النص المفهرس
صفحات 161-180
فغشِيَتَهُ أسْودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى سمعت ما أسمعُ صوتَه، ثم انطلقوا وطَفِقُوا يتقطَّعون مثلَ قِطَعِ السَّحاب، ذاهبين، حتّى ما بقي منهم رَهطٌ، وفرغ رسولُ اللهِ وَّه مع الفجر، فانطلق فَتَبرَّزَ، ثم أتاني فقال: ((ما فعل الرَّهطُ))؟ فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عَظماً ورَوثاً فأعطاهم إيّاه زاداً، ثم نهى أن يَستَطيبَ أحدٌ بعَظم أو بَروثٍ. أخرجه النَّسائي(١) من حديث يونس. وقال سليمان القَّيميّ، عن أبي عثمان النَّهدِي، أنّ ابن مسعود أبصر زُطّاً (٢) في بعض الطريق فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء الرُّطّ، قال: ما رأيت شِبْهَهم إلّ الجِنَّ ليلة الجنِّ، وكانوا مستثفرين يتبع بعضُهم بعضاً. صحیح. يقال: استثفر الرجل بثوبه، إذا أخذ ذيله من بين فخِذَيه إلى حجزته فغرزه. وكذا يقال في الكلب، إذا جعل ذنبه بين فخِذَيه، ومنه قوله للحائض : استفري . وقال عثمان بن عمرو بن فارس، عن مستمر بن الرّيان، عن أبي الجَوزاء، عن ابن مسعود، قال: انطلقت مع رسول الله وَ﴿ل ليلة الجنّ، حتى أتى الحَجُونَ فخطّ عليَّ خطّاً، ثم تقدّم إليهم، فازدحموا عليه، فقال سيّد لهم يقال له وَرْدان: إنّي أنا أرخِّلُهُم عنك، فقال: إنّي لَنْ يُجيرني من اللهِ أحدٌ. وقال زُهير بن محمد التميميّ، عن ابن المُنكَدِر، عن جابر، قال: قرأ رسول الله وَل﴾ سورة ((الرحمن))، ثم قال: ((ما لي أراكم سُكُوتاً، لَلْجِنُّ كانوا أحسن رداً منكم، ما قرأتُ عليهم هذه الآية من مرّة ﴿فَأَقِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَّذِّبَانٍ(®﴾﴾ [الرحمن]، إلّ قالوا: ولا بشيءٍ من نِعَمِك ربّنا (١) المجتبى ٣٧/١، وفي الكبرى (٣٨). (٢) جنس من السودان والهنود. (النهاية). ١٦١ نُكَذِّبُ، فلكَ الحمدُ)). زُهير ضعيف(١). وقال عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن العاص، عن جدّه سعيد، قال: كان أبو هريرة يتبع رسول الله وَل بأداوةٍ لوضوئه. فذكر الحديث، وفيه: «أتاني جِنُّ نَصِيبين فسألوني الزَّادَ، فدعوتُ الله لهم أنْ لا يمرّوا بِرَوثَةٍ ولا بعَظم إلّ وجدوا طعاماً)). أخرجه البخاري(٢). ويدخل هذا الباب في باب شجاعته وَّ وقوّة قلبه. ومنه حديث محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ بَّه قال: إنَّ عفريتاً من الجنّ تفلَّتَ عليَّ البارحةَ ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني اللهُ منه، فأخذتُهُ وأردتُ أنْ أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلُّكم، فذكرتُ دعوةَ أخي سليمان: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيِّ ◌َ﴾ [ص]، فردَدْتُه خاسئاً. وفي لفظ: فأخذته فَذَغَتُّهُ(٣) ، يعني خنقته، مُتفقٌ عليه (٤) . (١) التاريخ الصغير ٢٠٣، والكامل لابن عدي ١٠٧٣/٣. (٢) البخاري ٥٩/٥ . (٣) وتروى أيضاً بالدال المهملة، ومعناه: دفعته دفعاً شديداً. (٤) البخاري ١٢٤/١ و٨١/٢ و٤ /١٥١ و١٥٦/٦، ومسلم ٧٢/٢. ١٦٢ فصل فيما وَرَدَ من هَواتفِ الجان وأقوالِ الكُهَّان قال ابن وَهْب: أخبرنا عمر بن محمد، قال: حدثني سالم بن عبدالله، عن أبيه، قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيءٍ قطّ إنّي لأَظُنُّهُ كذا، إلّا كان كما يظن، فبينا عمر جالسٌ إذ مرَّ به رجلٌ جميلٌ فقال: لقد أخطأ ظنّي، أو إنّ هذا على دِينه في الجاهليّة، أو لقد كان كاهِنَهُم، عليَّ الرجلَ، فدُعِيَ له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظنّي أو أنك على دِينك في الجاهلية، أو لقد كنت كاهنهم. فقال: ما رأيت كاليوم اسْتُقبِل به رجلٌ مسلم، قال فإنّي أعزِمُ عليك إلّ ما أخبرتني. فقال: كنت كاهِنَهُم في الجاهلية. فقال: فما أعجبُ ما جاءتك به جِنِّيتك؟ قال: بينا أنا جالسٌ جاءتني أعرف فيها الفزع قالت: ويأسها بَعْدُ وإِبلاسَهَا(١) ألم تر الجنَّ وإبلاسَها وإياسها من أنساكها ولحوقها بالقلاص وأخلاسها قال عمر: صَدَق، بينا أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجلٌ بعِجْلٍ فذبحه، فصرخ منه صارخٌ لم أسمع صارخاً قَطُ أشدّ صوتاً منه يقول: يا جَليخْ، أمرٌ نَجِيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلّ الله. فوثب القوم، قلت: لا أبرحُ حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جَليح، أمرٌ نَجِيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلّ الله. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء (١) وعجز البيت في رواية البخاري: ((وياسها من بعد إنكاسها)). ١٦٣ هذا، فأعاد قوله، قال: فقمتُ فما نَشِبت أن قيل هذا نبيٌّ. أخرجه البخاري عن رجل عنه هكذا(١) . وظاهره أنّ عمر بنفسه سمع الصّارخَ من العِجل، وسائرُ الروايات تدلّ على أنّ الكاهن هو الذي سمع. فروى يحيى بن أيّوب، عن ابن الهاد، عن عبدالله بن سليمان، عن محمد بن عبدالله بن عمرو، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بينما رجل مارّ، فقال عمر: قد كنت مرَّةً ذا فراسة، وليس لي رِئْيٌّ، ألم يكن قد كان هذا الرجل ينظر ويقول في الكهانة، أُدْعُوه لي، فدعوه، فقال عمر: من أين قدِمتَ؟ قال: من الشام. قال: فأين تريد؟ قال: أردتُ هذا البيتَ، ولم أكن أخرج حتى آتيك. قال: هل كنتَ تنظرُ في الكَهَانة؟ قال: نعم. قال: فحدثني. قال: إنّي ذات ليلةٍ بوادٍ، إذ سمعت صائحاً يقول: يا جَليح، خبرٌ نَجِيح، رجل يصيح، يقول: لا إله إلّ الله، الجنّ وإياسها، والإنس وإبلاسها، والخيل وأحلاسها، فقلت: من هذا؟ إنّ هذا لَخَبرٌ يئست منه الجنّ، وأبلست منه الإنس، وأُعملت فيه الخيل، فما حال الحَوْلُ حتى بُعِثَ رسول الله وَلَ . ورواه الوليد بن مَزْيَد العُذرِيّ، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن مسكين الأنصاريّ، قال: بينا عمر جالس. وهذا منقطع. ورواه حَجَّاج بن أرطاة، عن مجاهد. ويروَى عن ابن كثير أحد القرّاء، عن مجاهد موقوفاً . ويُشبه أن يكون هذا الكاهن هو سَواد بن قارب المذكور في حديث أحمد بن موسى الحَمَّار الكوفي، قال(٢): حدثنا زياد بن يزيد القَصْري، قال: حدثنا محمد بن تراس الكوفي، قال: حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: بينا عمر يخطب إذ قال: (١) البخاري ٥/ ٦١. (٢) دلائل النبوة ٢٤٩/٢-٢٥١. ١٦٤ أفيكم سوادُ بن قارب؟ فلم يُحِبُهُ أحدٌ تلك السنة، فلما كانت السنةُ المقبلةُ قال: أفِيكم سَواد بن قارب؟ قالوا: وما سَواد بن قارب؟ قال: كان بدء إسلامه شيئاً عَجَباً، فبينا نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب، فقال له: حدِّثنا ببدء إسلامك يا سواد، قال: كنت نازلاً بالهند، وكان لي رَئِّيٌّ من الجنّ، فبينا أنا ذات ليلةٍ نائم إذ جاءني في منامي ذلك، قال: قَمْ فافْهم واعْقِلْ إنْ كنت تعقل، قد بُعث رسولٌ من لُؤَّيّ بن غالب، ثم أنشأ يقول: وشدّها العِيسَ بأحلاسها عجبتُ للجنّ وأنجاسها ما مؤمنوها مثل أرجاسها تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى وأَسْمُ بعينيك إلى راسها فانهض إلى الصَّفوة من هاشم يا سواد، إنّ الله قد بعث نبيّاً فانهضْ إليه تَهْتَدِ وترشد، فلمّا كان من اللّيلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم قال: وشدّها العيسَ بأقتابها عجِبْتُ للجنّ وتطلابها ليس قُدَامَاها كأذنابها تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى واسمُ بعينيك إلى نابها(١) فانهضْ إلى الصَّفْوة من هاشمٍ فلمّا كانت الليلة الثالثة أتاني فأنبهني، ثم قال : وشدّها العيس بأكوارها عجِبتُ للجنّ وتَخْبارها ليس ذَوُو الشّرّ كأخيارها تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى ما مؤمنو الجنّ ككُفّارها فانهضْ إلى الصَّفْوة من هاشمٍ فوقع في قلبي حتُّ الإسلام، وشددت رَحْلي، حتى أتيتُ النّبيَّ وَّر، فإذا هو بالمدينة، والناس عليه كعرف الفَرَس، فلمّا رآني قال: ((مرحباً بسَواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك)» قلت: يا رسول الله قد (١) كتب المصنف في حاشية نسخته: أي: سيدها. ١٦٥ قلتُ شعراً فاسمعه منّي : أتاني رَتْيي بعد ليلٍ وهجْعة ولم يك فيما قد بلوت بكاذِب أتاك نبيّ من لُؤَيّ بن غالبٍ ثلاثَ ليالٍ قوله كلَّ ليلةٍ فشمّرتُ عن ساقي الإزارَ ووسَّطَت بي الذِّعْلِبُ الوجناء عند السباسبِ(١) فأشهد أنَّ الله لا شيء غيره وأنك مأمونٌ على كلّ غائبٍ إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايبِ وأنّك أدنى المرسَلين شفاعةً فمُرْنا بما يأتيك يا خيرَ مَنْ مشى وإنْ كان فيما جاء شَيْب الذَّوائبِ فَكُنْ لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة سواك بِمُغْنٍ عن سَواد بن قاربٍ فضحك رسولُ الله ◌ِوَلَه، وقال لي: ((أفلحتَ يا سَواد)) فقال له عمر: هل يأتيك رئيُّك الآن؟ قال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونِعمَ العِوَض كتابُ الله من الجن . هذا حديث مُنكَر بالمرّة، ومحمد بن تراس وزياد مجهولان لا تُقبل روايتهما، وأخاف أن يكون موضوعاً على أبي بكر بن عيّاش، ولكنَّ أصلَ الحدیث مشهور . وقد قال أبو يَعلَى الموصليّ، وعليّ بن شيبان: حدثنا يحيى بن حُجْرِ الشّاميّ، قال: حدثنا عليّ بن منصور الأبناوي، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن الوقاصيُّ، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، قال: بينما عمر جالس إذ مرَّ به رجل، فقال قائل: أتعرِف هذا؟ قال: ومَنْ هو؟ قال: سَواد بن قارب، فأرسل إليه عمر فقال: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم. قال: أنت الذي أتاه رَئِيُّهُ بظهور النّبيّ ◌ََّ؟ قال: نعم. قال: فأنتَ على كَهانتكَ. فغضب وقال: ما استقبلني بهذا أحدٌ منذ أسلمتُ. قال عمر: سبحان الله ما كنّا عليه من الشِّرك أعظم، قال: فأخبرني بإتيانك (١) الذعلب: الناقة السريعة، والوجناء: الشديدة، والسباسب: المفازة. ١٦٦ رَئِّكَ بظهور رسول الله وَله. قال: بينا أنا ذات ليلةٍ بين النّائم واليَقْظان، إذا أتاني فضربني برِجله، وقال: قُمْ يا سَواد بن قارب اسمع مقالتي واعقِلْ، إنْ كنت تعقِل، إنّه قد بُعث رسولٌ من لُؤَّيّ بن غالب يدعو إلى عبادة الله، ثم ذكر الشعر قريباً مما تقدّم، ثم أنشأ عمر يقول: كنّا يوماً في حيٍّ من قريشٍٍ يقال لهم آل ذَرِيح، وقد ذبحوا عجْلاً، والجزّار يعالجه إذ سمعنا صوتاً من جوف العِجل ولا نرى شيئاً هو يقول: يا آل ذَريح، أمر نَجِيح، صائح يصيح، بلسانٍ فصيح، يشهد أن لا إله إلّ الله. أبو عبدالرحمن اسمه عثمان بن عبدالرحمن، مُتَّفقٌ على تركه، وعلي بن منصور فيه جَهالة، مع أنّ الحديث منقطع . وقد رواه الحسن بن سفيان، ومحمد بن عبدالوهاب الفرَّاء، عن بشر بن حُجْر أخي يحيى بن حُجْر، عن عليّ بن منصور، عن عثمان بن عبدالرحمن، بنحوه . وقال ابن عديّ في ((كامله)) (١): حدثنا الوليد بن حمّاد، بالرملة، قال: حدثنا سليمان بن عبدالرحمن، قال: حدثنا الحَكَم بن يَعلَى المُحارِبِيّ، قال: حدثنا أبو مَعمَر عبّاد بن عبدالصَّمد، قال: سمعت سعيد بن جُبَير، يقول: أخبرني سَواد بن قارب قال: كنت نائماً على جبل من جبال الشَّرَاة، فأتاني آتٍ فضربني برجله وقال: قم يا سَواد أتى رسولٌ من لُؤَّيّ بن غالب، فذكر الحديث. كذا فيه سعيد يقول: أخبرني سواد، وعبّاد ليس بثقة يأتي بِالطَّامَّات. وقال مَعمَر، عن الزُّهري، عن عليّ بن الحسين، قال: أوّل ما سُمع بالمدينة أنّ امرأةً من أهل يثرب تُدعَى فَطِيمة، كان لها تابعٌ من الجِنّ، (١) الكامل ٦٢٨/٢. ١٦٧ فجاء يوماً فوقع على جدارها، فقالت: ما لك لا تدخل؟ فقال: إنّه قد بُعث نبيّ يُحَرِّمُ الزِّنَى. فحدَّثتْ بذاك المرأةُ عن تابعها من الجنّ، فكان أول خبرٍ تُحُدِّثَ به بالمدينة . وقال يحيى بن يوسف الزَّمِّي: حدثنا عُبَيدالله بن عَمرو، عن عبدالله ابن محمد بن عَقِيل، عن جابر، قال: أول خبر قدِم عن النبي وَّلـ بالمدينة أنّ امرأةً كان لها تابع، فجاء في صورة طائرٍ حتى وقع على حائط دارهم، فقالت له المرأة: انزل، قال: لا، إنّه قد بُعث بمكة نبيٌّ يحرِّم الزِّنى، قد منع منّا القرار. وفي الباب عدّة أحاديث عامّتها واهية الأسانيد. - ١٦٨ انشقاق القمر قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ (٤) وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ (٢٦) وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَ هُرَّ ◌َ﴾ [القمر]. قال شَيبان، عن قَتَادة، عن أنس: إنّ أهل مكة سألوا نبيَّ اللهَ بَّرَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فأراهم انشقاقَ القمر مرَّتَين. أخرجاه(١) من حديث شيبان، لكن لم يقل البخاري مرَّتَين. وقال مَعمَر، عن قَتَادة، عن أنس مثلَه، وزاد ((فانشقّ فِرْقَتَين مرَّتين)). وللبخاري نحوٌ منه، عن ابن أبي عَرُوبة، عن قتادة (٢). وأخرجاه(٣) من حديث شعبة، عن قَتَادة. وقال ابن عُبَيْنَة وغيره: عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن ابن مسعود، قال: رأيت القمر منشقّاً شقتين بمكة، قبل مخرج النّبِيّ بَّر شقّة على أبي قُبَيَسْ، وشِقّة على الشُّوَيْداء، فقالوا: سحر القمر. لفظ عبدالرزاق، عن ابن عُيَينة، وأراد (قبل مخرج النبي وَّ) يعني إلى المدينة . أخرجاه(٤) من حديث ابن عُيَينَة، ولفظهُ: انشقَّ القمرُ على عهدٍ رسولِ الله وَّر شقتين، فقال رسول الله وَ ل اشهدوا. (١) البخاري ٢٥١/٤ و١٧٨/٦، ومسلم ١٣٢/٨. (٢) البخاري ٢٥١/٤. (٣) البخاري ١٧٨/٦، ومسلم ١٣٢/٨. (٤) البخاري ٤/ ١٧٨/٢٥١٦، ومسلم ١٣٢/٨. ١٦٩ وأخرجاه(١) عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم، عن أبي مَعمَر، عن عبدالله، قال: انفلقَ القمرُ، ونحن مع رسول الله وَلّل، فصارت فلقةٌ من وراء الجبل، وفلقةٌ دونه، فقال رسول الله ◌َله: اشهدوا. وأخرجاه(٢) من حديث شعبة، عن الأعمش. وقال أبو داود الطَّيَالِسي في ((مُسنده)): حدثنا أبو عُوانَة، عن مُغيرة، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عبدالله، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله وَلّ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السُّفَّار، فإنّ محمداً لا يستطيع أن يسْحَرَ الناسَ كلَّهم، فجاء الشُّفَّارُ فقالوا: ذلك صحيح. وقال هُشَيم، عن مغيرة، نحوَه. وقال بكر بن مُضَر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك بن مالك، عن عُبَيد الله بن عبدالله بن عُتبة، عن ابن عباس أنّه قال: إنَّ القمرَ انشقَّ على زمان رسول الله وَ﴾. مُتَّفقٌ عليه من حديث بكر(٣). وقال شُعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، في قوله ﴿ أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ (3)﴾ [القمر] قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله وَّ انشقّ فلقَتين، فِلْقةً من دون الجبل، وفِلْقةً من خلف الجبل، فقال النبي ◌َّ((اللَّهُمَّ اشهد)). أخرجه مسلم (٤) . وقال إبراهيم بن طهمان، وهُشَيم، عن حُصين، عن جُبَير بن محمد ابن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: انشقَّ القمرُ، ونحن بمكة على عهد رسول الله وَل﴿. وكذا رواه أبو كُدَينة، والمفضّل بن يونس، (١) البخاري ٥/ ٦٢، ومسلم ١٣٢/٨. (٢) البخاري ١٧٨/٦، ومسلم ١٣٢/٨ و١٣٣. (٣) البخاري ٢٥١/٤ و٦٢/٥ و١٧٨/٦، ومسلم ١٣٣/٨. (٤) مسلم ٨/ ١٣٢. ١٧٠ عن حُصَين. ورواه محمد بن كثير، عن أخيه سليمان بن كثير، عن حُصَين، عن محمد بن جُبير، عن أبيه. والأول أصحّ. ١٧١ باب: ويسألونك عن الزُّوح قال يحيى بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ [الإسراء]، قالوا: نحن لم ١١٨٥ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلًا نُؤْتَ من العلم إلّ قليلاً؟ وقد أُوتينا الثَّوراة فيها حكم الله، ومن أوتي الثَّوراة فقد أُوتِي خيراً كثيراً. قال: فنزلت: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ (﴾ [الكهف] الآية. وهذا إسنادٌ صحيح(١). وقال يونس، عن ابن إسحاق، قال: حدثني رجل من أهل مكة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنّ مُشرِكي قريش، بعثوا النَّضرَ بن الحارث، وعُقبة بن أبي مُعَيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهم: سَلُوهم عن محمد، وصفوا لهم صفَتَه، وأخبروهم بقوله، فإنّهم أهلُ الكتاب الأوّل، وعندهم علمُ ما ليس عندنا. فقدِما المدينةَ، فسألوا أحبارَ اليهود عن رسول الله وَ لّ، ووصفوا لهم أمره ببعض قوله، فقالت لهم أحبار اليهود: سَلُوه عن ثلاثٍ نأمركم بهنّ، فإنْ أخبركم بهنّ فهو نبيٌّ مُرسَلْ. سَلُوه عن فِتيةٍ ذهبوا في الدَّهْرِ الأول، ما كان من أمرهم، فإنّه كان لهم حديثٌ عجب. وسَلُوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلغ مشارقَ الأرض ومغاربها وما كان نَبَؤُه. وسَلُوه عن الرُّوح ما هو. فقدِما مكةَ، فقالا: يا (١) أخرجه أحمد ٢٥٥/١، والترمذي (٣١٤٠)، والنسائي في الكبرى، كما في التحفة (٦٠٨٣). ١٧٢ معشر قريشٍ قد جئناكم بفصلِ ما بينكم وبين محمد، قد أَمَرَنا أحبارُ يهود أن نسأله عن أُمُورٍ، فجاؤوا رسولَ الله ◌َّ فقالوا: يا محمد أخبرنا، وسألوه، فقال: ((أُخبركم غداً))، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث خمس عشرة ليلة لا يُحدِث الله إليه في ذلك وحياً، ولم يأته جبريل، حتى أَرْجَفَ أهلُ مكة، وقالوا: وَعَدَنَا غداً واليوم خمس عشر. وأحزن رسولَ الله وَّر مكثُ الوحي، ثم جاءه جبريل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إيّاه على حُزنه، وخبر الفتية والرجل الطّوّاف، وقال: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ رْهَ [الإسراء]. وأمّا حديث ابن مسعود (١) ، فيدلّ على أنّ سؤال اليهود عن الرُّوح كان بالمدينة. ولعلّه ◌َلّ سُئل مرّتين. وقال جرير بن عبدالحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة رسولَ الله وَ ليل أن يجعل لهم الصَّفا ذهباً، وأن يُنَحّيَ عنهم الجبال فيزرعوا فيها. فقال الله: إِنْ شئتَ آتيناهم ما سألوا، فإنْ كفروا أُهلكوا كما أُهلِك مَنْ كان قبلهم، وإنْ شئتَ أن أستأني بهم. لعلّنا نستحيي منهم، وأنزل الله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلْأَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونْ لِهَ﴾ [الإسراء]. حديثٌ صحيح(٢) . ورواه سَلَمَة بن كُهيل، عن عمران، عن ابن عباس، وروي عن أيّوب، عن سعيد بن جُبير . (١) حديث ابن مسعود في الصحيحين: البخاري ٤٣/١ و١٠٨/٦ و١١٩/٩ و١٦٧، ومسلم ١٢٨/٨ و١٢٩ . (٢) أخرجه أحمد ٢٥٨/١، والنسائي في الكبرى، كما في التحفة (٥٤٦٧). ١٧٣ ذِكْر أذيَّةِ المشركينَ للنبيِّ وَّ وللمسلمينَ الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن إبراهيم التَّيمي، قال: حدثني عُروة، قال: سألت عبدالله بنَ عَمرو قلت: حدِّثني بأشدّ شيءٍ صنعه المشركون برسول الله وَله. قال: أقبل عُقبة بن أبي مُعَيط والنبي ◌ََّ يصلّي عند الكعبة، فلوى ثوبه في عُنُقِه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمَنْكِبِهِ، فدفعه عن رسول الله بَّر ثم قال: ﴿ أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَ كُم بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ (َ﴾﴾ [غافر]. أخرجه البخاري(١) . ورواه ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله . ورواه سليمان بن بلال، وعَبْدة(٢) ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عمرو بن العاص. وهذه عّة ظاهرة، لكن رواه محمد بن فُلَيح، عن هشام، عن أبيه، عن عبدالله بن عَمرو، فهذا ترجيحٌ للأول. وقال سُفيان، وشُعبة، واللَّفظ له، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عبدالله، قال: بينما رسول الله وَل ساجدٌ وحوله ناسٌ من قريش، وثَمّ سَلَى بعيرٍ، فقالوا: من يأخذ سَلَى هذا الجَزُور فيقذفه على ظهره. فجاء عُقبة بن أبي مُعَيط فقذفه على ظهره بَله، وجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره، ودعت على مَن صنع (١) البخاري ٥٨/٥ . (٢) هو عبدة بن سليمان، وقد كتب المصنف في حاشية نسخته ((خ: عبيدة)) أي أنه في نسخة أخرى. قلت: ولا نعرف في الرواة عن هشام بن عروة من اسمه عبيدة . ١٧٤ ذلك، قال عبد الله: فما رأيت رسولَ الله وَّ دعا عليهم إلّ يومئذٍ فقال: ((اللَّهُمَّ عليك الملأ من قريش، اللَّهُمّ عليك أبا جهل بن هشام، وعُتبة بن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، وعُقبة بن أبي مُعَيط، وأُميّة بن خَلَف)) - أو أُبُّيّ ابن خَلَف، شكّ شُعبة، ولم يشكّ سُفيان أنّه أُميّة - قال عبدالله: فقد رأيتهم قُتلوا يوم بدر وأُلْقُوا في القَلِيب(١)، غير أنّ أُميّة كان رجلاً بادناً، فتقطع قبل أن يُبْلَغ به البئر. أخرجاه(٢) من حديث شُعبة، ومن حديث سُفيان. وقال مسلم(٣): حدثنا عبدالله بن عمر بن أبان، قال: أخبرنا عبدالرحيم بن سليمان، عن زكريّا، عن أبي إسحاق، عن عَمرو بن ميمون، عن عبدالله، قال: بينما رسول الله وَلير يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جُلوس، وقد نُحرت جَزُور بالأمس، فقال أبو جهل: أيُّكُم يقوم إلى سَلَى جَزُور فيضعه على كتفيَ محمدٍ إذا سجد؟ فانبعث أشقاهم(٤) ، فأخذه فوضعه بين كتفيه، فضحكوا وجعل بعضهم يميل إلى بعض، وأنا قائم أنظر لو كانت لي مَنَّعَة طرحتُه، والنبي ◌َّ ما يرفع رأسه، فجاءت فاطمة، وهي جُوَيْرية فطرحته عنه وسَبَّتهم، فلما قضى صلاتَه رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: ((اللَّهُمَّ عليك بقريش)) ثلاثاً، فلمّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضِّحْكُ وخافوا دعوته، ثم قال: «اللّهُم عليك بأبي جهل، وعُتبة ابن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، والوليد بن عُقبة، وأُميَّة بن خَلَف، وعُقبة (١) هكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه مع أن عقبة بن أبي معيط لم يطرح في القليب، وإنما قُتل صبراً بعد أن رحلوا عن بدر مرحلة (وانظر فتح الباري ٤٦٣/١). (٢) البخاري ٥٧/٥، ومسلم ١٧٩/٥. (٣) مسلم ١٧٩/٥ . (٤) هو : عقبة بن أبي معيط . ١٧٥ ابن أبي مُعَيط)) وذكر السابع ولم أحفظه. فَوَالذي بعث محمداً بالحقّ، لقد رأيتُ الذين سمَّى صَرعَى يوم بدرٍ، ثم سُحِبوا إلى القَلِيب، قَلِيب بدر . وقال زائدة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبدالله، قال: إنَّ أوَّلَ مَنْ أظهر إسلامَهُ سبعةٌ: رسول الله وَِّ، وأبو بكر، وعمّار، وأمّه سُمَيّة، وصُهَيب، وبلال، والمقداد. فأمّا رسول الله وَّر فمنعه الله بعمّه أبي طالب. وأمّا أبو بكر فمنعه الله بقومه. وأمّا سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد، وأوقفوهم في الشمس، فما من أحدٍ إلّ وقد واتاهم على ما أرادوا غير بلال، فإنّه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدانَ فجعلوا يطوفون به في شِعاب مكة، وهو يقول: أحدٌ أحد. حديث صحيح. وقال هشام الدَّستوائيّ، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، أنَّ رسول الله وَّر مرَّ بعمار وأهله، وهم يُعذَّبون، فقال: ((أبشِروا آل عمار (١) فإنّ موعدكم الجنة)). وقال الثَّوريّ، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أوّل شهيدٍ في الإسلام أمّ عمّار سُمَيّة، طعنها أبو جهل بحربة في قُبُلِها(٢) .. وقال يونس بن بُكَير، عن هشام بن عُروة، عن أبيه أنّ أبا بكرٍ أعتق ممّن كان يُعذّب في الله سبعة، فذكر منهم الزِّبِّيرَة، قال: فذهب بصرها، وكانت ممّن يُعذّب في الله على الإسلام، فتأبى إلّ الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصَرَها إلّ اللّتُ والعُزَّى، فقالت: كلّ والله، ما هو كذلك. فردّ الله عليها بصرها(٣). (١) كتب المصنف بخطه في هامش النسخة أنه في نسخة: آل ياسر. (٢) طبقات ابن سعد ٢٦٤/٨-٢٦٥. (٣) وانظر ابن هشام ٣١٨/١. ١٧٦ وقال إسماعيل بن أبي خالد وغيره: حدثنا قيس، قال: سمعت خبَّاباً يقول: أتيت رسولَ اللهِ وَّ وهو متوسِّد بُرده في ظلّ الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّةً شديدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله؟ فقعد وهو مُحمٌَّ وجهُهُ فقال: ((إنْ كان مَن كان قبلكم لَيُمْشَطُ أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عَصَبٍ ما يصرفه ذلك عن دِينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقّ باثنين، ما يصرفه ذلك عن دِينه، ولَيَتُمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرَمَوت لا يخاف إلّ الله عز وجل)) مُتفق عليه(١) ، وزاد البخاري من حديث بيان ابن بِشر: ((والذّئبَ على غنمه)). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢) ، قال: حدثني حُكَيم بن جُبَير، عن سعيد بن جُبير: قلتُ لابن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله وَّر من العذاب ما يُعذَرون به في تَرْكِ دِينهم؟ قال: نعم والله، إنْ كانوا ليضربون أحدَهم، يُجِيعُونه ويُعَطِّشُونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالساً من شدّة الضّرِّ الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولون له: آللّتُ والعُزَّى إلهُكَ من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إنّ الجُعَلَ لَيَمُرُّ بهم فيقولون له: أهذا الجُعَل إلَهُكَ من دون الله، فيقول: نعم، افتداءً منهم ممّا يبلغون من جَهْدِهِ. وحدَّثني الزُّبَير بن عُكَّاشة، أنّه حُدِّث، أنّ رجالاً من بني مخزوم مَشَوا إلى هشام بن الوليد، حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد، وكانوا قد أجمعوا أن يأخذوا فتيةً منهم كانوا قد أسلموا، منهم سَلَمَة بن هشام، (١) هكذا قال إنه متفق عليه، ولم يخرجه مسلم، بل أخرجه البخاري ٤/ ٢٤٤ و ٥٦/٥و٢٥/٩، والنسائي ٢٠٨/٨، وأبو داود (٢٦٤٩)، وهو عند الحميدي (١٥٧)، وأحمد ١٠٩/٥ و١١٠ و١١١ و٣٩٥/٦، وانظر تحفة الأشراف ١١٧/٣ حديث (٣٥١٩)، والمسند الجامع ٣٢٠٥ حديث (٣٦٠٦). (٢) ابن هشام ١/ ٣٢٠ . ١٧٧ وعيّاش بن أبي ربيعة، قال: فقالوا له وخَشُوا شرَّه: إنّا قد أردنا أن تعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدِّين الذي قد أحدثوا، فإنّا نأمن بذلك في غيره. قال: هذا فعليكم به فعاتبوه، يعني أخاه الوليد، ثم إيّاكم ونفسَهُ، وقال : فيبقى بيننا أبداً تلاحي ألا لا تقتُلُنَّ أخي عُيَيْشٍ احذروا على نفسه، فأُقْسِم بالله لئن قتلتموه لأقتلنّ أشرفکم رجلاً، قال: فترکوه، فکان ذلك مما دفع الله به عنه . وقال عمرو بن دينار، فيما رواه عنه ابن عُيَيْنَة: لما قدِم عَمرو بن العاص من الحبشة جلس في بيته فقالوا: ما شأنه، ما له لا يخرج؟ فقال: إنّ أصْحَمة يزعمُ أنَّ صاحبكم نبيّ. ويروى عن ابن إسحاق، من طريق محمد بن حُمَيد الرّازي، أنّ النبي بَّ كتب إلى النّجاشي يدعوه إلى الإسلام، وذلك مع عمرو بن أُمَيَّةِ الضَّمْرِيّ، وأنّ النجاشي كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله وَ* من النجاشي أصحمة بن أبجر، سلامٌ عليك يا نبيَّ الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنّك رسول الله، وقد بايعتك وبايعت ابنَ عمّك، وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين، وقد بعثت إليك أريحا ابني، فإنّي لا أملك إلّ نفسي، وإن شئت، أن آتيكَ فعلتُ، يا رسول الله . قال يونس، عن ابن إسحاق: كان اسم النَّجاشي مَصْحَمَة، وهو بالعربية عطية، وإنّما النجاشي اسم المَلِك، كقولك كِسرَى وهِرَقل. وفي حديث جابر، أنّ النبي ◌َّ صلّى على أصحمة النجاشي، وأمّا قوله: ((مَصْحَمَة)) فلفظٌ غريب. ١٧٨ ذكْر شِعْب أبي طالب والصَّحيفة قال موسى بن عُقبة، عن الزُّهري، قال: ثم إنّهم اشتدُّوا على المسلمين كأشدّ ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهدُ، واشتدَّ عليهم البلاءُ، وأجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسولَ الله ◌ِوَ لّ علانيةً. فلمّا رأى أبو طالب عَمَلهم جمع بني أبيه وأمرهم أن يُدْخِلُوا رسولَ الله وَيه شِعبَهم ويمنعوه ممّن أرادَ قتلَه، فاجتمعوا على ذلك مُسلمُهُم وكافرُهُم، فمنهم من فعله حَمِيَّةً، ومنهم من فعله إيماناً، فلمّا عرفت قريش أنَّ القومَ قد منعوه أجمعوا أمرهم أنْ لا يُجالسوهم ولا يبايعوهم، حتى يُسْلِموا رسولَ اللهُ بََّ للقتل، وكتبوا في مَكْرهم صحيفةً وعهوداً ومواثيق، لا يقبلوا من بني هاشم أبداً صُلحاً، ولا تأخذهم بهم رأفةٌ حتى يُسْلِمُوه للقتل(١) . فلبث بنو هاشم في شِعبهم، يعني ثلاث سنين، واشتدّ عليهم البلاءُ، وقطعوا عنهم الأسواق، وكان أبو طالب إذا نام النّاس أمر رسولَ الله وَّه فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك مَنْ أراد مكراً به واغتياله، فإذا نام الناس أمر أحدَ بنيه أو إخوَته فاضطجع على فراش رسول الله مَر. ويأتي رسولُ الله ◌َل فراشَ ذلك فينام عليه. فلما كان رأس ثلاث سنين، تَلاَوَمَ رجالٌ من بني عبد مَناف، ومن بني قُصَيّ، ورجال أمَّهاتهم (١) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((الحافظ أبو الحسن أحمد بن يحيى البلاذري: حدثنا المدائني، عن أبي زيد الأنصاري، عن أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: حُصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرة حتى إن الرجل ليخرج بالنفقة فما يبتاع شيئاً حتى مات منا قوم)). ١٧٩ من نساء بني هاشم، ورأوا أنّهم قد قطعوا الرَّحِمَ واستخفُّوا بالحقّ، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدرِ والبراءة منه . وبعث الله على صحيفتهم الأرَضَة، فَلَحَست كلَّ ما كان فيها من عهدٍ وميثاق، ويقال: كانت معلّقةً في سقف البيت، فلم تترك اسماً لله إلّ لحسته، وبقي ما كان فيها من شِرك أو ظُلم، فأطلع الله رسولَه على ذلك، فأخبر به أبا طالب، فقال أبو طالب: لا والثَّواقبِ ما كَذَبَني. فانطلق يمشي بعصابةٍ من بني عبدالمطلب، حتى أتى المسجدَ وهو حافلٌ من قريش، فأنكروا ذلك، فقال أبو طالب: قد حَدَثَت أمورٌ بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تَعَاهَدتم عليها، فلعلَّه أنْ يكون بيننا وبينكم صُلح. فأتوا بها وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمرٍ يجمع قومكم، فإنّما قطع بيننا وبينكم رجلٌ واحد، جعلتموه خطراً للهَلَكَة. قال أبو طالب: إنّما أتيتكم لأعطيكم أمراً لكم فيه نَصَفِّ، إنّ ابن أخي قد أخبرني ولم يَكذِبني، أنّ الله بريءٌ من هذه الصحيفة، ومحا كلَّ اسمٍ هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم، فإنْ كان كما قال، فأفيقوا، فَوَالله لا نُسلِمُه أبداً حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي قال باطلاً، دفعناه إليكم، فرضوا وفتحوا الصّحيفة، فلما رأتْها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله إنْ كان هذا قطّ إلّ سِحراً من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لكُفرهم، فقال بنو عبد المطلب: إنّ أولى بالكذِب والسِّحر غيرنا، فكيف ترون، وإنّا نعلم أنّ الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب الى الجِبتِ والسِّحر من أمرنا، ولولا أنّكم اجتمعتم على السِّحر لم تفسد الصّحيفة، وهي في أيديكم، أَفَنَحنُ السَّحَرةُ أم أنتم؟ فقال أبو البَختَرِيّ، ومُطعِم بن عَدِي، وزُهَير بن أبي أُميّة بن المغيرة، وزَمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو - وكانت الصحيفة عنده، ١٨٠