النص المفهرس

صفحات 101-120

يضجُّ الكافرون لها ضجيجا
فإن يَبْقَوْا وأبْقَ تَكُنْ أمور
وقال سليمان بن مُعاذ الضَّبي، عن سِماك، عن جابر بن سَمُرَة،
قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ بمكة لَحَجَراً كان يسلّم عليَّ لياليَ بُعِثْتُ
إنّي لأعرفه الآن)). رواه أبو داود(١).
وقال يحيى بن أبي كثير: حدثنا أبو سَلَمَة، قال: سألت جابراً: أيُّ
القرآن أُنْزِل أوّل ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴾ [المدثر] أو ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ
[العلق]؟ فقال: ألا أحدثكم بما حدثني به رسول الله ◌َّ؟ قال: إني
جاورت بحِرَاء شهراً، فلما قضيتُ جواري نزلت فاستَبطنتُ الوادي
فنُودِيت فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وشمالي، فلم أر شيئاً، ثم
نظرت إلى السَّماء، فإذا هو على عرشٍ في الهواء، يعني المَلَك،
فأخذني رجفةٌ، فأتيتُ خديجة، فأمرتهم فدثروني، ثم صبُّوا عليّ الماء،
فأنزل الله ﴿يَأَيُّهَا الْمُنَّفِرُّ ◌َ قُرْ فَذِرْ ﴾ [المدثر].
وقال الزُّهري، عن أبي سَلَمة، عن جابر: سمعت رسولَ الله وَل
يحدث عن فترة الوحي، قال: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من
السماء، فرفعت رأسي، فإذا المَلَك الذي جاءني بحراء جالس على
كرسيٍّ بين السّماء والأرض، فَجُئِثْتُ منه رعباً، فرجعت، فقلت:
زمِّلوني فدّروني، ونزلت: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُّ ◌ِبَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ
فَأَهْجُرْ لَمْ﴾ [المدثر] وهي الأوثان. مُتَّفقٌ عليه(٢). وهو نصّ في أنّ
﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ﴾ نزلت بعد فترة الوحي الأول، وهو ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ﴾ فكان
الوحي الأول للنُبُوَّة والثّاني للرسالة.
(١) هكذا قال، وما أظنه إلا وهماً، فإن أبا داود لم يخرج هذا الحديث، وإنما
أخرجه أحمد ٨٩/٥ و٩٥ و١٠٥، والدارمي ٢٠، ومسلم ٥٨/٧، والترمذي
(٣٦٢٤) .
(٢) البخاري ٦/ ٢٠١، ومسلم ١ / ٩٩.
١٠١

فأوَّلُ من آمن به خديجة رضي الله عنها
قال عزّ الدين أبو الحسن ابن الأثير (١) : خديجة أوَّلُ خلق الله أسلمَ
بإجماع المسلمين، لم يتقدَّمها رجلٌ ولا امرأة .
وقال الزُّهري، وقَتَادة، وموسى بن عُقبة، وابن إسحاق،
والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، وغيرهم: أوَّلُ من آمن بالله
ورسوله: خديجة، وأبو بكر، وعليّ.
وقال حسّان بن ثابت وجماعة: أبو بكر أوّل مَن أسلم .
وقال غير واحدٍ: بل عليٌّ .
وعن ابن عباس: فيهما قَولان، لكن أسلم عليٍّ وله عشر سنين أو
نحوها على الصحيح، وقيل: وله ثمان سنين، وقيل: تسع، وقيل: اثنتا
عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قولٌ شاذّ، فإنَّ ابنه محمداً، وأبا
جعفر الباقر، وأبا إسحاق السَّبِيعي وغيرهم، قالوا: تُوُفي وله ثلاث
وستون سنة. فهذا يقضي بأنه أسلم وله عشر سنين، حتى إنّ سُفيان بن
عُيِينَة روى عن جعفر الصادق، عن أبيه، قال: قُتِلَ عليٍّ وله ثمان
وخمسون سنة .
وقال ابن إسحاق(٢): أوّل ذَكَرٍ آمن بالله علي رضي الله عنه، وهو
ابن عشر سنين، ثم أسلم زيد مولى النبي ◌َّ، ثم أسلم أبو بكر.
وقال الزُّهري: كانت خديجة أوّل من آمن بالله، وقبل الرسولُ
(١) الكامل في التاريخ ٢/ ٥٧ .
(٢) ابن هشام ١/ ٢٤٥.
١٠٢

رسالةَ ربِّه وانصرف إلى بيته، وجعل لا يمرّ على شجرةٍ ولا صخرةٍ إلا
سلَّمت عليه، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتُكِ الذي كنت أحدثكِ
أنّي رأيته في المنام، فإنه جبريل استعلن لي، أرسله إليَّ ربي، وأخبرها
بالوحي. فقالت: أبشِر، فَوَالله لا يفعل الله بكَ إلاخيراً، فاقْبَل الذي
جاءك من الله فإنَّه حقّ، ثم انطلقت إلى عدّاس غلام عُتبة بن ربيعة،
وكان نصرانياً من أهل نِينَوى فقالت: أُذَكِّركَ الله إلّ ما أخبرتني، هل
عندك عِلمٌ من جبريل؟ فقال عداس: قُدُّوس قُدُّوس. قالت: أخبرني
بعِلمِك فيه. قال: فإنّه أمينُ الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى،
وعيسى عليهما السلام. فرجعت من عنده إلى ورقة. فذكر الحديث.
وقد رواه ابن لَهيعة، عن أبي الأسود، عن عُروَة بن الزُّبير بنحوِ
منه، وزاد: ففتح جبريل عيناً من ماء فتوضّأ، ومحمد دَلّه ينظر إليه،
فوضّأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح رأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم
نضح فَرجَه، وسجد سجدتين مواجه البيت، ففعل النبي ◌َّ كما رأى
جبريلَ يفعل(١).
(١) وانظر ابن هشام ٢٤٤/١ .
١٠٣

من معجزاته الأول
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق(١) : حدثني عبدالملك بن
عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثَّقفي، عن بعض أهل العلم،
أن رسول الله وَ له حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنُّبوة، كان لا يمرّ بحجر
ولا شجر إلاَّ سلَّم عليه وسمع منه، وكان يخرج إلى حِراء في كلّ عامِ
شهراً من السنة يَنسك فيه.
وقال سماك بن حرب، عن جابر بن سَمُرة: قال رسول الله وَله :
(إنّي لأعرف حجراً بمكة كان يُسَلّم عليَّ قبل أن أُبعث)). أخرجه
(٢)
مسلم (٢).
وقال الوليد بن أبي ثور وغيره، عن إسماعيل السُّدِّي، عن عَبَّادَ بن
عبدالله، عن عليّ رضي الله عنه، قال: كنت مع رسول الله وَله بمكة،
فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجرٌ ولا جبلٌ إلّ قال: السّلام
عليك يا رسول الله. أخرجه التِّرمذي(٣) ، وقال: غريب.
وقال يوسف بن يعقوب القاضي: حدثنا أبو الرَّبيع، قال: أخبرنا
أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، قال:
جاء جبريل إلى النبي وَّر وهو خارج من مكة، قد خَضَبه أهلُ مكة
بالدِّماء، قال: ما لَكَ؟ قال: خضبني هؤلاء بالدِّماء وفعلوا وفعلوا،
(١) ابن هشام ٢٣٤/١.
(٢) مسلم ٥٨/٧ .
(٣) الترمذي (٣٧٠٥).
١٠٤

قال: تريدُ أن أُرِيكَ آيَةً؟ قال: نعم. قال: ادعُ تلك الشجرة. فدعاها
رسولُ اللهِ وَلَّهِ، فجاءت تخطُّ الأرضَ حتى قامت بين يديه، قال: مُرْهَا
فلترجعْ إلى مكانها. قال: ارجعي إلى مكانكِ فَرَجعَت، فقال رسول الله
مَالر: حسبي. هذا حديث صحيح(١).
وقال ابن إسحاق(٢): حدثني وهْب بن كيسان، قال: سمعت
عبد الله بن الزُّبير يقول لعُبيد بن عُمَير بن قَتَادة اللَّيثي: حَدِّثْنَا ياعُبيد الله(٣)
عن كيف كان بَدْء ما ابتدىء به رسول الله وَله من النُّبوة حين جاءه
جبريل. فقال عُبيد بن عُمَير: كان رسول الله وَ له يجاور في حِراء من كلّ
سنة شهراً، وكان ذلك ممّا تتحنّث به قريشٌ في الجاهلية. والتحتُّثَ
التبرُّر.
قال ابن إسحاق(٤) : فكان يجاور ذلك في كلّ سنة، يطعم مَنْ جاءه
من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره، كان أول ما يبدأ به الكعبة،
فيطوف ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله كرامته،
وذلك الشهر رمضان، خرج وّل إلى حِراء ومعه أهله، حتى إذا كانت
الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبريل بأمر الله تعالى. قال
رسول الله ◌َّي: ((جاءني وأنا نائم بنمطٍ من ديباج فيه كتاب، فقال: إقرأ.
قلت: ما أقرأ؟ قال: فَغَتَّني (٥) به حتى ظننت أنّه الموت، ثم أرسلني
فقال: إقرأ. قلت: وما أقرأ؟ فغتَّني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني
فقال: إقرأ. قلت: وما أقرأ؟ ما أقول ذلك إلّ افتداءً منه أن يعود لي
(١) أخرجه أحمد ١١٣/٣، والدارمي (٢٣)، وابن ماجة (٤٠٢٨).
(٢) ابن هشام ٢٣٥/١.
(٣) هكذا في الأصل، ولعل هذا من خطاب ابن الزبير له، وإلا فاسمه: ((عُبيد))
حسب .
(٤) ابن هشام ٢٣٦/١.
(٥) أي: عصرني عصراً شديداً حتى وجدت منه المشقة.
١٠٥

بمثل ما صنع بي، فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ (١)﴾ إلى قوله: ﴿ مَا لَمْ يَعَمْ:
[العلق]، فقرأتها ثم انتهى عني، وهَبَبت من نومي، فكأنَّما كتبت في
قلبي كتاباً)). في هذا المكان زيادة، زادها يونس بن بُكَير، عن ابن
إسحاق، وهي: ولم يكن في خلق الله أحدٌ أبغض إليَّ من شاعرٍ أو
مجنونٍ فكنت لا أطيقُ أنظر إليهما، فقلت: إنَّ الأبعد، يعني نفسه،
لشاعرٌ أو مجنون، ثم قلت: لا تَحَدَّثُ عني قريش بهذا أبداً، لأعمدن
إلى حالقٍ من الجبل، فلأطرحنّ نفسي فلأستريحنّ، فخرجت حتى إذا
كنت في وسطٍ من الجبل، سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد
أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبريل في
صورة رجلٍ صافٍّ قدميه في أُفق السماء، فقال: يا محمد أنت رسول الله
وأنا جبريل. فوقفتُ أنظر إليه، فما أتقدَّمُ ولا أتأخَّرُ، وجعلت أصرف
وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحيةٍ منها إلّ رأيته كذلك،
فما زلت واقفاً حتى بعثت خديجةُ رُسُلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة
ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك. ثم انصرف عني، فانصرفت
إلى أهلي، حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذِها مضيفاً إليها(١)
فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فَوالله لقد بعثتُ رُسُلي في طلبك حتى
بلغوا أعلى مكة ورجعوا. ثم حَدَّثْتُهَا بالذي رأيتُ، فقالت: أبشِر يا ابن
عمي واثبت فوالذي نفسُ خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيَّ هذه
الأمة(٢) .
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقتْ إلى ورقة بن نوفل،
وهو ابن عمها، وكان قد تَنَصَّر وقرأ الكتب، فأخبرته بما رأى وسمع،
فقال ورقة: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، والذي نفسي بيده لئن كنتِ صدقت يا
(١) أي: ملتصقاً بها.
(٢). ابن هشام ١/ ٢٣٧ -٢٣٨.
١٠٦

خديجة، لقد جاءه الناموسُ الأكبر الذي كانَ يأتي موسى وإنّه لنبيُّ هذه
الأمة فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله وَ الر فأخبرته بقول
وَرَقة، فلما قضى جواره طاف بالكعبة، فلقيه ورقة وهو يطوف فقال:
أخبرني بما رأيتَ وسمعت، فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبيُّ
هذه الأمة، ولقد جاءكَ النّاموسُ الأكبر الذي جاء موسى ولتُكَذَّبُنَّه
ولتُؤْذُنَّه ولتُخْرَجُنَّه ولتُقَاتَلُنَّه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصُرَنَّ الله
نصراً يعلمُهُ، ثم أدنى رأسه منه فقبَّل يافوخَه .
وقال موسى بن عُقبة في ((مغازيه)): كان ◌َ لَ فيما بَلَغَنا أوّل ما رأى
أنّ الله أراه رؤيا في المنام، فشقَّ ذلك عليه، فذكرها لخديجة، فعصمها
الله وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشِر. ثم أخبرها أنّه رأى بطنه
شُقَّ ثم طُهِّر وغُسِّل ثم أعيد كما كان، قالت: هذا والله خيرٌ فأبشِر. ثم
استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة، فأجلسه في مجلس كريم مُعجِب كان
النبي بَّه يقول: أجلسني على بساط كهيئة الدُّرْنوك (١) فيه الياقوت
واللُّؤلؤ، فبشره برسالة الله عزّ وجلّ حتى اطمأنَّ.
الذي فيها من شقّ بطنه يُحتَمَل أن يكون أخبرها بما تم له في صِغَره
ويُحْتَمَل أن يكون شُقَّ مرةً أخرى، ثم شُقَّ مرة ثالثة حين عُرِج به إلى
السماء .
وقال ابن بُكَير عن ابن إسحاق، فأنشد ورقة:
حديثك إيّانا فأحمد مُرسَلُ
إِن يَكُ حقّاً يا خديجة فاعلمي
من الله وحيٌّ يَشرح الصَّدرَ مُنزَلُ
وجبريل يأتيه وميكالُ مَعْهما
ويشقى به العاني الغويُّ المُظَلَّلُ
يفوز به من فاز فيها بتوبة
ومَنْ هو في الأيام ما شاء يَقعَلُ
فسبحان من تَهوي الرّياحُ بأمره
(١) ستر له خمل.
١٠٧

وأقضاؤه في خلقه لا تُبُدَّلُ
ومَن عرشهُ فوق السَّماوات کلّها
وقال ابن إسحاق(١) : حدثني إسماعيل بن أبي حَكيم أنّ خديجة
قالت لرسول الله وَله: أي ابن عم، إن استطعتَ أن تُخبرني بصاحبك
هذا الذي يأتيك إذا جاءك. قال: ((نعم)). قال: فلمَّا جاءه قال: ((يا
خديجة هذا جبريل)). قالت: يا ابن عم قُم فاجلس على فخذي اليُسرى،
فقام فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل فاقعد
على فخذي اليُمنى. فتحّول فقعد على فخذها، قالت: هل تراه؟ قال:
نعم. قالت: فاجلس في حِجري. ففعل، قالت: هل تراه؟ قال: نعم.
فتحسَّرت فألقت خِمَارها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت: اثبت
وأبشِر فَوَالله إنّه لَمَلَكٌ وما هذا بشيطان. قال: وحدثتُ عبدَالله بنَ حسن
هذا الحديث فقال: قد سمعت أمّي فاطمةَ بنتَ حسين تحدث هذا
الحديث، عن خديجة، إلّا أنِّي سمعتُها تقول: أدخلت رسولَ الله وَهل
بينها وبين دِرعها فذهب عند ذلك جبريل، فقالت: إنَّ هذا لَمَلَكٌ وما هو
بشيطان .
وقال أبو صالح: حدثنا اللَّث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، قال:
أخبرني محمد بن عبَّاد بن جعفر المخزومي أنّه سمع بعضَ علمائهم
يقول: كان أوّل ما أنزل الله على نبيه: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ لَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا
لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق] فقالوا: هذا صدرُها الذي أُنزِل على رسول الله وَل
يوم حِراء، ثم أُنزل آخِرُها بعدُ بما شاء الله.
وقال ابن إسحاق(٢): ابتُدِىء رسولُ الله ◌َله بالتنزيل في رمضان،
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ
[البقرة]،
١٨٥)
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾﴾ [القدر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ
(١) ابن هشام ٢٣٨/١-٢٣٩.
(٢) ابن هشام ٢٣٩/١.
١٠٨

٣
أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ
[الدخان] (١)
.
قال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق(٢)، قال: هَمَزَ جبريلُ بعقبه
في ناحية الوادي، فانفجرت عينٌ، فتوضّأ جبريل ومحمد عليهما
السلام، ثم صلّى ركعتين ورجع، قد أقرَّ الله عينه، وطابت نفسُه، فأخذ
بيد خديجة، حتى أتى بها العينَ فتوضّأ كما توضّأ جبريل، ثم صلّى
ركعتين هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يصليان سرّاً، ثم إنّ علياً جاء
بعد ذلك بيوم فوجدهما يصلّيان فقال عليٍّ: ما هذا يا محمد. فقال:
دينٌ اصطفاهُ الله لنفسه وبعث به رُسُله فأدعوكَ إلى الله وحده وكُفرٍ
باللّت والعُزَّى. فقال عليّ: هذا أمر لم أسمعْ به قبلَ اليوم، فلستُ
بقاضٍ أمراً حتى أُحَدِّث به أبا طالب. وكره رسولُ اللهِوَ لَه أن يُفشي عليه
سِرَّهُ قبل أن يستعلن عليه أمره، فقال له: يا عليّ إنْ لم تُسلم فاكتم،
فمكث عليٍّ تلك الليلة ثم أوقع الله في قلبه الإسلام، فأصبح فجاء إلى
رسول الله وَلّة، وبقي يأتيه على خوفٍ من أبي طالب، وكَتَم إسلامه.
وأسلم زيد بن حارثة، فمكثا قريباً من شهرٍ، يختلفُ عليٍّ إلى
رسولِ الله وَّر، وكان مما أنعم الله على عليّ أنّه كان في حجر رسول الله
وَّله قبل الإسلام.
وقال سَلَمَة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق(٣): حدثني عبدالله
(١) كتب المؤلف في حاشية نسخته إضافة لكنّه تنبه إلى أنها قد مَرّت فكتب قبالتها
((مَّ)) وهي: ((وقال ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر الشعبي، قال: أنزلت
النبوة على رسول الله وَل# وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث
سنين يُعلّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث
سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة)).
(٢) وانظر ابن هشام ٢٤٤/١.
(٣) ابن هشام ٢٤٦/١ .
١٠٩

ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: أصابت قريشاً أزمةٌ شديدة، وكان أبو
طالب ذا عيالٍ كثيرة، فقال النبي ◌َّر للعباس عمه - وكان مُوسِراً - إنَّ
أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصابَ الناسَ ما ترى، فانطلق لنخفف
عنه من عياله، فأخذ النبي وَّ عليّاً، فضَمَّهُ إليه، فلم يزل مع رسول الله
وشميلة
ګ حتى بعثه الله نبيّاً فاتبعه عليّ وآمن به .
وقال الدَّراوَردِيّ، عن عمر بن عبدالله، عن محمد بن كعب
القُرَظيّ، قال: إنّ أوّل من أسلم خديجة، وأول رجُلَين أسلما أبو بكرٍ
وعلي، وإنّ أبا بكر أول من أظهر الإسلام، وإنّ عليّاً كان يكتم الإسلام
فَرَقاً من أبيه، حتى لقيه أبوه فقال: أسلَمتَ؟ قال: نعم، قال: وازر ابنَ
عمِّك وانصُره. وقال: أسلم علي قبل أبي بكر.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبدالرحمن بن
عبدالله ابن الحُصَين التميمي أنّ رسول الله وَ ◌ّه قال: ((ما دعوتُ أحداً إلى
الإسلام إلا كانت عنده كبوةٌ وتردُّد ونظرٌ، إلّ أبا بكرٍ، ماعتم(١) منه
حین ذکرته وما تردد فیه)).
وقال إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن أبي ميسرة أنَّ النبي ◌ِّ كان
إذا بَرَزَ، سمع من يناديه، يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً،
فأسرَّ ذلك إلى أبي بكر، وكان نديماً له في الجاهلية(٢).
(١) كتب المؤلف على حاشية نسخته: ((تأخر)).
(٢) كتب صلاح الدين الصفدي بخطه المليح على حاشية نسخة المؤلف: ((بلغت
قراءة خليل بن أيبك في الميعاد الثاني، وسمع منه قصة سلمان الفارسي إلى
آخره: محصن بن عكاشة)).
١١٠

إسلام السَّابقين الأوَّلينَ
قال ابن إسحاق(١): ذكر بعضُ أهلِ العلم أنّ رسول الله بَّه كان إذا
حضرت الصّلاةُ، خرج إلى شِعاب مكة ومعه عليٍّ فيُصلّيان فإذا أمسيا
رجعا، ثم إنّ أبا طالب عبر عليهما وهما يُصلّيان، فقال للنبي وَّر: يا ابن
أخي ما هذا؟ قال: أي عم هذا دينُ الله ودين ملائكته ورُسُله ودين
إبراهيم، بعثني الله به رسولاً إلى العباد وأنتَ أي عم أحقُّ مَنْ بذلتُ له
النّصيحةَ ودَعَوتُهُ إلى الهُدَى وأحق من أجابني وأعانني. فقال أبو
طالب: أي ابنَ أخي لا أستطيعُ أنْ أفارقَ دين آبائي، ولكن والله لا
يُخْلَصُ إليكَ بشيءٍ تكرهه ما بقيتُ، ولم يكلِّم عليّاً بشيء يكره، فزعموا
أنّه قال: أما إنه لم يَدْعُكَ إلّ إلى خيرِ فاتَّبِعه. ثم أسلم زيد بن حارثة
مولى رسولِ اللهِ بَّ، فكان أوّل ذَكَرٍ أسلم، وصلّى بعد عليٍّ رضي الله
عنهما .
وكان حكيم بن حزام قدم من الشام برقيق، فَدَخَلَت عليه خديجة
بنت خُوَيلِد فقال: اختاري أيَّ هؤلاء الغِلمان شئتِ فهو لك، فاختارت
زيداً، فأخذته، فرآه النبيُّ نَّ﴿ فاستوهبه، فوهبته له، فأعتقه وتبنّاه قبل
الوحي، ثم قدِم أبوه حارثة لموجَدَتِه عليه وجَزَعِه فقال النبيِ نَله: ((إنْ
شئتَ فأقِم عندي، وإنْ شئتَ فانطَلِق مع أبيك))، قال: بل أقيمُ عندكَ،
وكان يُدعى زيد بن محمد، فلمّا نزلت ﴿آدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ !
[الأحزاب] قال: أنا زيد بن حارثة .
(١) ابن هشام ٢٤٦/١-٢٤٧.
١
١١

قال ابن إسحاق(١): وكان أبو بكر رجلاً مألفاً لقومه محبَّباً سهلاً،
وكان أنسَبَ قريشٍ لقريش، وكان تاجراً ذا خُلُقٍ ومعروف، فجعل لمّا
أسلم يدعو إلى الله وإلى الإسلام مَن وثِق به من قومه، مِمَّنْ يَغشاه،
ويجلس إليه، فأسلم بدعائه: عثمان، والزُّبير، وعبدالرحمن بن عَوف،
وطلحة بن عُبَيدالله، وسعد بن أبي وقاص، فجاء بهم إلى رسول الله وَل
حين أسلموا وصلُّوا، فكان هؤلاء النَّفر الثمانية أوّل من سبق بالإسلام
وصلُوا وصدَّقوا.
ثم أسلم أبو عُبيدة عامر بن عبدالله بن الجرّاح الفهرِي، وأبو سَلَمَة
عبدالله بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله المخزومي، والأرقم بن أبي
الأرقم بن أسد بن عبدالله المخزومي، وعثمان بن مظعون الجُمَحِيّ،
وأخواه قُدامة وعبدالله، وعُبَيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبدمَناف
المطّلبيّ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيَل العَدَوي، وامرأته فاطمة
أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وخَبّاب بن الأرَتّ
حليف بني زُهرة، وعُمَير بن أبي وقّاص أخو سعد، وعبدالله بن مسعود،
وسَلِيط بن عمرو بن عبد شمس العامريّ، وأخوه حاطب، وعيّاش بن
أبي ربيعة بن المُغيرة المخزومي، وامرأته أسماء، وخُنَيس بن حُذافة
السَّهميّ، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب، وعبدالله وأبو أحمد ابنا
جحش بن رئاب الأسدي، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت
عُمَيْس، وحاطب بن الحارث الجُمَحّي، وامرأته فاطمة بنت المُجَلَّل،
وأخوه خطّاب، وامرأته فُكَيهة بنت يَسار، ومَعمَر بن الحارث أخوهما،
والسّائب بن عثمان بن مَظعون، والمطّلب بن أزهر بن عبد عَوف
العَدَوي الزُّهْريّ، وامرأته رَملة بنت أبي عَوف، والنّحّام وهو نُعَيم بن
عبدالله بن أسد العدوي، وعامر بن فُهَيرة مولى أبي بكر، وخالد بن
(١) ابن هشام ١/ ٢٥٠.
١١٢

سعيد بن العاص بن أميّة، وامرأته أُميْنَة بنت خَلَف، وحاطب بن عَمرو،
وأبو حُذَيفة مهشم بن عُتبة بن ربيعة، وواقد بن عبدالله حليف بني عَدِيّ،
وخالد، وعامر، وعاقل، وإياس بنو البُكَير حلفاء بني عَدِي، وعمّار بن
ياسر حليف بني مخزوم، وصُهَيب بن سِنان النَّمَريّ حليف بني تَيم.
وقال محمد بن عمر الواقدي(١) : حدثني الضَّحاك بن عثمان، عن
مَخْرَمة بن سليمان الوالبي، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال: قال
طلحة بن عُبَيد الله: حضرت سوق بُصرَى، فإذا راهب في صَومعته
يقول: سلوا أهلَ الموسم، أفيهم أحدٌ من أهل الحَرَم؟ قال طلحة:
قلت: نعم أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومَن أحمد؟ قال: ابن
عبدالله بن عبدالمطّلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء،
مَخْرَجُهُ من الحَرَمِ ومُهاجَره إلى نخلٍ وحَرَّةٍ وسباخ، فإيّاك أن تُسبق إليه .
قال طلحة: فوقع في قلبي، فأسرعت إلى مكة، فقلت: هل من حَدَثٍ؟
قالوا: نعم، محمد بن عبدالله الأمين تنبّأ، وقد تبعه ابنُ أبي قُحافة،
فدخلتُ عليه فقلت: اتَّبعتَ هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطَلِق فاتَّبِعُهُ.
فأخبره طلحة بما قال الرّاهب، فخرج به حتى دخلا على رسول الله واليه
فأسلم طلحة، وأخبر رسولَ الله ◌َله بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة
أخذهما نَوفل بن خُوَيلد بن العَدَوية فشدَّهما في حبلٍ واحد، ولم
تمنعهما بنو تَيم، وكان نَوفل يُدعى ((أسد قريش)»، فلذلك سُمِّ أبو بكر
وطلحة: القَرينَين.
وقال إسماعيل بن مجالد، عن بيان بن بِشر، عن وَبَرة، عن هَمَّام،
قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: رأيتُ رسول الله وَليل وما معه إلّ
خمسة أعبُدٍ وامرأتان وأبو بكر . أخرجه البخاري(٢).
(١) طبقات ابن سعد ٢١٤/٣-٢١٥.
(٢) البخاري ٥/٥-٦.
١١٣

قلت: ولم يذكر عليّاً لأنه كان صغيراً ابن عشر سنين.
وقال العباس بن سالم، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة، عن
عَمرو بن عبَسَة، قال: أتيتُ رسولَ الله ◌َّهِ وهو بمكة مُستَخِفِياً، فقلت:
ما أنتَ؟ قال: ((نبيٌّ)). قلت: وما النبيُّ؟ قال: ((رسول الله)). قلتُ: الله
أرسلَكَ؟ قال: ((نعم)). قلت: بِمَ أرسلَكَ؟ قال: ((بأن يُعبد الله وتُكسر
الأوثان وتُوصل الأرحام)». قلت: نعمَ ما أرسلَكَ به، فمن تَبِعَكَ؟ قال:
(حُرّ وعبد))، يعني أبا بكر وبلالاً، فكان عَمرو يقول: لقد رأيتُني وأنا
رابع أو رُبع، فأسلمتُ وقلت: أَتَّبِعُكَ يا رسولَ الله، قال: ((لا، ولكن
إلحَق بقومك، فإذا أُخبرتَ بأني قد خرجتُ فاتَّبِعني)). أخرجه
مسلم (١) .
وقال هاشم بن هاشم، عن ابن المسيب، أنه سمع سعد بن أبي
وقّاص يقول: لقد مكثتُ سبعةَ أيام، وإنّي لَئُلُثُ الإسلام. أخرجه
البخاري(٢) .
وقال زائدة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبدالله، قال: أوّل من أظهر
إسلامه سبعة: النبي بَّه وأبو بكر، وعمّار وأمّه، وصُهَيب، وبلال،
والمقداد. تفرّد بہ یحیی بن أبي بُگیْر.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن سعيد بن زيد، قال:
والله لقد رأيتُني وإنّ عمر لمُوثِقِي وأخته على الإسلام، قبل أن يُسلم
عمر، ولو أنّ أُحداً ارفَضَّ للذي صنعتم بعثمان لكان. أخرجه
البخاري(٣).
(١) مسلم ٢٠٨/٢ .
(٢) البخاري ٢٨/٥.
(٣) البخاري ٦٠/٥ و٦١ و٦٢ و٢٥/٩.
١١٤

وقال الطَّيَّالسي في ((مُسنده)) (١): حدثنا حمّاد بن سَلَمَة، عن
عاصم، عن زِرّ، عن عبدالله بن مسعود، قال: كنت يافعاً أرعى غنماً
لعُقبة بن أبي مُعَيط بمكة فأتى عليَّ رسولُ الله ◌ِّهِ وأبو بكر، وقد فَرًّا من
المشركين، فقالا: يا غلام هل عندك لبنٌ تَسقينا؟ قلت: إنّي مُؤْتَمَنٌ
ولستُ بساقيكما. فقالا: هل عندك من جَذْعَة لم يَنْزُ عليها الفحل؟
قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ النبيُّ ◌َِّ الضّرع
فدعا، فحفل الضّرعُ، وأتاه أبو بكر بصخرةٍ مُنقَعِرةٍ، فحلب فيها، ثم
شربا وسقياني، ثم قال للضّرع: ((اقلَص))، فقلص فلما كان بعدُ، أتيتُ
رسولَ اللهِ وَّه فقلت: علِّمني من هذا القولِ الطيب، يعني القرآن فقال:
إنّك غلام مُعَلَّم، فأخذتُ من فيه سبعينَ سورة ما ينازعني فيها أحدٌ.
(١) وأخرجه أحمد ٣٧٩/١ و٤٥٣ و٤٥٧ و٤٦٢، وانظر المسند الجامع حديث
(٩٣٦٢).
١١٥

فصل في دعوة النبي ◌َّ عشيرته إلى الله
وما لقي من قومه
وقال جرير، عن عبدالملك بن عُمَير، عن موسى بن طلحة، عن
أبي هريرة، قال: لما نَزَلَت ﴿ وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِنَ الَ﴾ [الشعراء] دعا
النبيُّ وَّ قريشاً، فاجتمعوا فعَمَّ وخَصَّ، فقال: ((يا بني كعب بن لُؤَي
أنقذوا أنفسكم من النار، يابني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا
بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم
من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب
أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإنّي لا أملك
لكم من الله شيئاً، غير أنّ لكم رَحِماً سأبلُها ببَلالها». أخرجه مسلم(١)
عن قُتَيبة وزهير، عن جرير، واتّفقا عليه(٢) من حديث الزُّهري، عن ابن
المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة.
وقال سُليمان الثَّيمي، عن أبي عثمان، عن قَبيصة بن المُخَارق،
وزُهير بن عَمرو، قالا: لمّا نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
[الشعراء] انطلق رسولُ اللهِ وَ لَه إلى رَضمَةٍ من جبل، فَعلاها ثم نادى: يا
بني عبد مناف، إنّي نذير، إنّما مَثَلي ومَثَلُكُمْ كَمَثلِ رَجُلٍ رأى العدوّ
فانطَلَقَ يَربَأُ أهلَهِ(٣)، فخشي أن يسبقُوه فهتف: يا صَبَاحَاه. أخرجه
(١) مسلم ١/ ١٣٣.
(٢) البخاري ٦/ ١٤٠، ومسلم ١٣٣/١.
(٣) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته: ((يرباً أهله: يحفظهم)).
١١٦

(١)
مسلم(١) .
وقال يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق: حدثني من سمع عبدالله بن
الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عباس، عن عليّ، قال:
لمّا نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾﴾ [الشعراء] قال رسول الله وَ له:
عرفت أنّي إنْ بادَاتُ قومي رأيت منهم ما أكره، فصَمتُ عليها، فجاءني
جبريل فقال: يا محمد إنّك إنْ لم تفعل ما أمرك به ربُّك عذَّبك. قال
عليٌّ: فدعاني فقال: يا عليّ إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين،
فعرفت أنّي إنْ بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمتُ، ثم جاءني
جبريل فقال: إنْ لم تفعل ما أُمرت به عذّبك ربُّك، فاصنع لنا يا عليّ
رِجِلَ شاةٍ على صاع من طعام وأعد لنا عُسَّ(٢) لبن، ثم اجمع لي بني
عبدالمطلب)). ففعلت، فاجتمعوا له، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً يزيدون
رجلاً أو ينقصون، فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو
لهب، فقدّمت إليهم تلك الجَفنَة فأخذ رسول الله وَلَّ منها حُذْية، فشقّها
بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها وقال: كُلُوا باسم الله. فأكل القوم حتى
نَهلُوا عنه ما نرى إلّ آثار أصابعهم، والله إنْ كان الرجل منهم يأكل
مثلها، ثم قال رسول الله وَّرَ: ((اسقِهِم يا علي)). فجئت بذلك القَعب،
فشربوا منه حتى نهلوا جميعاً، وايْمُ الله إنْ كان الرجل منهم لَيَشرب
مثله، فلما أراد النبي ◌َّر أن يتكلّم بَدَرَهُ أبو لَهَب فقال: لَهَذَّما(٣)
سَحَرَكم صاحبُكم. فتفرَّقوا ولم يكلِّمهُم، فقال لي النبيِ وَلّ من الغد:
((عُدْ لنا يا علي بمثل ما صنعتَ بالأمس)). ففعلتُ وجمعتُهم، فصنع
رسول الله ﴾ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا، وشربوا من ذلك
(١) مسلم ١٣٤/١.
(٢) أي: قدحاً كبيراً من اللبن.
(٣) كلمة يُتَعَجَّبُ بها .
١١٧

القَعب حتى نهلوا، فقال النبي ◌َّ: ((يا بني عبد المطلب إنّي والله ما
أعلمُ شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم، إني قد جئتكم بأمر
الدنيا والآخرة)».
قال أحمد بن عبدالجبار العُطاردي: بلغني أنّ ابن إسحاق إنّما
سمعه من عبدالغفار بن القاسم أبي مريم، عن المِنهال بن عَمرو، عن
عبدالله بن الحارث.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: فكان بين ما أخفى النبيُّ وَّ أمره
إلى أنْ أُمِرَ بإظهاره ثلاثُ سنين.
وقال الأعمش، عن عَمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن
[الشعراء]
عباس، قال: لما نزلت ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَفْرَبِنَ الَْ﴾
ورهطك منهم المخلصين خرج رسولُ الله ◌َّهِ حتى صَعِدَ الصَّفا فهتف؛
يا صباحاه. قالوا: مَنْ هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه،
فقال: ((أرايتُكم لو أخبرتُكم أنّ خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكُنْتُم
مُصَدِّقِيَّ؟)) قالوا: ما جَرَّبنا عليكَ كَذِباً، قال: ((فإنّي نذيرٌ لكم بين يدي
عذابٍ شديد)) فقال أبو لَهَبٍ: تًَّ لك، أَلِهذا جمعتنا. ثم قام، فنزلت
(تَبَّتْ يَدا أبي لهب وقد تب)) كذا قرأ الأعمش. متفق عليه(١) إلا ((وقد
تب)) فعند بعض أصحاب الأعمش، وهي في صحيح مسلم(٢) . .
وقال ابن عُيَينَة: حدثنا الوليد بن كثير، عن ابن تَدْرس، عن أسماء
بنت أبي بكر، قالت: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ ()﴾ [المسد] أقبلت
العَوراء أمُّ جميل بنت حرب، ولها ولوَلة، وفي يدها فِهر (٣) وهي
تقول :
(١) البخاري ١٢٩/٢ و٢٢٤/٤ و١٤٠/٦ و٢٢١ و٢٢٢، ومسلم ١٣٤/١.
(٢) مسلم ١٣٤/١.
(٣) أي: حجر.
١١٨

وأمْرَهُ عصَيْنا
ودِينَه قَلَيْنا
مُذَمّماً أبينا
والنبي ◌َّ﴾ في المسجد، فقال أبو بكر: يا رسول الله قد أقبَلَت
وأخافُ أنْ تراكَ. قال: إنّها لن تراني، وقرأ قرآناً فاعتصم به وقرأ:
﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا
٤٥١
[الإسراء] فوقفتْ على أبي بكر، ولم تر النبيَّ ◌َّ فقالت: إنّي أُخبرتُ
أنّ صاحبَك هجاني، فقال: لا وَرَبّ هذا البيت ما هجاك، فَوَلَّت وهي
تقول: قد عَلِمَت قريشُ أنّي ابنة سيّدها.
روى نحوه عليّ بن مُسهر، عن سعيد بن كثير، عن أبيه، عن
أسماء .
وقال أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَه
قال: ((انظروا قريشاً كيف يصرف الله عني شَتْمهم ولَعنهم، يشتمون
مُذَمَّماً ويلعنون مذَمَّماً، وأنا محمد)). أخرجه البخاري(١) .
وقال ابن إسحاق(٢): وفشا الإسلامُ بمكةَ ثم أمر الله رسولَهُ فقال:
﴿ فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٤)﴾ [الحجر] وقال: ﴿وَقُلْ إِنَّ أَنَا
﴾ [الحجر] قال: وكان أصحابُ رسولِ الله وَل إذا
٨٩
النَّذِيرُ الْمُبِينُ
صلّوا ذهبوا في الشِّعاب واسْتَخْفُوا بصلاتِهم من قومهم، فبينا سعدُ بن
أبي وقّاص في نَفَرِ بشِعبٍ، إذ ظهر عليهم نفرٌ من المشركين وهم يصلُّون
فناكروهم وعابوا عليهم وقاتلوهم، فضرب سعد رجلاً من المشركين
بلحي بعيرٍ فشجَّه، فكان أوّلَ دم في الإسلام، فلما بادىء رسول الله وَ له
قومَه وصدع بالإسلام، لم يُبْعدَ منه ولم يردُّوا عليه - فيما بلغني - حتى
عابَ آلهتَهم، فأعظَمُوه وناكَرُوه وأجمَعُوا خِلاَفَه وعَداوته، فحدَب عليه
(١) البخاري ٢٢٥/٤.
(٢) ابن هشام ١/ ٢٦٢ -٢٦٣.
١١٩

عمُّه أبو طالب، ومنعه وقام دونه، فلمّا رأت قريش أنّ محمداً وَّةٍ لا
يُعتِبهم من شيءٍ أنكروه عليه، ورأوا أنَّ عمّه يمنعه مشوا إلى أبي طالبٍ
فكلَّموه، وقالوا: إمّا أنْ تَكُفَّه عن آلهتنا وعن الكلام في ديننا، وإمّا أن
تُخلي بيننا وبينه. فقال لهم قولاً رفيقاً، وردّهم ردّاً جميلاً، فانصرفوا.
ثم بعد ذلك تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثَرَت قريش ذِكرَ رسولِ الله
وَلَه، وحضَّ بعضُهم بعضاً عليه، ومشوا إلى أبي طالب مرة أخرى،
فقالوا: إنّ لك نسَباً وشَرَفاً فينا، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم
تَنْهَه عنا، وإنّا والله ما نصبر على شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا حتى تَكُفَّه أو
ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحدُ الفريقين. ثم انصرفوا عنه،
فعظُمَ على أبي طالب فِراقُ قومه وعداوته لهم، ولم يَطِبْ نفساً أن يُسلم
رسولَ اللهِ وَّ لهم ولا أن يَخذُلَه.
وقال يونس بن بُكير، عن طلحة بن يحيى بن عُبَيد الله، عن موسى
ابن طلحة قال: أخبرني عَقِيلُ بن أبي طالب، قال: جاءت قريش إلى
أبي طالب، فقالوا: إنّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهَهُ
عنّا، فقال: يا عَقِيل انطَلِقِ فائتني بمحمد. فانطلقتُ إليه فاستخرجتُه من
حِفش أو كبس - يقول: بيت صغير-، فلمّا أتاهم قال أبو طالب: إنّ بني
عمّكَ هؤلاء قد زعموا أنّك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانتَهِ عن
أذاهم. فحلَّق رسولُ الله وَلَه ببصره إلى السّماء، فقال: ((أترون هذه
الشمسَ)»؟ قالوا: نعم، قال: ((فما أنا بأقدر على أنْ أدَعَ ذلك منكم على
أن تستشعلوا منها شُعلةً)). فقال أبو طالب: والله ما كَذَبَنَا ابنُ أخي قَطّ
فارجعوا. رواه البخاري في ((التاريخ)) (١) عن أبي كُرَيب، عن يونس.
وقال ابن إسحاق(٢) : وحدثني يعقوب بن عُتبة بن المغيرة أنّ قريشاً
(١) التاريخ الكبير ٧ / ٥١.
(٢) ابن هشام ٢٦٦/١.
١٢٠