النص المفهرس

صفحات 181-200

وهو من بني عامر بن لُؤَّيّ - في رجالٍ من أشرافهم: نحن بُراء ممّا في
هذه الصّحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قُضِي بِلَيل.
وذكر نحو هذه القصّة ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروَة.
وذكر ابن إسحاق(١) نحواً من هذا، وقال: حدثني حسين بن
عبد الله أنّ أبا لهب - يعني حين فارق قومه من الشِّعْب - لقي هنداً بنت
عُتبة بن ربيعة، فقال لها: هل نَصَرتِ اللّتَ والعُزَّى وفارَقتِ مَن
فارقها؟ قالت: نعم فجزاك الله خيراً أبا عتبة .
وأقام بنو هاشم سنتين أو ثلاثاً حتى جهدوا، لا يصل إليهم شيء إلا
سرّاً مستخفىّ به. وقد كان أبو جهل فيما يذكرون لَقِيَ حكيم بن حزام بِّ
خويلد، ومعه غلام يحمل قمحاً، يريد به عمته خديجة رضي الله عنها،
وهي في الشعب فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم، والله
لا تبرح أنتَ وطعامك حتى أفضحكَ بمكة. فجاءه أبو البَختَريّ بن
هشام، فقال: ما لَكَ وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم! قال:
طعام كان لعمّته عنده أفَتَمنعه أن يأتيها بطعامها، خَلِّ سبيلَ الرّجل. فأبى
أبو جهل حتى نال أحدُهما من صاحبه، فأخذ له أبو البَختَرِيّ لَحِيَ بَعِيرٍ،
فضربه فشجّه ووطِئه وطئاً شديداً، وحمزة يرى ذلك، يكرهون أن يبلغ
ذلك رسولَ الله وَله وأصحابه، فيشمتوا بهم، قال: ورسول الله وَ ال على
ذلك يدعو قومه ليلاً ونهاراً، سرّاً وجَهراً.
وقال موسى بن عُقبة: فلمّا أفسد الله الصحيفة، خرج رسول الله وَل
(٢)
ورهطه، فعاشوا وخالطوا الناس"
(١) ابن هشام ٣٥١/١.
(٢) كتب صلاح الدين الصفدي بلاغاً على هامش نسخة المؤلف يفيد قراءته عليه
نصه: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك في الميعاد الرابع على مؤلفه)).
١٨١

ـاب
إنّا كفيناكَ المُستهزِئِينَ
قال الثَّوري، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن
عباس في قول الله عَزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ (١٥)﴾ [الحجر]
قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزُّهري،
وأبو زَمعة الأسود بن المطلب من بني أسد بن عبدالعُزَّى، والحارث بن
عَيْطَلِ السَّهميّ، والعاص بن وائل، فأتاه جبريلُ فشكاهم النبيُّ بَّهَ إليه،
فأراه الوليدَ، وأومأ جبريل إلى أبجله(١) فقال: ما صنعتَ؟ قال: كُفِيتَه.
ثم أراه الأسود، فأومأ جبريل إلى عينيه، فقال: ما صنعت؟ قال:
كُفِيتَه. ثم أراه أبا زَمْعَة، فأومأ إلى رأسه، فقال: ما صنعت؟ قال:
كُفِيته. ثم أراه الحارث، فأومأ إلى رأسه أو بطنه، وقال: كُفِيته. ومَرَّ به
العاص فأومأ إلى أخمصه، وقال: كُفِيته. فأمّا الوليد، فمرّ برجلٍ من
خُزاعة، وهو يريش نَبلا له فأصاب أبْجَلَهُ فقطعها، وأمّا الأسود فعميَ،
وأمّا ابن عبد يَغُوث فخرج في رأسه قُرُوحٌ فمات منها، وأمّا الحارث
فأخذه الماء الأصفر في بطنه، حتى خرج خُرؤه من فِيهِ فماتَ منها، وأمّا
العاص فدخل في رأسه شِبْرقة(٢)، حتى امتلأت فمات منها، وقال
(١) الأبجل: عرق في باطن الذراع، وقيل: هو عرق غليظ في الرِّجلِ فيما بين
العصب والعظم.
(٢) نبتٌ حجازي له شوك.
١٨٢

غيره: إنّه ركب إلى الطّائف حماراً فربظ به على شوكة، فدخلت في
أخمصه فمات منها. حديث صحيح(١) .
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣١٦/٢ .
١٨٣

دُعاءُ رسول الله وَلِ على قريش بالسَّنَة
قال الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال: بينما رجل
يُحَدِّثُ في المسجد، إذ قال فيما يقول: يوم تأتي السّماءُ بدُخَانٍ مبين،
قال: دخانٌ يكونُ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقينَ وأبصارهم،
ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزُّكمَة، فقمنا فدخلنا على عبدالله بن مسعود
فأخبرناه، فقال: أيُّها الناس مَنْ علم منكم عِلماً فليقُل به، ومَنْ لم يعلمْ
فليقُل: الله أعلم، فإنَّ من العلم أنْ يقول العالمُ لِمَا لا يعلم اللهُ أعلمُ،
﴾ [صّ].
قال الله لرسوله: ﴿قُلّ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُكَلِّفِينَ
وسأحدثكم عن الدُّخان: إنّ قريشاً لمّا استعصت على رسول الله وَل
وأبطَؤُوا عن الإسلام قال: ((اللَّهُمَّ أعِنّي عليهم بسبع كَسَبع يوسف))،
فأصابتهم سَنَةٌ فحصَّت كلَّ شيءٍ حتى أكلوا الجِيَفَ والمَيتَةَ، حتى إنّ
أحدهم كان يرى ما بينه وبين السّماء كهيئة الدُّخان من الجوع، ثم دَعَوا
(١٢))
فكشف عنهم، يعني قولهم: ﴿رَّبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
[الدخان]. ثم قرأ عبدالله: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَلَِّدُونَ
١٥
[الدخان] قال: فعادوا فكفروا فأُخِّرُوا إلى يوم بدر ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ
ج)﴾ [الدخان]. قال عبدالله: يوم بدر فانتقم منهم. مُتفق
الكبرى
(١)
عليه(١).
وقال عليّ بن ثابت الدّهّان - وقد تُؤُفِّي سنة تسع عشرة ومئتين:
أخبرنا أسباط بن نصر، عن منصور، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن
(١) البخاري ٣٣/٢ و٣٧ و٩٦/٦ و١٣٩ و١٥٦ و١٦٥ و١٦٦، ومسلم
١٣٠/٨ و١٣١.
١٨٤

عبدالله، قال: لما رأى رسولُ اللهِوَلّ من الناس إدباراً قال: ((اللَّهُمَّ سبعٌ
كسبع يوسف)) فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه
أبو سُفيان وغيره، فقال: إنَّكَ تزعم أنّك بُعِثتَ رحمةً، وإنّ قومك قد
هلكوا، فادعُ الله لهم، فدعا فسُقُوا الغيث.
قال ابن مسعود: مضت آية الدُّخَان، وهو الجوع الذي أصابهم،
وآية الرُّوم، والبطشةُ الكبرى، وانشقاق القمر.
وأخرجا من حديث الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال
عبد الله: خمسٌ قد مَضَين: اللّزام(١) ، والروم، والدخان، والقمر،
والبطشَة(٢) .
وقال أيّوب وغيره، عن عِكرِمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو
سفيان إلى رسول الله وَّ يستغيث من الجوع، لأنهم لم يجدوا شيئاً،
حتى أكلوا العِلهز(٣) بالدم، فنزلت: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم ◌ِلْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُواْ
لِرَيْهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ ﴾﴾ [المؤمنون].
(١) المراد به قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ثَ﴾ [الفرقان]، أي: يكون
عذابهم لازماً.
(٢) البخاري ١٦٤/٦ و١٦٦، ومسلم ١٣١/٨.
(٣) كتب المؤلف في حاشية نسخته: ((هو الوبر)). أي: يخلطون الدم بأوبار الإبل
ويشوونه ويأكلونه في سني المجاعة.
١٨٥

ذكرُ الرُّوم
وقال أبو إسحاق الفزاريُّ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عَمرة،
عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون يحبُّونَ أنْ
تظهرَ الرُّوم على فارس، لأنّهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبّون أن
تظهر فارس على الروم، لأنّهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي
بكر، فذكره للنبي وَّر، فقال: ((أما إنّهم سيظهرون))، فذكر أبو بكر لهم
ذلك، فقالوا: اجعل بيننا وبينكم أجلاً، فجعل بينهم أجلَ خمس سنين
فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله وَ له، فقال: ((ألا جعلتهُ -
أُراه قال - دون العشرة))، قال: فظهرت الروم بعد ذلك. فذلك قولُه
تعالى: ﴿عُلِبَتِ الزُّوُ جَا فِ أَدْنَ اْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (ج) فِ
يِضْعِ سِنِينَ ﴾﴾ [الروم].
قال سُفيان الثَّوري: وسمعت أنّهم ظهروا يوم بدر.
وقال الحسين بن الحسن بن عطيّة العَوفي: حدثني أبي، عن جدّي،
عن ابن عباس: ﴿الَّمَّجَ عُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ [الروم] قال: قد مضى ذلك
وغَلَبَتهم فارس، ثم غلبتهم الروم بعد ذلك، ولقي نبيُّ اللّه ◌َل مشركي
العرب، والتقت الروم وفارس، فنصر الله النبي ◌ُّلّر على المشركين،
ونُصِر الرُّوم على مُشرِكي العجم، ففرح المؤمنون بنصرِ الله إيّاهم،
ونصرِ أهل الكتاب.
قال عطيّة: فسألت أبا سعيدِ الخُدرِيّ عن ذلك، فقال: التقينا مع
رسول الله * نحن ومشركو العرب، والتقت الروم وفارس، فَنَصَرَنَا الله
١٨٦

على المشركين، ونصر الله أهلَ الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصرنا
ونصرهم(١) .
وقال اللَّيث: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عُبَيد الله
ابن عبد الله بن عُتبة، قال: لمّا نزلت هاتان الآيتان - يعني أوّل الرُّوم -
ناحَب أبو بكر بعض المشركين - يعني راهن قبل أن يُحَرَّم القِمار - على
شيءٍ، إنْ لم تُغلَب فارس في سبع سِنين، فقال رسول الله وَّ: ((لِمَ
فعلتَ، فكُلّ ما دون العشر بِضعٌ))، فكان ظهور فارس على الروم في
سبع سنين، فقال رسول الله وَّر: لم فعلتَ، فكان ظهور فارس على
الروم في تسع سنين، ثم أظهر الله الرومَ عليهم زمن الحُدَيبية، ففرح
بذلك المسلمون (٢) .
وقال ابن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة ﴿فِيَ أَدْنَى اْأَرْضِ لْ﴾ [الروم] قال:
غَلَبَهم أهلُ فارس على أدنى الشام، قال: فصدَّق المسلمون ربَّهم،
وعرفوا أنّ الروم سيظهرون بعدُ، فاقتمر هم والمشركون على خمس
قلائص، وأجَّلُوا بينهم خمسَ سنين، فولي قمارَ المسلمين أبو بكر،
وولي قمارَ المشركين أُبِّيّ بن خَلَف، وذلك قبل أن يُنْهَى عن القمار،
فجاء الأجَلُ، ولم تظهر الروم، فسأل المشركون قمارهم، فقال رسول
اللهَ بَّ: ((ألم تكونوا أحِقّاء أن تؤجِّلوا أجلاً دون العَشر، فإنّ البِضع ما
بين الثلاث إلى العَشر، فزايدُوهم ومَادُّوهم في الأجَل)» ففعلوا، فأظهر
الله الرومَ عند رأس السبع من قمارهم الأوّل، وكان ذلك مَرجِعَهُم من
الحديبية، وفرح المسلمون بذلك.
(١) الحسن بن عطية العوفي وأبوه عطية ضعيفان. وأخرجه الترمذي من طريق
عطية عن أبي سعيد (٢٩٣٥) و(٣١٩٢). وقال: حسن غريب.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣٢٢/٢، وأخرجه الترمذي (٣١٩١)، عن
عبيدالله، عن ابن عباس، واستغربه من هذا الوجه .
١٨٧

وقال الوليد بن مسلم: حدثنا أُسَيْد الكلابيُّ، أنّه سمع العلاء بن
الزُّبَير الكلابي يحدث عن أبيه، قال: رأيت غَلَبَة فارس الرومَ، ثم رأيت
غَلَبَة الرومِ فارسَ، ثم رأيت غَلَبَة المسلمين فارسَ والرومَ، وظهورهم
على الشام والعراق، كلُّ ذلك في خمس عشرَةَ سنة .
١٨٨

ثُمَّ تُؤُفي عَمُّه أبو طالب وزوجتُه خديجة
يقال في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوَنَ عَنْهُ وَيَنْقَوْنَ عَنْهُ وَإِنِ يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ
﴾ [الأنعام]. أنّها نزلت في أبي طالب ونزل فيه: ﴿إِنَّكَ لَا
٢٦
تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ لـ
﴾ [القصص].
(٥٦)
قال سفيان الثَّوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمّن سمع ابن عباس
يقول في قوله تعالى: ﴿ وَهُمّ يَنْهَوّنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت في أبي طالب، كان
يَنْهَى المشركين أن يُؤْذوا رسولَ الله ◌َّهِ وَينَأَى عنه.
ورواه حمزة الزَّيَّات، عن حبيب، فقال: عن سعيد بن جُبَير، عن
ابن عباس .
وقال مَعمَر، عن الزُّهرِيّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال:
لما حَضَرَت أبا طالب الوفاةُ دخل عليه النبيِ وَلَّ فوجد عنده أبا جهل،
وعبدالله بن أبي أُمَيَّة بن المُغيرة، فقال له النبي ◌ََّ ((يا عمّ قُل لا إله إلّ
الله أُحاجّ لك بها عند الله)). فقالا: أيْ أبا طالب، أَتَرغَبُ عن مِلَّة عبد
المطلب! قال: فكان آخر كلمةٍ أنْ قال: على مِلّة عبد المطلب، فقال
رسول الله وَّ ((لأستغفِرَنَّ لك ما لم أُنَّهَ عنك))، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِ كِينَ الْلَا﴾ [التوبة] الآيتين، ونزلت:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ أ
﴾ [القصص]. أخرجه مسلم(١).
وللبخاري مثله من حديث شُعيب بن أبي حمزة (٢).
(١) مسلم ١/ ٤٠، وانظر المسند الجامع حديث (١١٤٣٢).
(٢) البخاري ٦٥/٥-٦٦ و٨٧/٦ و١٤١ و١٧٣/٨.
١٨٩

وقد حكى عن أبي طالب، واسمه عبد مَناف، ابنُه عليّ، وأبو رافع
مولى النبي ◌َلچر .
ابن عَون، عن عَمرو بن سعيد، أنّ أبا طالب، قال: كنت بذي
المجاز مع ابن أخي، فعطِشتُ، فَشَكَوتُ إليه، فأهوى بعَقِه إلى
الأرض، فنبع الماء فشربتُ.
وعن بعض التابعين، قال: لم يكن أحد يسود في الجاهلية إلّ
بمالٍ، إلّ أبو طالب وعُتبة بن ربيعة.
قلت: ولأبي طالب شِعرٌ جيّد مُدَوَّنٌ في السيرة وغيرها.
وفي «مسند أحمد))(١) من حديث يحيى بن سَلَمَة بن كُهَيل، عن
أبيه، عن حَبَّة العُرَنيّ، قال: رأيت عَلِيّاً ضحك على المنبر حتى بدت
نواجذُه، ثم ذكر قول أبي طالب، ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله
وَل ﴿ نصلّي ببطن نخلة فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله
وَّه إلى الإسلام فقال: ما بالذي تصنعان من بأس، ولكنْ واللهِ لا تَعْلُوني
استي أبداً، فضحكتُ تعجُّباً من قول أبي.
وروى معتمر بن سليمان، عن أبيه أنّ قريشاً أظهروا لبني
عبدالمطلب العداوةَ والشَّتمَ، فجمع أبو طالب رهطَه، فقاموا بين أستار
الكعبة يدعون الله على مَنْ ظلمهم، وقال أبو طالب: إنْ أبَى قومُنا إلّ
البغيَ علينا فعجِّلْ نصرَنا، وحُلْ بينهم، وبين الذي يريدون من قتل ابن
أخي، ثم دخل بآلِهِ الشِّعْبَ.
ابن إسحاق(٢) : حدثني العباس بن عبدالله بن مَعْبَد، عن بعض
أهله، عن ابن عباس، قال: لمّا أتى النبيُّ وََّ أبا طالب قال: أيْ عمّ،
(١) أحمد ٩٩/١.
(٢) ابن هشام ١ / ٤١٧-٤١٨.
١٩٠

قلْ لا إله إلّ الله أستحلُّ لكَ بها الشفاعة. قال: يا ابن أخي، والله لولا
أنْ تكون سُبَّة على أهل بيتك، يرون أنّي قُلتُها جَزَعاً من الموت، لقُلتُها،
لا أقولها إلّ لأسُرَّكَ بها، فلمّا ثقُل أبو طالب رؤيَ يحرّك شفتِيه، فأصغى
إليه أخوه العباس ثم رفع عنه فقال: يا رسول الله قَدْ واللهِ قالها، فقال
رسول الله قال: ((لم أسمع)).
قلت: هذا لايصحّ، ولو كان سمعه العباسُ يقولها لما سألَ النبيَّ
وَل﴿ وقال: هل نَفْعت عمَّكَ بشيءٍ، ولَمَا قال عليٌّ بعد موته: يا رسول
الله إنَّ عَمَّكَ الشيخ الضّالَّ قد مات. صحّ أنَّ عمرو بن دِينار روى عن
أبي سعيد بن رافع، قال: سألت ابن عمر: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ
[القصص] نزلت في أبي طالب؟ قال: نعم.
زيد بن الحُبَاب، قال: حدثنا حمّاد، عن ثابت، عن إسحاق بن
عبدالله بن الحارث، عن العباس، أنّه سأل النبي ◌َّ ما ترجو لأبي
طالب؟ قال: ((كلّ الخير من ربِّي)).
أيّوب، عن ابن سيرين، قال: لما احتضر أبو طالب دعا النبي
صَلى الله
وَئِيّلاً
فقال: يا ابن أخي إذا أنا متُّ فَأْتِ أخوالَكَ من بني النّجّار، فإنّهم أمنع
الناس لما في بيوتهم.
قال عُروَة بن الزُّبَير: قال رسول الله بَّ: ما زالت قريش كاعَّةً عنّي
حتّى مات عمّي .
كاعّة: جمْع كائع، وهو الجبان، يقال: كَعّ: إذا جَبُن وانقبض.
وقال يزيد بن كيسان: حدثني أبو حازم، عن أبي هُرَيرة، قال: قال
رسول الله وَّ لعمّه: ((قُلْ لا إله إلّ الله أشهد لك بها يوم القيامة)) فقال:
لولا أنْ تعيّرني قريش، يقولون: إنّما حمله عليه الجَزَع لأقررتُ بها
عينَكَ. فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ (٥)﴾ الآية. أخرجه
١٩١

مسلم (١) .
وقال أبو عَوَانة، عن عبدالملك بن عُمير، عن عبدالله بن الحارث
بن نوفل، عن العباس أنّه قال: يا رسولَ الله هل نفعتَ أبا طالب بشيءٍ،
فإنّه كان يَحُوطك ويغضب لك؟ قال: ((نعم. هو في ضَحضاحٍ من النار،
ولولا أنا لَكَان في الدَّرك الأسفل من النار)). أخرجاه(٢) . وكذلك رواه
السُّفيانان، عن عبدالملك.
وقال اللَّيث، عن ابن الهاد، عن عبدالله بن خَبَّاب، عن أبي سعيد
الخُدرِيّ، أنّه سمع رسولَ الله ◌َِالَ: يقول - وذُكِر عنده عقُّه أبو طالب
فقال -: ((لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحضَاحِ من النار
يبلغ كعبَيَه يغلي منه دماغُه)). أخرجاه(٣).
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابن عباس،
أنّ رسول الله وَّه قال: أهوَنُ أهلِ النّار عذاباً أبو طالب مُنْتَعِل بنَعلَين
يغلي منهما دماغُه. مسلم (٤) .
وقال الثَّورِي وغيره، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن
عليّ رضي الله عنه، قال: لمّا مات أبو طالب أتيتُ النبيَّ وَّ فقلت: إنَّ
عمَّكَ الشيخ الضّالّ قد مات. قال: ((اذهب فَوَارِ أباك ولا تُحْدِثن شيئاً
حتى تأتيني)). فأتيتُهُ فأمرني فاغتسلتُ، ثم دعا لي بدعواتِ ما يَسُرُّني أنّ
لي بهنّ ما على الأرض من شيء. ورواه الطيالسي في ((مسنده))(٥) عن
شُعبة، عن أبي إسحاق فزاد بعد اذْهَبْ فَوَارِهِ: ((فقلتُ: إنّه مات مشرِكاً)»
(١) مسلم ١/ ٤١.
(٢) البخاري ٦٥/٥، ومسلم ١٣٥/١.
(٣)
البخاري ٦٥/٥، ومسلم ١٣٥/١ .
(٤) يعني: أخرجه مسلم، وهو عنده ١٣٥/١.
(٥) (١٢٠) وأخرجه أبو داود (٣٢١٤)، وأحمد ٩٧/١ و١٠٣ و١٣٠ و١٣١،
وغيرهم.
١٩٢

قال: ((اذهبْ فَوَارِهِ)). وفي حديثه تصريح السّماع من ناجية قال: شهدتُ
عليّاً يقول. وهذا حديث حَسَنٌّ مُتَّصِل(١).
وقال عبدالله بن إدريس: حدثنا محمد بن إسحاق، عمّن حدثه،
عن عُروَة بن الزُّبير، عن عبدالله بن جعفر، قال: لمّا مات أبو طالب
عرض لرسول الله وَّرَ سفيةٌ من قريش، فألقى عليه تراباً، فرجع إلى
بيته، فأتت بنتُه تمسح عن وجهه التُرابَ وتبكي فجعل يقول: ((أي بُنَيّة لا
تبكين، فإنَّ اللهَ مانع أباِكِ))، ويقول ما بين ذلك: ((ما نالت منّي قريش
شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب))(٢). غريب مُرسَل.
وروي عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس أنَّ النبي ◌ِّل
عارض جنازة أبي طالب، فقال: ((وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يا عمّ وجُزِيتَ خيراً)).
تفرّد به إبراهيم بن عبدالرحمن الخوارزمي. وهو مُنكر الحديث يروي
عنه عيسى غُنجار، والفضل السِّيناني.
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبدالله
بن مَعبَد، عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: لما أتى رسولُ اللهِ وَلهم
أبا طالب في مرضه قال: «أي عمّ، قلْ لا إله إلا الله أستَحِلُّ لك بها
الشفاعة يوم القيامة)). فقال: يا ابن أخي والله لولا أنْ تكون سُبَّةً عليك
وعلى أهل بيتك من بعدي يرون أنّي قلتها جَزَعاً حين نزل بي الموتُ
لقُلْتُها، لا أقولها إلّا لَّسُرَّك بها، فلما ثَقُلَ أبو طالب رُؤيَ يحرّك شفتيه،
فأصغى إليه العباس ليستمع قوله، فرفع العباس عنه، فقال: يا رسول
(١) كذا قال لحسن ظنه بناجية بن كعب الأسدي، فقد وثقه ابن حجر، وليس
الأمر كذلك فهو ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد حسب، كما حققناه
في (تحرير أحكام التقريب)). ولذلك ضعّفَ البيهقي هذا الحديث في ((السنن))
وتبعه الإمام النووي في المجموع فضعفه أيضاً (١٤٤/٥).
(٢) ابن هشام ٤١٦/١ .
١٩٣

الله، قد والله قال الكلمةَ التي سألتُهُ، فقال النبي ◌َّ: ((لم أسمع))(١) .: .
إسناده ضعيف لأنّ فيه مجهولاً، وأيضاً، فكان العباس ذلك الوقت
على جاهليته، ولهذا إنْ صَحَّ الحديثُ لم يقبلِ النبيُّ ◌ُل﴾ روايته وقال له:
لم أسمع، وقد تقدّم أنّه بعد إسلامه قال: يا رسول الله هل نفعتَ أبا
طالب بشيءٍ، فإنّه كان يحُوطُكَ ويغضبُ لك، فلو كان العباس عنده
عِلمٌ من إسلام أخيه أبي طالب لَمَا قال هذا، ولَمَا سكت عند قولِ النبي
وَّر ((هو في ضَحضَاحِ من النار))، ولَقَال: إنّي سمعته يقول: لا إله إلا
الله، ولكن الرافضة قوم بُهُتُّ.
وقال ابن إسحاق(٢): ثم إنّ خديجة بنت خُوَيلد رضي الله عنها وأبا
طالب ماتا في عام واحد فتتابعَتْ على رسولِ اللهِ وَّهَ المصائبُ
بهلا کھما .
و کانت خديجة وزیرةَ صِدْقٍ علی الإسلام، کان یسکن إليها .
وذكر الواقديّ أنّهم خرجوا من الشِّعب قبل الهجرة بثلاث سنين،
وأنّهما تُوُقِّيًا في ذلك العام، وتُوُقِّيَت خديجة قبل أبي طالب بخمسةٍ
وثلاثين يوماً.
وذكر أبو عبدالله الحاكم أنّ موتها كان بعد موت أبي طالب بثلاثة
أيّام، وكذا قال غيره.
وهي خديجة بنت خُوَيلد بن أسد بن عبدالعُزَّى بن قُصَيّ الأسدية.
قال الزُّبَير بن بكّار: كانت تُدعَى في الجاهلية الطاهرة، وأمّها فاطمة
بنت زائدة بن الأصمّ العامرية. وكانت خديجة تحت أبي هالة بن زُرَارة
التميميّ، واختُلِف في اسم أبي هالة، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عائذ
(١) ابن هشام ٤١٨/١ .
(٢) ابن هشام ٤١٦/١.
١٩٤

ابن عبدالله بن عمر بن مخزوم، ثم النبي وَ لـ
وقال ابن إسحاق: بل تزوّجها أبو هالة بعد عتيق. وكانت وزيرةَ
صِدْقٍ على الإسلام.
وعن عائشة، قالت: تُوُفيت خديجة قبل أن تُفْرَض الصلاة، وقيل:
كان موتها في رمضان، ودُفِنت بالحَجُون، وقيل: إنّها عاشت خمساً
وستين سنة .
وقال الزُّبَير: تزوّجها النبيُّ ◌َّل ولها أربعون سنة، وأقامت معه أربعاً
وعشرين سنة .
قال مروان بن معاوية الفزاريّ، عن وائل بن داود، عن عبدالله
البهيّ، قال: قالت عائشة: كان رسول الله وَ﴿ إذا ذكر خديجة لم يَكَد
يسأم من ثناءٍ عليها، واستغفارِ لها، فذكرها يوماً، فاحتملتني الغَيْرةُ،
فقلت: لقد عوَّضَكَ اللهُ من كبيرة السِّنّ، فرأيته غضب غضباً أسقطت في
خَلَدِي، وقلت في نفسي: اللَّهُمَّ إنّك إنْ أذهبت غضبَ رسولِك عنّي لم
أعُدْ إلى ذِكرها بسوء، فلمّا رأى النبي ◌ََّ ما لقِيت قال: ((كيف قلتِ،
والله لقد آمَنَت بي إذ كفرَ بيَ الناسُ، وآوتني إذْ رفضني الناس،
وصدّقَتْني إذ كذّبني الناس، ورُزِقت منها الولد، وحُرِمتُمُوه منّي))،
قالت: فغدا وراح عليَّ بها شهراً.
وقال هشام بن عُروَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما غرتُ على
امرأةٍ ما غرت على خديجة، ممّا كنتُ أسمعُ من ذِكْرِ رسولِ الله وَلّ لها،
وما تزوّجني إلّ بعد موتها بثلاث سنين، ولقد أمره ربُّه أنْ يبشِّرها ببيتٍ
في الجنّة من قصب لا صَخَب فيه ولا نَصَب. مُتفقٌ عليه(١).
وقال الزُّهرِيّ: تُوُقِّيَّت خديجة قبل أن تُفرَض الصّلاة.
(١) البخاري ٤٨/٥ و٤٧/٧ و١٠/٨ و١٧٣/٩، ومسلم ١٣٣/٧ و١٣٤.
١٩٥

وقال ابن فُضَيْل، عن عمارة، عن أبي زُرعَة، سمع أبا هريرة يقول:
أتى جبريلُ النبيَّ وَّرَ فقال: هذه خديجة، أتتك معها إناءٌ فيه إدام طعامٍ
أو شرابٍ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السّلامَ من رَبِّها ومنّ، وبَشِّرها
ببيتٍ في الجنّة من قَصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَبَ. مُتفقٌ عليه(١).
وقال عبدالله بن جعفر: سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول: سمعت
رسول الله مَ و يقول: خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم
بنت عمران. أخرجه مسلم(٢) .
(١) البخاري ٤٨/٥ و١٧٦/٩، ومسلم ١٣٣/٧.
والقصب: اللؤلؤ المُجَوَّف الواسع.
(٢) مسلم ١٣٢/٧.
١٩٦

ذكر الإسراء برسول الله وَالله إلى المسجد الأقصى
قال موسى بن عُقبة، عن الزُّهريّ: أُسريَ برسول الله وَّل إلى بيت
المقدس قبل الهجرة بسنة .
وكذا قال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرُوَة.
وقال أبو إسماعيل التِّرمِذِيّ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن(١) العلاء
ابن الضَّخَّاك الزُّبيديّ بن زِبرِيق، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن
عبدالله بن سالم، عن الزُّبَيديّ محمد بن الوليد، قال: حدثنا الوليد بن
عبدالرحمن، أنَّ جُبَيْر بن نُفَير قال: حدثنا شدّاد بن أوس، قال: قلنا يا
رسول الله كيف أُسرِيَ بك؟ قال: ((صلَّيْتُ لأصحابي صلاةَ العَتَمَة بمكة
مُعْتِماً، فأتاني جبريل بدابةٍ بيضاءَ، فوق الحمار ودون البغل، فقال:
اركبْ، فاستصعب عليّ، فَرَازَها(٢) بأُذُنها، ثمّ حملني عليها، فانطلقتْ
تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفها، حتى بلغنا أرضاً ذات نخلٍ،
فأنزلني فقال: صلِّ. فصلَّيْت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صلَّْتَ؟
صلَّيتَ بِيثْرب، صلَّيْت بطيبة. فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث
أدرك طرفها، ثمّ بلغْنا أرضاً، فقال: انزل فَصَلِّ. ففعلت، ثمّ ركبنا.
قال: أتدري أين صلَّيت؟ قلت: ((الله أعلم)). قال: صلَّيْتَ بمَدْيَن عند
شجرة موسى عليه السلام. ثم انطلقتْ تهوي بنا، يقع حافرها حيث
أدرك طرفها، ثمّ بلغنا أرضاً بدت لنا قصور، فقال: انزِل، فصلَّيْتُ
(١) جاء في هامش الأصل: ((في الكنى: إسحاق بن إبراهيم بن زبريق ليس بثقة
عن عمرو بن الحارث)).
(٢) أي: اخْتَبَرها.
١٩٧

وركِبْنا. فقال لي: صلّيت ببيت لَحْم حيث وُلد عيسى. ثم انطلق بي
حتى دخلنا المدينةَ من بابها اليَمَانيّ، فأتى قِبْلَةَ المسجد فربط فيه دابّته،
ودخلنا المسجدَ من بابٍ فيه تميل الشمس والقمر، فصّيت من المسجد
حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشدّ ما أخذني، فَأَتيتُ بإناءين لبنٍ
وعسلٍ، أُرْسِلَ إليَّ بهما جميعاً، فعدلت بينهما، ثمّ هداني الله فأخذت
اللبن، فشربت حتى قَرعْتُ(١) به جبيني، وبين يدي شيخ متكىء على
مثراة له، فقال: أخذ صاحبك الفِطْرَةَ إنّه لَيُهْدَى. ثم انطلق بي حتى أتينا
الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنّم تنكشف عن مثل الزَّرَابِيّ. قلت: يا
رسول الله، كيف وجدتَها؟ قال: مثل الحمأة السُّخنة. ثم انصرف بي،
فمررنا بعِيرٍ لقريش، بمكان كذا وكذا، قد ضَلُّوا بعيراً لهم، قد جمعه
فلانٌ، فسلّمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد. ثم أتيتُ
أصحابي قبل الصُّبح بمكة، فأتاني أبو بكر فقال: أين كنتَ اللّيلة، فقد
التَمَسْتُكَ في مَظَانّك؟ قلت: علمت أنّي أتيت بيتَ المقدس اللّيلة،
فقال: يا رسول الله إنّه مسيرة شهرٍ، فصِفْه لي. قال: ففُتح لي صِراطٌ
كأنّي أنظر إليه، لا يسألني عن شيءٍ إلّ أنبأته عنه. قال: أشهد أنّك
رسول الله. فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كَبْشَة، يزعم أنّه أتى
بيتَ المقدس اللّيلة. فقال: إنّي مررتُ بِعِيرٍ لكم، بمكانٍ كذا، وقد
أضلُّوا بعيراً لهم، فجمعه فلان، وإنّ مسيرهم ينزلون بكذا، ثمّ كذا،
ويأتونكم يومَ كذا، يقدمهم جملٌ آدم، عليه مسح أسود، وغرارتان
سوداوان. فلَمَّا كان ذلك اليوم، أشرف النّاس ينظرون حتى كان قريب
من نصف النّهار، حين أقبلت العِير يقدمهم ذلك الجمل)).
قال البيهقي(٢): هذا إسناد صحيح.
(١) أي: ضَرَبَهُ، يعني أنه شربَ جميع ما فيه، كما في النهاية ٤/ ٤٣ .
(٢) دلائل النبوة ٣٥٧/٢.
١٩٨

قلت: ابن زِبْرِيق تكلّم فيه النَّسائيّ. وقال أبو حاتم: شيخ.
قال حمّاد بن سَلَمَة: حدثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن ابن مسعود، أنّ رسول الله وَّةٍ، قال: ((أُتِيتُ بالبُرَاق فركبته خلفَ
جبريل، فسار بنا، فكان إذا أتى على جبلٍ ارتفعتْ رِجْلاه، وإذا هبط
ارتفعتْ يداه، فسار بنا في أرض فيحاءَ طيّبة، فأتينا على رجلٍ قائم
يصلّي، فقال: من هذا معكَ يا جبريل؟ قال: أخوك محمد، فرخَّبَ
ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأَمَّتك اليُسْرَ، ثمّ سار فذكر أنّه مرَّ على
موسى وعيسى، قال: ثمّ أتينا على مصابيح فقلت: ما هذا؟ قال: هذه
شجرة أبيك إبراهيم، تحبّ أن تدنُوَ منها؟ قلت: نعم. فدنونا منها،
فرحّب بي، ثمّ مضينا حتى أتينا بيتَ المقدس، ونُشِر لي الأنبياءُ مَن
سمَّى اللهُ ومن لم يُسمِّ، وصلَّيتُ بهم إلّ هؤلاء النَّفر الثلاثة: موسى،
وعيسى، وإبراهيم، فربطت الدَّابَّةَ بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثمّ
دخلت المسجدَ فقُرِّبتْ لي الأنبياء، مَن سَمَّى اللهُ منهم، ومَن لم يُسَمِّ،
فصلیت بهم.
هذا حديث غريب، وأبو حمزة هو ميمون، ضُعَّف.
وقال يونس، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال:
أُتي رسول الله ﴿ ليلة أُسْرِيَ به بإيلياء بقَدَحَين من خمرٍ ولبن، فنظر
إليهما، فأخذ اللَّبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفِطرة، لو
أخذتَ الخمرَ غَوَتْ أُمَّتُك. مُتَّفقٌ عليه(١).
قرأت على القاضي سليمان بن حمزة، أخبركم محمد بن عبدالواحد
الحافظ، قال: أخبرنا الفضل بن الحسين، قال: أخبرنا عليّ بن الحسن
الموازيني، قال: أخبرنا محمد بن عبدالرحمن، قال: أخبرنا يوسف
(١) البخاري ١٠٤/٦ و١٣٥/٧، ومسلم ١٠٦/١.
١٩٩

القاضي، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى التميميّ، قال: حدثنا محمد بن
إسماعيل الوساوسيّ، قال: حدثنا ضَمْرَة، عن يحيى بن أبي عَمرو
الشَّيْبانيّ، عن أبي صالح مَولى أمّ هانىء، عن أمّ هانىء، قالت: دخل
عليَّ رسول الله وَّهَ بِغَلَس(١) وأنا على فراشي فقال: ((شعرتُ أنّي نمتُ
اللَّيلةَ في المسجد الحرام، فأتى جبريل فذهب بي إلى باب المسجد،
فإذا دابّة أبيض، فوق الحمار، ودون البغل، مضطّرب الأُذُنَيْن، فركِبْتُه،
وكان يضع حافره مدَّ بَصَرِه، إذا أخذ بي في هبوطٍ طالت يداه، وقصُرَت
رِجْلاه، وإذا أخذ بي في صعودٍ طالَتْ رِجلاء وقَصُرَتْ يداه، وجبريل لا
يفوتني، حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقته بالحلقة التي كانت
الأنبياء تُوثِق بها، فنُشِر لي رَهْطٌ من الأنبياء، فيهم إبراهيم، وموسى،
وعيسى، فصلَّيْتُ بهم وكلَّمتهم، وأُتيت بإناءين أحمر وأبيض، فشربت
الأبيضَ، فقال لي جبريل: شربتَ اللَّبن وتركتَ الخَمْرِ، لو شربتَ الخمرَ
لارتدَّتْ أُمَّتُك. ثم ركبته إلى المسجد الحرام، فصلَّيتُ به الغَدَاة)).
قالت: فتعلَّقْت بردائه، وقلت: أنشدك الله يا ابن عمّ أن تُحَدِّث بهذا
قريشاً فيكذّبُكَ من صدَّقَك. فضرب بيده على ردائه فانتزعه من يدي،
فارتفع عن بطنه، فنظرت إلى عكنه فوق إزاره وكأنّه طيّ القراطيس،
وإذا نور ساطع عند فؤاده، يكاد يختطف بصري، فخررت ساجدةً، فلمّا
رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي نبعة: ويُحَكِ اتبعيه
فانظري. فلمّا رجَعَتْ أخبرتني أنّه انتهى إلى قريش في الحَطِيم، فيهم
المُطْعِم بن عَدِيّ، وعَمرو بن هشام، والوليد بن المُغِيرة، فقصّ عليهم
مَسْرَاه، فقال عَمْرو كالمستهزىء: صِفْهم لي. قال: أمّا عيسى ففوق
الرَّبْعَة، عريض الصَّدْر، ظاهر الدّم، جَعْدُ الشَّعْرِ، تعلوه صَهْبة، كأنّه
عُروة بن مسعود الثقفيّ، وأمّا موسى فضخم، آدم، طُوال، كأنّه من
(١) الغَلَس: ظُلمةُ آخر الليل.
٢٠٠