتح، فلمّا خَلَصْتُ فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلِّم عليه، فسلّمت وردّ، ثمّ قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتّى أتى السماءَ الخامسة، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ونِعمَ المجيء جاء. قال: ففتح، فلمّا خَلَصتُ فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلِّمْ عليه، فسلّمْتُ عليه، فردّ السلامَ، ثمّ قال: مرحباً بالأخ الصّالح والنبي الصالح. ثم صعِد حتّى أتى السماءَ السادسة، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ونِعمَ المجيء جاء. قال: ففتح، فلمّا خَلَصتُ فإذا موسى عليه السلام، قال: هذا موسى فسلِّمْ عليه، فسلَّمتُ عليه، فردّ السلامَ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلمّا جاوزتُ بكى، فقيل له: ما يُيبكيك؟ قال: أبكي لأنّه غلام بُعِث بعدي يدخل الجنّة من أُمَّته أكثر ممّن يدخلها من أُمَّتي. ثم صَعِد حتّى أتى السماءَ السابعة، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. فقال: مرحباً به ونِعْمَ المجيء جاء. ففتح، فلمّا خَلَصتُ فإذا إبراهيم عليه السلام، قال: هذا إبراهيم فسلّم عليه. فسلّمتُ عليه، فردّ، وقال: مرحباً بالابن الصّالح والنبي الصّالح. ثم رُفِعت إلى سِدْرَةُ المُنْتَهى. فإذا نبقها مثل قِلال هَجَر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى. وإذا أربعةُ أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أمّا الباطنان فنهران في ٢١٤ الجنّة، وأمّا الظاهران فالنّل والفُرات. ثمّ رُفع (١) البيت المعمور، ثم أُتَيتُ بإناءٍ من لبن، وإناءٍ من عَسَل، فأخذت اللبن. فقال: هذه الفِطرة أنت عليها وأُمَّتُك. قال: ثمّ فُرِضَتْ عليَّ الصّلاة، خمسون صلاةً في كلّ يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قلت: بخمسين صلاة في كلّ يوم. قال: إنّ أُمّتك لا تستطيع ذلك، فإنّي قد خَبَرتُ النّاسَ قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجِعْ إلى ربّك فَسَلْهُ التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أُمرتَ؟ قلت: بأربعين صلاة كل يوم. قال: إنَّ أمتك لا تستطيعها فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجعت فوضع عني عشراً أُخَر، ثم رجعت إلى موسى فذكر الحديث إلى أن قال: إن أمتك لا تستطيع بخمس صلوات كل يوم، وإني خبرت الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قلت: قد سألت ربّ حتى استَحْيَيْتُ، ولكنْ أرضَى وأسلِّم. فلمّا نَفَرْتُ ناداني مُنادٍ : قد أمضيتُ فريضتي وخفَّفْتُ عن عبادي. أخرجه البخاريّ، عن هُدبة عنه(٢) . وقال معاذ بن هشام: حدثني أبي، عن قَتَادة، قال: حدثنا أنس، عن مالك بن صَعْصَعَة، أنّ رسول الله بَّه قال، فذكر نحوه، وزاد فيه: فُتِيتُ بطَسْتٍ من ذهب ممتلىءٍ حكمةً وإيماناً، فشقّ من النَّحر إلى مَرَاقٌ البطن، فغُسِل بماء زمزم، ثمّ مُلىء حكمةً وإيماناً. أخرجه مسلم بُطُوله(٣). (١) هكذا بخط المؤلف، وفي صحيح البخاري: رُفع لي. (٢) البخاري ١٣٣/٤ و١٨٥ و١٩٩ و٦٦/٥، ومسلم ١٠٣/١. (٣) مسلم ١٠٤/١ . ٢١٥ وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن أنس، عن مالك بن صَعْصَعَة، عن النبيِ وَّرِ قال: بينما أنا عند البيت، بين النائم واليَقْظان، إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجُلين. قال: فأُتِيتُ فانطلق بي، ثمّ أُتِيتُ بطَسْتٍ من ذهبٍ فيه من ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا. قال قَتَادة: قلت لصاحبي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، فاستخرج قلبي فغُسِل بماء زمزم، ثمّ أُعيد مكانه، وحُشي، أو قال: كُنِزَ إيماناً وحكمةً - شكّ سعيد - ثم أُتِيتُ بدابّةٍ أبيض يقال له البُراق، فوق الحمار ودون البغل، يقع خَطْوُهُ عند أقصى طَرْفه، فَحُمِلْتُ عليه ومعي صاحبي لا يفارقني، فانطلقنا حتى أتينا السماءَ الدنيا. وساق الحديثَ كحديث هَمَّام، إلى قوله: البيت المعمور، فزاد: ((يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلَك، حتّى إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما علیھم)). قلت: وهذه زيادة رواها هَمَّام في حديثه، وهو أتقنُ من ابن أبي عَرُوبة، فقال: قال قَتَادة، فحدّثنا الحَسَن، عن أبي هُرَيرة أنّه رأى البيت يدخله كلّ يومٍ سبعون ألف مَلَك، ثم لا يعودون إليه. ثم رجع إلى حديث أنس، وفي حديث ابن أبي عَرُوبة: ((في سِدرَةِ المُنْتَهَى)) إنّ وَرَقها مثل آذان الفِيَلَة، ولفظه: ثمّ أُتِيت على موسى فقال: بمَ أُمِرْتَ؟ قلت: بخمسين صلاةً، قال: إنّي قد بلوتُ النَّاسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدّ المعالجة وإنّ أُمَّتك لا يطيقون ذلك، فارجِعْ إلى ربّك فَسَلْهُ التخفيف لأُمَّتك. فرجعتُ، فَحَطَ عنّي خمسَ صلواتٍ، فما زلت أختلف بين ربّ وبين موسى كلّما أتيت عليه، قال لي مثل مقالته، حتّى رجعت بخمس صلوات، كلّ يوم، فلمّا أتيت على موسى قال كمقالته، قلت: لقد رجعت إلى ربّ حتى استَحْيَيْتُ، ولكن أَرْضَى وأسلِّم. فنُودِيتُ أنْ: قد أمضيتُ فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، وجعلت بكلّ ٢١٦ حسنةٍ عشر أمثالها. أخرجه مسلم(١) . وقد رواه ثابت البُناني، وشَريك بن أبي نَمِر، عن أنَس(٢) ، فلم يُسْنِدْه لهما، لا عن أبي ذَرّ، ولا عن مالك بن صَعصَعَة، ولا بأس بمثل ذلك، فإنَّ مُرْسَل الصّحابيّ حُجَّة . قال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنَس، أنّ رسول الله وَ لَّه قال: أُتِيتُ بالبُراق، وهو دابّة أبيض، فركِبْتُهُ حتى أتينا بيتَ المقدس، فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثمّ دخلت فصلَّيتُ، فأتاني بإناءين خمرٍ ولَبَنٍ، فاخترت اللَّبِنَ، فقال: أصبتَ الفِطرة. ثم عُرِج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: مَن أنت؟ قال: أنا جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد ارْسِل إليه؟ قال: قد أُرْسِل، ففُتِح لنا، فإذا بآدم . فذكر الحديث، وفيه: فإذا بيوسف، وإذا هو قد أُعطي شَطْر الحُسن، فرحَّب بي ودعا لي بخير، إلى أن قال لما فُتِح له السماء السابعة: فإذا بإبراهيم عليه السلام، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، فرحّب بي، ودعا لي بخير، فإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلَكِ لا يعودون إليه، ثمّ ذهب بي إلى سِدْرَة المُنْتَهَى، فإذا وَرَقُها كآذان الفِيَلَة، وإذا ثمرها كالقِلال، قال: فلمّا غَشِيها من أمر الله ما غَشِيَ تغيَّرَتْ. فما أحدٌ من خَلْقِ الله يستطيع أن ينعتها من حُسْنِها، قال: فدنا فتدلّى وأوحى إلى عبده ما أوحى، وفُرِضَ عليّ في كلّ يومٍ خمسون صلاة، فنزلتُ حتى انتهيت إلى موسى، قال: ما فرض ربُّك على أُمَّتِك؟ قلت: خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة. قال: ارجِعْ إلى ربّك فاسأله التخفيف، فإنّ أُمَّتَك لا تطيق ذلك، فإنّي قد بَلَوْت بني إسرائيل وجرَّبتهم وخَبِرْتُهُم. (١) مسلم ١/ ١٠٤. (٢) مسلم ١ / ٩٩ . 4 ٢١٧ قال: فرجعت فقلت: أي ربِّ خفّفْ عن أُمَتي. فحطَّ عنّي خمساً، فرجعتُ حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فعلتَ؟ قلت: قد حطّ عنّي خمساً، فقال: إنّ أُمَّتَك لا تطيق ذلك، إرجِعْ إلى ربّك فَسَلْه التخفيف لُأُمَّتك. فلم أزل أرجِعْ بين ربّ وبين موسى حتى قال: هي خمسُ صلواتٍ في كلّ يومٍ وليلة، بكلّ صلاةٍ عَشْر، فذلك خمسون صلاة. أخرجه مسلم(١) دون قوله: فدنا فتدلّى، وذلك ثابت في رواية حَجّاج بن مِنْهال، وهو ثَبْتٌّ في حمّاد بن سَلَمَة . وقال سليمان بن بلال، عن شَريك بن عبدالله بن أبي نَمِر، قال: سمعت أنَساً يقول، وذكر حديث الإسراء، وفيه: ثم عرج به إلى السماء السابعة، ثمّ علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلّ الله، حتى جاء سِدْرَة المُنْتَهَى، ودنا الجبّار ربّ العِزّة، فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. أخرجه البخاريّ(٢)، عن عبدالعزيز بن عبدالله، عن سليمان. وقال شَيْبان، عن قَتَادة، عن أبي العالية، قال: حدثنا ابن عباس، قال: قال نبيُّ الله وَّه: رأيت ليلة أُسْرِي بي موسى عليه السلام رجلاً طُوالاً جَعْداً، كأنّه من رجال شَئُوءَة، ورأيت عيسى مربوع الخَلْق إلى الحُمْرة والبياض سَبِط الرأس، قال: وأُري مالكاً خازن النّار والدّجّال في ﴾ [السجدة]. (٢٣ ) آياتٍ أراهنّ الله إياه قال: ﴿فَلَا تَكُنْ فِ مِرْيَةٍ مِّن لِقَابِ. فكان قَتَادة يفسّرها أنَّ نبيَّ الله وَّه قد لقي موسى. أخرجه مسلم(٣). وفي الصحيحين(٤) ، من حديث سعيد بن المسيّب، عن أبي هُرَيرة، قال: قال النبي وَِّ حين أُسْرِي به: لِقِيت موسى وعيسى - ثم (١) مسلم ١ / ٩٩. (٢) البخاري ٢٣٢/٤ و٩/ ١٨٢-١٨٤ . (٣) مسلم ١/ ١٠٥. (٤) البخاري ١٨٦/٤ و١٠٤/٦ و١٣٥/٧ و١٤٠، ومسلم ١ /١٠٦ . ٢١٨ نَعَتَهُما - ورأيت إبراهيم، وأنا أَشْبَهُ وَلَدِه به . وقال مروان بن معاوية الفِزارِيّ، عن قَنان النِّهميّ، قال: حدثنا أبو ظَبيان الجَنْبِي، قال: كنّا جُلُوساً عند أبي عُبَيدة بن عبدالله ومحمد بن سعد بن أبي وقّاص، فقال محمد لأبي عُبَيدة: حدّثنا عن أبيك ليلة أُسْرِي برسول الله ◌ِّ. فقال أبو عُبيدة: لا، بل حدِّثنا أنتَ عن أبيك. قال: لو سألتَني قبل أن أسألك لفعلتُ. فأنشأ أبو عُبَيدة يحدّث، قال: قال رسول الله وَّ: أتاني جبريل بدابّةٍ فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه، فانطلق يهوي بنا، كلّما صَعِد عقبةً استوتْ رِجْلاه مع يديه، وإذا هبط استَوَتْ يداه مع رِجْلَيه، حتى مَرَرْنا برجلٍ طَوَالٍ سَبِطٍ آدم، كأنّه من رجال أزْدِ شَنُوءَة، وهو يقول ويرفع صوته ويقول: أكرمته وفَضّلته، فدفعنا إليه، فسلَّمْنا، فردّ السلام، فقال: مَن هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد. قال: مرحباً بالنبي الأميّ الذي بَلَّغ رسالَة رِبِّه ونصح لأُمَّته. قال: ثم اندفعنا، فقلت: مَن هذا يا جبريل؟ قال: موسى. قلت: ومَن يعاتب؟ قال: يُعاتبُ رَبَّهُ فيك. قلت: ويرفع صوته على ربّه! قال: إنّ الله قد عرف له حِدَّتَه. قال: ثم اندفعنا حتّى مَرَرْنا بشجرةٍ كأنّ ثمرها السّرْج وتحتها شيخ وعياله، فقال لي جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فسلَّمْنا عليه فردّ السلام، وقال: مَن هذا معك يا جبريل؟ قال: ابنك أحمد. فقال: مرحباً بالنبي الأُمّي الذي بلّغ رسالة ربّه ونصح لأُمّته، يا بُنَّيَّ إنّك لاقٍ ربَّك الليلة، فإن استطعتَ أن تكون حاجتك أو جُلّها في أُمَّتِك فافعَلْ. قال: ثمّ اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطْتُ الدّابَّة بالحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثمّ دخلت المسجد فعرفت النّبيّن ما بين قائم وراكعٍ وساجدٍ، ثم أَتِيتُ بكأسين من عسلٍ ولبنٍ، فأخذت اللّن فشربته، فضرب جبريل منكبي، وقال: أصبتَ الفِطرة ورَبّ محمد. ثم ٢١٩ أُقيمت الصّلاة، فأممتهم، ثمّ انصرفنا فأقبلنا ... هذا حديث حسن غريب . فإن قيل: فقد صحّ عن ثابت، وسُليمان التَّيْمِيّ، عن أنس بن مالك أنّ رسول الله وَّه قال: أتيت على موسى ليلة أُسرِي بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلّي في قبره، وقد صحّ عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة أنّ رسول الله مَّه قال: ((رأيتُني في جماعةٍ من الأنبياء، فإذا موسى يصلّي، وذكر إبراهيم، وعيسى قال: فحانت الصّلاة فَأَمَمْتُهُم)). ومن حديث ابن المسيّب أنّه لِقِيَهم في بيت المقدس، فكيف الجمع بين هذه الأحاديث وبين ما تقدّم، من أنّه رأى هؤلاء الأنبياء في السموات، وأنّه راجَعَ موسی؟ فالجواب: أنّهم مُثِّلُوا له، فرآهم غير مرّةٍ، فرأى موسى في مسيره قائماً يصلّي في قبره، ثم رآه ببيت المقدس، ثمّ رآه في السماء السادسة هو وغيره، فعُرِج بهم، كما عُرِج بنبيّنا صلوات الله على الجميع وسلامه، والأنبياء أحياء عند ربّهم كحياة الشُّهداء عند ربّهم، وليست حياتُهم كحياة أهل الدنيا، ولا حياة أهل الآخرة، بل لون آخر، كما ورد أنّ حياة الشهداء بأنْ جعل الله أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ، تسرح في الجنّة وتأوي إلى قناديل معلّقة تحت العرش، فهم أحياء عند ربّهم بهذا الاعتبار كما أخبر سبحانه وتعالى، وأجسادهم في قبورهم .. وهذه الأشياء أكبر من عقول البشر، والإيمان بها واجب(١) كما قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة]. أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله، قال: أخبرنا أبو رَوْحِ عبدالمعزّ ابن محمد كتابةً، أنّ تميم بن أبي سعيد الجُرْجانيّ أخبرهم، قال: أخبرنا (١) هذا هو كلام العقلاء، والذهبي بحمد الله منهم. ٢٢٠