النص المفهرس

صفحات 41-60

إبراهيم ابن النّبِيِّ وَّ من ماريّة كاد يقع في نَفْسه منه، حتى أتاه جبريل
عليه السلام - فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم. ابن لَهِيعة ضعيف .
٤١

ذِكْر مَا وَرَدَ في قصَّةِ سَطِيح
وخمود النيران ليلة المولد وانشقاق الإيوان
قال ابن أبي الدُّنيا وغيره(١) : حدثنا عليّ بن حرب الطّائي، قال:
أخبرنا أبو أيوب يعلى بن عمران البَجَلي، قال: حدثني مخزوم بن هانىء
المخزومي، عن أبيه، وكان قد أتت عليه مئة وخمسون سنة، قال: لما
كانت الليلة التي وُلد فيها رسول الله وَّ ارتجس إيوان كِسْرَى، وسقطت
منه أربع عشرة شُرْفَة، وغاضت بُحَيرة سَاوَة، وخمدت نارُ فارس، ولم
تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى المُوبَذان(٢) إبلا صِعاباً تقود خيلاً
عِراباً قد قطعت دِجْلة وانتشرت في بلادها، فلمّا أصبح كِسرى أفزعه ما
رأى من شأن إيوانه فصبر عليه تَشَجُّعاً، ثم رأى أن لا يستر ذلك عن
وزرائه ومَرَازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم، فلما اجتمعوا
عنده، قال: أَتَدرون فيمَ بعثتُ إليكم؟ قالوا: لا إلّا أن يخبرنا الملكُ،
فبينا هُمْ على ذلك أُورد عليهم كتابٌ بخمود النّار، فازداد غَمَّاً إلى غمّه،
فقال المُوبَذان: وأنا قد رأيت - أصلح الله الملكَ - في هذه اللّيلة رؤيا،
ثم قصّ عليه رؤياه فقال: أيّ شيءٍ يكون هذا يا موبَذان؟ قال: حَدَثٌ
يكون في ناحية العرب، وكان أعلمهم في أنفسهم، فكتب كِسْرَى عند
ذلك :
((من كِسْرَى ملك الملوك إلى النُّعمان بن المنذر، أما بعد، فَوَجِّه
إليَّ برجلٍ عالم بما أُريدُ أن أسأله عنه. فوجَّه إليه بعبد المسيح بن حيّان
(١) دلائل النبوة للبيهقي ١٢٦/١ - ١٣٠.
(٢) الموبذان: كاهن المجوسية في الدولة الساسانية.
٤٢

ابن بُقَيْلَة الغسّاني، فلما قدِم، عليه قال له: هل لك علم بما أُريد أن
أسألك عنه؟ قال: ليسألني الملكُ فإنْ كان عندي عِلم وإلّ أخبرته بمن
يَعلمه، فأخبره بما رأى، فقال: عِلْمُ ذلك عند خالٍ لي يسكن مشارفَ
الشام يقال له سَطِيح، قال: فائتِه فَسَله عمّا سألتُكَ وائتني بجوابِهِ،
فركب حتى أتى على سَطِيح وقد أشفى على الموت، فسلّم عليه وحيّاه
فلم يُحِرْ سَطِيح جواباً، فأنشأ عبد المسيح يقول:
أم فاد فازْلَمَّ(١) به شأوُ العَنَنْ
أصَمُّ أم يسمعُ غِطْرِيف اليمنْ
يا فاصِلَ الخُطَةِ أَعْيَتْ مَنْ ومَنْ
وأُهُ من آل ذئب بنِ حَجَنْ
أَبْيَضُ فضفاضُ الرِّداءِ والبَدَنْ
أتاك شيخُ الحيِّ من آلِ سَنَنْ
أزرقُ بَهْمُ النّابِ صِرَّار الأُذُنْ
رسولُ قَيْلِ العُجْم يَسْرِي للوَسَنْ
ترفعُني وجن(٢) وتَهِي بِي وَجَنْ
يَجُوبُ في الأرضِ عَلَنْدَاةٌ شُجُنْ
كأنَّما خُثْحِثَ من حِضْنَيْ ثَكَنْ(٣)
تَلْفُّهُ في الريحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنْ(٤)
لا يَرْهَبُ الرَّعْدَ ولا رَيْبَ الزَّمَنْ
حتى أتى عارِي الجاجي والقَطَنْ
فقال سطيح: عبد المسيح، جاء إلى سَطيح، وقد أوفى على
الضَّرِيحِ، بعَثَكَ ملِكُ بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخُمود النّيران،
ورُؤْيا المؤُبَذان، رأى إبلا صِعاباً، تقود خيلاً عِرَاباً، قد قطعت دِجلة،
وانتشرت في بلادها، يا عبدَ المسيح إذا كثرت التّلاوة، وظهر صاحب
الهراوة، وفاض وادي السَّماوَة، وخَمَدت نارُ فارسٍ، فليس الشام
لسَطِيحِ شاماً، يملك منهم ملوكٌ وملِكات، على عَدَدِ الشُّرُفَات، وكلّ ما
هو آتٍ آت. ثم قضى سَطِيح مكانَه، وسار عبدُ المسيح إلى رَحْله، وهو
يقول :
(١) أي: أسرع.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وفي الدلائل وابن كثير: وجناً، والوجن: الأرض الصلبة.
٤٣

لا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وتَغِيرُ
شَمِّرْ فإنّك ماضي الهمِّ شِمِّيرُ
إِنْ يُمْسِ مُلكُ بني ساسانَ أفْرَطَهُمْ
فَرُبَّمَا رُبَّما أَضْحَوْا بمنزلةٍ
مِنْهُمْ أخو الصَّرْحِ بَهْرامٌ وإخوتُهُ
والنّاسُ أولادُ عَلَّتٍ فَمَن عِلِمُوا
وهُمْ بنو الأمّ إمَّا إنْ رَأَوْا نَشَباً
والخيرُ والشَّرُّ مصفودان في قَرَنٍ
فإنَّ ذا الدَّهْرَ أطوارٌ دَهاريرُ
تَهَابُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المَهَاصِيرُ
والهُرْمُزَان وسابورٌ وسابورُ
أنْ قد أقَلَّ فمحقورٌ ومهجورُ
فَذَاكَ بالغيب محفوظٌ ومنصُورُ
فالخيرُ مُتَّبَعٌ والشَّرُ مَحْذُورُ
فلما قدِم على كِسرى أخبره بقول سَطِيح، فقال كِسرَى: إلى متى
يملك منّا أربعةَ عشر ملِكاً تكون أمورٌ، فملك منهم عشرةٌ أربع سنين،
ومَلَك الباقون إلى آخر خلافة عثمان رضي الله عنه. هذا حديث مُنْكَرٌ
غريب .
وبإسنادي إلى البكّائيّ، عن ابن إسحاق(١)، قال: كان ربيعة بن
نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التّابعة، فرأى رؤيا هالته وفَظع
منها، فلم يَدَعْ كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً ولا منجِّماً من أهل مملكته إلّ
جمعه إليه، فقال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بها
وبتأويلها. قالوا: اقصُصها علينا نُخبرك بتأويلها. قال: إنّي إنْ أخبرتكم
بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، إنّه لا يعرف تأويلَها إلّ من
عرفها. فقيل له: إنْ كان الملِك يريد هذا فلْيبعث إلى سَطِيح وشِقِّ فإنّه
ليس أحدٌ أعلم منهما، فبعث إليهما فقدِم سَطِيح قبل شِقِّ، فقال له:
رأَيت حُمَمَةً خَرَجَتْ من ظُلُمَة، فوقعت بأرض تَهِمَة (٢) ، فأكلت منها
كلّ ذاتِ جُمْجُمَة. قال: ما أخطأت منها شيئاً، فما تأويلها؟
فقال: أحلِفُ بما بين الحَرَّتين من حَنَش، ليهبطنّ أرضَكم الحَبَش،
(١) ابن هشام ١٥/١.
(٢) وهي الأرض المنخفضة المتصوبة نحو البحر، وبها سميت تِهامة.
:
٤٤

فَلَيَمْلِكُنَّ ما بين أَبْيَنَ إلى جُرَش(١).
فقال الملك: وأبيكَ يا سَطِيح إنّ هذا لنا لَغَائِظُ مُوجِع، فمتى هو
كائنٌ أفي زمانه أم بعده؟
قال: بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين يمضين من السّنين،
قال: أَفَيدومُ ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين
من السنين، ثم يُقْتَلُّون ويُخرجون هاربين. قال: مَن يلي ذلك من قتلهم
وإخراجهم ؟ قال: يليه إرم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك
منهم أحداً باليمن. قال: أفَيدومُ ذلك؟ قال: بل ينقطع بنبيّ زكيّ يأتيه
الوحيُّ من قِبَل العَليّ. قال: ومِمَّنْ هو؟ قال: من ولد فِهْر بن مالك بن
النَّضْر، يكون المُلْك في قومه إلى آخر الدّهر. قال: وهل للدهر من
آخِر؟ قال: نعم، يوم يُجمع فيه الأوّلون والآخرون، يَسْعَدُ فيه
المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحَقُّ ما تُخْبِرني؟ قال: نعم
والشَّفْقِ والغَسَق، والفَلَق إذا اتَّسَق، إنّ ما أنبأتك به لَحَقُّ .
ثم قَدِمَ عليه شِقٌّ، فقال له كقوله لسَطِيح، وكتمه ما قال سطيحٌ
لينظر أيتَّفقان. قال: نعم رأيتَ حُمَمَةً خرجت من ظُلُّمة، فوقعت بين
روضةٍ وأكَمَة، فأكلت منها كلّ ذات نَسَمَة. فلما قال ذَلك عرف أنّهما قد
اتّفقا، فوقع في نفسه، فجهَّزَ أهلَ بيته إلى العراق، وكتب لهم إلى ملك
من ملوك فارس يقال له سابور بن خُرَّزاذ، فأسكنهم الحِيرَة، فمن بقيّة
ولدٍ ربيعةً بن نصر: النُّعمان بن المُنْذر، فهو في نَسَب اليمن: التُّعمان
ابن المنذر بن النُّعمان بن المُنْذر بن عمرو بن عَدِيّ بن ربيعة بن نصر .
(١) مدينتان في اليمن.
٤٥

باب منه
عن ابن عباس، عن النّبيّ ◌ََِّ، قال: ((خرجت من لَدُن آدمَ من نكاحِ
غير سِفاح)). هذا حديث ضعيف، فيه متروكان: الواقديّ، وأبو بكر بن
أبي سَبْرة .
وورد مثله عن محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، عن
أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ، وهو منقطع إنْ صحّ
عن جعفر بن محمد، ولكن معناه صحيح.
وقال خالد الحذَّاء، عن عبدالله بن شقيق، عن ابن أبي الجدعاء،
قال: قلت: يا رسول الله، متى كنتَ نبيًّاً؟ قال: ((وآدمُ بين الروح
والجسد)).
وقال منصور بن سعد، وإبراهيم بن طَهمان واللَّفظ له: قال: حدثنا
بُديل بن مَيْسَرة، عن عبدالله بن شقيق، عن مَيْسرة الفجر، قال: سألتُ
رسولَ اللهِ وَ لَه متى كنتَ نبيّاً؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد)).
وقال التِّرمِذِيّ(١) : حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا الوليد بن
مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَة، عن أبي
هريرة: سُئل النّبيُّ وََّ: متى وَجَبَتْ لكَ النُُّوَّةُ؟ قال: ((بين خلقِ آدم
ونَفْخِ الروحِ فيه)) قال الترمذي: حَسَن غريب.
قلت: لولا لِين في الوليد بن مسلم لَصَخَّحه التِّرمِذي.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢) : حدثني ثور بن يزيد،
(١) الترمذي (٣٦٨٨).
(٢) ابن هشام ١٦٦/١.
٤٦

عن خالد بن مَعْدان، عن بعض أصحاب رسول الله وَّر أنّهم قالوا: يا
رسول الله، أخْبِرنا عن نفسك قال: ((دعوةُ أبي إبراهيم، وبُشْرَى عيسى،
ورأت أمّ حين حَمَلَتْ بي كأنّ نوراً خرج منها أضاءت له قصور بُصْرَى
من أرض الشام)).
وروينا بإسنادٍ حَسَن - إن شاء الله - عن العِرْباض بن سارية، أنّه
سمع النّبِيَّ نََّ يقول: ((إنّي عبدالله وخاتم النّبيّين، وإنَّ آدم لَمُنْجَدِلٌ في
طِينته، وسأخبركم عن ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبِشارةُ عيسى لي،
ورؤيا أمّي التي رأت)). وإنَّ أمّ رسولِ الله وَلَه رأت حين وضعته نوراً
أضاءت منه قصور الشام.
ورواه اللَّيث، وابنُ وَهْب، عن معاوية بن صالح، سمع سعيد بن
سُوَيد يحدّث عن عبدالأعلى بن هلال السُّلمي، عن العِرْباض، فَذَكَرَه.
ورواه أبو بكر بن أبي مريم الغسّاني، عن سعيد بن سُوَيْد، عن
العِزْباض نفسه .
وقال فرج بن فَضالة: حدثنا لُقمان بن عامر، قال: سمعت أبا
أُمامة، قال قلت: يا رسول الله، ما كان بَدْء أمْرِكَ؟ قال: ((دعوةُ
إبراهيم، وبُشْرَى عيسى، ورأت أمّي أنّه خرج منها نور أضاءت منه
قصور الشام)). رواه أحمد في ((مسنده))(١) عن أبي النَّضْر، عن فرج ..
قوله: (لَمُنْجَدِلٌ)) أي مُلْقىَ، وأمّا دعوة إبراهيم فقوله: ﴿رَبَّنَا
وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾﴾ [البقرة] وبشارة عيسى قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى
مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَحْمَذٌ ﴾﴾ [الصف].
وقال أبو ضَمْرة: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أنّ النّبِيَّ ◌َّـه
قال: ((قسم اللهُ الأرضَ نصفين فجعلني في خَيْرِهما، ثم قسم النّصفَ
(١) أحمد ١٢٧/٤ و١٢٨ و٢٦٢/٥.
٤٧

على ثلاثةٍ فكنت في خير ثُلُثِ منها، ثم اختار العربَ من النّاس، ثم
اختار قريشاً من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني
عبدالمطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبدالمطلب)) هذا حديث
مُرْسَل .
وروى زَحْرُ بن حِصْن، عن جدّه حُمَيْد بن منهب، قال: سمعت
جدّي خُرَيْم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرتُ إلى رسول اللهِ وَله
مُنْصَرَفَه من تَبُّوك، فسمعتُ العباس، يقول: يا رسول الله إنّي أريد أن
أمتدحك. فقال: ((قُلْ لا يَفْضُضِ الله فاكَ)). فقال:
مُسْتَودَعِ حيثُ يُخصفُ الوَرَقُ
مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظَّلالِ وفي
أنْتَ ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ
ثم هبطت البلادَ لا بَشَرٌ
أَلْجَمَ نَسْراً وأهلَه الغَرَقُ
بل نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفينَ وقد
إذا مضى عالَمٌ بدا طَبَقُ
تُنْقَلُ مِن صالبٍ إلى رَحِمٍ
خِنْدَفَ علياءَ تحتَها النُّطُقُ
حتّى احتوى بيتُك المهيمنُ من
رضُ وضاءتْ بُنُورك الأُفُقُ
وأنت لَمَّا وُلِدْتَ أشرقتِ الأ
فنحنُ في ذلك الضّياء وفي الثُّـ
ـور وسُبْل الرّشادِ نخترق
الظِّلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِ ظِلَالٍ
وَعُيُونٍ (٤١)﴾ [المرسلات]. والمستودَع: هو الموضع الذي كان فيه آدم
وحوّاء يَخْصِفان عليهما من الورق، أي: يَضُمَّان بعضه إلى بعضٍ
يتستّران به، ثم هبطتَ إلى الدنيا في صُلْب آدم، وأنت لا بَشَرٌ ولا
مُضْغة.
وقوله: ((تركب السَّفِين)) يعني: في صُلْب نوح. وصالب لغة غريبة
في الصُّلْب، ويجوز في الصُّلْب الفتحتان كَسُقْم وسَقَم.
والطَّق: القَرْنُ، أي: كلّما مضى عالَمٌ وقَرِنٌ جاء قَرْنٌ، ولأنّ القرنَ
٤٨

يُطَبِّقُ الأرضَ بسُكناه بها. ومنه قوله عليه السلام في الاستسقاء: ((اللّهُمّ
اسِقِنا غَيثاً مُغِيناً طَبَقاً غَدَقَاً))، أي: يُطْبِقُ الأرضَ. وأما قوله تعالى:
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًّاً عَنْ طَبَقٍ﴾﴾ [الانشقاق] أي: حالاً بعد حال.
والنُّطُق: جمع نِطاق وهو ما يُشَدُّ به الوسط ومنه المِنْطَقة. أي:
أنت أوسطُ قومِك نَسَباً. وجعله في علياء وجعلهم تحته نطاقاً.
وضاءت: لغة في أضاءت .
(وأرضعته ثويبية)
وأرضعته (ثُوَيْبَة)) جارية أبي لَهَب عَمِّه، مع عمّه حمزة، ومع أبي
سَلَمَة بن عبدالأسد المخزوميّ رضي الله عنهما.
قال شُعَيب، عن الزُّهري، عن عُروة: إنّ زينب بنت أبي سلمة
وأمّها أخبرته، أنّ أمّ حبيبة أخبرتهما، قالت: ((قلت: يا رسول الله،
انْكحْ أختي بنتَ أبي سُفْيان. قال: أوَ تحبّين ذلك؟ قلت: لستُ لك
بِمُخْلِيَةٍ وأَحَبُّ إليَّ مَن شَرَكَني في خير أختي. قال: إنَّ ذلك لا يحلُّ
لي. فقلت: يا رسول الله إنّا لَنَتَحَدَّث أَنَّك تريد أن تنكح دُرَّة بنت أبي
سَلَمَة. فقال: والله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّتْ لي، إنّها ابنةُ
أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سَلَمَة تُوَيْبَة، فلا تَعْرِضُنَّ عليَّ بناتِكُنَّ
ولا أَخَواتِكِنّ)). أخرجه البخاري(١).
وقال عُروة في سياق البُخاري: ثُوَيْبَة مولاة أبي لَهَب، أعتقها،
فأرضعت النّبِيَّ وََّ، فلما مات أبو لَهَبِ رآه بعضُ أهله في النَّومِ بِشَرِّ
حِيبةٍ، يعني: حالةٍ. فقال له: ماذا لَقيتَ؟ قال: لم أَلَّقَ بعدكم رخاءً،
غير أنّي أُسقيت في هذه منّي بعتاقتي ثُوَيْبَة. وأشار إلى النُّقْرة التي بين
(١) البخاري ٧/ ١٤ -١٥، ومسلم ١٦٥/٤ .
٤٩

الإبهام والتي تليها .
(ثم أرضعته حليمة السعدية)
ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذُؤَّيْب السَّعْدِيّة، وأخذته معها إلى
أرضها، فأقام معها في بني سعد نحو أربع سنين، ثم ردّته إلى أمّه .
قال يحيى بن أبي زائدة: قال محمد بن إسحاق(١) ، عن جَهْم بن
أبي جَهْم، عن عبدالله بن جعفر، عن حليمة بنت الحارث أمّ رسول الله
وَه السَّعْدِيّة، قالت: خرجتُ في نِسْوةٍ نلتمسُ الرُّضَعَاء بمكة على أتانٍ
لي قَمْراء(٢) قد أذمَّت(٣) بالرَّكْب، وخرجنا في سنةٍ شهباءَ لم تُبْقِ شيئاً،
ومعنا شارفٌ(٤) لنا، والله إنْ تَبَضُّ(٥) علينا بقَطْرة، ومعي صبيّ لي لن
ننام ليلَنا مع بكائه، فلما قدِمنا مكةَ لم يبق منّا امرأةٌ إلّ عُرِض عليها
رسولُ الله ◌َّ فتأباه، وإنما كنّا نرجو كرامةَ رِضاعة من أبيه، وكان
يتيماً، فلم يبق من صواحبي امرأةٌ إلّ أخذت صبيّاً، غيري. فقلت
لزوجي: لأرجعنّ إلى ذلك اليتيم فَلآخُذَنَّه، فأتيته فأخذته، فقال
زوجي: عسى الله أن يجعل فيه خيراً. قالت: فَوَالله ما هو إلّ أن جعلته
في حِجري فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللَّبَنِ، فشرب وشرب أخوه
حتى رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلب
وشربنا حتى روينا، فبتنا شِباعاً رِوَاءً، وقد نام صبياننا، قال أبوه: والله يا
حليمة ما أراك إلّ قد أصبتِ نَسمةً مباركة، ثم خرجنا، فَوَالله لَخَرَجَتْ
(١) وانظر ابن هشام ١/ ١٦٢.
(٢) القُمرة بالضم: لون إلى الخضرة، أو بياض فيه كدرة.
(٣) أي: حبستهم، وجاءت بما تُذَمُ عليه، أو تأخر الركبُ بسببها.
(٤) أي: ناقة مُسِنَّة .
(٥) أي: ما ترشحُ بشيء.
٥٠

أتاني أمام الرّكْب قد قطعتهنّ حتى ما يتعلّقُ بها أحد، فقدِمْنا منازلَنا من
حاضر بني سعد بن بكر، فقدِمْنا على أجدب أرضٍ الله، فَوَالذي نفسي
بيده إنْ كانوا لَيَسْرَحُون أغنامهم ويسرح راعِي غَنَمي، فتروح غنمي بطاناً
لُبَّنَا حُفَّلاً، وتروح أغنامهم جِياعاً، فيقولون لرُعاتهم: وَيْلَكم ألا
تسرحُون حيث يسرح راعي حليمة؟ فيسرَحون في الشِّعْب الذي يسرَح
فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعاً ما بها من لبنٍ، وتروح غنمي لُبَّناً
حُفَّلاً.
(شق الصدر)
فكان ◌َّ يشبُّ في يومه شباب الصّبيِّ في الشهر، ويشبّ في الشهر
شباب الصّبيّ في سنة، قالت: فقدِمْنا على أمّه فقلنا لها: رُدِّي علينا ابني
فإنّا نخشى عليه وباءَ مكة، قالت: ونحن أضَنُّ شيءٍ به ممّا رأينا من
بركته، قالت: ارجعا به، فمكث عندنا شهرَيْن فبينا هو يلعب وأخوه
خلف البيوت يرعيان بَهْماً لنا، إذ جاء أخوه يشتدّ، فقال: أدركا أخي قد
جاءه رجلان فشقًا بطنَه، فخرجنا نشتدّ، فأتيناه وهو قائم منتقع اللَّوْن،
فاعتنقه أبوه وأنا، ثم قال: ما لك يا بُنَيَّ؟ قال: أتاني رجلان فأضْجعاني
ثم شقّا بطني فَوَالله ما أدري ما صنعا، فرجعنا به. قالت: يقول أبوه: يا
حليمة ما أرى هذا الغلام إلّ قد أُصيب، فانطلقي فَلنَرُدَّه إلى أهله.
فرجعنا به إليها، فقالت: ما رَدَّكما به؟ فقلت: كفلناه وأدَّينا الحقَّ، ثم
تخوَّفنا عليه الأحداثَ. فقالت: والله ما ذاك بكما، فأخْبِراني خَبَرَكما،
فما زالت بنا حتى أخبرناها. قالت: فتخوَّفْتما عليه؟ كلّ والله إنّ لابني
هذا شأناً إنّي حملتُ به فلم أحمل حَمْلاً قطّ كان أخفَّ منه ولا أعظم
بركة، ثم رأيتُ نوراً كأنّه شهاب خرج منّي حين وضعته أضاءت لي
أعناقُ الإبل ببُصْرى، ثم وضعته فما وقع كما يقعُ الصّبيان، وقع واضعاً
٥١

يديه بالأرض رافعاً رأسه إلى السماء، دعاه، والْحقا شأنكما. هذا
حديث جيّد الإسناد(١).
قال أبو عاصم النّبيل: أخبرني جعفر بن يحيى، قال: أخبرنا عمارة
ابن ثَوْبان أنّ أبا الطُّفَيْلِ أخبره، قال: رأيت رسولَ الله وَّهِ، وأقبلتْ إليه
امرأةٌ حتى دَنَت منه، فبسط لها رداءه فقلت: مَن هذه؟ فقالوا: أمّه التي
أرضعته. أخرجه أبو داود (٢).
قال مسلم (٣) : حدثنا شَيْبان، قال: حدثنا حمّاد، قال: حدثنا
ثابت، عن أَنَس: أنّ رسول الله بَّ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغِلْمان،
فأخذه فصرعه فَشَقَّ قلبه، فاستخرج منه عَلَقَةً، فقال: هذا حظّ الشّيطانِ
منك، ثم غسله في طَسْتٍ من ذَهَب بماء زمزم، ثمّ لَأَمَهُ، ثم أعاده في
مكانه، وجاء الغِلْمان يسعون إلى أمّه، يعني مُرْضِعته، فقالوا: إنّ
محمداً قد قُتِل، فاستقبلوه مُنْتَقِع اللَّوْن.
قال أَنَس: قد كنت أرى أثر المِخْيَط في صدره.
وقال بَقيَّة، عن بحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن
عبدالرحمن بن عَمرو السُّلَمي، عن عُتْبة بن عبد، فذكر نحواً من حديث
أَنَس. وهو صحيح أيضاً، وزاد فيه: ((فَرَخَّلَتْ - يعني ظِئْرَه(٤) - بعيراً،
فحملتني على الرَّحْل، وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمّي فقالت: أدَّتُ
أمانتي وذِمّتي، وحَدَّثَتْها بالذي لِقِيتُ، فلم يَرُعْها ذلك، وقالت: إنّي
رأيت خرج منّي نور أضاءت منه قصور الشام)) (٥).
(١) ابن هشام ١٦٥/١.
(٢) أبو داود (٥١٤٤).
(٣) مسلم ١/ ١٠١ .
(٤) الظئر: أي: العاطفةُ على ولدٍ غيرها المرضعة له.
(٥) ابن هشام ١/ ١٦٥.
٥٢

وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول
الله ◌ِّهِ: ((أُتِيتُ وأنا في أهلي، فانطُلِقَ بي إلى زمزم فَشُرِحَ صدري، ثم
أَتِيت بطَسْتٍ من ذهبٍ ممتلئةٍ حِكمة وإيماناً فحُشِي بها صدري - قال
أنس: ورسول الله وَلَ﴿ يُرينا أثره - فَعَرَج بي المَلَك إلى السّماء الدنيا)).
وذكر حديث المِعْراج.
وقد روى نحوه شَرِيك بن أبي نَمِر، عن أَنَس، عن أبي ذَرّ. وكذلك
رواه الزُّهري، عن أنس، عن أبي ذَرّ أيضاً. وأما قَتَادة فرواه عن أَنَس،
عن مالك بن صَعْصَعَة، نحوه.
وإنَّما ذكرتُ هذا ليُعْرَف أنّ جبريل شرح صدره مرَّتَين: في صِغَره
ووقت الإسراء به .
(وفاة والده)
وتُوُفّي ((عبد الله)) أبوه، وللنَّبِيِّ وَّر ثمانيةٌ وعشرون شهراً. وقيل:
أقلّ من ذلك. وقيل: وهو حَمْل تُوُفِّي بالمدينة غريباً، وكان قدِمَها
ليمتار تمراً ، وقيل: بل مرَّ بها مريضاً راجعاً من الشام، فروى محمد بن
كعب القُرَظيّ وغيره: أنّ عبد الله بن عبدالمطلب خرج إلى الشام إلى غَزَّة
في عِير تحمل تجارات، فلمّا قفلوا مَرُّوا بالمدينة وعبدالله مريض،
فقال: أتخلَّف عند أخوالي بني عَدِيّ بن النّجّار، فأقام عندهم مريضاً
مدّة شهر، فبلغ ذلك عبدَ المطّلب، فبعث إليه الحارث وهو أكبر ولده؛
فوجده قد مات؛ ودُفن في دار النّابغة أحد بني النّجّار؛ والنّبيّ ◌َ لّ يومئذٍ
حَمْل، على الصّحيح(١) . وعاش عبدالله خمساً وعشرين سنة، قال
الواقدي: وذلك أثبت الأقاويل في سِنِّهِ ووفاته.
(١) طبقات ابن سعد ١ / ٩٩.
٥٣

وترك عبدالله من الميراث أمّ أيمن وخمسة أجمال وغَنَماً، فورث
ذلك النّبيُّ وَلَ.
(وفاة أمه وكفالة جده وعمه)
وتُؤُفِّيَت أمّه ((آمنة)) بالأبْواء وهي راجعة به - رَّ - إلى مكة من زيارة
أخوال أبيه بني عَدِيّ بن النّجّار، وهو يومئذٍ ابن ستّ سنين ومئة يوم.
وقيل: ابن أربع سنين. فلمّا ماتت ودُفنت، حملته أمّ أَيْمن مولاتُه إلى
مكة إلى جَدِّه، فكان في كفالته إلى أن تُوُفّي جِدُّه، وللنّبيّ وَلّ ثمان
سنين، فأوصى به إلى عمّه أبي طالب.
قال عمرو بن عون: أخبرنا خالد بن عبدالله، عن داود بن أبي هند،
عن عباس بن عبدالرحمن، عن كِنْدِير بن سعيد، عن أبيه، قال:
حَجَجْتُ في الجاهليّة، فإذا رجل يطوف بالبيت ويرتجز يقول:
ربِّ رُدَّ إليَّ راكبي محمدا يا ربّ رُدَّه واصْطَنِعْ عندي يَدا
قلت: مَنْ هذا؟ قال: عبدالمطلب، ذهبتْ إِلٌ له فأرسل ابنَ ابنه
في طلبها، ولم يرسلْه في حاجةٍ قطّ إلّ جاء بها، وقد احتبسَ عليه، فما
برحت حتى جاء محمد ◌َّ وجاء بالإبل. فقال: يا بُنَّيَّ لقد حزِنْت عليك
حُزْناً؛ لا تُفارِقْني أبداً(١) .
وقال خارجة بن مُصْعَب، عن بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة،
عن أبيه، عن جدّه، أنّ حَيْدَة بن معاوية اعتمر في الجاهليّة، فذكر نحواً
من حدیث کِنْدیر عن أبيه .
وقال إبراهيم بن محمد الشافعيّ، عن أبيه، عن أبان بن الوليد، عن
أبان بن تغْلِب، قال: حدثني جلهمة بن عُرْفُطة، قال: إنّي لَبِالقاع من
(١) طبقات ابن سعد ١/ ١١٢ -١١٣.
٥٤

نَمِرَة، إذ أقبلتْ عِيرٌ من أعلى نجد، فلما حاذت الكعبة إذا غلام قد رمى
بنفسه عن عَجز بعير، فجاء حتى تعلّق بأستار الكعبة، ثم نادى يا ربّ
البِنَّ أَجِرْني؛ وإذا شيخ وسيم قسيم عليه بهاء الملك ووقار الحكماء،
فقال: ما شأنُكَ يا غلام، فأنا من آل الله وأُجيرُ مَنِ استجار به؟ قال: إنّ
أبي مات وأنا صغير، وإنَّ هذا استَعْبَدني، وقد كنتُ أسمعُ أنّ لله بيتاً
يمنعُ من الظّلم، فلما رأيته استجَرْتُ به. فقال له القُرَشيّ: قد أجَرْتُك يا
غلام، قال: وحبس الله يد الجُنْدعي إلى عُنُقه. قال جلهمة: فَحدَّثْتُ
بهذا الحديث عَمرو بنَ خارجة وكان تُعْدُدَ(١) الحيِّ، فقال: إنَّ لهذا
الشيخ ابناً يعني أبا طالب. قال: فهويتُ رَحْلي نحو تِهامة، أكسعُ بها
الجُدود، وأعلو بها الكَذَّان(٢) ، حتى انتهيتُ إلى المسجد الحرام، وإذا
قريشٌ عِزِين (٣)، قد ارتفعت لهم ضوضاء يستسقون، فقائل منهم يقول:
اعتمدوا اللّت والعُزَّى؛ وقائل يقول: اعتمدوا لِمَنَاةَ الثالثةَ الأخرى.
وقال شيخ وسيم قسيم حَسَن الوجه جيّد الراي: أنَّى تُؤْفَكُون وفيكم باقية
إبراهيم عليه السلام وسلالة إسماعيل؟ قالوا له: كأنّك عَنَيْت أبا طالب .
قال: إيهاً. فقاموا بأجمعهم، وقمتُ معهم فَدَققنا عليه بابهُ، فخرج إلينا
رجلٌ حَسَن الوجه مُصَفّر، عليه إزار قد اتَّشَحَ به، فثاروا إليه فقالوا: يا
أبا طالب أقحطَ الوادي، وأجدب العباد فَهَلُمَّ فاسْتَسْقِ؛ فقال: رُوَيْدكم
زوالَ الشمس وهبوب الريح؛ فلما زاغت الشمس أو كادت، خرج أبو
طالب معه غلام كأنّه شمسُ دَجْنٍ تجلَّت عنه سحابة قتماء، وحوله
أُغَيْلِمَة؛ فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأصبعه الغلامُ،
وبصبصت الأُغَيْلِمَة حوله وما في السماء قَزَعة، فأقبل السّحاب من هاهنا
(١) أي: قريب الآباء من الجد الأكبر.
(٢) الجدود: الرمال الرقيقة. والكذان: الحجارة الرخوة.
(٣) عزين: مجتمعين .
٥٥

وهاهنا وأغدق واغدوْدَق وانفجر له الوادي، وأخصب النّادي والبادي؛
وفي ذلك يقول أبو طالب:
ربيعُ اليَتَامى عِصْمةٌ للأرامل
وأبيضَ يُستسقى الغَمامُ بوجهه
فهم عنده في نعمة وفضائل
يُطيف به الهلاك من آل هاشم
ووزان صدْق وزنه غير عائل
وميزان عدل لا يخيس شعَيْرة
وقال عبدالله بن شبيب - وهو ضعيف -: حدثنا أحمد بن محمد
الأزرقي، قال: حدثني سعيد بن سالم، قال: حدثنا ابن جُرَيج، قال:
كنّا مع عطاء، فقال: سمعت ابنَ عبّاس يقول: سمعت أبي يقول: كان
عبدالمطّلب أطولَ النّاس قامةً، وأحسنَهم وجهاً، ما رآه أحد قطّ إلّ
أحبّه، وكان له مَفْرَشٌ في الحِجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه
معه أحد، وكان النديُّ من قريش حرب بن أمّيّة فمَن دونه يجلسون حوله
دون المَفْرَش؛ فجاء رسول الله ◌َلاير وهو غلام لم يبلغ فجلس على
المَفْرَش، فَجَبَذَه رجل فبكى؛ فقال عبد المطلب - وذلك بعد ما كُفَّ
بَصَرُهُ -: ما لإبني يبكي؟ قالوا له: إنّه أراد أن يجلس على المَفْرَش
فمنعوه، فقال: دَعوا ابني يجلس عليه، فإنّه يُحسُّ من نفسه شَرَفاً،
وأرجو أن يبلغ من الشَّرَف ما لم يبلغ عربيٌّ قبله ولا بعده. قال: ومات
عبدالمطلب، والنّبيُّ نَّه ابن ثمان سنين، وكان خلف جنازة عبدالمطلب
يبكي حتى دُفن بالحَجُون(١).
وقد رعی الغنم
فروى عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جدّه، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله وَ﴾: ((ما من نبيٍّ إلّ وقد رعى الغَنَم)) قالوا: وأنتَ
(١) ابن هشام ١٦٩/١، وطبقات ابن سعد ١١٩/١.
٥٦

يارسول الله؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها بالقراريط(١) لأهل مكة)). رواه
البخاري (٢) .
وقال أبو سَلَمَة، عن جابر، قال: كنّا مع رسول الله وَّهِ بمرّ الظَّهْران
نَجْتَني الكَبَاث، فقال: ((عليكم بالأسود منه فإنّه أطيب)) قلنا: وكنتَ
ترعى الغنمَ يا رسول الله؟ قال: ((نعم وهل من نبيٍّ إلّ قد رعاها)). مُتَّفَقٌ
عليه(٣).
سفرُه مع عمِّه إن صحّ
قال قُرَاد أبو نوح: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن
أبي موسى الأشعري، عن أبيه، قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه
محمد لر وأشياخ من قريش؛ فلما أشرفوا على الراهب نزلوا فخرج
إليهم، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم، فجعل يتخلَّلُهُم وهم يَحُلُّون
رِحالهم؛ حتى جاء فأخذ بيده وَّ فقال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول
ربِّ العالمين، هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين. فقال أشياخ قريش: وما
عِلْمُك بهذا؟ قال: إنّكم حين أشرفتم من العَقَبة لم يبق شجر ولا حجر
إلّ خرَّ ساجداً، ولا يسجدون إلّ لنبيّ، وإني لأعرِفُه بخاتم التُّبُوَّة،
أسفل غرضوف كَتِفه مثل التُّفَّاحَة. ثم رجع فصنع لهم طعاماً؛ فلما
أتاهم به كان ◌َّرَ فِي رِعْيَةِ الإبل، قال: فأرسلوا إليه، فأقبل وعليه غَمامة
تُظِلُّه، فلما دنا من القوم وجَدَهم قد سبقوه - يعني إلى فَيْء شجرةٍ - فلمّا
(١) كتب المؤلف على حاشية نسخته ((خ على قراريط)) أي: إنها كذلك في نسخة
أخرى .
(٢) البخاري ١١٥/٣-١١٦.
(٣) البخاري ٧/ ١٠٥، ومسلم ١٢٥/٦. والكباث: ثمر الأراك.
٥٧

جلس مال فَيْءُ الشجره عليه، فقال: انظروا فَيْء الشجرة مالَ عليه.
قال: فبينا هو قائمٌ عليه يُناشِدُهم أنْ لا يذهبوا به إلى الروم، فإنّ الرومَ
لو رأوه عرفُوه بصفته فقتلوه؛ فالتفت فإذا بسبعة نفرٍ قد أقبلوا من الروم،
فاستقبلهم الراهب، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أنَّ هذا النّبيّ خارجٌ
في هذا الشهر، فلم يبق طريقٌ إلّ قد بُعِث إليه ناس، وإنّا أُخبرنا فِبُعِثْنا
إلى طريقك هذا، فقال لهم: هل خلَّفتم خلفَكم أحداً هو خير منكم؟
قالوا: لا. إنّما أخبرنا خبره بطريقك هذا؛ قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن
يقضِيَه، هل يستطيع أحدٌ من النّاس رَدَّه؟ قالوا: لا. قال: فتابَعُوه
وأقاموا معه، قال: فأتاهم فقال: أنشدكُم بالله أيُّكم وَلِيُّه؟ قال أبو
طالب: أنا؛ فلم يزل يناشده حتى ردّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر
بِلالاً، وزوَّده الراهب من الكَعْك والزَّيت.
تفرّد به قُرَاد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة، احتجّ به
البخاري والنَّسائي؛ ورواه الناس عن قُراد، وحسّنه التِّرمِذِيّ(١). وهو
حديث مُنكَر جداً؛ وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر
من رسول الله وَليل بسنتين ونصف؛ وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإنّ
أبا بكر لم يشتره إلّا بعد المبعث، ولم يكن وُلِد بعد، وأيضاً، فإذا كان
عليه غمامة تُظلُّه كيف يُتَصَوَّر أن يميل فَيْءُ الشجرة؟ لأن ظلّ الغمامة
يعدم فَيْء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النّبِيَّ ◌َِّ ذَكَّرَ أبا طالب قطّ
بقَوْل الرّاهب، ولا تَذَاكَرَتَهُ قريشٌ، ولا حَكَته أولئك الأشياخُ، مع تَوَقُّر
هِمَمِهِم ودواعيهم على حكايةِ مثلٍ ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أَيَّما
اشتهار، ولَبَقِي عنده نَّهُ حسنٌّ من النُُّوَّة؛ ولَمَا أنكرَ مجيءَ الوحي إليه،
أوّلاً بغار حِرَاء وأتى خديجةَ خائفاً على عقله، ولَمَا ذهب إلى شواهق
الجبال ليرميَ نفسَهُ وَله. وأيضاً فلو أَثَّرَ هذا الخوفُ في أبي طالب وردّه،
(١) الترمذي (٣٦٩٩)
٥٨

كيف كانت تطيبُ نفسُه أن يمكِّنه من السَّفر إلى الشام تاجراً لخديجة؟ .
وفي الحديث ألفاظ مُنكَرة، تُشبه ألفاظ الطُّرُقيّة، مع أنّ ابن عائذ
روى معناه في مغازيه دون قوله: ((وبعث معه أبو بكر بلالاً)) إلى آخره،
فقال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو داود سليمان بن
موسى، فذكره بمعناه .
وقال ابن إسحاق في ((السيرة)) (١) : إنّ أبا طالب خرج إلى الشام
تاجراً في رَكبٍ، ومعه النّبيُّ وَّرَ وهو غلام، فلما نزلوا بُصرَى، وبها
بَحِيرا الرّاهب في صَومعته، وكان أعلمَ أهلِ النّصرانيّة؛ ولم يزل في تلك
الصَّومعة قط راهب يصير إليه عِلمهم عن كتابٍ فيهم فيما يزعمون،
يتوارثونه كابراً عن كابر؛ قال: فنزلوا قريباً من الصَّومَعة، فصنع بَحِيرا
طعاماً، وذلك فيما يزعمون عن شيءٍ رآه حين أقبلوا، وغمامة تُظِلُهُ من
بين القوم، فنزل بظلّ شجرة، فنزل بَحِيرا من صَومَعَتِه، وقد أمر بذلك
الطّعام فصُنع، ثم أرسل إليهم فجاؤوه فقال رجل منهم: يا بَحِيرا ما
كنتَ تصنع هذا، فما شأنك؟ قال: نعم، ولكنَّكم ضَيف، وأحببت أن
أُكْرِمَكم، فاجتمعوا، وتخلّف رسولُ اللهِ وَّرَ لصِغَره في رحالهم. فلما
نظر بَحِيرا فيهم ولم يره، قال: يا معشر قريش لا يتخلَّفْ أحد عن
طعامي هذا. قالوا: ما تخلّف أحدٌ إلّ غُلام هو أحدث القوم سنّاً. قال:
فلا تفعلوا، ادْعُوه. فقال رجل: واللّتِ والعُزَّى إنّ هذا لَلُؤْمّ بنا،
يتخلّفُ ابنُ عبدالله بن عبدالمطلب عن الطّعام من بيننا، ثم قام
واحتضنه، وأقبل به فلما رآه بَحِيرا جعل يلحظه لَحْظاً شديداً، وينظر إلى
أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صِفَتِه، حتى إذا شبعوا
وتفرَّقوا قام بَحِيرا، فقال: يا غلام أسألك باللّت والعُزَّى إلّ أخبرتني
(١) ابن هشام ١ / ١٨٠.
٥٩

عمّا أسالك عنه، فزعموا أنّه قال: لا تسألني باللّت والعُزَّى، فوَالله ما
أبغضتُ بُغْضَهما شيئاً قطّ. فقال له: فبالله إلّ ما أخبرتني عمّا أسألك
عنه، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، فتوافِعُ ما عنده من الصِّفةِ. ثم
نظر فيه أثرَ خاتم النُّبُوَّة، فأقبل على أبي طالب، فقال: ما هو منك؟
قال: ابني. قال: ما ينبغي أن يكونَ أبوهُ حيّاً. قال: فإنّه ابن أخي.
قال: ارجع به واحذَر عليه اليهود، فَوَالله لَئِنْ رأوه وعرفوا منه ما عرفته
لَيَبْغُنَّهُ شرّاً، فإنّه كائن لابنِ أخيكَ شأنٌ. فخرج به أبو طالب سريعاً حتى
أقدمه مكةً حين فرغ من تجارته. وذكر الحديث(١) .
وقال معتمر بن سليمان: حدثني أبي، عن أبي مِجْلَز: أنّ أبا طالب
سافر إلى الشام ومعه محمد، فنزل منزلاً، فأتاه راهب، فقال: فيكم
رجل صالح، ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال أبو طالب: ها أنذا وَلِيُّهُ.
قال: احتفظ به ولا تذهب به إلى الشام، إنّ اليهود قومٌ حُسُدٌ، وإنّ
أخشاهم علیه. فردّه.
وقال ابن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبدالله بن
جعفر وجماعة، عن داود بن الحُصَين، أنّ أبا طالب خرج تاجراً إلى
الشام، ومعه محمد، فنزلوا ببَحِيرا ... الحديثَ.
وروى يونس عن ابن شهاب حديثاً طويلاً فيه: فلمَّا ناهز الاحتلامَ،
ارتحل به أبو طالب تاجراً، فنزل تَيْماء، فرآه حَبْر من يهود تَيماء، فقال
لأبي طالب: ما هذا الغلام؟ قال: هو ابن أخي، قال: فَوَ الله إنْ قدِمتَ به
الشّامَ لا تصلُ به إلى أهلكَ أبداً، لَتَقْتُلَنَّهُ اليهودُ إنّه عدوُّهم. فرجع به أبو
طالب من تَيماء إلى مكة.
(١) ابن هشام ١/ ١٨٠ - ١٨٣.
(٢) الطبقات ١٢٠/١-١٢١.
٦٠