النص المفهرس

صفحات 81-100

قال: لقيتُ عبدَالله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفةِ رسولِ
الله ◌َّهِ فِي التَّوراة. فقال: أجل، والله إنّه لَمَوصوفٌ في التَّوراة بصفته
في القرآن ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (﴾﴾ [الأحزاب]
وحِرزاً للأُمّيين، أنتَ عبدي ورسولي، سَمَّيتُك المتوكّل، ليس بفظٌ ولا
غليظٍ، ولا سخَّابٍ بالأسواق، ولا يدفع السَّيئة بالسّيئة، ولكن يعفو
ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به المِلَّةَ العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا
الله، فيفتح به أعيناً عُمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلفاً. قال عطاء: ثم
لقيت كعبَ الأحبار فسألته، فما اختلفا في حرفٍ، إلّ أنَّ كعباً يقول
بلغته: أَعْيُنا عُمُومَى وآذاناً صُمُومَا وقلوباً غُلُوفَى(١). أخرجه
البخاري(٢) عن العَوَقي، عن فُلَيح.
وقد رواه سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن
يَسار، عن عبدالله بن سَلام، فذكر نحوه. ثم قال عطاء: وأخبرني أبو
واقد اللَّيثي أنّه سمع كعبَ الأحبار يقول مثل ما قال ابن سَلَام.
قلتُ: وهذا أصُ فإنّ عطاءً لم يُدرك كَعباً .
وروى نحوَه أبو غسّان محمد بن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، أنّ
عبدالله بن سلام قال: صفة النّبيّ نَّهِ فِي التَّوراة، وذكر الحديث.
وروى عطاء بن السّائب، عن أبي عُبَيدة بن عبدالله بن مسعود، عن
أبيه، قال: إنّ الله ابتعث نبيّه لإدخال رجلِ الجنَّةَ، فدخل الكنيسةَ، فإذا
هو بيهود، وإذا بيهوديٍّ يقرأ الثَّوراة، فلمّا أتوا على صفة النّبِيِّ وَل
أمسكوا، وفي ناحية الكنيسة رجل مريض، فقال النّبيُّ ◌َّل: ((ما لكم
أمسكتم؟)) قال المريض: أتوا على صفة نبيِّ فأمسكوا، ثم جاء المريض
(١) هكذا رسم المؤلف هذه الألفاظ.
(٢) البخاري: ٨٧/٣ و١٦٩/٦ وليس فيه قول كعب الأحبار.
٨١

يحبو حتى أخذ التَّوراة فقرأ حتى أتى على صفة النّبيّ ◌َّهِ وأُمَّته، فقال:
هذه صفتك وأُمَّتك أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله، فقال النّبيُّ
وَلَّه : ((لُوا (١) أخاكم)). أخرجه أحمد بن حنبل في ((مُسندِ))(٢).
أخبرنا جماعة عن ابن اللَّي أنّ أبا الوقت أخبره، قال: أخبرنا
الدَّاووديّ، قال: أخبرنا ابن حمويه، قال: أخبرنا عيسى السَّمَر قنديّ،
قال: أخبرنا الدّارمي، قال: أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا معن
ابن عيسى، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عباس
أنّه سأل كعباً: كيف تجد نَعتَ رسولِ الله وَّرَ في التّوراة؟ قال: نجده
محمد بن عبدالله، یولد بمكة، ویهاجر إلى طابةً، ویکون ملكه بالشام،
وليس بفحّاشٍ ولا سخّابٍ في الأسواق، ولا يكافىء بالسيئة السيئة،
ولكن يعفو ويغفر، أُمَّتُهُ الحمّادون، يحمدون الله في كلّ سرّاء،
ويكبِّرون الله على كلّ نجدٍ، يوضّئون أطرافهم، ويأتزِرُون في أوساطهم،
يَصفُّون في صلاتهم كما يصفّون في قتالهم، دَوِيُّهُم في مساجدهم كَدَوِيٍّ
النَّحل، يُسْمَعُ مُناديهم في جَوِّ السّماء. قلت: يعني الأذان.
وقال يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن ثابت بن
شُرَحبيل، عن أمّ الدَّرداء، قالت: قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفةً
النّبيّ وَّهِ فِي التَّوراة. فذكر نحوَ حديث عطاء.
(١) أي: تَولَّوْا أمر أخيكم.
(٢) أحمد ٤١٦/١، وهو منقطع، فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
٨٢

قصَّة سلمان الفارسي
قال ابن إسحاق(١) : حدثني عاصم بن عمر، عن محمود بن لَبِيد،
عن ابن عباس، قال: حدثني سَلمان الفارسي، قال: كنتُ رجلاً من أهل
فارس من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جَيّ، وكان أبي دهقان
أرضه، وكان يحبني حباً شديداً، لم يُحِبَّه شيئاً من ماله ولا ولده، فما
زال به حبُّه إيّايَ حتى حبسني في البيت كما تُحبس الجارية، واجتهدتُ
في المجوسية حتى كنت قَطَن النّار الذي يُوقدها، فلا أتركها تخبو
ساعةً، فكنتُ لذلك لا أعلمُ من أمرِ الناس شيئاً إلّ ما أنا فيه، حتى بنى
أبي بنياناً له، وكانت له ضَيعة فيها بعض العمل، فدعاني فقال: أي
بُنَيَّ، إنّه قد شغلني ما ترى من بُنياني عن ضيعتي هذه، ولا بد لي من
اطلاعها، فانطلقْ إليها فمُرهم بكذا وكذا، ولا تحتبس عليّ فإنّك إن
احتبستَ عنّي شَغَلني ذلك عن كلّ شيء. فخرجتُ أُريد ضَيعته، فمررتُ
بكنيسةٍ للنصارى، فسمعتُ أصواتهم فقلتُ: ما هذا؟ قالوا: النَّصارى،
فدخلتُ فأعجبني حالهم، فوالله ما زلت جالساً عندهم حتى غَربت
الشمس، وبعث أبي في طلبي في كلّ وجهٍ حتّى جئته حين أمسيت، ولم
أذهب إلى ضَيعَته فقال: أين كنتَ؟ قلت: مررت بالنَّصارى، فأعجبني
صلاتهم ودعاؤهم، فجلستُ أنظر كيف يفعلون. قال: أيْ بُنَّيّ دينك
ودينُ آبائك خيرٌ من دينهم. فقلت: لا والله ما هو بخيرٍ من دينهم،
هؤلاء قومٌ يعبدون الله، ويدعونه ويصلُّون له، ونحنُ نعبدُ ناراً نوقدها
(١) ابن هشام: ٢١٤/١-٢٢٢. وهو عند أحمد ٤٤١/٥-٤٤٤، والطبراني في
الكبير (٦٠٦٥)، والخطيب فى تاريخه ١٦٤/١ .
٨٣

بأيدينا، إذا تركناها ماتت. فخاف فجعل في رِجليَّ حديداً وحبسني،
فبعثتُ إلى النصارى فقلت: أين أصلُ هذا الدِّين الذي أراكم عليه؟
فقالوا: بالشام. فقلتُ: فإذا قدِمَ عليكم من هناك ناسٌ فَآذنوني. قالوا:
نفعل. فقَدِم عليهم ناسٌ من تُجارهم فَآذنوني بهم، فطرحتُ الحديد من
رِجليَّ ولحقتُ بهم، فقدِمتُ معهم الشام، فقلت: مَنْ أفضل أهل هذا
الدِّين؟ قالوا: الأسقُف صاحب الكنيسة. فجئته فقلت: إنّي قد أحببتُ
أنْ أكونَ معك في كنيستك، وأعبد الله فيها معك، وأتعلّم منك الخير.
قال: فَكُنْ معي. قال: فكنتُ معه، فكان رجل سَوْءٍ، يأمر بالصَّدَقة
ويُرَغِّبُهم فيها، فإذا جمعوها له اكتنزها ولم يُعطِها المساكينَ، فأبغضتُه
بُغضاً شديداً، لِمَا رأيتُ من حاله، فلم ينشب أنْ مات، فلمّا جاؤوا
ليدفنوه قلت لهم: هذا رجل سَوءٍ، كان يأمركم بالصّدقة ويكتنزها.
قالوا: وما علامةُ ذلك؟ قلت: أنا أُخرِج إليكم كنزه، فأخرجت لهم سبعَ
قِلالٍ مملوءةٌ ذَهَباً ووَرِقاً، فلمّا رأوا ذلك قالوا: والله لا يُدفن أبداً،
فصلبوه ورموه بالحجارة، وجاؤوا برجل فجعلوه مكانه، ولا والله يا ابن
عباس، ما رأيت رجلاً قطّ لا يصلّي الخَمس، أرى أنّه أفضل منه، وأشدّ
اجتهاداً، ولا أزهد في الدّنيا، ولا أدأب ليلاً ونهاراً، وما أعلمني أحببتُ
شيئاً قطّ قبله حُبَّه، فلم أزل معه حتى حَضَرَته الوفاة، فقلتُ: قد
حَضَرَك ما ترى من أمرِ الله فماذا تأمرني وإلى مَنْ توصيني؟ قال لي: أيْ
◌ُنَّ، والله ما أعلمه إلّ بالمَوصِل، فَأَتِهِ فإنّك ستجده على مثل حالي.
فلما مات لحقتُ بالمَوصِل، فأتيتُ صاحبَها فوجدته على مثلٍ حاله
من الاجتهاد والزُّهد، فقلت له: إنّ فلاناً أوصى بي إليك. قال: فأقم
أَيْ بُنَّيّ، فأقمتُ عنده على مثل أمرٍ صاحبه حتى حَضَرَته الوفاةُ، فقلت:
إنَّ فلاناً أوصى بي إليكَ، وقد حَضَرَك من أمرِ الله ما ترى، فإلى مَن
توصيني؟ قال: والله ما أعلمه إلّ رجلاً بنَصِيبين. فلما دفنَّاه لحقتُ
٨٤

بالآخر، فأقمتُ عنده على مثلٍ حالهم، حتى حضره الموت فأوصى بي
إلى رجلٍ من عَمُّورية بالروم، فأتيته فوجدته على مثلِ حالهم، فأقمتُ
عنده واكتسبتُ حتى كانت لي غُنَيمة وبقَيْرات، ثم احتضر فكلَّمتُه،
فقال: أيْ بُنَّ والله ما أعلمه بقيَ أحدٌ على مثل ما كنّا عليه، ولكنْ قد
أَظَلَّك زمانُ نبيِّ يُبعث من الحَرَمِ، مُهَاجَرُه بين حَرَّتَين؛ أرض سَبخَة ذات
نخل، وإنّ فيه علاماتِ لا تَخفى، بين كتفيه خاتم النُّبُوَّة، يأكلُ الهديّةَ
ولا يأكل الصَّدقة، فإن استطعت أن تَخلُص إلى تلك البلاد فافعلْ، فإنه
قد أظَلَّك زمانُهُ .
فلمّا واريناه أقمتُ حتى مرَّ بي رجالٌ من تُجَّار العرب من كَلْب،
فقلت لهم: تحملوني إلى أرضٍ العرب، وأنا أعطيكم غُنَيمتي هذه
ويقراتي؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إيّاها وحملوني، حتى إذا جاؤوا بي
وادي القُرَى ظلموني فباعوني عبداً من رجل يهوديّ بوادي القُرَى، فَوَالله
لقد رأيت النَّخل، وطمعتُ أنْ يكون البلد الذي نَعَتَ لي صاحبي، وما
حقَّت عندي حتى قدِم رجلٌ من بني قُرَيظة فابتاعني، فخرج بي حتى
قدِمنا المدينة، فَوَالله ما هو إلّا أن رأيتُها فعرفتُ نَعتَها فأقمت في رِّي.
وبعث الله رسولَه ◌َ ◌ّ بمكة لا يُذكر لي شيءٌ من أمره، مع ما أنا فيه
من الرِّقّ، حتى قدِم قُباء، وأنا أعمل لصاحبي في نَخله، فَوَالله إنّي لَفِيها،
إذ جاء ابنُ عمِّ له فقال: يا فلان، قاتلَ اللهُ بني قيلة، والله إنّهم الآن
مجتمعون على رجل جاء من مكة، يزعمون أنّه نبيّ. فَوَالله ما هو إلّا أنّ
سمِعتُها فأخذتني العُرَواء - يقول الرِّعدة - حتى ظننتُ لأسقطنَّ على
صاحبي، ونزلتُ أقول: ما هذا الخبر؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمةً
شديدة، وقال: مالك ولهذا، أقبِلْ على عملك. فقلت: لا شيء، إنّما
سمعتُ خبراً فأحببت أن أعلمه، فلما أمسيتُ وكان عندي شيء من
طعام، فحملته وذهبت إلى رسول الله ◌َّه وهو بقُبَاء فقلت له: بلغني
٨٥

أنّك رجلٌ صالح، وأنّ معك أصحاباً لك غُرباء، وقد كان عندي شيء
للصَّدَقَة، فرأيتكم أحقّ مَن بهذه البلاد فَهَاكَها فَكُلْ منه، فأمسك وقال
لأصحابه: كُلُوا، فقلت في نفسي هذه واحدة، ثم رجعت وتحوّل رسولُ
الله ◌َلّ إلى المدينة، فجمعت شيئاً ثم جئته به، فقلت: هذا هديّة، فأكل
وأكل أصحابه، فقلت: هذه خَلَّتان، ثم جئته وهو يتبع جنازةً وعليّ
شملتان لي، وهو في أصحابه، فاستدرتُ لأنظر إلى الخاتم، فلما رآني
استدبرته عرف أنّي أستثبتُ شيئاً وُصِف لي، فوضع رداءه عن ظهره،
فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، كما وصف لي صاحبي، فأكببتُ عليه
أُقَبِّلُه وأبكي، فقال: تحوَّلْ يا سلمان هكذا. فتحوّلت، فجلست بين
يديه، وأحبّ أن يسمع أصحابُه حديثي عنه، فحدّثته يا ابنَ عباس كما
حَدَّثْتُكَ. فلما فرغت قال: ((كَاتِبْ يا سَلمان)). فكاتبت صاحبي على
ثلاث مئة نخلة أُحييها له وأربعين أوقيّة، فأعانني أصحابُ رسولِ الله وَّ
بالنَّخل ثلاثين وَدِيَّةٌ(١) وعشرين ودِيَّة وعشرٍ، فقال لي رسول الله وَّهِ فَقِّرْ
لها(٢) ، فإذا فرغتَ فَاذِنّي حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي. ففقرتها
وأعانني أصحابي، يقول: حفرت لها حيث توضع حتى فرغنا منها،
وخرج معي، فكنا نحمل إليه الودِيَّ فيضعه بيده ويسوّي عليها، فَوَالذي
بعثه ما مات منها وَدِيَّةٌ واحدة. وبقيت عليَّ الدراهم، فأتاه رجلٌ من
بعض المعادن بمثل البيضة من الذَّهَب فقال: أين الفارسيّ؟ فدُعِيتُ له
فقال: خذ هذه فأدِّ بها ما عليك. قلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه
ممّا علي؟ قال: فإنّ الله سيؤدي بها عنك، فوالذي نفسُ سَلمان بيده،
لَوَزَنتُ لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم وعتق سَلمان. وحبسني الرِّقّ
حتى فاتتني بدر وأُحُد، ثم شهدتُ الخندقَ، ثم لم يفُتني معه مشهد.
(١) الودية: جمع ودي، وهو صغار الفسيل.
(٢) التفقير: الحفر للغراس.
٨٦

قولُه: قَطَنُ النار: جمع قاطن، أي: مقيمٌ عندها، أو هو مصدر،
كرجل صومٍ وعَدلِ .
وقال يونس بن بُكَير وغيره، عن ابن إسحاق(١): حدثني عاصم بن
عمر بن قَتَادة، قال: حدثني مَن سمع عمر بنَ عبدالعزيز، قال: وجدتُ
هذا من حديث سَلمان، قال: حُدِّثت عن سَلمان: أنّ صاحب عَمُورِية
قال له لما احتضر: إنت غَيْضَتَين من أرض الشام، فإنَّ رجلاً يخرج من
إحداهما إلى الأخرى في كل سنة ليلة، يعترضه ذوو الأسقام، فلا يدعو
لأحدٍ به مرضٌ إلّ شُفي، فَسَلْهُ عن هذا الدِّين دين إبراهيم. فخرجت
حتى أقمت بها سنةً، حتى خرج تلك الليلة، وإنّما كان يخرج مستجيزاً،
فخرج وغلبني عليه الناس، حتى دخل في الغَيْضة، حتى ما بقي إلّ
منكَبه، فأخذت به فقلت: رحِمَك الله! الحنيفيّة دين إبراهيم؟ فقال:
تسأل عن شيء ما سأل عنه الناسُ اليوم، قد أظلَّك نبيٌّ يخرج عند أهل
هذا البيت بهذا الحَرَم، ويُبعث بسفك الدَّم. فلما ذكر ذلك سَلمان
لرسول الله وَ﴿ قال: ((لئن كنتَ صدَقْتَني يا سَلمان لقد رأيتَ حواريَّ
عيسى ابنِ مريم)» (٢) .
وقال مَسلَمَة بن عَلقمة المازني(٣): حدثنا داود بن أبي هند، عن
سِمَاك بن حرب، عن سلامة العِجلي، قال: جاء ابن أختٍ لي من البادية
يقال له قُدَامة، فقال: أحبُّ أنْ ألقى سلمان الفارسي فأُسلِّم عليه،
فخرجنا إليه فوجدناه بالمدائن، وهو يومئذٍ على عشرين ألفاً، ووجدناه
على سريرٍ يسفُّ خوصاً فسلَّمنا عليه، فقلت: يا أبا عبد الله هذا ابن أختٍ
لي قدِم عليَّ من البادية، فأحبّ أن يسلّم عليك. قال: وعليه السلام
ابن هشام ١/ ٢٢١.
(١)
(٢) إسناده ضعيف لما فيه من الجهالة.
(٣) المعجم الكبير للطبراني (٦١١٠).
٨٧

ورحمة الله وبركاته. قلت: يزعم أنّه يحبّك. قال: أَحَبَّهُ الله. فتحدثنا
وقلنا: يا أبا عبدالله، ألا تحدِّثنا عن أصلك؟ قال: أمّا أصلي فأنا من
أهل رامَهُرْمُز، كنّا قوماً مَجُوساً، فأتى رجلٌ نصرانيٍّ من أهل الجزيرة
كانت أمه منّا، فنزل فينا واتّخذ فينا ديراً وكنت من كُتّاب الفارسية، فكان
لا يزال غلامٌ معي في الكُتَّابِ يجيء مضروباً يبكي، قد ضربه أبواه،
فقلت له يوماً: ما يبكيك؟ قال: يضربني أبواي. قلت: ولِمَ يضرِبانك؟
فقال: آتي صاحبَ هذا الدّير، فإذا عَلِما ذلك ضرباني، وأنت لو أتيته
سَمعتَ منه حديثاً عجباً. قلت: فاذهبْ بي معك، فأتيناه، فحدثنا عن
بدء الخَلق وعن الجنة والنار، فحدثنا بأحاديث عجب، فكنت أختلف
إليه معه، وفَطِنَ لنا غِلمان من الكُتاب، فجعلوا يجيئون معنا، فلما رأى
ذلك أهلُ القرية أتوه، فقالوا: يا هناه إنك قد جاورتَنا فلم تر من جوارنا
إلّ الحَسَن، وإنّا نرى غِلمانَنا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تُفسدهم
علينا، اخرج عنا. قال: نعم. فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه: أخرج
معي. قال: لا أستطيع ذلك. قلت: أنا أخرج معك، وكنت يتيماً لا أبَ
لي، فخرجت معه، فأخذنا جبلَ رَامَهُرمُز، فجعلنا نمشي ونتوكل،
ونأكل من ثمر الشجر، فقدِمنا نَصِيبين، فقال لي صاحبي: يا سَلمان، إنّ
هاهنا قوماً هم عُبّاد أهلِ الأرض، فأنا أحبُّ أنْ ألقاهم. قال: فجئناهم
يوم الأحد، وقد اجتمعوا، فسلَّم عليهم صاحبي، فحيّوه وبَثُّوا به،
وقالوا: أين كانت غيبتك؟ فتحدثنا، ثم قال: قم يا سَلمان، فقلت: لا،
دعني مع هؤلاء. قال: إنّك لا تُطيق ما يطيقون، هؤلاء يصومون من
الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل. وإذا فيهم رجل من أبناء
الملوك ترك المُلكَ ودخل في العبادة، فكنت فيهم حتى أمسينا، فجعلوا
يذهبون واحداً واحداً إلى غاره الذي يكون فيه، فلما أمسينا قال ذاك
الرجل الذي من أبناء الملوك: هذا الغلام ما تضيّعوه ليأخذه رجلٌ
٨٨

منكم. فقالوا: خذه أنت، فقال لي: هَلُمَّ، فذهب بي إلى غاره، وقال
لي: هذا خُبز وهذا أُدم فكُل إذا غرثت، وصُم إذا نشطت، وصلِّ ما بدا
لك، ونَم إذا كسلت. ثم قام في صلاته فلم يكلمني، فأخذني الغمُّ تلك
السبعة الأيام لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد، وانصرف إليَّ، فذهبنا
إلى مكانهم الذي يجتمعون فيه في الأحد، فكانوا يفطرون فيه، ويَلْقَى
بعضهم بعضاً ويسلم بعضهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله، قال:
فرجعنا إلى منزلنا فقال لي مثل ما قال أول مرة، ثم لم يكلمني إلى
الأحد الآخر، فحدثت نفسي بالفِرار فقلت: اصبر أحَدَين أو ثلاثة فلما
كان الأحد واجتمعوا، قال لهم: إني أريد بيتَ المقدس. فقالوا: ما
تريد إلى ذلك؟ قال: لا عهد لي به. قالوا: إنّا نخاف أن يحدُث بك
حَدَث فيليك غيرُنا. قال: فلما سمعته يذكر ذاك خرجتُ، فخرجنا أنا
وهو، فكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي
بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي، فأتينا بيتَ المقدس، وعلى الباب مُقْعَدٌ
يسأل فقال: أعطني. قال: ما معي شيء. فدخلنا بيتَ المقدس، فلما
رأوه بشُّوا إليه واستبشروا به، فقال لهم: غلامي هذا فاستوصوا به،
فانطلقوا بي فأطعموني خبزاً ولحماً، ودخل في الصلاة، فلم ينصرف
إلى الأحد الآخر، ثم انصرف. فقال: يا سَلمان إني أريد أن أضع
رأسي، فإذا بلغ الظلُّ مكان كذا فأيقظني. فبلغ الظلُّ الذي قال، فلم
أوقظه مأواةً له مما دأب من اجتهاده ونَصَبه، فاستيقظ مذعوراً، فقال: يا
سلمان، ألم أكن قلت لك: إذا بلغ الظل مكان كذا فأيقظني؟ قلت:
بلى، ولكن إنّما منعني مأواةً لك من دأبك. قال: ويحك إني أكره أن
يفوتني شيء من الدهر لم أعمل الله فيه خيراً، ثم قال: اعلمْ أنَّ أفضلَ
دينِ اليوم النصرانية. قلت: ويكون بعد اليوم دينٌ أفضل من النصرانية -
كلمة ألقيت على لساني .. قال: نعم، يوشك أن يُبعثَ نبيٌّ يأكل الهدية
٨٩

ولا يأكل الصَّدقة، وبين كتفيه خاتم النُّبُوَّة، فإذا أدركته فاتّبعه وصَدِّقْهُ.
قلت: وإنْ أمرني أنْ أَدَعَ النصرانية؟ قال: نعم فإنّه نبيٌّ لا يأمر إلّ بحق
ولا يقول إلّ حقّاً، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها.
ثم خرجنا من بيت المقدس، فمررنا على ذلك المُقعد، فقال له:
دخلت فلم تعطني، وهذا تخرج فأعطني، فالتفت فلم ير حوله أحداً،
قال: أعطني يدك. فأخذه بيده، فقال: قم بإذن الله، فقام صحيحاً
سويّاً، فتوجّه نحو أهله فأتبَعتُهُ بصري تعجُّباً مما رأيت، وخرج صاحبي
مُسرعاً وتبعته، فتلقاني رفقة من كَلْب، فسَبَوني فحملوني على بعيرٍ
وشدُّوني وثاقاً، فتداولني البيَّاعُ حتى سقطت إلى المدينة، فاشتراني
رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له ومن ثَمَّ تعلمت عَمَلَ الخوص،
أشتري بدِرهَم خوصاً فأعمله فأبيعه بدرهمين، فأنفق درهماً، أحبّ أن
آكل من عملٌ يدي. وهو يومئذٍ أمير على عشرين ألفاً. قال: فَبَلغَنَا
ونحن بالمدينة أنّ رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنّ الله أرسله، فمكثنا ما
شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا، فقلت: لأَجرِبَنَّهُ، فذهبت فاشتريت
لحم جزورٍ بدرهم، ثم طبخته، فجعلت قصعة من ثريد، فاحتملتها حتى
أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه. فقال: ((أصَدَقة أم هدية)»؟
قلت: صَدَقة. فقال لأصحابه: ((كُلُوا بسم الله)) وأمسك ولم يأكل،
فمكثت أياماً، ثم اشتريت لحماً فأصنعه أيضاً وأتيته به، فقال: ما هذه؟
قلت: هدية. فقال لأصحابه: ((كُلُوا بسم الله)) وأكل معهم. قال:
فنظرت فرأيت بين كتفيه خاتم النُّبُوَّة مثل بيضة الحمامة، فاسلمتُ، ثم
قلت له: يا رسولَ الله أيُّ قوم النصارى؟ قال: ((لا خير فيهم)). ثم سألته
بعد أيام قال: ((لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم)). قلت في نفسي: فأنا
والله أحبهم، قال: وذاك حين بعث السرايا وجرّد السيف، فَسَريّةٌ تدخل
وسرية تخرج، والسيف يقطر. قلتُ يحَدَّثُ بي الآن أَنِّي أُحِبُّهم، فيبعث
٩٠

فيضرب عنقي، فقعدت في البيت، فجاءني الرسول ذات يوم فقال: يا
سَلمان أجِب. قلت: هذا والله الذي كنت أحذر. فانتهيتُ إلى رسول الله
وَلّر فتبسم وقال: ((أبشِر يا سَلمان فقد فرَّج الله عنك)) ثم تلا عليَّ هؤلاء
الآيات: ﴿الَّذِينَ ءَنَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ الثَ﴾ إلى قوله:
﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَّرَّتَيْنِ ﴾﴾ [القصص] قلت: والذي بَعَثَكَ بالحق، لقد
سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها .
هذا حديث مُنكَر غريب، والذي قبله أصَحُّ، وقد تفرّد مَسلَمَة بهذا،
وهو ممن احتج به مسلم، ووثقه ابن مَعِين، وأمّا أحمد بن حنبل
فضعفه، رواه قيس بن حفص الدَّارمي شيخ البخاري عنه(١) .
وقال عبدالله بن عبدالقُدُّوس(٢): حدثنا عُبَيد المُكتب، قال: أخبرنا
أبو الطُّفَيل، قال: حدثني سلمان، قال: كنت من أهل جَيّ، وكان أهل
قريتي يعبدون الخيل البُلق، فكنت أعرف أنّهم ليسوا على شيءٍ، فقيل
لي: إنّ الدّين الذي تطلب بالمغرب، فخرجت حتى أتيت المَوصِلَ،
فسألتُ عن أفضلِ رجلٍ بها، فدُلِلتُ على رجلٍ فِي صَومَعَة، ثم ذكر
نحوه. كذا قال الطبراني، قال: وقال في آخره: فقلت لصاحبي: بِعني
نفسي. قال: على أن تُنبِت لي مئة نخلة، فإذا نبتنَ جئني بوزن نواةٍ من
ذهب. فأتيت رسولَ الله وَلّر فأخبرته، فقال: اشترِ نفسَك بالذي سألك،
وائتني بدلوٍ من ماء النَّهر التي كنت تسقي منها ذلك النَّخل. قال: فدعا
لي، ثم سقيتها، فَوَالله لقد غرست مئة فما غادرت منها نخلة إلّا نَبَتَت،
(١) لكنه من رواية سلامة العجلي، وهو مجهول.
(٢) عبدالله بن عبدالقدوس ضعيف، وهو عند الطبراني أيضاً، الحاكم ٦٠٣/٣
وتعقبه المصنف عليه، وقال في ترجمة سلمان من السير: ((هذا حديث منكر
غير صحيح، وعبدالله بن عبدالقدوس متروك، وقد تابعه في بعض الحديث
الثوري وشريك، وأما هو فسَمَّنَ الحديث فأفسده)) (٥٣٤/١).
٩١

فأتيت رسولَ الله وَّ فأخبرته أنّ النَّخلَ قد نبتن، فأعطاني قطعةً من
ذهب، فانطلقت بها فوضعتها في كفّة الميزان، ووضع في الجانب الآخر
نواة، قال: فَوَالله ما استعلت القطعة الذهب من الأرض، قال: وجئت
إلى رسول الله وَ ل ◌ّ فأخبرته، فأعتقني.
عليّ بن عاصم، قال: أخبرنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن
حرب، عن زيد بن صُوحان، أنّ رجُلَين من أهل الكوفة كانا صديقَين
ولهما إخاء، وقد أحبّا أن يسمعا حديثك كيف كان أول إسلامك؟ قال:
فقال سلمانُ: كنت يتيماً من رامَهُرمُز، وكان ابن دِهقان(١) رامَهُرمُز
يختلفُ إلى معلم يعلِّمُهُ، فلزِمِتُّهُ لأكون في كَنَفِهِ، وكان لي أخ أكبر
مني، وكان مستغنياً في نفسه، وكنت غلاماً فقيراً، فكان إذا قام من
مجلسه تَفَرَّقَ من يُحَفِّظه، فإذا تَفَرَّقوا خرج فتقنّع بثوبه، ثم يصعد الجبل
متنكراً، فقلت: لِمَ لا تذهب بي معك؟ فقال: أنت غلام وأخاف أن
يظهر منك شيء. قلت: لا تخف. قال: فإنّ في هذا الجبل قوماً في
برطيل(٢) ، لهم عبادة يزعمون أنّا عَبَدَةُ النّيران، وأنَّا على غير دينٍ
فأستأذِنُ لك. قال: فاستأذنهم ثم واعدني وقال: آخرُج في وقت كذا،
ولا يعلم بك أحدٌ، فإنّ أبي إنْ علم بهم قَتَلَهم. قال: فصعِدنَا إليهم.
قال عليّ - وأراه قال - وهم ستة أو سبعة. قال: وكأنّ الروح قد خرجت
منهم من العبادة يصومون النهار، ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما
وجدوا، فقعدنا إليهم، فذَكَرَنا الحديث بطوله، وفيه: أنّ الملك شعر
بهم، فخرجوا، وصحبهم سلمانُ إلى المَوصِل، واجتمع بعابدٍ من بقايا
أهل الكتاب، فذكر من عبادته وجُوعه شيئاً مُفرِطاً، وأنّه صَحِبِه إلى بيت
(١) الدهقان: رئيس القرية، ومقدم أصحاب الزراعة .
(٢) أي: صومعة.
٩٢

المقدس، فرأى مُقعداً فأقامه، فحملت على المُقعد أثاثه(١) ليسرع إلى
أهله، فانملس مني صاحبي، فتبِعتُ أثَرَه، فلم أظفر به، فأخذني ناسٌ
من كَلْب وباعوني، فاشترتني امرأة من الأنصار، فجعلتني في حائطٍ لها
وقدِم رسول الله وَّرَ، فاشتراني أبو بكر فأعتَقَنِي.
وهذا الحديث يُشبه حديثَ مَسلَمَة المازني، لأنّ الحديثين يرجعان
إلى سِماك، ولكن قال هنا عن زيد بن صوحان، فهو مُنقطعٌ، فإنّه لم
يدرك زيد بن صوحان، وعليّ بن عاصم ضعيف كثير الوهم، والله
أعلم.
عَمرو العَنْقَزِي: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي قُرّة
الكندي، عن سَلمان، قال: كان أبي من الأساورة فأسلمني الكُتّابَ،
فكنت أختلف ومعي غلامان، فإذا رجعا دخلا على راهبٍ أو قَسّ،
فدخلتُ معهما، فقال لهما، أَلَم أَنْهَكما أن تُدْخِلاَ عليّ أحداً. فكنت
أختلف حتى كنتُ أحبَّ إليه منهما، فقال لي: يا سلمان، إنّي أحبّ أن
أخرج من هذه الأرض. قلت: وأنا معك. فأتى قريةً فنزلها، وكانت
امرأة تختلفُ إليه، فلما حضر قال: احفر عند رأسي، فحفرت
فاستخرجت جرَّةً من دراهم، فقال: ضعها على صدري، فجعل يضرب
بيده على صدره ويقول: ويل للقَنَّائين! قال: ومات فاجتمع القِسِّيسون
والرُّهبان، وهَمَمتُ أن أحتمل المال، ثم إن الله عصمني، فقلتُ
للزُّهبان، فوثب شبابٌ من أهل القرية، فقالوا: هذا مالُ أبينا كانت
سُرِّيَّتُه تختلف إليه، فقلت لأولئك: دُلُوني على عالم أكون معه. قالوا:
ما نعلم أحداً أعلم من راهبٍ بحمص. فأتيته فقال: ما جاء بكَ إلّ طَلَب
العلم. قلت: نعم. قال: فإنّي لا أعلم أحداً أعلم من رجلٍ يأتي بيتَ
(١) جاءت الرواية في ترجمة سلمان من السير (١/ ٥٣٠): ((فقال لي المقعد: يا
غلام! احمل عليَّ ثيابي حتى أنطلق وأبشر أهلي)).
٩٣

المقدس كلّ سنةٍ في هذا الشهر. فانطلقتُ فوجدت حماره واقفاً، فخرج
فَقَصَصِتُ عليه، فقال: اجلس هاهنا حتى أرجع إليك. فذهب فلم يرجع
إلى العام المُقبِل، فقال: وإنّك لهاهنا بعد؟ قلت: نعم. قال: فإنّي لا
أعلمُ أحداً في الأرض أعلم من رجلٍ يخرج بأرض تَيماء وهو نبيٌّ وهذا
زمانه، وإن انطلقت الآن وافَقتَه، وفيه ثلاثٌ: خاتم الثُبوة، ولا يأكل
الصَّدقة، ويأكل الهدية. وذكر الحديث(١) .
وقال ابن لهيعة: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، قال: حدثني السَّلْمُ بنُ
الصَّلت، عن أبي الطُّفَيل، عن سلمان، قال: كنت رجلاً من أهل جَيّ
مدينة أصبهان، فأتيت رجلاً يتحرج من كلام الناس، فسألته: أيُّ الدِّين
أفضل؟ قال: ما أعلم أحداً غير راهبٍ بالمَوصِل، فذهبتُ إليه. وذكر
الحديث، وفيه: فأتيتُ حجازياً، فقلتُ: تحملني إلى المدينة؟ قال: ما
تُعطيني؟ قلت: أنا لك عبد. فلما قدِمتُ جعلني في نخله، فكنت أستقي
كما يستقي البعير حتى دَبِر ظهري وصدري من ذلك، ولا أجد أحداً يفقه
كلامي، حتى جاءت عجوزٌ فارسية تستقي، فقلت لها: أين هذا الرجل
الذي خرج؟ فدلَّتني عليه، فجمعت تمراً وجئت فقرَّبتُهُ إليه. وذكر
الحديث .
:
(١) طبقات ابن سعد ٨١/٤-٨٢.
٩٤

ذِكْرُ مَبْعَثِه
صلى الله
ـالى
وعليه
قال الزُّهري، عن عُروة، عن عائشة، قالت(١) : أوَّلُ ما بُدىء به
النبيُّ ◌َّهِ من الوحي الرُّؤيا الصالحة ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يأتي
حِراء فيتحنّث فيه، أي: يَتَعبَّدُ الليالي ذوات العَدَد ويَتزوَّدُ لذلك، ثم
يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى فَجَأه الحقُ وهو في غار حِراء،
فجاءه المَلَك فقال: اقرأ، قال: فقلت: ما أنا بقارىءٍ. فأخذني فَغَطَّني
حتى بلغ مني الجَهْدَ، ثم أرسلني، فقال: إقرأ، فقلت: ما أنا بقارئٍ.
فأخذني الثانية فغطني حتى بلغ مني الجَهْدَ، ثم أرسلني، فقال: إقرأ.
فقلت: ما أنا بقارىء. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم
أرسلني فقال: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ (3َ﴾ حتى بلغ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ
يَعْلَ الَْا﴾ [العلق] قالت: فرجع بها ترجفُ بوادرُه(٢) حتى دخل على
خديجة فقال: زَمِّلوني. فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع فقال: يا خديجة
ما لي! وأخبرها الخبر وقال: قد خشيتِ عليَّ. فقالت له: كلّ أبشر
فَوَ الله لا يُخزيكَ الله إنّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وتَصدُق الحديث، وتحمل الكَلَّ،
وتُعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمّها ورقة بن
نَوفل بن أسد بن عبد العُزَّى، وكان أمرءاً تَنصَّرَ في الجاهلية، وكان
يكتب الخطَّ العربي، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب،
وكان شيخاً قد عَمي. فقالت: اسمع من ابنِ أخيك. فقال: يا ابن أخي
(١) أخرجه البخاري ٣/١ و١٨٤/٤ و٢١٤/٦ و٢١٥ و٢١٦ و٣٧/٩، ومسلم
١/ ٩٧-٩٨ وغيرهما. وانظر طبقات ابن سعد ١٩٤/١، وابن هشام ٢٣٤/١.
(٢) أي: ما يبدر من الرجل عند غضبه، وهي لحمة بين المنكب والعنق.
٩٥

ما ترى؟ فأخبره، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا
ليتني فيها جَذَعاً حين يُخرِجُكَ قومُك، قال: أوَ مُخرجيَّ هم؟ قال:
نعم، إنه لم يأتِ أحد بما جئت به إلّ عُودي وأُوذِي، وإنْ يُدرِكني يومُكَ
أَنصُرُك نصراً مُؤزَّراً. ثم لم يَنشب ورقةُ أنْ تُوفي .
فروى التِّرمذِي (١) ، عن أبي موسى الأنصاري، عن يونس بن بُكَير،
عن عثمان بن عبدالرحمن، عن الزُّهري، عن عُروة، عن عائشة، قالت:
سُئل النبي ◌َّ عن ورَقة، فقالت له خديجة: إنه - يا رسول الله - كان
صَدَّقَك، وإنّه مات قبل أن تظهر. فقال: ((رأيته في المنام عليه ثياب
بيض، ولو كان من أهل النار لَكَان عليه لباس غير ذلك)).
وجاء من مَراسيل عُروَة أنّ رسول الله وَّ قال: ((رأيت لورقة جنَّةً أو
جنَّتَین)).
وقال الزُّهري، عن عُروة، عن عائشة: ((وفَتَرَ الوحيُّ فترةً، حتى
حزن رسولُ الله ◌َّلِ حُزناً شديداً، وغدا مراراً يتردى من شواهق الجبال،
وكلّما أوفى بذِروة ليلقي نفسه، تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنّك
رسولُ الله حقّاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقَرُّ نفسُه، فيرجع، فإذا طالت
عليه فترةُ الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تَبَدَّى له جبريل
فقال مثل ذلك. رواه أحمد في «مُسنده))(٢)، والبخاري(٣).
وقال هشام بن حسّان، عن عِكرِمة، عن ابن عباس، قال: بُعِثَ
رسول الله وَلّ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه،
ثم أُمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاثٍ وستّين.
(١) الترمذي (٢٣٩٠).
(٢) أحمد ٢٣٣/٦.
(٣) البخاري ٣٧/٨-٣٨.
٩٦

(١)
رواه البخاري
.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيّب، قال: أُنزل
على رسول الله وَّ وهو ابن ثلاثٍ وأربعين سنة، فمكث بمكة عشراً
وبالمدينة عشراً (٢).
وقال محمد بن أبي عدِيّ، عن داود بن أبي هند، عن الشَّعبي،
قال: نزلت عليه النُّبوة وهو ابن أربعين سنة، فَقُرِنَ بنُبُوَّته إسرافيل ثلاث
سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاثُ
سنين قرنَ بنُبُوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، ومات
وهو ابن ثلاثٍ وستين(٣) .
أخبرنا أبو المعالي الأبرقُوهي، قال: أخبرنا عبد القويّ بن الجَبّاب،
قال: أخبرنا عبدالله بن رفاعة، قال: أخبرنا عليّ بن الحَسَن الخِلَعِيُّ،
قال: أخبرنا أبو محمد بن النَّخَّاس، قال: أخبرنا عبدالله بن الورد، قال:
أخبرنا عبدالرحيم بن عبدالله البَرقيّ، قال: حدثنا عبدالملك بن هشام،
قال(٤): حدثنا زياد بن عبدالله البكّائيّ، عن محمد بن إسحاق، قال:
كانت الأحبار والرُّهبان وكُهّان العرب قد تحدّثُوا بأمر محمد بَّل قبل
مبعثه لما تقارب من زمانه، أمّا أهل الكتاب فَعَمّا وجدوا في كُتُبهم من
صفته وصفة زمانه، وما كان عهد إليهم أنبياؤهم من شأنه، وأمّا الكُهّان
فأتتهم الشياطين بما استَرَقَت من السَّمع، وأنّها قد حُجِبت عن استراق
السَّمع ورُمِيَت بالشُّهُب. قال الله تعالى: ﴿ وَأَنَّا كُنَانَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلِسَّمْعُ
فَمَن يَسْتَمِعِ الَْنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَا رَّصَدًا ﴾﴾ [الجن] فلما سمعت الجُّ القرآن
(١)
البخاري ٥٦/٥ .
طبقات ابن سعد ١٩٠/١.
(٢)
(٣)
طبقات ابن سعد ١ / ١٩١ .
(٤) ابن هشام ٢٠٤/١.
٩٧

من النبي ◌َّ عرفت أنّها مُنِعَت من السَّمع قبل ذلك، لئلا يشكل الوحي
بشيء من خبر السّماء فيلتبس الأمر، فَآمنوا وصدّقوا وولّوا إلى قومهم
منذِرین .
حدثني يعقوب بن عُتبة أنه بلغه أنَّ أوَّلَ العرب فزع للرمي بالنّجوم
ثقيفٌ، فجاؤوا إلى عمرو بن أُميَّة وكان أدهى العرب، فقالوا: ألا ترى
ما حدث؟ قال: بلى، فانظروا فإنْ كانت معالم النُّجوم التي يُهتَدَى بها
وتُعرف بها الأنواء هي التي يُرمَى بها، فهي والله طيُّ الدُّنيا وهلاك
أهلها، وإنْ كانت نجوماً غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا أمرٌ أراد
الله به هذا الخَلقَ فما هو (١) .
قلت: روى حديث يعقوب بنحوه حُصَين، عن الشَعبي، لكن قال:
فأتوا عبدَ يا ليلَ بن عَمرو الثَّقفي، وكان قد عَمِي .
وقد جاء غيرُ حديثٍ بأسانيدَ واهيةٍ أنّ غيرَ واحدٍ من الكُهّان أخبره
رَئِيُّهُ من الجنِّ بأسجاع ورجزٍ، فيها ذِكر مَبعث النبي بَّرُ وسُمع من
هواتف الجانّ من ذلك أشياء.
وبالإسناد إلى ابن إسحاق(٢) ، قال: حدثني عاصم بن عمر بن
قَتَادة عن رجالٍ من قومه، قالوا: إنّ مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله
وهُداه لنا، أنّا كنّا نسمع من يهود، وكنّا أصحابَ أوثان، وهم أهل
كتاب، وكان لا يزال بيننا وبينهم شُرُور، فإذا نلنا منهم قالوا: إنَّه قد
تقارب زمان نبي يُبعثُ الآن نقتلكم معه قَتْلَ عادٍ وإرمَ، فكُنّا كثيراً ما
نسمع ذلك منهم، فلمّا بعث الله رسوله وَ﴾ أجبناه حين دعانا، وعرفنا ما
كان يتوعدونا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففي ذلك نزل:
(١) ابن هشام ٢٠٦/١.
(٢) ابن هشام ١/ ٢١١.
٩٨

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُواْ أَ﴾ [البقرة] الآيات.
حدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عَوف، عن محمود بن
لَبِيد، عن سَلَمة بن سلامة بن وَقْش، قال: كان لنا جارٌ يهوديٌّ، فخرج
يوماً حتى وقف على بني عبدالأشهل، وأنا يومئذٍ أحدثُهم سِنّاً، فذكر
القيامةَ والحسابَ والميزانَ والجنة والنار، قال ذلك لقوم أصحاب أوثانٍ
لا يرون بعثاً بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، أَوَ تَرى هذا كائناً
أنّ النّاس يُبعثون! قال: نعم. قالوا: فما آية ذلك؟ قال: نبيٌّ مبعوثٌ من
نحو هذه البلاد، وأشار إلى مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر
إليَّ وأنا حَدَث فقال: إنْ يستنفد هذا الغلامُ عُمرَه يُدركه. قال سَلَمة:
فَوَالله ما ذهب الليلُ والنهار حتى بعث الله محمداً فَّرَ وهو حيٌّ بين
أَظُهُرِنا، فَآَمنّا به، وكَفَرَ به بَغياً وحَسَداً، فقلنا له: ويحَك يا فلان،
ألستَ بالذي قلتَ لنا فيه ما قلت! قال: بلى، ولكن ليس به (١) .
حدثني(٢) عاصم بن عمر، عن شيخ من بني قُرَيظة، قال لي: هل
تدري عَمّ كان الإسلام لثعلبة بن سَعيَة، وأسيد بن سَعية، وأسد بن
عُبَيد، نفر من إخوة بني قُرَيظة، كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا
سادتهم في الإسلام؟ قلت: لا والله، قال: إنّ رجلاً من يهود الشام يقال
له ابن التيهان(٣) قدِم علينا قبل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، والله
ما رأينا رجلاً قطّ لا يصلي الخمسَ أفضل منه، فأقام عندنا فكان إذا
قحط عنّا المطر يأمرنا بالصَّدقة ويستسقي لنا، فَوَالله ما يبرح من مجلسه
حتى نُسقَى، قد فعل ذلك غير مرَّتين ولا ثلاث، ثم حَضَرَته الوفاة، فلما
(١) ابن هشام ١/ ٢١٢.
(٢) ابن هشام ٢١٣/١.
(٣) هكذا هو مجود بخط المؤلف، وفي سيرة ابن هشام: ((الهَيَّبان)).
٩٩

عرف أنّه ميّتٌ قال: يا معشر يهود ما تَرَوْنَهُ أخرجني من أرض الخَمر
والخمير، إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم. قال: إنما قدِمتُ
أَتَوَكَّفُ خروج نبيِّ قد أظل زمانُه، وهذه البلدة مُهاجَرُه، فكنت أرجو أن
يُبعث فاتبعه، وقد أظَلَّكم زمانه، فلا تُسْبَقُنَّ إليه يا معشر يهود، فإنّه
يُبعث بسفك الدّماء وسبي الذَّراري والنّساء ممّن خالفه، فلا يمنعكم
ذلك منه. فلما بُعث محمد رَّه وحاصر خَيبَر قال هؤلاء الفتية، وكانوا
شباباً أحداثاً: يا بني قُرَيظَة، والله إنّه للنّبيُّ الذي كان عَهِدَ إليكم فيه ابن
التيهان. قالوا: ليس به، فنزل هؤلاء وأسلموا وأحرزوا دماءهم
وأموالهم وأهاليهم.
وبه، قال ابن إسحاق(١): وكانت خديجة قد ذكرت لعمها وَرَقة بن
نَوفَل، وكان قد قرأ الكتبَ وتنصّر، ما حدّثها مَيَسَرَة من قول الرّاهب
وإظلال الملَكَين، فقال: لئن كان هذا حقاً يا خديجة إنّ محمداً لَنَبِيُّ
هذه الأمة، وقد عرفتُ أنّ لهذه الأمة نبيّاً يُنْتَظَر زمانُه، قال: وجعل وَرَقة
يستبطىء الأمرَ ويقول: حتى متى، وقال:
لهمّ طالما بعث النَّشِيجا
لَجِجْتُ وكنتُ في الذِّكرَى لَجُوجاً
ووصفٍ من خديجةً بعد وصفٍ
ببطن المكَّتَين على رجائي
فقد طال انتظاري يا خديجا
حديثك أن أرى منه خُروجا
من الرُّهْبان أكره أن يَعُوجا
بما خبرتِنا من قول قَسّ
ویخْصِم من يكون له حجيجا
بأنّ محمداً سيسود قوماً
يقيم به البريّة أن تموجا
ويلقى من يسالمه فُلُوجا
شهدت فكنت أوّلهم وُلُوجا
ويظهر في البلاد ضياءُ نورٍ
فَيَلْقَى مَنْ يحاربُه خَسَاراً
فيا لَيْتَني إذا ما كنت ذاكم
(١) ابن هشام ١/ ١٩١.
١٠٠